Аш-ШинкитиАн‑Нахль · 16:84–88

Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском

Ан-Нахль 16:84–88

16:84Страница 276

وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا ثُمَّ لَا يُؤۡذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٨٤

В тот день, когда Мы выставим из каждой общины свидетеля, неверующим не позволят оправдываться, и от них не потребуют покаяния.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ لَمْ يُبَيِّنْ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مُتَعَلِّقَ الإذْنِ في قَوْلِهِ: ﴿لا يُؤْذَنُ﴾ [النحل: ٨٤]، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في (المُرْسَلاتِ) أنَّ مُتَعَلِّقَ الإذْنِ الِاعْتِذارُ، أيْ: لا يُؤْذَنُ لَهم في الِاعْتِذارِ، لِأنَّهم لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَصِحُّ قَبُولُهُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٦] .

(p-٤٢٢)فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ نَفْيِ اعْتِذارِهِمُ المَذْكُورِ هُنا، وبَيْنَ ما جاءَ في القُرْآنِ مِنِ اعْتِذارِهِمْ ؟؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]،

• وقَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر: ٧٤]،

ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

فالجَوابُ مِن أوْجُهٍ:

مِنها: أنَّهم يَعْتَذِرُونَ حَتّى إذا قِيلَ لَهم: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، انْقَطَعَ نُطْقُهم ولَمْ يَبْقَ إلّا الزَّفِيرُ والشَّهِيقُ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَوَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥] .

وَمِنها: أنَّ نَفْيَ اعْتِذارِهِمْ يُرادُ بِهِ اعْتِذارٌ فِيهِ فائِدَةٌ. أمّا الِاعْتِذارُ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ فَهو كالعَدَمِ، يَصْدُقُ عَلَيْهِ في لُغَةِ العَرَبِ: أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ولِذا صَرَّحَ تَعالى بِأنَّ المُنافِقِينَ بُكْمٌ في قَوْلِهِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ [البقرة: ١٧١]، مَعَ قَوْلِهِ عَنْهم:

﴿وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: ٤]، أيْ: لِفَصاحَتِهِمْ وحَلاوَةِ ألْسِنَتِهِمْ. وقالَ عَنْهم أيْضًا: ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]، فَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - مِن فَصاحَتِهِمْ وحِدَّةِ ألْسِنَتِهِمْ، مَعَ تَصْرِيحِهِ بِأنَّهم بُكُمٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ كَلا شَيْءٍ، كَما هو واضِحٌ. وقالَ هُبَيْرَةُ بْنُ أبِي وهْبٍ المَخْزُومِيُّ:

وَإنَّ كَلامَ المَرْءِ في غَيْرِ كُنْهِهِ لَكالنَّبْلِ تَهْوِي لَيْسَ فِيها نِصالُها.

وَقَدْ بَيَّنّا هَذا في كِتابِنا (دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) في مَواضِعَ مِنهُ. والتَّرْتِيبُ بـِ ”ثُمَّ“ [النحل: ٨٤] في قَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النحل: ٨٤]، عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [النحل: ٨٤]، لِأجْلِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ ابْتِلاءَهم بِالمَنعِ مِنَ الِاعْتِذارِ المُشْعِرِ بِالإقْناطِ الكُلِّيِّ أشَدُّ مِنِ ابْتِلائِهِمْ بِشَهادَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا هم يَسْتَعْتِبُونَ﴾، اعْلَمْ أوْلًا: أنَّ اسْتَعْتَبَ تُسْتَعْمَلُ في اللُّغَةِ بِمَعْنى طَلَبِ العُتْبى؛ أيْ: الرُّجُوعِ إلى ما يُرْضِي العاتِبِ ويَسُرُّهُ. وتُسْتَعْمَلُ أيْضًا في اللُّغَةِ بِمَعْنى أعْتَبَ: إذا أعْطى العُتْبى، أيْ: رَجَعَ إلى ما يُحِبُّ العاتِبُ ويَرْضى، فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ [النحل: ٨٤]، وجْهَيْنِ مِنَ التَّفْسِيرِ مُتَقارِبِي المَعْنى.

(p-٤٢٣)قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ، أيْ: لا تُطْلَبُ مِنهُمُ العُتْبى، بِمَعْنى لا يُكَلَّفُونَ أنْ يُرْضُوا رَبَّهم؛ لِأنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدارِ تَكْلِيفٍ، فَلا يُرَدُّونَ إلى الدُّنْيا لِيَتُوبُوا.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ، أيْ: يُعْتَبُونَ، بِمَعْنى يُزالُ عَنْهُمُ العَتَبُ، ويُعْطَوْنَ العُتْبى وهي الرِّضا؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الكافِرِينَ. وهَذا المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى في قِراءَةِ الجُمْهُورِ: ﴿وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤]، أيْ: وإنْ يَطْلُبُوا العُتْبى - وهي الرِّضا عَنْهم لِشِدَّةِ جَزَعِهِمْ - فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ؛ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ: المُعْطَيْنَ العُتْبى وهي الرِّضا عَنْهم؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: أعْتِبَهُ إذا رَجَعَ إلى ما يُرْضِيهِ ويَسُرُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:

؎أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ

أيْ: لا يُرْجِعُ الدَّهْرُ إلى مَسَرَّةٍ مَن جَزَعَ، ورِضاهُ. وقَوْلُ النّابِغَةِ:

؎فَإنْ كُنْتَ مَظْلُومًا فَعَبْدٌ ظَلَمْتَهُ ∗∗∗ وإنْ كُنْتَ ذا عُتْبى فَمِثْلُكَ يَعْتِبُ

وَأمّا قَوْلُ بِشْرِ بْنِ أبِي خازِمٍ:

؎غَضِبَتْ تَمِيمٌ أنْ تُقَتَّلَ عامِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ النِّسارِ فَأُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ

يَعْنِي: أعْتَبْناهم بِالسَّيْفِ، أيْ: أرْضَيْناهم بِالقَتْلِ؛ فَهو مِن قَبِيلِ التَّهَكُّمِ، كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبْ:

؎وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَها بَخِيلٍ ∗∗∗ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ

لِأنَّ القَتْلَ لَيْسَ بِإرْضاءٍ، والضَّرْبَ الوَجِيعَ لَيْسَ بِتَحِيَّةٍ.

وَأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: ﴿وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ [فصلت: ٢٤]، بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ ﴿فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤]، بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، فالمَعْنى: أنَّهم لَوْ طُلِبَتْ مِنهُمُ العُتْبى ورُدُّوا إلى الدُّنْيا لِيَعْمَلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رُسُلِهِ، ”فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ“ أيِ: الرّاجِعِينَ إلى ما يُرْضِي رَبَّهم، بَلْ يَرْجِعُونَ إلى كُفْرِهِمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ أوْلًا. وهَذِهِ القِراءَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] .

16:85Страница 276

وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلۡعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٨٥

Когда же беззаконники увидят мучения, то не будет им ни облегчения, ни отсрочки.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ إذا رَأوُا العَذابَ لا يُخَفَّفُ عَنْهم، ولا يُنْظَرُونَ أيْ لا يُمْهَلُونَ، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ. وبَيَّنَ أنَّهم يَرَوْنَ النّارَ وأنَّها (p-٤٢٤)تَراهم، وأنَّها تَكادُ تَتَقَطَّعُ مِن شِدَّةِ الغَيْظِ عَلَيْهِمْ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٩ - ٤٠]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]،

• وقَوْلِهِ: ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ [الملك: ٧، ٨]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

16:86Страница 276

وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ شُرَكَآءَهُمۡ قَالُواْ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدۡعُواْ مِن دُونِكَۖ فَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلَ إِنَّكُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٨٦

Когда многобожники увидят своих сотоварищей, они скажут: «Господь наш! Вот сотоварищи, к которым мы взывали вместо Тебя». Но они отбросят их слова и скажут: «Воистину, вы - лжецы!».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا رَأوْا مَعْبُوداتِهِمُ الَّتِي كانُوا يُشْرِكُونَها بِاللَّهِ في عِبادَتِهِ قالُوا لِرَبِّهِمْ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ﴾ [النحل: ٨٦] وأنَّ مَعْبُوداتِهِمْ تُكَذِّبُهم في ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ لَهم: كَذَبْتُمْ ! ما ﴿كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] .

وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وَإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢]،

• وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [القصص: ٦٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كَذَّبَتْهم آلِهَتُهم ونَفُوا أنَّهم عَبَدُوهم، مَعَ أنَّ الواقِعَ خِلافُ ما قالُوا، وأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَهم في دارِ الدُّنْيا مِن دُونِ اللَّهِ ! فالجَوابُ: أنَّ تَكْذِيبَهم لَهم مُنْصَبٌّ عَلى زَعْمِهِمْ أنَّهم آلِهَةٌ، وأنَّ عِبادَتَهم حَقٌّ، وأنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ زُلْفى. ولا شَكَّ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الكَذِبِ وأشْنَعِ الِافْتِراءِ. ولِذَلِكَ هم صادِقُونَ فِيما ألْقَوْا إلَيْهِمْ مِنَ القَوْلِ، ونَطَقُوا فِيهِ بِأنَّهم كاذِبُونَ. ومُرادُ الكُفّارِ بِقَوْلِهِمْ لِرَبِّهِمْ: ”هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا“، قِيلَ لِيُحَمِّلُوا شُرَكاءَهم تَبِعَةَ ذَنْبِهِمْ.

وَقِيلَ: لِيَكُونُوا (p-٤٢٥)شُرَكاءَهم في العَذابِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨]، وقَدْ نَصَّ تَعالى عَلى أنَّهم وما يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ في النّارِ جَمِيعًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ . . . الآيَةَ [الأنبياء: ٩٨]، وأخْرَجَ مِن ذَلِكَ المَلائِكَةَ وعِيسى وعُزَيْرًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ . . . الآيَةَ [الأنبياء: ١٠١]؛ لِأنَّهم ما عَبَدُوهم بِرِضاهم. بَلْ لَوْ أطاعُوهم لَأخْلَصُوا العِبادَةَ لِلَّهِ وحْدَهُ - جَلَّ وعَلا - .

16:87Страница 276

وَأَلۡقَوۡاْ إِلَى ٱللَّهِ يَوۡمَئِذٍ ٱلسَّلَمَۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٨٧

В тот день они изъявят Аллаху покорность, и покинет их (или исчезнет) то, что они измышляли.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وضَلَّ عَنْهم مّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾، إلْقاؤُهم إلى اللَّهِ السَّلَّمَ: هو انْقِيادُهم لَهُ، وخُضُوعُهم؛ حَيْثُ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ﴾ [طه: ١١١]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِن ذَلِكَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨] .

وَقَوْلِهِ: ﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٨٧]، أيْ: غابَ عَنْهم واضْمَحَلَّ ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ. مِن أنَّ شُرَكاءَهم تَشْفَعُ لَهم وتُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ زُلْفى؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ . . . الآيَةَ [يونس: ١٨]، وكَقَوْلِهِ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، وضَلالُ ذَلِكَ عَنْهم مَذْكُورٌ في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠]، وقَوْلِهِ: ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٥]، وقَدْ قَدَّمْنا مَعانِيَ الضَّلالِ في القُرْآنِ وفي اللُّغَةِ بِشَواهِدِها.

16:88Страница 277

ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدۡنَٰهُمۡ عَذَابٗا فَوۡقَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفۡسِدُونَ ٨٨

Для тех, которые не уверовали и сбивали других с пути Аллаха, Мы будем прибавлять мучения к мучениям за то, что они распространяли нечестие.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾، اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ ”صَدَّ“ تُسْتَعْمَلُ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ اسْتِعْمالَيْنِ أحَدُهُما: أنْ تُسْتَعْمَلَ مُتَعَدِّيَةً إلى المَفْعُولِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ . . . الآيَةَ [الفتح: ٢٥]، ومُضارِعُ هَذِهِ المُتَعَدِّيَةِ ”يَصُدُّ“ بِالضَّمِّ عَلى القِياسِ، ومَصْدَرُها ”الصَّدِّ“ عَلى القِياسِ أيْضًا. والثّانِي: أنْ تُسْتَعْمَلَ ”صَدَّ“ لازِمَةً غَيْرَ مُتَعَدِّيَةٍ إلى المَفْعُولِ، ومَصْدَرُ هَذِهِ ”الصُّدُودُ“ عَلى القِياسِ، وفي مُضارِعِها الكَسْرُ عَلى القِياسِ، والضَّمُّ عَلى السَّماعِ؛ وعَلَيْهِما القِراءَتانِ السَّبْعِيَّتانِ في قَوْلِهِ: ﴿إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ (p-٤٢٦)[الزخرف: ٥٧]، بِالكَسْرِ والضَّمِّ.

فَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ: فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النحل: ٨٨]، مُحْتَمَلٌ؛ لِأنْ تَكُونَ ”صَدَّ“ مُتَعَدِّيَةً، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ؛ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:

؎وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أجِزْ إنْ لَمْ يَضِرْ كَحَذْفِ ما سِيقَ جَوابًا أوْ حُصِرْ

وَمُحْتَمَلٌ لِأنْ تَكُونَ ”صَدَّ“ لازِمَةً غَيْرَ مُتَعَدِّيَةٍ إلى المَفْعُولِ، ولَكِنْ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثَلاثُ قَرائِنَ تَدُلُّ عَلى أنَّ ”صَدَّ“ مُتَعَدِّيَةٌ، والمَفْعُولَ مَحْذُوفٌ، أيْ: وصَدُّوا النّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.

الأُولى: أنّا لَوْ قَدَّرْنا ”صَدَّ“ لازِمَةً، وأنَّ مَعْناها: صُدُودُهم في أنْفُسِهِمْ عَنِ الإسْلامِ؛ لَكانَ ذَلِكَ تِكْرارًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النحل: ٨٨]، بَلْ مَعْنى الآيَةِ: كَفَرُوا في أنْفُسِهِمْ، وصَدُّوا غَيْرَهم عَنِ الدِّينِ فَحَمَلُوهُ عَلى الكُفّارِ أيْضًا.

القَرِينَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨]، فَإنَّ هَذِهِ الزِّيادَةَ مِنَ العَذابِ لِأجْلِ إضْلالِهِمْ غَيْرَهم. والعَذابُ المَزِيدُ فَوْقَهُ: هو عَذابُهم عَلى كُفْرِهِمْ في أنْفُسِهِمْ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في المُضِلِّينَ الَّذِينَ أضَلُّوا غَيْرَهم: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ . . . الآيَةَ [النحل: ٢٥]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ . . . الآيَةَ [العنكبوت: ١٣]، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.

القَرِينَةُ الثّالِثَةُ، قَوْلُهُ: ﴿بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨]، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يُفْسِدُونَ عَلى غَيْرِهِمْ مَعَ ضَلالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وقَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨]، أيْ: الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ بِضَلالِهِمْ وكُفْرِهِمْ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّ هَذا العَذابَ المَزِيدَ: عَقارِبُ أنْيابُها كالنَّخْلِ الطِّوالِ، وحَيّاتٌ مِثْلُ أعْناقِ الإبِلِ، وأفاعِي كَأنَّها البَخاتِيُّ تَضْرِبُهم. أعاذَنا اللَّهُ وإخْوانَنا المُسْلِمِينَ مِنها. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English