Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
Аль-Хиджр 15:90–99
15:90Страница 266
كَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَى ٱلۡمُقۡتَسِمِينَ ٩٠
Мы также ниспослали его (наказание) разделяющим,
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ .
فِي المُرادِ بِالمُقْتَسِمِينَ أقْوالٌ لِلْعُلَماءِ مَعْرُوفَةٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنها يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ، إلّا أنَّ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَرِينَةً تُضَعِّفُ بَعْضَ تِلْكَ الأقْوالِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ: الَّذِينَ يَحْلِفُونَ عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ ومُخالَفَتِهِمْ، وعَلى هَذا القَوْلِ؛ فالِاقْتِسامُ افْتِعالٌ مِنَ القَسَمِ بِمَعْنى اليَمِينِ، وهو بِمَعْنى التَّقاسُمِ.
وَمِنَ الآياتِ الَّتِي تُرْشِدُ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ قَوْمِ صالِحٍ: ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ الآيَةَ [النمل: ٤٩]، أيْ: نَقْتُلُهم لَيْلًا، وقَوْلُهُ: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]، وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]، وقَوْلُهُ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف: ٤٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. فَكَأنَّهم كانُوا لا يُكَذِّبُونَ بِشَيْءٍ إلّا أقْسَمُوا عَلَيْهِ؛ فَسُمُّوا مُقْتَسِمِينَ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ: اليَهُودُ والنَّصارى. وإنَّما وُصِفُوا بِأنَّهم مُقْتَسِمُونَ؛ لِأنَّهُمُ اقْتَسَمُوا كُتُبَهم فَآمَنُوا بِبَعْضِها وكَفَرُوا بِبَعْضِها.
وَيَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٨٥]، وقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٥٠] .
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ: جَماعَةٌ مِن كُفّارِ مَكَّةَ اقْتَسَمُوا القُرْآنَ بِأقْوالِهِمُ الكاذِبَةِ؛ فَقالَ بَعْضُهم: هو شِعْرٌ. وقالَ بَعْضُهم: هو سِحْرٌ. وقالَ بَعْضُهم: كَهانَةٌ. وقالَ بَعْضُهم: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقالَ بَعْضُهم: اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ، ﷺ .
وَهَذا القَوْلُ تَدُلُّ لَهُ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّهم قالُوا في القُرْآنِ تِلْكَ الأقْوالَ المُفْتَراةَ (p-٣١٨)الكاذِبَةَ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤١ - ٤٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والقَرِينَةُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ تُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ الثّالِثَ، ولا تُنافِي الثّانِيَ بِخِلافِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]
أظْهَرُ في القَوْلِ الثّالِثِ؛ لِجَعْلِهِمْ لَهُ أعْضاءَ مُتَفَرِّقَةً بِحَسَبِ اخْتِلافِ أقْوالِهِمُ الكاذِبَةِ، كَقَوْلِهِمْ: شِعْرٌ، سِحْرٌ، كَهانَةٌ، إلَخْ.
وَعَلى أنَّهم أهْلُ الكِتابِ: فالمُرادُ بِالقُرْآنِ كُتُبُهُمُ الَّتِي جَزَّؤُوها، فَآمَنُوا بِبَعْضِها وكَفَرُوا بِبَعْضِها، أوِ القُرْآنُ؛ لِأنَّهم آمَنُوا بِما وافَقَ هَواهُهم مِنهُ وكَفَرُوا بِغَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ ﴿عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] جَمْعُ عِضَةٍ، وهي العُضْوُ مِنَ الشَّيْءِ، أيْ: جَعَلُوهُ أعْضاءَ مُتَفَرِّقَةً. واللّامُ المَحْذُوفَةُ أصْلُها واوٌ. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: اللّامُ المَحْذُوفَةُ أصْلُها هاءٌ، وعَلَيْهِ فَأصْلُ العِضَةِ عِضْهَةٌ. والعَضَهُ: السِّحْرُ؛ فَعَلى هَذا القَوْلِ فالمَعْنى: جَعَلُوا القُرْآنَ سِحْرًا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤]، وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا﴾ [القصص: ٤٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والعَرَبُ تُسَمِّي السّاحِرَ عاضِهًا، والسّاحِرَةَ عاضِهَةً. والسِّحْرَ عِضَهًا. ويُقالُ: إنَّ ذَلِكَ لُغَةُ قُرَيْشٍ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أعُوذُ بِرَبِّي مِنَ النّافِثا تِ في عُقَدِ العاضِهِ المُعْضِهِ.
تَنْبِيهٌ.
فَإنْ قِيلَ: بِمَ تَتَعَلَّقُ الكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ ؟ [الحجر: ٩٠] .
فالجَوابُ: ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في كَشّافِهِ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ بِمَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿كَما أنْزَلْنا﴾ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ﴾ [الحجر: ٨٧]، أيْ: أنْزَلْنا عَلَيْكَ مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى أهْلِ الكِتابِ، وهُمُ المُقْتَسِمُونَ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ، حَيْثُ قالُوا بِعِنادِهِمْ وعُدْوانِهِمْ: بَعْضُهُ حَقٌّ مُوافِقٌ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وبَعْضُهُ باطِلٌ مُخالِفٌ لَهُما، فاقْتَسَمُوهُ إلى حَقٍّ وباطِلٍ وعَضُّوهُ. وقِيلَ: كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ فَيَقُولُ (p-٣١٩)بَعْضُهم: ”سُورَةُ البَقَرَةِ“ لِي، ويَقُولُ الآخَرُ: ”سُورَةُ آلِ عِمْرانَ“ لِي، إلى أنْ قالَ: الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ [الحجر: ٨٩]، أيْ: وأنْذِرْ قُرَيْشًا مِثْلَ ما أنْزَلْناهُ مِنَ العَذابِ عَلى المُقْتَسِمِينَ (يَعْنِي اليَهُودَ)، وهو ما جَرى عَلى قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ. جَعَلَ المُتَوَقَّعَ بِمَنزِلَةِ الواقِعِ وهو مِنَ الإعْجازِ؛ لِأنَّهُ إخْبارٌ بِما سَيَكُونُ وقَدْ كانَ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ صاحِبِ الكَشّافِ.
وَنَقَلَ كَلامَهُ بِتَمامِهِ أبُو حَيّانَ في ”البَحْرِ المُحِيطِ“ ثُمَّ قالَ أبُو حَيّانَ:
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ وهو تَعَلُّقُ: كَما [الحجر: ٩٠] بِ: أتَيْناكَ [الحجر: ٨٧]، فَذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ عَلى تَقْدِيرِ، وهو أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي إيتاءً كَما أنْزَلْنا، أوْ إنْزالًا كَما أنْزَلْنا؛ لِأنَّ ”آتَيْناكَ“ بِمَعْنى: أنْزَلْنا عَلَيْكَ.
15:91Страница 267
ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلۡقُرۡءَانَ عِضِينَ ٩١
которые поделили Коран на части (уверовали в одну часть Корана и отвергли другую).
К этому аяту нет толкования
15:92Страница 267
فَوَرَبِّكَ لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٢
Клянусь твоим Господом! Мы непременно всех их спросим
К этому аяту нет толкования
К этому аяту нет толкования
15:94Страница 267
فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٩٤
Провозгласи же то, что тебе велено, и отвернись от многобожников.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ .
أيْ: فاجْهَرْ بِهِ وأظْهِرُهُ مِن قَوْلِهِمْ: صَدَعَ بِالحُجَّةِ؛ إذا تَكَلَّمَ بِها جِهارًا، كَقَوْلِكَ: صَرَّحَ بِها.
وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أمَرَ اللَّهُ فِيها نَبِيَّهُ ﷺ بِتَبْلِيغِ ما أُمِرَ بِهِ عَلَنًا في غَيْرِ خَفاءٍ ولا مُوارَبَةٍ. وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] .
وَقَدْ شَهِدَ لَهُ تَعالى بِأنَّهُ امْتَثَلَ ذَلِكَ الأمْرَ فَبَلَّغَ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وقَوْلِهِ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
تَنْبِيهٌ.
قَوْلُهُ: فاصْدَعْ [الحجر: ٩٤]، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أصْلُهُ مِنَ الصَّدْعِ بِمَعْنى الإظْهارِ، ومِنهُ قَوْلُهم: انْصَدَعَ الصُّبْحُ: انْشَقَّ عَنْهُ اللَّيْلُ. والصَّدِيعُ: الفَجْرُ لِانْصِداعِهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:
؎تَرى السَّرْحانَ مُفْتَرِشًا يَدَيْهِ كَأنَّ بَياضَ لَبَّتِهِ صَدِيعُ
أيْ: فَجْرٌ، والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ: أظْهِرْ ما تُؤْمَرُ بِهِ، وبَلِّغْهُ عَلَنًا عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وتَقُولُ العَرَبُ: صَدَعْتُ الشَّيْءَ: أظْهَرْتُهُ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:(p-٣٢٠)
؎وَكَأنَّهُنَّ رَبابَةٌ وكَأنَّهُ يَسَرٌ ∗∗∗ يَفِيضُ عَلى القِداحِ ويَصْدَعُ
قالَهُ صاحِبُ اللِّسانِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أصْلُهُ مِنَ الصَّدْعِ بِمَعْنى التَّفْرِيقِ والشَّقِّ في الشَّيْءِ الصُّلْبِ: كالزُّجاجِ والحائِطِ. ومِنهُ بِمَعْنى التَّفْرِيقِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣]، أيْ: يَتَفَرَّقُونَ، فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] ومِنهُ قَوْلُ غَيْلانَ ذِي الرُّمَّةِ: عَشِيَّةَ قَلْبِي في المُقِيمِ صَدِيعُهُ وراحَ جَنابَ الظّاعِنِينَ صَدِيعُ
يَعْنِي: أنَّ قَلْبَهُ افْتَرَقَ إلى جُزْءَيْنِ: جُزْءٍ في المُقِيمِ، وجُزْءٍ في الظّاعِنِينَ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ: فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: ٩٤]، أيْ: فَرِّقْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِما أمَرَكَ اللَّهُ بِتَبْلِيغِهِ. وقَوْلُهُ: بِما تُؤْمَرُ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ (ما) مَوْصُولَةً. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، بِناءً عَلى جَوازِ سَبْكِ المَصْدَرِ مِن أنْ والفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، ومَنَعَ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ. قالَ أبُو حَيّانَ في (البَحْرِ): والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ .
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَوْلانِ مَعْرُوفانِ لِلْعُلَماءِ:
أحَدُهُما: أنَّ مَعْنى: ﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾، أيْ: لا تُبالِ بِتَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، ولا يَصْعُبُ عَلَيْكَ ذَلِكَ. فاللَّهُ حافِظُكَ مِنهم.
والآيَةُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ مَعْناها: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ أيْ: بَلِّغْ رِسالَةَ رَبِّكَ، ﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾، أيْ: لا تُبالِ بِهِمْ ولا تَخْشَهم. وهَذا المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] .
الوَجْهُ الثّانِي وهو الظّاهِرُ في مَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ كانَ في أوَّلِ الأمْرِ مَأْمُورًا بِالإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِآياتِ السَّيْفِ. ومِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ لا إلَهَ إلّا هو وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦]، وقَوْلُهُ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة: ٣٠]، وقَوْلُهُ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [النجم: ٢٩]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨] (p-٣٢١)إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
15:95Страница 267
إِنَّا كَفَيۡنَٰكَ ٱلۡمُسۡتَهۡزِءِينَ ٩٥
Воистину, Мы избавили тебя от тех, кто насмехается,
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ كَفى نَبِيَّهُ ﷺ المُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ وهم قَوْمٌ مِن قُرَيْشٍ. وذَكَرَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ كَفاهُ غَيْرَهم. كَقَوْلِهِ في أهْلِ الكِتابِ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٣٧]، وقَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ . . . . الآيَةَ [الزمر: ٣٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والمُسْتَهْزِئُونَ المَذْكُورُونَ هم: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ، والحارِثُ بْنُ قَيْسٍ السَّهْمِيُّ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ.
والآفاتُ الَّتِي كانَتْ سَبَبَ هَلاكِهِمْ مَشْهُورَةٌ في التّارِيخِ.
15:96Страница 267
ٱلَّذِينَ يَجۡعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٩٦
кто признает других богов помимо Аллаха, и скоро они узнают.
К этому аяту нет толкования
15:97Страница 267
وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدۡرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ٩٧
Мы знаем, что твоя грудь сжимается от того, что они говорят.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ نَبِيَّهُ ﷺ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِما يَقُولُ الكُفّارُ فِيهِ مِنَ: الطَّعْنِ، والتَّكْذِيبِ، والطَّعْنِ في القُرْآنِ. وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَدْ قَدَّمْنا شَيْئًا مِن ذَلِكَ مِنَ ”الأنْعامِ“ .
15:98Страница 267
فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٩٨
Так восславь же Господа твоего хвалой и будь в числе тех, кто падает ниц.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ .
أمَرَ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما قَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨]، والثّانِي قَوْلُهُ: ﴿وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨] .
وَقَدْ كَرَّرَ تَعالى في كِتابِهِ الأمْرَ بِالشَّيْئَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ،
• كَقَوْلِهِ في الأوَّلِ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها﴾ [طه: ١٣٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ [غافر: ٥٥]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَأصْلُ التَّسْبِيحِ في اللُّغَةِ: الإبْعادُ عَنِ السُّوءِ. ومَعْناهُ في عُرْفِ الشَّرْعِ: تَنْزِيهُ اللَّهِ (p-٣٢٢)- جَلَّ وعَلا - عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ وكَمالِهِ. ومَعْنى: ”سَبِّحْ“: نَزِّهْ رَبَّكَ - جَلَّ وعَلا - عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ. وقَوْلُهُ ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، أيْ في حالِ كَوْنِكَ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِ رَبِّكَ، أيْ: بِالثَّناءِ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ ما هو أهْلُهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أُضِيفَتْ إلى مَعْرِفَةٍ فَتَعُمُّ جَمِيعَ المَحامِدِ مِن كُلِّ وصْفِ كَمالٍ وجَلالٍ ثابِتٍ لِلَّهِ - جَلَّ وعَلا - . فَتَسْتَغْرِقُ الآيَةُ الكَرِيمَةُ الثَّناءَ بِكُلِّ كَمالٍ؛ لِأنَّ الكَمالَ يَكُونُ بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: التَّخَلِّي عَنِ الرَّذائِلِ، والتَّنَزُّهُ عَمّا لا يَلِيقُ، وهَذا مَعْنى التَّسْبِيحِ.
والثّانِي التَّحَلِّي بِالفَضائِلِ والِاتِّصافُ بِصِفاتِ الكَمالِ، وهَذا مَعْنى الحَمْدِ، فَتَمَّ الثَّناءُ بِكُلِّ كَمالٍ.
وَلِأجْلِ هَذا المَعْنى ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: (( «كَلِمَتانِ خَفِيفَتانِ عَلى اللِّسانِ، ثَقِيلَتانِ في المِيزانِ، حَبِيبَتانِ إلى الرَّحْمَنِ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ») )،
• وكَقَوْلِهِ في الثّانِي وهو السُّجُودُ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]،
ويَكْثُرُ في القُرْآنِ العَظِيمِ إطْلاقُ التَّسْبِيحِ عَلى الصَّلاةِ.
وَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨]، أيْ: صِلِّ لَهُ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ﴿وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾، مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، والصَّلاةُ تَتَضَمَّنُ غايَةَ التَّنْزِيهِ ومُنْتَهى التَّقْدِيسِ. وعَلى كُلِّ حالٍ فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾، أيْ: مِنَ المُصَلِّينَ، سَواءٌ قُلْنا إنَّ المُرادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ، أوْ أعَمُّ مِنها مِن تَنْزِيهِ اللَّهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ؛ ولِأجْلِ كَوْنِ المُرادِ بِالسُّجُودِ الصَّلاةَ لَمْ يَكُنْ هَذا المَوْضِعُ مَحَلَّ سَجْدَةٍ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّهُ مَوْضِعُ سُجُودٍ.
قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: ظَنَّ بَعْضُ النّاسِ أنَّ المُرادَ بِالأمْرِ هُنا السُّجُودُ نَفْسُهُ، فَرَأى هَذا المَوْضِعَ مَحَلَّ سُجُودٍ في القُرْآنِ، وقَدْ شاهَدْتُ الإمامَ بِمِحْرابِ زَكَرِيّا مِنَ البَيْتِ المُقَدَّسِ - طَهَّرَهُ اللَّهُ - يَسْجُدُ في هَذا المَوْضِعِ، وسَجَدْتُ مَعَهُ فِيهِ، ولَمْ يَرَهُ جَماهِيرُ العُلَماءِ.
قُلْتُ: قَدْ ذَكَرَ أبُو بَكْرٍ النَّقّاشُ: أنَّ هاهُنا سَجْدَةً عِنْدَ أبِي حُذَيْفَةَ ويَمانِ بْنِ رِئابٍ، ورَأى أنَّها واجِبَةٌ. انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى السُّجُودِ في سُورَةِ (( الرَّعْدِ) )، وعَلى أنَّ المُرادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ؛ فالمُسَوِّغُ لِهَذا الإطْنابِ الَّذِي هو عَطْفُ الخاصِّ عَلى العامِّ هو أهَمِّيَّةُ السُّجُودِ؛ لِأنَّ أقْرَبَ (p-٣٢٣)ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ في حالِ كَوْنِهِ في السُّجُودِ.
قالَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ: وحَدَّثَنا هارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وعَمْرُو بْنُ سَوّادٍ، قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحارِثِ، عَنْ عُمارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلى أبِي بَكْرٍ، أنَّهُ سَمِعَ أبا صالِحٍ ذَكْوانَ يُحَدِّثُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ؛ فَأكْثِرُوا الدُّعاءَ» .
تَنْبِيهٌ
اعْلَمْ أنَّ تَرْتِيبَهُ - جَلَّ وعَلا - الأمْرَ بِالتَّسْبِيحِ والسُّجُودِ عَلى ضِيقِ صَدْرِهِ ﷺ بِسَبَبِ ما يَقُولُونَ لَهُ مِنَ السُّوءِ، دَلِيلٌ عَلى أنَّ الصَّلاةَ والتَّسْبِيحَ سَبَبٌ لِزَوالِ ذَلِكَ المَكْرُوهِ؛ ولِذا كانَ ﷺ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ بادَرَ إلى الصَّلاةِ. وقالَ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٤٥] .
وَيُؤَيِّدُ هَذا ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، مِن حَدِيثِ نُعَيْمُ بْنُ هَمّارٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”قالَ اللَّهُ تَعالى: «يا ابْنَ آدَمَ، لا تَعْجِزْ عَنْ أرْبَعِ رَكَعاتٍ مِن أوَّلِ النَّهارِ أكْفِكَ آخِرَهُ“»، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ إذا أصابَهُ مَكْرُوهٌ؛ أنْ يَفْزَعَ إلى اللَّهِ تَعالى بِأنْواعِ الطّاعاتِ مِن صَلاةٍ وغَيْرِها.
15:99Страница 267
وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ ٩٩
Поклоняйся Господу твоему, пока убежденность (смерть) не явится к тебе.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ﴾.
أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ ﷺ بِأنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ، أيْ: يَتَقَرَّبَ لَهُ عَلى وجْهِ الذُّلِّ والخُضُوعِ والمَحَبَّةِ، بِما أُمِرَ أنْ يَتَقَرَّبَ لَهُ بِهِ مِن جَمِيعِ الطّاعاتِ عَلى الوَجْهِ المَشْرُوعِ. وجُلُّ القُرْآنِ في تَحْقِيقِ هَذا الأمْرِ الَّذِي هو حَظُّ الإثْباتِ مِن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، مَعَ حَظِّ النَّفْيِ مِنها. وقَدْ بَيَّنَ القُرْآنُ أنَّ هَذا لا يَنْفَعُ إلّا مَعَ تَحْقِيقِ الجُزْءِ الثّانِي مِن كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، الَّذِي هو حَظُّ النَّفْيِ مِنها، وهو خَلْعُ جَمِيعِ المَعْبُوداتِ سِوى اللَّهِ تَعالى في جَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ؛ قالَ تَعالى: ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقالَ ﴿فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ﴾ [مريم: ٦٥]، وقالَ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقالَ ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقالَ: ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، والآياتُ في مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ .
قالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، مِنهم سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وغَيْرُهم: (p-٣٢٤)اليَقِينُ: المَوْتُ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ولَمْ ﴿نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٧]، وهو: المَوْتُ.
وَيُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ خارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، عَنْ أُمِّ العَلاءِ (امْرَأةٍ مِنَ الأنْصارِ): «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا دَخَلَ عَلى عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ وقَدْ ماتَ، قالَتْ أُمُّ العَلاءِ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أبا السّائِبِ ! فَشَهادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ اللَّهُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”وَما يُدْرِيكِ أنَّ اللَّهَ قَدْ أكْرَمَهُ“ ؟ فَقالَتْ: بِأبِي وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَن يُكْرِمُهُ اللَّهُ ؟ فَقالَ: ”أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ، وإنِّي لَأرْجُو لَهُ الخَيْرَ. .“» الحَدِيثَ. وهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ عَلى أنَّ اليَقِينَ المَوْتُ. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِاليَقِينِ انْكِشافُ الحَقِيقَةِ، وتَيَقُّنُ الواقِعِ لا يُنافِي ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا جاءَهُ المَوْتُ ظَهَرَتْ لَهُ الحَقِيقَةُ يَقِينًا. ولَقَدْ أجادَ التُّهامِيُّ في قَوْلِهِ:
؎والعَيْشُ نَوْمٌ والمَنِيَّةُ يَقَظَةٌ والمَرْءُ بَيْنَهُما خَيالٌ سارِي
وَقالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ: أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ في التّارِيخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أبِي مُسْلِمٍ الخَوْلانِيِّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «" ما أُوحِيَ إلَيَّ أنْ أجْمَعَ المالَ وأكُونَ مِنَ التّاجِرِينَ، ولَكِنْ أُوحِيَ إلَيَّ أنْ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾» [الحجر: ٩٨ - ٩٩] .
وَأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «" ما أُوحِيَ إلَيَّ أنْ أجْمَعَ المالَ وأكُونَ مِنَ التّاجِرِينَ، ولَكِنْ أُوحِيَ إلَيَّ أنْ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾» .
وَأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «" ما أُوحِيَ إلَيَّ أنْ أكُونَ تاجِرًا ولا أجْمَعُ المالَ مُتَكاثِرًا، ولَكِنْ أُوحِيَ إلَيَّ أنْ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾» .
تَنْبِيهانِ
الأوَّلُ: هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ ما دامَ حَيًّا ولَهُ عَقْلٌ ثابِتٌ يُمَيِّزُ بِهِ، فالعِبادَةُ واجِبَةٌ عَلَيْهِ بِحَسَبِ طاقَتِهِ. فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الصَّلاةَ قائِمًا فَلْيُصَلِّ قاعِدًا، فَإنْ لَمْ (p-٣٢٥)يَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ، وهَكَذا قالَ تَعالى عَنْ نَبِيِّهِ عِيسى - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ﴿وَأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]، وقالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ ”بابُ إذا لَمْ يُطِقْ قاعَدًا صَلّى عَلى جَنْبٍ“، وقالَ عَطاءٌ: إنْ لَمْ يَقْدِرْ أنْ يَتَحَوَّلَ إلى القِبْلَةِ، صَلّى حَيْثُ كانَ وجْهُهُ، حَدَّثَنا عَبْدانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ طَهْمانَ، قالَ: حَدَّثَنِي الحُسَيْنُ المُكْتِبُ، عَنْ بُرَيْدَةَ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -، قالَ: «كانَتْ بِي بَواسِيرُ، فَسَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلاةِ، فَقالَ: ”صَلِّ قائِمًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقاعِدًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ“ .» اه.
وَنَحْوُ هَذا مَعْلُومٌ؛ قالَ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقالَ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقالَ ﷺ: «إذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ. . .» الحَدِيثَ.
التَّنْبِيهُ الثّانِي: اعْلَمْ أنَّ ما يُفَسِّرُ بِهِ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ بَعْضُ الزَّنادِقَةِ الكَفَرَةِ المُدَّعِينَ لِلتَّصَوُّفِ، مِن أنَّ مَعْنى اليَقِينِ المَعْرِفَةَ بِاللَّهِ - جَلَّ وعَلا -، وأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ إذا وصَلَ مِنَ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ إلى تِلْكَ الدَّرَجَةِ المُعَبَّرَ عَنْها بِاليَقِينِ، أنَّهُ تَسْقُطُ عَنْهُ العِباداتُ والتَّكالِيفُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ اليَقِينَ هو غايَةُ الأمْرِ بِالعِبادَةِ.
إنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِهَذا كُفْرٌ بِاللَّهِ وزَنْدَقَةٌ، وخُرُوجٌ عَنْ مِلَّةِ الإسْلامِ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ. وهَذا النَّوْعُ لا يُسَمّى في الِاصْطِلاحِ تَأْوِيلًا، بَلْ يُسَمّى لَعِبًا كَما قَدَّمْنا في ”آلِ عِمْرانَ“ . ومَعْلُومٌ أنَّ الأنْبِياءَ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ هم وأصْحابُهُ - هم أعْلَمُ النّاسِ بِاللَّهِ، وأعْرُفُهم بِحُقُوقِهِ وصِفاتِهِ وما يَسْتَحِقُّ مِنَ التَّعْظِيمِ، وكانُوا مَعَ ذَلِكَ أكْثَرَ النّاسِ عِبادَةً لِلَّهِ - جَلَّ وعَلا -، وأشَدَّهم خَوْفًا مِنهُ وطَمَعًا في رَحْمَتِهِ. وقَدْ قالَ - جَلَّ وعَلا -: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] . والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии