Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
Ан-Нахль 16:43–55
16:43Страница 272
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٤٣
Мы посылали до тебя посланниками только мужей, которым внушали откровение. Если вы не знаете, то спросите обладателей Напоминания.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُّوحِي إلَيْهِمْ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ قَبْلَهُ ﷺ مِنَ الرُّسُلِ إلّا رِجالًا، أيْ: لا مَلائِكَةً. وذَلِكَ أنَّ الكُفّارَ اسْتَغْرَبُوا جِدًّا بَعْثَ اللَّهِ رُسُلًا مِنَ البَشَرِ، وقالُوا: اللَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يُرْسِلَ بَشَرًا يَأْكُلُ الطَّعامَ، ويَمْشِي في الأسْواقِ؛ فَلَوْ كانَ مُرْسِلًا أحَدًا حَقًّا لَأرْسَلَ مَلائِكَةً كَما بَيَّنَهُ تَعالى في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾ [يونس: ٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ [ق: ٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ الآيَةَ [التغابن: ٦]،
• وقَوْلِهِ، ﴿أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ . . . الآيَةَ [القمر: ٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: - ٣٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ١٠]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في آياتٍ كَثِيرَةٍ: أنَّ اللَّهَ ما أرْسَلَ لِبَنِي آدَمَ إلّا رُسُلًا مِنَ البَشَرِ، وهم رِجالٌ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ، ويَمْشُونَ في الأسْواقِ، ويَتَزَوَّجُونَ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِن صِفاتِ البَشَرِ؛
• كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ الآيَةَ [النحل: ٤٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]، (p-٣٧٩)
• وَقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُّوحِي إلَيْهِمْ فاسْئَلُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وما كانُوا خالِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧، ٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ . . . الآيَةَ [الأحقاف: ٩]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ هَذا الحَرْفَ: ”يُوحى إلَيْهِمْ“ بِالياءِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وفَتْحِ الحاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”نُوحِي إلَيْهِمْ“ [النحل: ٤٣]، بِالنُّونِ وكَسْرِ الحاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في آخِرِ سُورَةِ ”يُوسُفَ“: ﴿إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩]، وأوَّلِ ”الأنْبِياءِ:“ ﴿إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ . . ”الآيَةَ [الأنبياء: ٧] . كُلُّ هَذِهِ المَواضِعِ قَرَأ فِيها حَفْصٌ وحْدَهُ بِالنُّونِ وكَسْرِ الحاءِ. . . والباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الحاءِ أيْضًا. وأمّا الثّانِيَةُ: في“ سُورَةِ الأنْبِياءِ " وهي قَوْلُهُ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٢٥] .
فَقَدْ قَرَأهُ بِالنُّونِ وكَسْرِ الحاءِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ. والباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الحاءِ أيْضًا. وحَصْرُ الرُّسُلِ في الرِّجالِ في الآياتِ المَذْكُورَةِ لا يُنافِي أنَّ مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، وقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ الآيَةَ [فاطر: ١]؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ يُرْسَلُونَ إلى الرُّسُلِ، والرُّسُلُ تُرْسَلُ إلى النّاسِ. والَّذِي أنْكَرَهُ الكُفّارُ هو إرْسالُ الرُّسُلِ إلى النّاسِ، وهو الَّذِي حَصَرَ اللَّهُ فِيهِ الرُّسُلَ في الرِّجالِ مِنَ النّاسِ، فَلا يُنافِي إرْسالُ المَلائِكَةِ لِلرُّسُلِ بِالوَحْيِ، ولِقَبْضِ الأرْواحِ، وتَسْخِيرِ الرِّياحِ والسَّحابِ، وكَتْبِ أعْمالِ بَنِي آدَمَ، وغَيْرِ ذَلِكَ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النازعات: ٥] .
تَنْبِيهٌ.
يُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآياتِ أنَّ اللَّهَ لَمْ يُرْسِلِ امْرَأةً قَطُّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا﴾ [النحل: ٤٣]، ويُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣] أنَّ مَن جَهِلَ الحُكْمَ: يَجِبُ عَلَيْهِ سُؤالُ العُلَماءِ والعَمَلُ بِما أفْتَوْهُ بِهِ. والمُرادُ بِأهْلِ الذِّكْرِ في الآيَةِ: أهْلُ الكِتابِ، وهَذِهِ الأُمَّةُ أيْضًا يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها أهْلُ الذِّكْرِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ . . . الآيَةَ [الحجر: ٩]، إلّا أنَّ المُرادَ في الآيَةِ أهْلُ الكِتابِ. والباءُ في قَوْلِهِ: (p-٣٨٠)﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٤]، قِيلَ: تَتَعَلَّقُ بـِ ”ما أرْسَلْنا“ داخِلًا تَحْتَ حُكْمِ الِاسْتِثْناءِ مَعَ ”رِجالًا“، أيْ: وما أرْسَلْنا إلّا رِجالًا بِالبَيِّناتِ، كَقَوْلِكَ: ما ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا بِالسَّوْطِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ ضَرَبْتُ زَيْدًا بِالسَّوْطِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ”رِجالًا“ صِفَةً لَهُ، أيْ: رِجالًا مُتَلَبِّسِينَ بِالبَيِّناتِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بـِ ”أرْسَلْنا“ مُضْمَرًا دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلُهُ. كَأنَّهُ قِيلَ: بِمَ أُرْسِلُوا ؟ قِيلَ: بِالبَيِّناتِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بِ ”نُوحِي“، أيْ: نُوحِي إلَيْهِمْ بِالبَيِّناتِ؛ قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
16:44Страница 272
بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٤٤
Мы отправляли посланников с ясными знамениями и Писаниями. А тебе Мы ниспослали Напоминание для того, чтобы ты разъяснил людям то, что им ниспослано, и для того, чтобы они призадумались.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾، المُرادُ بِالذِّكْرِ في هَذِهِ الآيَةِ: القُرْآنُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
وَقَدْ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ حِكْمَتَيْنِ مِن حِكَمِ إنْزالِ القُرْآنِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ:
إحْداهُما: أنْ يُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نَزَّلَ إلَيْهِمْ في هَذا الكِتابِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، والوَعْدِ والوَعِيدِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. وقَدْ بَيَّنَ هَذِهِ الحِكْمَةَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أيْضًا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤]، وقَوْلِهِ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٠٥] .
الحِكْمَةُ الثّانِيَةُ: هي التَّفَكُّرُ في آياتِهِ والِاتِّعاظُ بِها؛ كَما قالَ هُنا: ﴿وَلَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، وقَدْ بَيَّنَ هَذِهِ الحِكْمَةَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أيْضًا؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [ص: ٢٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
16:45Страница 272
أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخۡسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٤٥
Неужели те, которые строят злые козни, не опасаются того, что Аллах заставит землю поглотить их, или мучения постигнут их оттуда, откуда они их не ожидают?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ .
أنْكَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - عَلى الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، ومَعَ ذَلِكَ يَأْمَنُونَ عَذابَ اللَّهِ ولا يَخافُونَ أخْذَهُ الألِيمَ، وبَطْشَهُ الشَّدِيدَ، وهو قادِرٌ عَلى أنْ يَخْسِفَ بِهِمُ الأرْضَ، ويُهْلِكَهم بِأنْواعِ العَذابِ. والخَسْفُ: بَلْعُ الأرْضِ المَخْسُوفَ بِهِ وقُعُودُها بِهِ إلى أسْفَلَ؛ كَما فَعَلَ اللَّهُ بِقارُونَ، قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٨١]، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ أمْ أمِنتُمْ مَن في (p-٣٨١)السَّماءِ﴾ الآيَةَ [الملك: ١٦، ١٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]،
وقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِن هَذِهِ في أوَّلِ ”سُورَةِ الأعْرافِ“ .
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في إعْرابِ: ”السَّيِّئاتِ“ [النحل: ٤٥]، في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: مَكَرُوا المَكَراتِ السَّيِّئاتِ، أيْ: القَبِيحاتِ قُبْحًا شَدِيدًا؛ كَما ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٣٠]، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَفْعُولٌ بِهِ لِـ ”مَكَرُوا“ عَلى تَضْمِينِ ”مَكَرُوا“ مَعْنى فَعَلُوا. وهَذا أقْرَبُ أوْجُهِ الإعْرابِ عِنْدِي. وقِيلَ: مَفْعُولٌ بِهِ لِـ ”أمِنَ“، أيْ: أأمِنَ الماكِرُونَ السَّيِّئاتِ، أيِ: العُقُوباتِ الشَّدِيدَةَ الَّتِي تَسُوءُهم عِنْدَ نُزُولِها بِهِمْ. ذَكَرَ الوَجْهَ الأوَّلَ: الزَّمَخْشَرِيُّ، والأخِيرَيْنِ ابْنُ عَطِيَّةَ. وذَكَرَ الجَمِيعَ أبُو حَيّانَ في ”البَحْرِ المُحِيطِ“ .
تَنْبِيهُ.
كُلُّ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ بَعْدَها واوُ العَطْفِ أوْ فاؤُهُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥]، ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ [سبإ: ٩]، ﴿أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [الجاثية: ٣١]، إلَخْ، وفِيهِ وجْهانِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ: أحَدُهُما: أنَّ الفاءَ والواوَ كِلْتاهُما عاطِفَةٌ ما بَعْدَها عَلى مَحْذُوفٍ دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ؛ كَقَوْلِكَ مَثَلًا: أنُمْهِلُكم فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا ؟ أعَمُوا فَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ ؟ ألَمْ تَأْتِكم آياتِي أفَلَمْ تَكُنْ تُتْلى عَلَيْكم ؟ وهَكَذا وإلى هَذا الوَجْهِ أشارَ ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَحَذْفُ مَتْبُوعٍ بَدا هُنا اسْتُبِحْ وعَطْفُكَ الفِعْلَ عَلى الفِعْلِ يَصِحْ
وَمَحَلُّ الشّاهِدِ في الشَّطْرِ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الفاءَ والواوَ كِلْتاهُما عاطِفَةٌ لِلْجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ عَلى ما قَبْلَها؛ إلّا أنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ تَزَحْلَقَتْ عَنْ مَحَلِّها فَتَقَدَّمَتْ عَلى الفاءِ والواوِ؛ وهي مُتَأخِّرَةٌ عَنْهُما في المَعْنى، وإنَّما تَقَدَّمَتْ لَفْظًا عَنْ مَحَلِّها مَعْنًى؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامُ.
(p-٣٨٢)فَبِهَذا تَعْلَمُ: أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٤٥]، الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ؛ فَعَلى الأوَّلِ: فالمَعْنى أجَهِلَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ وعِيدَ اللَّهِ بِالعِقابِ ؟ ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ﴾، إلَخْ. وعَلى الثّانِي فالمَعْنى فَأأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ؛ فالفاءُ عاطِفَةٌ لِلْجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِالِاسْتِفْهامِ، والأوَّلُ: هو الأظْهَرُ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
16:46Страница 272
أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ فِي تَقَلُّبِهِمۡ فَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ ٤٦
Или того, что Он схватит их, пока они мечутся, и они не смогут избежать этого?
К этому аяту нет толкования
16:47Страница 272
أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ فَإِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ ٤٧
Или того, что Он схватит их, когда их охватит ужас? Воистину, твой Господь - Сострадательный, Милосердный.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَحِيمٌ أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ، تَقَدَّمَ بَيانُ هَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها مِنَ الآياتِ في ”سُورَةِ الرَّعْدِ“ .
16:48Страница 272
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدٗا لِّلَّهِ وَهُمۡ دَٰخِرُونَ ٤٨
Неужели они не наблюдали за вещами, которые созданы Аллахом? Они обладают тенью, которая склоняется вправо и влево, падая ниц пред Аллахом и оставаясь смиренной.
К этому аяту нет толкования
16:49Страница 272
وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٩
Перед Аллахом падают ниц все обитатели небес и земли, животные и ангелы, и они не проявляют высокомерия.
К этому аяту нет толкования
16:50Страница 272
يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ۩ ٥٠
Они боятся своего Господа, Который над ними, и совершают то, что им велено.
К этому аяту нет толкования
16:51Страница 272
۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٥١
Аллах сказал: «Не поклоняйтесь двум богам, ибо есть только один Бог. Меня одного бойтесь».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ . نَهى اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ جَمِيعَ البَشَرِ عَنْ أنْ يَعْبُدُوا إلَهًا آخَرَ مَعَهُ، وأخْبَرَهم أنَّ المَعْبُودَ المُسْتَحِقَّ لِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ واحِدٌ، ثُمَّ أمَرَهم أنْ يَرْهَبُوهُ، أيْ: يَخافُونَهُ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي بِيَدِهِ الضُّرُّ والنَّفْعُ، لا نافِعَ ولا ضارَّ سِواهُ.
وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ [ق: ٢٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] .
وَبَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في مَواضِعَ أُخَرَ: اسْتَحالَةَ تَعَدُّدِ الألِهَةِ عَقْلًا؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١ - ٩٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]، والآياتُ بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، فَلا نُطِيلُ بِها الكَلامَ. وقَدَّمَ المَفْعُولَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾، لِلدَّلالَةِ عَلى الحَصْرِ. وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ في مَبْحَثِ ”مَفْهُومِ المُخالَفَةِ“، وفي المَعانِي في مَبْحَثِ القَصْرِ ": أنَّ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ مِن صِيَغِ الحَصْرِ. أيْ: خافُونِ وحْدِي ولا تَخافُوا سِوايَ. وهَذا الحَصْرُ المُشارُ إلَيْهِ هُنا بِتَقْدِيمِ المَعْمُولِ بَيَّنَهُ - جَلَّ وعَلا - في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ﴾ (p-٣٨٣)الآيَةَ [الأحزاب: ٣٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
16:52Страница 272
وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ٥٢
Ему принадлежит то, что на небесах и на земле. Ему одному надлежит поклоняться. Неужели вы станете бояться кого-либо помимо Аллаха?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾، الدِّينُ هُنا: الطّاعَةُ. ومِنهُ سُمِّيَتْ أوامِرُ اللَّهِ ونَواهِيهِ دِينًا؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] .
والمُرادُ بِالدِّينِ في الآياتِ: طاعَةُ اللَّهِ بِامْتِثالِ جَمِيعِ الأوامِرِ، واجْتِنابِ جَمِيعِ النَّواهِي. ومِنَ الدِّينِ بِمَعْنى الطّاعَةِ: قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎وَأيّامٍ لَنا غُرٍّ كِرامٍ عَصَيْنا المَلْكَ فِيها أنْ نَدِينا
أيْ: عَصَيْناهُ وامْتَنَعْنا أنَّ نَدِينَ لَهُ، أيْ: نُطِيعُهُ. وقَوْلُهُ ﴿واصِبًا﴾ [النحل: ٥٢]، أيْ: دائِمًا، أيْ: لَهُ - جَلَّ وعَلا -: الطّاعَةُ والذُّلُّ والخُضُوعُ دائِمًا؛ لِأنَّهُ لا يَضْعُفُ سُلْطانُهُ، ولا يُعْزَلُ عَنْ سُلْطانِهِ، ولا يَمُوتُ ولا يُغْلَبُ، ولا يَتَغَيَّرُ لَهُ حالٌ بِخِلافِ مُلُوكِ الدُّنْيا؛ فَإنَّ الواحِدَ مِنهم يَكُونُ مُطاعًا لَهُ السَّلْطَنَةُ والحُكْمُ، والنّاسُ يَخافُونَهُ ويَطْمَعُونَ فِيما عِنْدَهُ بُرْهَةً مِنَ الزَّمَنِ، ثُمَّ يُعْزَلُ أوْ يَمُوتُ، أوْ يُذَلُّ بَعْدَ عِزٍّ، ويَتَّضِعُ بَعْدَ رِفْعَةٍ؛ فَيَبْقى لا طاعَةَ لَهُ ولا يَعْبَأُ بِهِ أحَدٌ، فَسُبْحانَ مَن لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا، ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ، وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي أشارَ إلَيْهِ مَفْهُومُ الآيَةِ بَيَّنَهُ - جَلَّ وعَلا - في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ٣]؛ لِأنَّها تَرْفَعُ أقْوامًا كانَتْ مَنزِلَتُهم مُنْخَفِضَةً في الدُّنْيا، وتُخْفِضُ أقْوامًا كانُوا مُلُوكًا في الدُّنْيا، لَهُمُ المَكانَةُ الرَّفِيعَةُ،
• وقَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] .
وَنَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ قَوْلُهُ: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ [الصافات: ٨ - ٩]، أيْ: دائِمٌ. وقِيلَ: عَذابٌ مُوجِعٌ مُؤْلِمٌ، والعَرَبُ تُطْلِقُ الوَصَبَ عَلى المَرَضِ، وتُطْلِقُ الوُصُوبَ عَلى الدَّوامِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ لَمّا سَألَهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ [النحل: ٥٢]، قالَ لَهُ: الواصِبُ: الدّائِمُ، واسْتَشْهَدَ لَهُ بُقُولِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ: (p-٣٨٤)
؎وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا ولَهُ المُلْكُ ∗∗∗ وحَمْدٌ لَهُ عَلى كُلِّ حالٍ
وَمِنهُ قَوْلُ الدُّؤَلِيِّ:
؎لا أبْتَغِي الحَمْدَ القَلِيلَ بَقاؤُهُ ∗∗∗ يَوْمًا بِذَمِّ الدَّهْرِ أجْمَعَ واصِبًا
وَمِمَّنْ قالَ: بِأنَّ مَعْنى الواصِبِ في هَذِهِ الآيَةِ الدّائِمِ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، ومَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ، والسُّدِّيُّ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وغَيْرُهم. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ”واصِبًا“: أيْ: واجِبًا. وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: ”واصِبًا“: أيْ: خالِصًا. وعَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ هَذا، فالخَبَرُ بِمَعْنى الإنْشاءِ؛ أيْ: ارْهَبُوا أنْ تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا، وأخْلِصُوا لِي الطّاعَةَ - وعَلَيْهِ فالآيَةُ
• كَقَوْلِهِ: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ [الزمر: ٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]،
• وقَوْلِهِ: ”واصِبًا“ [النحل: ٥٢]،
حالٌ عَمِلَ فِيهِ الظَّرْفُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾، أنْكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى مَن يَتَّقِي غَيْرَهُ؛ لِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُتَّقى إلّا مَن بِيَدِهِ النَّفْعُ كُلُّهُ والضُّرُّ كُلُّهُ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَنْفَعَكَ بِشَيْءٍ لَمْ يُرِدْهُ اللَّهُ لَكَ، ولا يَسْتَطِيعُ أنْ يَضُرَّكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ.
وَقَدْ أشارَ تَعالى هُنا إلى أنَّ إنْكارَ اتِّقاءِ غَيْرِ اللَّهِ؛ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يُرْجى مِنهُ النَّفْعُ، ويُخْشى مِنهُ الضُّرُّ، ولِذَلِكَ أتْبَعَ قَوْلَهُ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ [النحل: ٥٢]، بِقَوْلِهِ: ﴿وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، ومَعْنى ”تَجْأرُونَ“: تَرْفَعُونَ أصْواتَكم بِالدُّعاءِ والِاسْتِغاثَةِ عِنْدَ نُزُولِ الشَّدائِدِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى أوِ النّابِغَةِ يَصِفُ بَقَرَةً:
؎فَطافَتْ ثَلاثًا بَيْنَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ∗∗∗ وكانَ النَّكِيرُ أنْ تُضِيفَ وتَجْأرا
وَقَوْلُ الأعْشى:
؎يُراوِحُ مِن صَلَواتِ المَلِيكِ ∗∗∗ طَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارًا
وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤ - ٦٥]، وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ (p-٣٨٥)قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٠٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هو مَوْلانا﴾ الآيَةَ [التوبة: ٥١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٣٨]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «اللَّهُمَّ لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجِدِّ مِنكَ الجَدُّ» . وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ المَشْهُورِ: «واعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلى أنْ يَنْفَعُوكَ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وإنِ اجْتَمَعُوا عَلى أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إلّا بِشَيْءٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأقْلامُ، وجَفَّتِ الصُّحُفُ» .
16:53Страница 272
وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ ٥٣
Все блага, которые вы имеете, - от Аллаха. И если вас касается беда, то вы громко зовете Его на помощь.
К этому аяту нет толкования
16:54Страница 272
ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٥٤
Когда же Он избавляет вас от беды, то некоторые из вас начинают приобщать сотоварищей к своему Господу,
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِّنْكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾، بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ بَنِي آدَمَ إذا مَسَّهُمُ الضُّرُّ دَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ؛ فَإذا كَشَفَ عَنْهُمُ الضُّرَّ، وأزالَ عَنْهُمُ الشِّدَّةَ: إذا فَرِيقٌ مِنهم وهُمُ الكُفّارُ يَرْجِعُونَ في أسْرَعِ وقْتٍ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي. وقَدْ كَرَّرَ - جَلَّ وعَلا - هَذا المَعْنى في القُرْآنِ؛
• كَقَوْلِهِ في ”يُونُسَ“: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢]، إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [يونس: ٢٣]،
• وقَوْلِهِ ”في الإسْراءِ“: ﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]،
• وقَوْلِهِ في آخِرِ ”العَنْكَبُوتِ“: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]،
• وقَوْلِهِ في ”الأنْعامِ“: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٤]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا هَذا في ”سُورَةِ الأنْعامِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٤٠] .
16:55Страница 273
لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٥٥
чтобы не уверовать в то, что Мы даровали им. Пользуйтесь благами, и скоро вы узнаете.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، صِيغَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ: فَتَمَتَّعُوا [النحل: ٥٥]، لِلتَّهْدِيدِ. وقَدْ تَقَرَّرَ في ”فَنِّ المَعانِي، في مَبْحَثِ الإنْشاءِ“ وفي ”فَنِّ الأُصُولِ، في مَبْحَثِ الأمْرِ“: أنَّ مِنَ المَعانِي الَّتِي تَأْتِي لَها صِيغَةُ إفْعَلِ التَّهْدِيدِ؛
• كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿فَتَمَتَّعُوا (p-٣٨٦)فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، وتَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى آياتٌ أُخَرُ؛
• كَقَوْلِهِ. ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣، ٧٠ \ ٤٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии