Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
Аль-Исра 17:12–14
17:12Страница 283
وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيۡنِۖ فَمَحَوۡنَآ ءَايَةَ ٱلَّيۡلِ وَجَعَلۡنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبۡصِرَةٗ لِّتَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡ وَلِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ وَكُلَّ شَيۡءٖ فَصَّلۡنَٰهُ تَفۡصِيلٗا ١٢
Мы сделали ночь и день двумя знамениями. Мы погрузили во мрак знамение ночи, а знамение дня сделали светящимся, чтобы вы стремились к милости вашего Господа, могли вести летоисчисление и знали счет. Всякой вещи Мы дали исчерпывающее разъяснение.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ، أيْ عَلامَتَيْنِ دالَّتَيْنِ عَلى أنَّهُ الرَّبُّ المُسْتَحِقُّ أنَّ يُعْبَدَ وحْدَهُ، ولا يُشْرَكُ مَعَهُ غَيْرُهُ، وكَرَّرَ تَعالى هَذا المَعْنى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ﴾ [فصلت: ٣٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ [يس: ٣٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأحزاب: ٨٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا (p-٥٦)والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها والقَمَرِ إذا تَلاها والنَّهارِ إذا جَلّاها واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ الآيَةَ [الشمس: ١ - ٤]،
• وقَوْلِهِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ الآيَةَ [الليل: ١، ٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ الآيَةَ [الضحى: ١ - ٢]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [الإسراء: ١٢] يَعْنِي أنَّهُ جَعَلَ اللَّيْلَ مُظْلِمًا مُناسِبًا لِلْهُدُوءِ والرّاحَةِ، والنَّهارَ مُضِيئًا مُناسِبًا لِلْحَرَكَةِ والِاشْتِغالِ بِالمَعاشِ في الدُّنْيا، فَيَسْعَوْنَ في مَعاشِهِمْ في النَّهارِ، ويَسْتَرِيحُونَ مِن تَعَبِ العَمَلِ بِاللَّيْلِ، ولَوْ كانَ الزَّمَنُ كُلُّهُ لَيْلًا لَصَعُبَ عَلَيْهِمُ العَمَلُ في مَعاشِهِمْ، ولَوْ كانَ كُلُّهُ نَهارًا لَأهْلَكَهُمُ التَّعَبُ مِن دَوامِ العَمَلِ.
فَكَما أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتانِ مِن آياتِهِ جَلَّ وعَلا، فَهُما أيْضًا نِعْمَتانِ مَن نِعَمِهِ جَلَّ وعَلا.
وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى المُشارَ إلَيْهِ هُنا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَمِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧١ - ٧٣] .
فَقَوْلُهُ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾، أيْ في اللَّيْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]، أيْ في النَّهارِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ الآيَةَ [النبإ: ٩ - ١١]، وقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا والنَّوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧]، وقَوْلُهُ: ﴿وَمِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ الآيَةَ [الروم: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [الإسراء: ١٢]، بَيَّنَ فِيهِ نِعْمَةً أُخْرى عَلى خُلُقِهِ، وهي مَعْرِفَتُهم عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابِ، لِأنَّهم بِاخْتِلافِ (p-٥٧)اللَّيْلِ والنَّهارِ يَعْلَمُونَ عَدَدَ الأيّامِ والشُّهُورِ والأعْوامِ، ويَعْرِفُونَ بِذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ لِيُصَلُّوا فِيهِ صَلاةَ الجُمُعَةِ، ويَعْرِفُونَ شَهْرَ الصَّوْمِ، وأشْهُرَ الحَجِّ، ويَعْلَمُونَ مُضِيَّ أشْهُرِ العِدَّةِ لِمَن تَعْتَدُّ بِالأشْهُرِ المُشارِ إلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] . ويَعْرِفُونَ مُضِيِّ الآجالِ المَضْرُوبَةِ لِلدُّيُونِ والإجاراتِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَبَيَّنَ جَلَّ وعَلا هَذِهِ الحِكْمَةَ في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥] . وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] فِيهِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ لِلْعُلَماءِ:
أحَدُهُما: أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا نَيِّرَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، أيِ الشَّمْسِ والقَمَرِ آيَتَيْنِ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ، فَآيَةُ اللَّيْلِ هي القَمَرُ، وآيَةُ النَّهارِ هي الشَّمْسُ، والمَحْوُ: الطَّمْسُ. وعَلى هَذا القَوْلِ: فَمَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ قِيلَ مَعْناهُ السَّوادُ الَّذِي في القَمَرِ، وبِهَذا قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ومُجاهِدٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
وَقِيلَ: مَعْنى ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ١٢]، أيْ لَمْ نَجْعَلْ في القَمَرِ شُعاعًا كَشُعاعِ الشَّمْسِ تَرى بِهِ الأشْياءَ رُؤْيَةً بَيِّنَةً، فَنَقُصُّ نُورَ القَمَرِ عَنْ نُورِ الشَّمْسِ هو مَعْنى الطَّمْسِ عَلى هَذا القَوْلِ.
وَهَذا أظْهَرُ عِنْدِي لِمُقابَلَتِهِ تَعالى لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢]، والقَوْلُ بِأنَّ مَعْنى مَحْوِ آيَةِ اللَّيْلِ: السَّوادُ الَّذِي في القَمَرِ لَيْسَ بِظاهِرٍ عِنْدِي وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ الصَّحابَةِ الكِرامِ، وبَعْضُ أجِلّاءِ أهْلِ العِلْمِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ المَذْكُورِ؛ أيِ الشَّمْسَ مُبْصِرَةً، أيْ: ذاتَ شُعاعٍ يُبْصَرُ في ضَوْئِها كُلُّ شَيْءٍ عَلى حَقِيقَتِهِ.
قالَ الكِسائِيُّ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ: أبْصَرَ النَّهارَ: إذا أضاءَ وصارَ بِحالَةٍ يُبْصَرُ (p-٥٨)بِها، نَقَلَهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: هَذا التَّفْسِيرُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِمْ: نَهارُهُ صائِمٌ، ولَيْلُهُ قائِمٌ. ومِنهُ قَوْلُهُ:
؎لَقَدْ لُمْتِنا يا أمَّ غَيْلانَ في السُّرى ونِمْتِ وما لَيْلُ المُحِبِّ بِنائِمِ
وَغايَةُ ما في الوَجْهِ المَذْكُورِ مِنَ التَّفْسِيرِ: حَذْفُ مُضافٍ، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ إنْ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ، قالَ في الخُلاصَةِ: وما يَلِي المُضافَ يَأْتِي خَلَفًا عَنْهُ في الإعْرابِ إذا ما حُذِفا
والقَرِينَةُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ الدّالَّةُ عَلى المُضافِ المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢]، فَإضافَةُ الآيَةِ إلى اللَّيْلِ والنَّهارِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الآيَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ لَهُما لا هُما أنْفَسَهُما، وحَذْفُ المُضافِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ [يوسف: ٨٢]، وقَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؛ أيْ نِكاحُها، وقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، أيْ أكْلُها، ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَعَلى القَوْلِ بِتَقْدِيرِ المُضافِ، وأنَّ المُرادَ بِالآيَتَيْنِ الشَّمْسُ والقَمَرُ، فالآياتُ المُوَضِّحَةُ لِكَوْنِ الشَّمْسِ والقَمَرِ آيَتَيْنِ تَقَدَّمَتْ مُوَضَّحَةً في سُورَةِ النَّحْلِ.
الوَجْهُ الثّانِي مِنَ التَّفْسِيرِ: أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ لَيْسَ فِيها مُضافٌ مَحْذُوفٌ، وأنَّ المُرادَ بِالآيَتَيْنِ نَفْسُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، لا الشَّمْسُ والقَمَرُ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ فَإضافَةُ الآيَةِ إلى اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظِ، تَنْزِيلًا لِاخْتِلافِ اللَّفْظِ مَنزِلَةَ الِاخْتِلافِ في المَعْنى، وإضافَةُ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظِ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، فَمِنهُ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨٥]، ورَمَضانُ هو نَفْسُ الشَّهْرِ بِعَيْنِهِ عَلى التَّحْقِيقِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ﴾ الآيَةَ [يوسف: ١٠٩]، والدّارُ هي الآخِرَةُ بِعَيْنِها، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَلَلدّارُ الآخِرَةُ﴾ [الأنعام: ٣٢] بِالتَّعْرِيفِ، والآخِرَةُ نَعْتٌ لِلدّارِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، والحَبْلُ هو الوَرِيدُ، وقَوْلُهُ: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٤٣]، والمَكْرُ هو السَّيْءُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] (p-٥٩)
وَمِن أمْثِلَتِهِ في كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎كَبِكْرِ المُقاناةِ البَياضِ بِصُفْرَةٍ ∗∗∗ غَذّاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ
لِأنَّ المُقاناةَ هي البِكْرُ بِعَيْنِها، وقَوْلُ عَنْتَرَةَ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎وَمِشَكٍّ سابِغَةٍ هَتَكْتُ فُرُوجَها ∗∗∗ بِالسَّيْفِ عَنْ حامِي الحَقِيقَةِ مُعْلِمِ
لِأنَّ مُرادَهُ بِالمِشَكِّ: السّابِغَةُ بِعَيْنِها، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: هَتَكْتُ فُرُوجَها؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى السّابِغَةِ الَّتِي عَبَّرَ عَنْها بِالمِشَكِّ.
وَقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في كِتابِنا (دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) في سُورَةِ فاطِرٍ، وبَيَّنّا أنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لَنا: أنَّ إضافَةَ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ مَعَ اخْتِلافِ لَفْظِ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ؛ لِأنَّ تَغايُرَ اللَّفْظَيْنِ رُبَّما نُزِّلَ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ المَعْنَوِيِّ لِكَثْرَةِ الإضافَةِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، وجَزَمَ بِذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ في بَعْضِ مَواضِعِهِ في القُرْآنِ، وعَلَيْهِ فَلا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
؎وَلا يُضافُ اسْمٌ لِما بِهِ اتَّحَدَ ∗∗∗ مَعْنًى وأوَّلْ مُوَهَّمًا إذا ورَدَ
وَمِمّا يَدُلُّ عَلى ضَعْفِ التَّأْوِيلِ المَذْكُورِ قَوْلُهُ:
؎وَإنْ يَكُونا مُفْرَدَيْنِ فَأضِفْ ∗∗∗ حَتْمًا وإلّا أتْبَعَ الَّذِي رَدَفَ
لِأنَّ إيجابَ إضافَةِ العَلَمِ إلى اللَّقَبِ مَعَ اتِّحادِهِما في المَعْنى إنْ كانا مُفْرَدَيْنِ المُسْتَلْزِمُ لِلتَّأْوِيلِ، ومَنعُ الإتْباعِ الَّذِي لا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلِ دَلِيلٍ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِن أسالِيبِها لَوَجَبَ تَقْدِيمُ ما لا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ عَلى المُحْتاجِ إلى تَأْوِيلٍ كَما تَرى. وعَلى هَذا الوَجْهِ مِنَ التَّفْسِيرِ فالمَعْنى: فَمَحَوْنا الآيَةَ الَّتِي هي اللَّيْلُ، وجَعَلَنا الآيَةَ الَّتِي هي النَّهارُ مُبْصِرَةً، أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ مَمْحُوَّ الضَّوْءِ مَطْمُوسَهُ، مُظْلِمًا لا تُسْتَبانُ فِيهِ الأشْياءُ كَما لا يُسْتَبانُ ما في اللَّوْحِ المَمْحُوِّ، وجَعَلْنا النَّهارَ مُبْصِرًا، أيْ تُبْصَرُ فِيهِ الأشْياءُ وتُسْتَبانُ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢] تَقَدَّمَ إيضاحَهُ، والآياتُ الدّالَّةُ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَزَّلْنا (p-٦٠)عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [النحل: ٨٩] .
17:13Страница 283
وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ١٣
Каждому человеку Мы повесили на шею его деяния (сделали их неразлучными с ним). А в День воскресения Мы представим ему книгу, которую он увидит развернутой.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ .
فِي قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ﴾ [الإسراء: ١٣]، وجْهانِ مَعْرُوفانِ مِنَ التَّفْسِيرِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالطّائِرِ: العَمَلُ، مِن قَوْلِهِمْ: طارَ لَهُ سَهْمٌ إذا خَرَجَ لَهُ، أيْ: ألْزَمْناهُ ما طارَ لَهُ مِن عَمَلِهِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالطّائِرِ ما سَبَقَ لَهُ في عِلْمِ اللَّهِ مِن شَقاوَةٍ أوْ سَعادَةٍ، والقَوْلانِ مُتَلازِمانِ؛ لِأنَّ ما يَطِيرُ لَهُ مِنَ العَمَلِ هو سَبَبُ ما يَئُولُ إلَيْهِ مِنَ الشَّقاوَةِ أوِ السَّعادَةِ.
فَإذا عَرَفْتَ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ فاعْلَمْ: أنّا قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ الآيَةَ قَدْ يَكُونُ فِيها لِلْعُلَماءِ قَوْلانِ أوْ أقْوالٌ، وكُلُّها حَقٌّ، ويَشْهَدُ لَهُ قُرْآنُ، فَنَذْكُرُ جَمِيعَ الأقْوالِ وأدِلَّتَها مِنَ القُرْآنِ، لِأنَّها كُلَّها حَقٌّ، والوَجْهانِ المَذْكُورانِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ كِلاهُما يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ.
أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّ المُرادَ بِطائِرِهِ عَمَلُهُ، فالآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ عَمَلَ الإنْسانِ لازِمٌ لَهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٢٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التحريم: ٧]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]
والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِطائِرِهِ نَصِيبُهُ الَّذِي طارَ لَهُ في الأزَلِ مِنَ الشَّقاوَةِ أوِ السَّعادَةِ، فالآياتُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ أيْضًا كَثِيرَةٌ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: في عُنُقِهِ [الإسراء: ١٣]؛ أيْ: جَعَلْنا عَمَلَهُ، أوْ ما سَبَقَ لَهُ مِن شَقاوَةٍ في عُنُقِهِ، أيْ: لازِمًا لَهُ لُزُومَ القِلادَةِ أوِ الغِلِّ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: تَقَلَّدَها طَوْقَ الحَمامَةِ، وقَوْلُهم: المَوْتُ في الرِّقابِ، وهَذا الأمْرُ رِبْقَةٌ في رَقَبَتِهِ، (p-٦١)وَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎اذْهَبْ بِها اذْهَبْ بِها طَوَّقْتَها طَوْقَ الحَمامَةِ
فالمَعْنى في ذَلِكَ كُلِّهِ: اللُّزُومُ وعَدَمُ الِانْفِكاكِ.
وَقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ الَّذِي ألْزَمَ الإنْسانَ إيّاهُ يُخْرِجُهُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ في كِتابٍ يَلْقاهُ مَنشُورًا، أيْ مَفْتُوحًا يَقْرَؤُهُ هو وغَيْرُهُ.
وَبَيَّنَ أشْياءَ مِن صِفاتِ هَذا الكِتابِ الَّذِي يَلْقاهُ مَنشُورًا في آياتٍ أُخَرَ، فَبَيَّنَ أنَّ مِن صِفاتِهِ: أنَّ المُجْرِمِينَ مُشْفِقُونَ؛ أيْ خائِفُونَ مِمّا فِيهِ، وأنَّهُ لا يَتْرُكُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها، وأنَّهم يَجِدُونَ فِيهِ جَمِيعَ ما عَمِلُوا حاضِرًا لَيْسَ مِنهُ شَيْءٌ غائِبًا، وأنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا لا يَظْلِمُهم في الجَزاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ ياوَيْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] .
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ بَعْضَ النّاسِ يُؤْتى هَذا الكُتّابُ بِيَمِينِهِ - جَعَلَنا اللَّهُ وإخْوانِنا المُسْلِمِينَ مِنهم - وأنَّ مَن أُوتِيَهُ بِيَمِينِهِ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا، ويَرْجِعُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا، وأنَّهُ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ، في جَنَّةٍ عالِيَةٍ، قُطُوفُها دانِيَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ٧ - ٩]، وقالَ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٣] .
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ مَن أُوتِيَهُ بِشَمالِهِ يَتَمَنّى أنَّهُ لَمْ يُؤْتَهُ، وأنَّهُ يُؤْمَرُ بِهِ فَيَصْلى الجَحِيمَ، ويُسْلَكُ في سِلْسِلَةٍ مِن سَلاسِلِ النّارِ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿وَلَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ ﴿يالَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٢٥ - ٣٢] (p-٦٢)أعاذَنا اللَّهُ وإخْوانَنا المُسْلِمِينَ مِنَ النّارِ، ومِمّا قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ.
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ يَصْلى السَّعِيرَ، ويَدْعُو الثُّبُورَ. وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٠ - ١٢]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]، يَعْنِي أنَّ نَفْسَهُ تَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَظْلِمْ، ولَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ إلّا ما عَمِلَ؛ لِأنَّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ يَتَذَكَّرُ كُلَّ ما عَمِلَ في الدُّنْيا مِن أوَّلِ عُمْرِهِ إلى آخِرِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] .
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّهُ إنْ أنْكَرَ شَيْئًا مِن عَمَلِهِ شَهِدَتْ عَلَيْهِ جَوارِحُهُ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣]،
• وقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿وَلَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٤ - ١٥]،
وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ لِهَذا زِيادَةُ إيضاحٍ في سُورَةِ القِيامَةِ.
* *
تَنْبِيهٌ
لَفْظَةُ ”كَفى“ تُسْتَعْمَلُ في القُرْآنِ واللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ اسْتِعْمالَيْنِ:
تُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيَةً، وهي تَتَعَدّى غالِبًا إلى مَفْعُولَيْنِ، وفاعِلُ هَذِهِ المُتَعَدِّيَةِ لا يَجُرُّ بِالباءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥]، وكَقَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٣٦]، وقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٣٧]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَتَسْتَعْمِلُ لازِمَةً، ويَطَّرِدُ جَرُّ فاعِلِها بِالباءِ المَزِيدَةِ لِتَوْكِيدِ الكِفايَةِ كَقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَيَكْثُرُ إتْيانُ التَّمْيِيزِ بَعْدَ فاعِلِها المَجْرُورِ بِالباءِ، وزَعَمَ بَعْضُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ: أنَّ (p-٦٣)جَرَّ فاعِلِها بِالباءِ لازِمٌ، والحَقُّ أنَّهُ يَجُوزُ عَدَمُ جَرِّهِ بِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَمِيرَةُ ودَّعَ إنْ تَجَهَّزْتَ غادِيًا كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎وَيُخْبِرُنِي عَنْ غائِبِ المَرْءِ هَدْيُهُ ∗∗∗ كَفى الهَدْيُ عَمّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبِرًا
وَعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: يَلْقاهُ؛ بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ القافِ مَبْنِيًا لِلْمَفْعُولِ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُلْقِيهِ ذَلِكَ الكِتابَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَحَذَفَ الفاعِلَ فَبَنِي الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ.
وَقِراءَةُ مِن قَرَأ: يَخْرُجُ - بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ مُضارِعٌ خَرَجَ مَبْنِيًا لِلْفاعِلِ، فالفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الطّائِرِ بِمَعْنى العَمَلِ، وقَوْلُهُ كِتابًا حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ، أيْ ويَوْمَ القِيامَةِ يَخْرُجُ هو، أيِ العَمَلُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالطّائِرِ في حالِ كَوْنِهِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا. وكَذَلِكَ عَلى قِراءَةِ يُخْرَجُ - بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ - فالضَمِيرُ النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ راجِعٌ أيْضًا إلى الطّائِرِ الَّذِي هو العَمَلُ، أيْ يَخْرُجُ لَهُ هو، أيْ طائِرُهُ بِمَعْنى عَمَلِهِ، في حالِ كَوْنِهِ كِتابًا.
وَعَلى قِراءَةِ ”يَخْرِجُ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، فالفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ كِتابًا مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ: ويَوْمَ القِيامَةِ يُخْرِجُ هو، أيِ اللَّهُ لَهُ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا.
وَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مِنهُمُ السَّبْعَةُ: فالنُّونُ في نُخْرِجُ نُونُ العَظَمَةِ لِمُطابَقَةِ قَوْلِهِ: ألْزَمْناهُ و كِتابًا مَفْعُولٌ بِهِ لِنَخْرُجَ كَما هو واضِحٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
17:14Страница 283
ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا ١٤
Читай свою книгу! Сегодня достаточно того, что ты сам сосчитаешь свои деяния против самого себя.
К этому аяту нет толкования
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии