Ар-РазиАль‑Анфаль · 8:69–71

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Аль-Анфаль 8:69–71

8:69Страница 185

فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمۡتُمۡ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٦٩

Вкушайте то, что вы захватили дозволенным и честным путем, и бойтесь Аллаха. Воистину, Аллах - Прощающий, Милосердный.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ كَثُرَ أقاوِيلُ النّاسِ في تَفْسِيرِ هَذا الكِتابِ السّابِقِ، ونَحْنُ نَذْكُرُها ونَذْكُرُ ما فِيها مِنَ المَباحِثِ:

فالقَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ يا مُحَمَّدُ بِحِلِّ الغَنائِمِ لَكَ ولِأُمَّتِكَ لَمَسَّكُمُ العَذابُ، وهو مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ تَحْلِيلَ الغَنائِمِ والفِداءَ هَلْ كانَ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، أوْ ما كانَ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ ؟ فَإنْ كانَ التَّحْلِيلُ والإذْنُ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ امْتَنَعَ إنْزالُ العَذابِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ ما كانَ مَأْذُونًا فِيهِ مِن قَبْلُ لَمْ يَحْصُلِ العِقابُ عَلى فِعْلِهِ، وإنْ قُلْنا: إنَّ الإذْنَ ما كانَ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ ذَلِكَ الفِعْلُ حَرامًا في ذَلِكَ الوَقْتِ أقْصى ما في البابِ أنَّهُ كانَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ سَيَحْكُمُ بِحِلِّهِ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا أنَّ هَذا لا يَقْدَحُ في كَوْنِهِ حَرامًا في ذَلِكَ الوَقْتِ.

فَإنْ قالُوا: إنَّ كَوْنَهُ بِحَيْثُ سَيَصِيرُ حَلالًا بَعْدَ ذَلِكَ يُوجِبُ تَخْفِيفَ العِقابِ.

قُلْنا: فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ إنْزالُ العِقابِ بِسَبَبِهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ التَّخْوِيفِ بِسَبَبِ ذَلِكَ العِقابِ.

القَوْلُ الثّانِي: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أنِّي لا أُعَذِّبُ إلّا بَعْدَ النَّهْيِ لَعَذَّبْتُكم فِيما صَنَعْتُمْ، وأنَّهُ تَعالى ما نَهاهم عَنْ أخْذِ الفِداءِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنّا نَقُولُ: حاصِلُ هَذا القَوْلِ أنَّهُ ما وُجِدَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ يُوجِبُ حُرْمَةَ ذَلِكَ الفِداءِ، فَهَلْ حَصَلَ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ يَقْتَضِي حُرْمَتَهُ أمْ لا ؟ فَإنْ قُلْنا: حَصَلَ، فَيَكُونُ اللَّهُ تَعالى قَدْ بَيَّنَ تَحْرِيمَهُ بِواسِطَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى لَمْ يُبَيِّنْ تِلْكَ الحُرْمَةَ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ لَيْسَ في العَقْلِ ولا في الشَّرْعِ ما يَقْتَضِي المَنعَ، فَحِينَئِذٍ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ المَنعُ حاصِلًا، وإلّا لَكانَ ذَلِكَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ، وإذا لَمْ يَكُنِ المَنعُ حاصِلًا كانَ الإذْنُ حاصِلًا، وإذا كانَ الإذْنُ حاصِلًا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَرْتِيبُ العِقابِ عَلى فِعْلِهِ ؟

القَوْلُ الثّالِثُ: قالَ قَوْمٌ قَدْ سَبَقَ حُكْمُ اللَّهِ بِأنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وهَذا أيْضًا مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: إنَّهم ما مُنِعُوا عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي والزِّنا والخَمْرِ وما هُدِّدُوا بِتَرْتِيبِ العِقابِ عَلى هَذِهِ القَبائِحِ، وذَلِكَ يُوجِبُ سُقُوطَ التَّكالِيفِ عَنْهم ولا يَقُولُهُ عاقِلٌ، وأيْضًا فَلَوْ صارَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ آخَذَهُمُ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ المَوْضِعِ بِعَيْنِهِ في تِلْكَ الواقِعَةِ بِعَيْنِها، وكَيْفَ وجَّهَ عَلَيْهِمْ هَذا العِقابَ القَوِيَّ ؟

والقَوْلُ الرّابِعُ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ في أنَّ مَن أتى ذَنْبًا بِجَهالَةٍ، فَإنَّهُ لا يُؤاخِذُهُ بِهِ لَمَسَّهُمُ العَذابُ، وهَذا مِن جِنْسِ ما سَبَقَ.

واعْلَمْ أنَّ النّاسَ قَدْ أكْثَرُوا فِيهِ، والمُعْتَمَدُ في هَذا البابِ أنْ نَقُولَ: أمّا عَلى قَوْلِنا: فَنَقُولُ: يَجُوزُ أنْ

صفحة ١٦٢

يَعْفُوَ اللَّهُ عَنِ الكَبائِرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ مَعْناهُ لَوْلا أنَّهُ تَعالى حَكَمَ في الأزَلِ بِالعَفْوِ عَنْ هَذِهِ الواقِعَةِ لَمَسَّهم عَذابٌ عَظِيمٌ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنْعامِ: ٥٤] ومِن قَوْلِهِ: ”«سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» “ وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ فَهم لا يُجَوِّزُونَ العَفْوَ عَنِ الكَبائِرِ، فَكانَ مَعْناهُ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ في أنَّ مَنِ احْتَرَزَ عَنِ الكَبائِرِ صارَتْ صَغائِرُهُ مَغْفُورَةً وإلّا لَمَسَّهم عَذابٌ عَظِيمٌ، وهَذا الحُكْمُ وإنْ كانَ ثابِتًا في حَقِّ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ، إلّا أنَّ طاعاتِ أهْلِ بَدْرٍ كانَتْ عَظِيمَةً وهو قَبُولُهُمُ الإسْلامَ، وانْقِيادُهم لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وإقْدامُهم عَلى مُقاتَلَةِ الكُفّارِ مِن غَيْرِ سِلاحٍ وأُهْبَةٍ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ الثَّوابَ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ عَلى هَذِهِ الطّاعاتِ كانَ أزْيَدَ مِنَ العِقابِ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ عَلى هَذا الذَّنْبِ، فَلا جَرَمَ صارَ هَذا الذَّنْبُ مَغْفُورًا، ولَوْ قَدَّرْنا صُدُورَ هَذا الذَّنْبِ مِن سائِرِ المُسْلِمِينَ لَما صارَ مَغْفُورًا، فَبِسَبَبِ هَذا القَدْرِ مِنَ التَّفاوُتِ حَصَلَ لِأهْلِ بَدْرٍ هَذا الِاخْتِصاصُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا﴾ رُوِيَ أنَّهم أمْسَكُوا عَنِ الغَنائِمِ ولَمْ يَمُدُّوا أيْدِيَهم إلَيْها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقِيلَ هو إباحَةُ الفِداءِ.

فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى الفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا﴾ .

قُلْنا التَّقْدِيرُ: قَدْ أبَحْتُ لَكُمُ الغَنائِمَ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ المَغْنُومِ أوْ صِفَةٍ لِلْمَصْدَرِ، أيْ أكْلًا حَلالًا﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والمَعْنى: واتَّقُوا اللَّهَ فَلا تُقْدِمُوا عَلى المَعاصِي بَعْدَ ذَلِكَ، واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لِما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ في الماضِي مِنَ الزَّلَّةِ، رَحِيمٌ بِما أتَيْتُمْ مِنَ الجُرْمِ والمَعْصِيَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ إشارَةٌ إلى المُسْتَقْبَلِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى الحالَةِ الماضِيَةِ.

8:70Страница 186

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيٓ أَيۡدِيكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰٓ إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمۡ خَيۡرٗا يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٠

О Пророк! Скажи пленникам, которые находятся в ваших руках: «Если Аллаху известно, что в ваших сердцах есть добро, то Он дарует вам нечто лучшее, чем отобранное у вас, и простит вас. Воистину, Аллах - Прощающий, Милосердный.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأمْكَنَ مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ الرَّسُولَ لَمّا أخَذَ الفِداءَ مِنَ الأُسارى وشَقَّ عَلَيْهِمْ أخْذُ أمْوالِهِمْ مِنهم، ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ اسْتِمالَةً لَهم فَقالَ:( «﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتْ في العَبّاسِ، وعَقِيلِ بْنِ أبِي طالِبٍ، ونَوْفَلِ بْنِ الحارِثِ، كانَ العَبّاسُ أسِيرًا يَوْمَ بَدْرٍ ومَعَهُ عِشْرُونَ أُوقِيَّةً مِنَ الذَّهَبِ أخْرَجَها لِيُطْعِمَ النّاسَ، وكانَ أحَدَ العَشَرَةِ الَّذِينَ ضَمِنُوا الطَّعامَ لِأهْلِ بَدْرٍ فَلَمْ تَبْلُغْهُ التَّوْبَةُ حَتّى أُسِرَ، فَقالَ العَبّاسُ: كُنْتُ مُسْلِمًا إلّا أنَّهم أكْرَهُونِي، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”إنْ يَكُنْ ما تَذْكُرُهُ حَقًّا فاللَّهُ يَجْزِيكَ“ فَأمّا ظاهِرُ أمْرِكَ فَقَدْ كانَ عَلَيْنا، قالَ العَبّاسُ: فَكَلَّمْتُ رَسُولَ اللَّهِ أنْ يَرُدَّ ذَلِكَ الذَّهَبَ عَلَيَّ، فَقالَ: ”أمّا شَيْءٌ خَرَجْتَ لِتَسْتَعِينَ بِهِ عَلَيْنا فَلا“ قالَ: وكَلَّفَنِي الرَّسُولُ فِداءَ ابْنِ أخِي عَقِيلِ بْنِ أبِي طالِبٍ عِشْرِينَ أُوقِيَّةً، وفِداءَ نَوْفَلِ بْنِ

صفحة ١٦٣

الحارِثِ»، فَقالَ العَبّاسُ: تَرَكْتَنِي يا مُحَمَّدُ أتَكَفَّفُ قُرَيْشًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أيْنَ الذَّهَبُ الَّذِي دَفَعْتَهُ إلى أُمِّ الفَضْلِ وقْتَ خُرُوجِكَ مِن مَكَّةَ وقُلْتَ لَها: لا أدْرِي ما يُصِيبُنِي، فَإنْ حَدَثَ بِي حادِثٌ فَهو لَكِ ولِعَبْدِ اللَّهِ وعُبَيْدِ اللَّهِ والفَضْلِ“ فَقالَ العَبّاسُ: وما يُدْرِيكَ ؟ قالَ: ”أخْبَرَنِي بِهِ رَبِّي“ قالَ العَبّاسُ: فَأنا أشْهَدُ أنَّكَ صادِقٌ وأنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، واللَّهِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، ولَقَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْها في سَوادِ اللَّيْلِ، ولَقَدْ كُنْتُ مُرْتابًا في أمْرِكَ، فَأمّا إذْ أخْبَرْتَنِي بِذَلِكَ فَلا رَيْبَ، قالَ العَبّاسُ: فَأبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ، لِي الآنَ عِشْرُونَ عَبْدًا، وإنَّ أدْناهم لَيَضْرِبُ في عِشْرِينَ ألْفًا، وأعْطانِي زَمْزَمَ، وما أُحِبُّ أنَّ لِيَ بِها جَمِيعَ أمْوالِ أهْلِ مَكَّةَ، وأنا أنْتَظِرُ المَغْفِرَةَ مِن رَبِّي، ورُوِيَ أنَّهُ «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ مالُ البَحْرَيْنِ ثَمانُونَ ألْفًا، فَتَوَضَّأ لِصَلاةِ الظُّهْرِ وما صَلّى حَتّى فَرَّقَهُ، وأمَرَ العَبّاسَ أنْ يَأْخُذَ مِنهُ، فَأخَذَ ما قَدَرَ عَلى حَمْلِهِ، وكانَ يَقُولُ: هَذا خَيْرٌ مِمّا أُخِذَ مِنِّي، وأنا أرْجُو المَغْفِرَةَ»، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ في العَبّاسِ خاصَّةً، أوْ في جُمْلَةِ الأُسارى، قالَ قَوْمٌ: إنَّها في العَبّاسِ خاصَّةً، وقالَ آخَرُونَ: إنَّها نَزَلَتْ في الكُلِّ، وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي العُمُومَ مِن سِتَّةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِمَن في أيْدِيكُمْ﴾ .

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الأسْرى﴾ .

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ .

ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿يُؤْتِكم خَيْرًا﴾ .

وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ .

وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ .

فَلَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الألْفاظُ السِّتَّةُ عَلى العُمُومِ، فَما المُوجِبُ لِلتَّخْصِيصِ ؟ أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ هو العَبّاسُ، إلّا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الخَيْرِ: الإيمانُ والعَزْمُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ في جَمِيعِ التَّكالِيفِ، والتَّوْبَةُ عَنِ الكُفْرِ وعَنْ جَمِيعِ المَعاصِي، ويَدْخُلُ فِيهِ العَزْمُ عَلى نُصْرَةِ الرَّسُولِ، والتَّوْبَةُ عَنْ مُحارَبَتِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ هِشامُ بْنُ الحَكَمِ عَلى قَوْلِهِ: إنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُ الشَّيْءَ إلّا عِنْدَ حُدُوثِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا﴾ فَعَلَ كَذا، وكَذا شَرْطٌ وجَزاءٌ، والشَّرْطُ هو حُصُولُ هَذا العِلْمِ، والشَّرْطُ والجَزاءُ لا يَصِحُّ وُجُودُهُما إلّا في المُسْتَقْبَلِ، وذَلِكَ يُوجِبُ حُدُوثَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.

والجَوابُ: أنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ وإنْ كانَ يَقْتَضِي ما ذَكَرَهُ هِشامٌ، إلّا أنَّهُ لَمّا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ عِلْمَ اللَّهِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُحْدَثًا وجَبَ أنْ يُقالَ: ذَكَرَ العِلْمَ وأرادَ بِهِ المَعْلُومَ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَدُلُّ حُصُولُ العِلْمِ عَلى حُصُولِ المَعْلُومِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ الحَسَنُ ”مِمّا أخَذَ مِنكم“ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا الخَيْرِ أقْوالٌ:

القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ: الخُلْفُ مِمّا أُخِذَ مِنهم في الدُّنْيا، قالَ القاضِي: لِأنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ أمْرَ الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ فَما تَقَدَّمَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ مَنافِعَ الدُّنْيا.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ المُرادُ مِنهُ إزالَةُ العِقابِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: لَمْ يَبْعُدْ أنْ

صفحة ١٦٤

يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الخَيْرِ المَذْكُورِ أيْضًا الثَّوابَ والتَّفَضُّلَ في الآخِرَةِ.

والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ مِن هَذا الخَيْرِ ثَوابُ الآخِرَةِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ المُرادُ مِنهُ في الآخِرَةِ، فالخَيْرُ الَّذِي تُقَدِّمُهُ يَجِبُ أيْضًا أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الكُلِّ.

فَإنْ قِيلَ: إذا حَمَلْتُمُ الخَيْرَ عَلى خَيْراتِ الدُّنْيا، فَهَلْ تَقُولُونَ إنَّ كُلَّ مَن أخْلَصَ مِنَ الأُسارى قَدْ آتاهُ اللَّهُ خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنهُ ؟

قُلْنا: هَكَذا يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِحُكْمِ الآيَةِ، إلّا أنّا لا نَعْلَمُ مَنِ المُخْلِصُ بِقَلْبِهِ حَتّى يَتَوَجَّهَ عَلَيْنا فِيهِ السُّؤالُ، ولا نَعْلَمُ أيْضًا مَنِ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ عِلْمًا، وقَدْ عَلِمْنا أنَّ قَلِيلَ الدُّنْيا مَعَ الإيمانِ أعْظَمُ مِن كَثِيرِ الدُّنْيا مَعَ الكُفْرِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهو تَأْكِيدٌ لِما مَضى ذِكْرُهُ مِن قَوْلِهُ: ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ والمَعْنى: كَيْفَ لا يَفِي بِوَعْدِ المَغْفِرَةِ وأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ؟

8:71Страница 186

وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدۡ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ فَأَمۡكَنَ مِنۡهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٧١

Но если они захотят предать тебя, то ведь еще раньше они предали Аллаха, и Он отдал их во власть мусульманам. Аллах - Знающий, Мудрый.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الخِيانَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الخِيانَةُ في الدِّينِ وهو الكُفْرُ، يَعْنِي إنْ كَفَرُوا بِكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ الخِيانَةِ مَنعُ ما ضَمِنُوا مِنَ الفِداءِ.

الثّالِثُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أطْلَقَهم مِنَ الأسْرِ عَهِدَ مَعَهم أنْ لا يَعُودُوا إلى مُحارَبَتِهِ وإلى مُعاهَدَةِ المُشْرِكِينَ، وهَذا هو العادَةُ فِيمَن يُطْلَقُ مِنَ الحَبْسِ والأسْرِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ﴾ أيْ نَكْثَ هَذا العَهْدِ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ، والمُرادُ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يُونُسَ: ٢٢] و﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٨٩] ثُمَّ إذا وصَلُوا إلى النِّعْمَةِ وتَخَلَّصُوا مِنَ البَلِيَّةِ نَكَثُوا العَهْدَ ونَقَضُوا المِيثاقَ، ولا يَمْنَعُ دُخُولَ الكُلِّ فِيهِ، وإنْ كانَ الأظْهَرُ هو هَذا الأخِيرَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأمْكَنَ مِنهُمْ﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ أمْكَنَنِي الأمْرُ يُمْكِنُنِي فَهو مُمْكِنٌ ومَفْعُولُ الإمْكانِ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: فَأمْكَنَ المُؤْمِنِينَ مِنهم، والمَعْنى أنَّهم خانُوا اللَّهَ بِما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِن مُحارَبَةِ الرَّسُولِ يَوْمَ بَدْرٍ فَأمْكَنَ اللَّهُ مِنهم قَتْلًا وأسْرًا، وذَلِكَ نِهايَةُ الإمْكانِ والظَّفَرِ، فَنَبَّهَ اللَّهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم قَدْ ذاقُوا وبالَ ما فَعَلُوهُ ثَمَّ، فَإنْ عادُوا كانَ التَّمْكِينُ مِنهم ثابِتًا حاصِلًا، وفِيهِ بِشارَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِن كُلِّ مَن يَخُونُهُ ويَنْقُضُ عَهْدَهُ.

ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أيْ بِبَواطِنِهِمْ وضَمائِرِهِمْ﴿حَكِيمٌ﴾ يُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English