Аш-ШинкитиАн‑Нахль · 16:103–115

Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском

Ан-Нахль 16:103–115

16:103Страница 279

وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ ١٠٣

Мы знаем, что они говорят: «Воистину, его обучает человек». Язык того, на кого они указывают, является иноземным, тогда как это - ясный арабский язык.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾، أقْسَمَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ الكُفّارَ يَقُولُونَ: إنَّ هَذا القُرْآنَ الَّذِي جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لَيْسَ وحْيًا مِنَ اللَّهِ، وإنَّما تَعَلَّمَهُ مَن بَشَرٍ مِنَ النّاسِ.

وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤]، (p-٤٥٤)أيْ: يَرْوِيهِ مُحَمَّدٌ ﷺ عَنْ غَيْرِهِ،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٠٥]،

كَما تَقَدَّمَ في (الأنْعامِ) .

وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَعْيِينِ هَذا البَشَرِ الَّذِي زَعَمُوا أنَّهُ يُعَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، وقَدْ صَرَّحَ القُرْآنُ بِأنَّهُ أعْجَمِيُّ اللِّسانِ؛ فَقِيلَ: هو غُلامُ الفاكِهِ بْنُ المُغِيرَةِ، واسْمُهُ جَبْرٌ، وكانَ نَصْرانِيًّا فَأسْلَمَ. وقِيلَ: اسْمُهُ يَعِيشُ عَبْدٌ لَبَنِي الحَضْرَمِيِّ، وكانَ يَقْرَأُ الكُتُبَ الأعْجَمِيَّةَ. وقِيلَ: غُلامٌ لِبَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ. وقِيلَ: هُما غُلامانِ: اسْمُ أحَدِهِما يَسارٌ، واسْمُ الآخَرِ جَبْرٌ، وكانا صَيْقَلِيَّيْنِ يَعْمَلانِ السُّيُوفَ، وكانا يَقْرَآنِ كِتابًا لَهم. وقِيلَ: كانا يَقْرَآنِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ.

وَقَدْ بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - كَذِبَهم وتَعَنُّتَهم في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، بِقَوْلِهِ: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، أيْ: كَيْفَ يَكُونُ تَعَلُّمُهُ مِن ذَلِكَ البَشَرِ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ البَشَرَ أعْجَمِيُّ اللِّسانِ. وهَذا القُرْآنُ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ فَصِيحٌ، لا شائِبَةَ فِيهِ مِنَ العُجْمَةِ؛ فَهَذا غَيْرُ مَعْقُولٍ.

وَبَيَّنَ شِدَّةَ تَعَنُّتِهِمْ أيْضًا بِأنَّهُ لَوْ جَعَلَ القُرْآنَ أعْجَمِيًّا لَكَذَّبُوهُ أيْضًا وقالُوا: كَيْفَ يَكُونُ هَذا القُرْآنُ أعْجَمِيًّا مَعَ أنَّ الرَّسُولَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ عَرَبِيٌّ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤]، أيْ: أقُرْآنٌ أعْجَمِيٌّ، ورَسُولٌ عَرَبِيٌّ. فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ أنَّ القُرْآنَ أعْجَمِيٌّ والرَّسُولَ عَرَبِيٌّ، ولا يُنْكِرُونَ أنَّ المُعَلِّمَ المَزْعُومَ أعْجَمِيٌّ، مَعَ أنَّ القُرْآنَ المَزْعُومَ تَعْلِيمُهُ لَهُ عَرَبِيٌّ.

كَما بَيَّنَ تَعَنُّتَهم أيْضًا، بِأنَّهُ لَوْ نَزَلَ هَذا القُرْآنُ العَرَبِيُّ المُبِينُ، عَلى أعْجَمِيٍّ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ عَرَبِيًّا لَكَذَّبُوهُ أيْضًا، مَعَ ذَلِكَ الخارِقِ لِلْعادَةِ؛ لِشِدَّةِ عِنادِهِمْ وتَعَنُّتِهِمْ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨ - ١٩٩] .

وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: يُلْحِدُونَ، أيْ: يَمِيلُونَ عَنِ الحَقِّ. والمَعْنى لِسانُ البَشَرِ الَّذِي يُلْحِدُونَ، أيْ: يُمِيلُونَ قَوْلَهم عَنِ الصِّدْقِ والِاسْتِقامَةِ إلَيْهِ؛ أعْجَمِيٌّ غَيْرُ بَيَّنٍ، وهَذا القُرْآنُ لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ، أيْ: ذُو بَيانٍ وفَصاحَةٍ. وقَرَأ هَذا الحَرْفَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: يَلْحَدُونَ، بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ، مِن لَحَدَ الثُّلاثِيِّ. وقَرَأهُ الباقُونَ: يُلْحُدُونَ، بِضَمِّ الياءِ والحاءِ، مِن لَحُدَ الثُّلاثِيِّ. وقَرَأهُ الباقُونَ: يُلْحِدُونَ، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ مَن ألْحَدَ الرُّباعِيِّ، وهُما لُغَتانِ، والمَعْنى واحِدٌ، أيْ: (p-٤٥٥)يَمِيلُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ. وأمّا يُلْحِدُونَ، الَّتِي في (الأعْرافِ)، والَّتِي في (فُصِلَتْ) فَلَمْ يَقْرَأْهُما بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ إلّا حَمْزَةُ وحْدَهُ دُونَ الكِسائِيِّ. وإنَّما وافَقَهُ الكِسائِيُّ في هَذِهِ الَّتِي في (النَّحْلِ) وأطْلَقَ اللِّسانَ عَلى القُرْآنِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ اللِّسانَ وتُرِيدُ بِهِ الكَلامَ؛ فَتُؤَنِّثُها وتُذَكَّرُها. ومِنهُ قَوْلُ أعْشى باهِلَةَ:

؎إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أُسِرُّ بِها مِن عُلُوٍّ لا عَجَبَ فِيها ولا سَخَرَ

وَقَوْلُ الآخَرِ:

؎لِسانُ الشَّرِّ تُهْدِيها إلَيْنا ∗∗∗ وخُنْتَ وما حَسِبْتُكَ أنْ تَخُونا

وَقَوْلُ الآخَرِ:

؎أتَتْنِي لِسانُ بَنِي عامِرِ ∗∗∗ أحادِيثُها بَعْدَ قَوْلٍ نُكُرِ

وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أيْ: ثَناءً حَسَنًا باقِيًا. ومِن إطْلاقِ اللِّسانِ بِمَعْنى الكَلامِ مُذَكَّرًا قَوْلُ الحُطَيْئَةَ:

نَدِمْتُ عَلى لِسانٍ فاتَ مِنِّي فَلَيْتَ بِأنَّهُ في جَوْفِ عِكْمِ.

16:104Страница 279

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهۡدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٠٤

Воистину, Аллах не ведет прямым путем тех, кто не уверовал в знамения Аллаха, и им уготованы мучительные страдания.

К этому аяту нет толкования

16:105Страница 279

إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٠٥

Воистину, ложь измышляют те, которые не веруют в знамения Аллаха. Они и есть лжецы.

К этому аяту нет толкования

16:106Страница 279

مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٦

Гнев Аллаха падет на тех, кто отрекся от Аллаха после того, как уверовал, - не на тех, кто был принужден к этому, тогда как в его сердце покоилась твердая вера, а на тех, кто сам раскрыл грудь для неверия. Им уготованы великие мучения.

К этому аяту нет толкования

16:107Страница 279

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٠٧

Это потому, что они предпочли мирскую жизнь Последней жизни. Воистину, Аллах не ведет прямым путем неверующих людей.

К этому аяту нет толкования

16:108Страница 279

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٠٨

Аллах запечатал их сердца, слух и зрение. Они и есть беспечные невежды.

К этому аяту нет толкования

16:109Страница 279

لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٠٩

Несомненно, в Последней жизни они окажутся потерпевшими убыток.

К этому аяту нет толкования

16:110Страница 279

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٠

Воистину, твой Господь после всего этого прощает и милует тех, которые переселились после того, как были подвергнуты искушению, а затем сражались и проявляли терпение.

К этому аяту нет толкования

16:111Страница 280

۞ يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١١١

В тот день каждый человек придет и будет препираться за себя. Каждому человеку сполна воздастся за то, что он совершил, и с ними не поступят несправедливо.

К этому аяту нет толкования

16:112Страница 280

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١١٢

Аллах привел в качестве притчи селение, которое пребывало в безопасности и покое (Мекку). Они обретали свой удел в изобилии отовсюду, но не благодарили Аллаха за эти блага, и тогда Аллах облек их в одеяние голода и страха за то, что они творили.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾، قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ”إنَّ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأهْلِ مَكَّةَ“، وهو رِوايَةُ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وحَكاهُ مالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ.

وَهَذِهِ الصِّفاتُ المَذْكُورَةُ الَّتِي اتَّصَفَتْ بِها هَذِهِ القَرْيَةُ: تَتَّفِقُ مَعَ صِفاتِ أهْلِ مَكَّةَ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ؛ فَقَوْلُهُ عَنْ هَذِهِ القَرْيَةِ: ﴿كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل: ١١٢]، قالَ نَظِيرُهُ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ؛

• كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾ الآيَةَ [القصص: ٥٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٦٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٢٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ [النحل: ١١٢]، قالَ نَظِيرُهُ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ أيْضًا؛

• كَقَوْلِهِ: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ (p-٤٥٦)الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ١ - ٤]، فَإنَّ رِحْلَةَ الشِّتاءِ كانَتْ إلى اليَمَنِ، ورِحْلَةَ الصَّيْفِ كانَتْ إلى الشّامِ، وكانَتْ تَأْتِيهِمْ مِن كِلْتا الرِّحْلَتَيْنِ أمْوالٌ وأرْزاقٌ؛ ولِذا أتْبَعَ الرِّحْلَتَيْنِ بِامْتِنانِهِ عَلَيْهِمْ: بِأنْ أطْعَمَهم مِن جُوعٍ.

• وقَوْلِهِ في دَعْوَةِ إبْراهِيمَ: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٢٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٣٧] .

وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢]، ذَكَرَ نَظِيرَهُ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] .

وَقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِن ذَلِكَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ الآيَةَ [النحل: ٨٣] .

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]، وقَعَ نَظِيرُهُ قَطْعًا لِأهْلِ مَكَّةَ؛ لَمّا لَجُّوا في الكُفْرِ والعِنادِ، ودَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرَ، واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِينَ يُوسُفَ»، فَأصابَتْهم سَنَةٌ أذْهَبَتْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتّى أكَلُوا الجِيفَ والعَلْهَزَ (وهو وبَرُ البَعِيرِ يُخْلَطُ بِدَمِهِ إذا نَحَرُوهُ)، وأصابَهُمُ الخَوْفُ الشَّدِيدُ بَعْدَ الأمْنِ؛ وذَلِكَ الخَوْفُ مِن جُيُوشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وغَزَواتِهِ وبُعُوثِهِ وسَراياهُ. وهَذا الجُوعُ والخَوْفُ أشارَ لَهُما القُرْآنُ عَلى بَعْضِ التَّفْسِيراتِ؛ فَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ آيَةَ (الدُّخانِ) بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.

قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: بابُ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، ”فارْتَقِبْ“ [الدخان: ١٠]: فانْتَظِرْ، حَدَّثَنا عَبْدانُ، عَنْ أبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: مَضى خَمْسٌ: الدُّخانُ، والرُّومُ، والقَمَرُ، والبَطْشَةُ، واللِّزامُ. ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١]، حَدَّثَنا يَحْيى، حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ. عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: «قالَ عَبْدُ اللَّهِ: ”إنَّما كانَ هَذا؛ لِأنَّ قُرَيْشًا لَمّا اسْتَعْصَوْا عَلى النَّبِيِّ ﷺ دَعا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ؛ فَأصابَهم قَحْطٌ وجَهْدٌ، حَتّى أكَلُوا العِظامَ. فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إلى السَّماءِ فَيَرى ما بَيْنَهُ وبَيْنَها كَهَيْئَةِ الدُّخانِ مِنَ الجَهْدِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا (p-٤٥٧)عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠، ١١]، فَأُتِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَسْقِ اللَّهَ لِمُضَرَ، فَإنَّها قَدْ هَلَكَتْ ! قالَ:“ لِمُضَرَ ! إنَّكَ لِجَرِيءٌ ! "، فاسْتَسْقى فَسُقُوا. فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]، فَلَمّا أصابَتْهُمُ الرَّفاهِيَةُ عادُوا إلى حالِهِمْ حِينَ أصابَتْهُمُ الرَّفاهِيَةُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]، يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ» .

بابُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢]، حَدَّثَنا يَحْيى، حَدَّثَنا وكِيعٌ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أبِي الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: دَخَلْتُ «عَلى عَبْدِ اللَّهِ فَقالَ: ”إنَّ مِنَ العِلْمِ أنْ تَقُولَ لِما لا تَعْلَمُ: اللَّهُ أعْلَمُ، إنَّ اللَّهَ قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]“، إنَّ قُرَيْشًا لَمّا غَلَبُوا النَّبِيَّ ﷺ واسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ، قالَ: ”اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ“، فَأخَذَتْهم سَنَةٌ أكَلُوا فِيها العِظامَ والمَيْتَةَ مِنَ الجَهْدِ، حَتّى جَعَلَ أحَدُهم يَرى ما بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ كَهَيْئَةِ الدُّخانِ مِنَ الجُوعِ ‌‌‌، قالُوا: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢]، فَقِيلَ لَهُ: إنْ كَشَفْنا عَنْهم عادُوا؛ فَدَعا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهم فَعادُوا، فانْتَقَمَ اللَّهُ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، إلى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾» [الدخان: ١٦]، انْتَهى بِلَفْظِهِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ.

وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ما يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً أنَّ ما أُذِيقَتْ هَذِهِ القَرْيَةُ المَذْكُورَةُ في (سُورَةِ النَّحْلِ) مِن لِباسِ الجُوعِ أُذِيقَهُ أهْلُ مَكَّةَ، حَتّى أكَلُوا العِظامَ، وصارَ الرَّجُلُ مِنهم يَتَخَيَّلُ لَهُ مِثْلُ الدُّخّانِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ. وهَذا التَّفْسِيرُ مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ؛ لِما تَقَرَّرَ في عِلْمِ الحَدِيثِ: مِن أنَّ تَفْسِيرَ الصَّحابِيِّ المُتَعَلِّقَ بِسَبَبِ النُّزُولِ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ؛ كَما أشارَ لَهُ صاحِبُ طَلْعَةِ الأنْوارِ بِقَوْلِهِ:

تَفْسِيرُ صاحِبٍ لَهُ تَعَلُّقُ بِالسَّبَبِ الرَّفْعُ لَهُ مُحَقَّقُ.

وَكَما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ.

وَقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ في (سُورَةِ البَقَرَةِ) في الكَلامِ: عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] .

وَقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّ الدُّخانَ مِن أشْراطِ السّاعَةِ. ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى الدُّخانَيْنِ: الدُّخانِ الَّذِي مَضى، والدُّخانِ المُسْتَقْبَلِ جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ التَّفْسِيراتِ المُتَعَدِّدَةَ في الآيَةِ إنْ كانَ يُمْكِنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى جَمِيعِها فَهو أوْلى. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي حَقَّقَهُ أبُو العَبّاسِ بْنُ تَيْمِيَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في رِسالَتِهِ في عُلُومِ القُرْآنِ، بِأدِلَّتِهِ.

(p-٤٥٨)وَأُمّا الخَوْفُ المَذْكُورُ في آيَةِ ”النَّحْلِ“ فَقَدْ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - مِثْلَهُ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ أيْضًا عَلى بَعْضِ تَفْسِيراتِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الَّتِي هي: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١]، فَقَدْ جاءَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ تَفْسِيرُ القارِعَةِ الَّتِي تُصِيبُهم بِسَرِيَّةٍ مِن سَرايا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ: أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في قَوْلِهِ: ﴿تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١]، قالَ: السَّرايا، وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في قَوْلِهِ: ”﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١]، قالَ: سَرِيَّةٌ ﴿قارِعَةٌ أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١]، قالَ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ، قالَ: فَتْحُ مَكَّةَ“، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قَوْلِهِ: ”﴿تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾، قالَ: سَرِيَّةٌ مِن سَرايا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ تَحُلُّ: يا مُحَمَّدُ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ“، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ مُجاهِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: ”القارِعَةُ السَّرايا ﴿أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾، قالَ: الحُدَيْبِيَةُ، ﴿حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ﴾، قالَ: فَتْحُ مَكَّةَ“، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ، نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في سَرايا النَّبِيِّ ﷺ أوْ تَحُلُّ أنْتَ يا مُحَمَّدُ قَرِيبًا مِن دَراهِمَ. اه مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ.

فَهَذا التَّفْسِيرُ المَذْكُورُ في آيَةِ (الرَّعْدِ) هَذِهِ، والتَّفْسِيرُ المَذْكُورُ قَبْلَهُ في آيَةِ (الدُّخانِ) يَدُلُّ عَلى أنَّ أهْلَ مَكَّةَ أُبْدِلُوا بَعْدَ سَعَةِ الرِّزْقِ بِالجُوعِ، وبَعْدَ الأمْنِ والطُّمَأْنِينَةِ بِالخَوْفِ؛ كَما قالَ في القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ: ﴿كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]، وقَوْلُهُ في القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ: ﴿وَلَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ﴾ . . . الآيَةَ [النحل: ١١٣]، لا يَخْفى أنَّهُ قالَ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ قُرَيْشٍ في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٢٨]، وقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٦٤] .

والآياتُ المُصَرِّحَةُ بِكُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ كَثِيرَةٌ جِدًّا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ . . . الآيَةَ [ص: ٥] (p-٤٥٩)وَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٤١ - ٤٢]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

فَمَجْمُوعُ ما ذَكَرْنا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ القَرْيَةِ المَضْرُوبَةِ مَثَلًا في آيَةِ (النَّحْلِ) هَذِهِ: هي مَكَّةُ. ورُوِيَ عَنْ حَفْصَةَ وغَيْرِها: ”أنَّها المَدِينَةُ، قالَتْ ذَلِكَ لَمّا بَلَغَها قَتْلُ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -“، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي قَرْيَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، ضَرَبَها اللَّهُ مَثَلًا لِلتَّخْوِيفِ مِن مُقابَلَةِ نِعْمَةِ الأمْنِ والِاطْمِئْنانِ والرِّزْقِ، بِالكُفْرِ والطُّغْيانِ. وقالَ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَنْكِيرُ القَرْيَةِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ الآيَةَ [النحل: ١١٢] .

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: وعَلى كُلِّ حالٍ، فَيَجِبُ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يَعْتَبِرَ بِهَذا المَثَلِ، وألّا يُقابِلَ نِعَمَ اللَّهِ بِالكُفْرِ والطُّغْيانِ؛ لِئَلّا يَحِلَّ بِهِ ما حَلَّ بِهَذِهِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ. ولَكِنَّ الأمْثالَ لا يَعْقِلُها عَنِ اللَّهِ إلّا مَن أعْطاهُ اللَّهُ عِلْمًا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] .

وَفِي قَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: قَرْيَةً، وجْهانِ مِنَ الإعْرابِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَدُلُّ مِن قَوْلِهِ: مَثَلًا، الثّانِي: أنَّ ضَرَبَ مُضَمَّنٌ مَعْنى جَعَلَ، وأنَّ: قَرْيَةً، هي المَفْعُولُ الأوَّلُ، و: مَثَلًا المَفْعُولُ الثّانِي. وإنَّما أُخِّرَتْ قَرْيَةً لِئَلّا يَقَعَ الفَصْلُ بَيْنَها وبَيْنَ صِفاتِها المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: كانَتْ آمِنَةً. . .، إلَخْ.

وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مُّطْمَئِنَّةً، أيْ: لا يُزْعِجُها خَوْفٌ؛ لِأنَّ الطُّمَأْنِينَةَ مَعَ الأمْنِ، والِانْزِعاجَ والقَلَقَ مَعَ الخَوْفِ.

وَقَوْلُهُ: رَغَدًا، أيْ: واسِعًا لَذِيذًا. والأنْعُمُ قِيلَ: جَمْعُ نِعْمَةٍ كَشِدَّةٍ وأشُدَّ. أوْ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ. كَدِرْعٍ وأدْرُعٍ. أوْ جَمْعُ نُعْمٍ كَبُؤْسٍ وأبْؤُسٍ. كَما تَقَدَّمَ في (سُورَةِ الأنْعامِ) في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ الآيَةَ [ الآيَةَ \ ١٥٢ ] .

وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ سُؤالٌ مَعْرُوفٌ، هو أنْ يُقالَ: كَيْفَ أوْقَعَ الإذاقَةَ عَلى اللِّباسِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ الآيَةَ [النحل: ١١٢]، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ الرّاوَنْدِيِّ الزِّنْدِيقَ قالَ لِابْنِ الأعْرابِيِّ - إمامِ اللُّغَةِ والأدَبِ -: هَلْ يُذاقُ اللِّباسُ ؟ ! يُرِيدُ الطَّعْنَ (p-٤٦٠)فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ﴾ الآيَةَ، فَقالَ لَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لا بَأْسَ أيُّها النَّسْناسُ ! هَبْ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ما كانَ نَبِيًّا ! أما كانَ عَرَبِيًّا ؟ .

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: والجَوابُ عَنْ هَذا السُّؤالِ ظاهِرٌ، وهو أنَّهُ أطْلَقَ اسْمَ اللِّباسِ عَلى ما أصابَهم مِنَ الجُوعِ والخَوْفِ؛ لِأنَّ آثارَ الجُوعِ والخَوْفِ تَظْهَرُ عَلى أبْدانِهِمْ، وتُحِيطُ بِها كاللِّباسِ. ومِن حَيْثُ وُجْدانِهِمْ ذَلِكَ اللِّباسُ المُعَبَّرُ بِهِ عَنْ آثارِ الجُوعِ والخَوْفِ، أوْقَعَ عَلَيْهِ الإذاقَةَ، فَلا حاجَةَ إلى ما يَذْكُرُهُ البَيانِيُّونَ مِنَ الِاسْتِعاراتِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. وقَدْ أوْضَحْنا في رِسالَتِنا الَّتِي سَمَّيْناها (مَنعَ جَوازِ المَجازِ في المَنزِلِ لِلتَّعَبُّدِ والإعْجازِ): أنَّهُ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ إنَّ في القُرْآنِ مَجازًا، وأوْضَحْنا ذَلِكَ بِأدِلَّتِهِ، وبَيَّنّا أنَّ ما يُسَمِّيهِ البَيانِيُّونَ مَجازًا أنَّهُ أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ البَيانِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: فِيها اسْتِعارَةٌ مُجَرَّدَةٌ؛ يَعْنُونَ أنَّها جِيءَ فِيها بِما يُلائِمُ المُسْتَعارَ لَهُ. وذَلِكَ في زَعْمِهِمْ أنَّهُ اسْتَعارَ اللِّباسَ لِما غَشِيَهم مِن بَعْضِ الحَوادِثِ كالجُوعِ والخَوْفِ، بِجامِعِ اشْتِمالِهِ عَلَيْهِمْ كاشْتِمالِ اللِّباسِ عَلى اللّابِسِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ الأصْلِيَّةِ التَّحْقِيقِيَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الوَصْفَ الَّذِي هو الإذاقَةُ مُلائِمًا لِلْمُسْتَعارِ لَهُ الَّذِي هو الجُوعُ والخَوْفُ؛ لِأنَّ إطْلاقَ الذَّوْقِ عَلى وُجْدانِ الجُوعِ والخَوْفِ جَرى عِنْدَهم مَجْرى الحَقِيقَةِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ.

فَيَقُولُونَ: ذاقَ البُؤْسَ والضُّرَّ، وأذاقَهُ غَيْرُهُ إيّاهُما؛ فَكانَتِ الِاسْتِعارَةُ مُجَرَّدَةً لِذِكْرِ ما يُلائِمُ المُسْتَعارَ لَهُ، الَّذِي هو المُشَبَّهُ في الأصْلِ في التَّشْبِيهِ الَّذِي هو أصْلُ الِاسْتِعارَةِ. ولَوْ أُرِيدَ تَرْشِيحُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ في زَعْمِهِمْ لَقِيلَ: فَكَساها؛ لِأنَّ الإتْيانَ بِما يُلائِمُ المُسْتَعارَ مِنهُ الَّذِي هو المُشَبَّهُ بِهِ في التَّشْبِيهِ الَّذِي هو أصْلُ الِاسْتِعارَةِ يُسَمّى ”تَرْشِيحًا“، والكِسْوَةُ تُلائِمُ اللِّباسَ، فَذِكْرُها تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ. قالُوا: وإنْ كانَتِ الِاسْتِعارَةُ المُرَشَّحَةُ أبْلَغَ مِنَ المُجَرَّدَةِ، فَتَجْرِيدُ الِاسْتِعارَةِ في الآيَةِ أبْلَغُ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ رُوعِيَ المُسْتَعارُ لَهُ الَّذِي هو الخَوْفُ والجُوعُ، وبِذِكْرِ الإذاقَةِ المُناسِبَةِ لِذَلِكَ لِيَزْدادَ الكَلامُ وُضُوحًا.

وَقالَ بَعْضُهم: هي اسْتِعارَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى اسْتِعارَةٍ؛ فَإنَّهُ أوَّلًا اسْتَعارَ لِما يَظْهَرُ عَلى أبْدانِهِمْ مِنَ الِاصْفِرارِ والذُّبُولِ والنُّحُولِ اسْمَ اللِّباسِ، بِجامِعِ الإحاطَةِ بِالشَّيْءِ والِاشْتِمالِ عَلَيْهِ، فَصارَ اسْمُ اللِّباسِ مُسْتَعارًا لِآثارِ الجُوعِ والخَوْفِ عَلى أبْدانِهِمْ، ثُمَّ اسْتَعارَ اسْمَ الإذاقَةِ لِما يَجِدُونَهُ مِن ألَمِ ذَلِكَ الجُوعِ والخَوْفِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِاللِّباسِ، بِجامِعِ التَّعَرُّفِ والِاخْتِبارِ في كُلٍّ مِنَ الذَّوْقِ بِالفَمِ، ووُجُودِ الألَمِ مِنَ الجُوعِ والخَوْفِ؛ وعَلَيْهِ فَفي اللِّباسِ (p-٤٦١)اسْتِعارَةٌ أصْلِيَّةٌ كَما ذَكَرْنا. وفي الإذاقَةِ المُسْتَعارَةِ لَمْسُ ألَمِ الجُوعِ والخَوْفِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ.

وَقَدْ ألْمَمْنا هُنا بِطَرَفٍ قَلِيلٍ مِن كَلامِ البَيانِيِّينَ هُنا لِيَفْهَمَ النّاظِرُ مُرادَهم، مَعَ أنَّ التَّحْقِيقَ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ: أنَّ كُلَّ ذَلِكَ لا فائِدَةَ فِيهِ، ولا طائِلَ تَحْتَهُ، وأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ الإذاقَةَ عَلى الذَّوْقِ وعَلى غَيْرِهِ مِن وُجُودِ الألَمِ واللَّذَّةِ، وأنَّها تُطْلِقُ اللِّباسَ عَلى المَعْرُوفِ، وتُطْلِقُهُ عَلى غَيْرِهِ مِمّا فِيهِ مَعْنى اللِّباسِ مِنَ الِاشْتِمالِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقَوْلِ الأعْشى:

؎إذا ما الضَّجِيعُ ثَنى عَطْفَها تَثَنَّتْ عَلَيْهِ فَكانَتْ لِباسًا

وَكُلُّها أسالِيبُ عَرَبِيَّةٌ. ولا إشْكالَ في أنَّهُ إذا أُطْلِقَ اللِّباسُ عَلى مُؤَثِّرٍ مُؤْلِمٍ يُحِيطُ بِالشَّخْصِ إحاطَةَ اللِّباسِ، فَلا مانِعَ مِن إيقاعِ الإذاقَةِ عَلى ذَلِكَ الألَمِ المُحِيطِ المُعَبَّرِ بِاسْمِ اللِّباسِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

16:113Страница 280

وَلَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡهُمۡ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١١٣

К ним явился посланник из их среды, но они не признали его, и мучения постигли их, пока они поступали несправедливо.

К этому аяту нет толкования

16:114Страница 280

فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١١٤

Питайтесь дозволенным и благим из того, что Аллах дал вам в удел, и будьте благодарны за милости Аллаха, если вы поклоняетесь Ему.

К этому аяту нет толкования

16:115Страница 280

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٥

Он запретил вам мертвечину, кровь, мясо свиньи, а также то, что не заколото во имя Аллаха. Если же кто-либо вынужден пойти на это, не домагаясь запретного и не преступая пределы необходимого, то ведь Аллах - Прощающий, Милосердный.

К этому аяту нет толкования

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English