Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
Аль-Кахф 18:53–55
18:53Страница 299
وَرَءَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمۡ يَجِدُواْ عَنۡهَا مَصۡرِفٗا ٥٣
Грешники увидят Огонь, и им станет ясно, что они будут брошены в него. Они не найдут от него спасения!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُجْرِمِينَ يَرَوْنَ النّارَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَظُنُّونَ أنَّهم مُواقِعُوها، أيْ: مُخالِطُوها وواقِعُونَ فِيها. والظَّنُّ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى اليَقِينِ؛ لِأنَّهم أبْصَرُوا الحَقائِقَ وشاهَدُوا الواقِعَ. وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّهم مُوقِنُونَ بِالواقِعِ؛ كَقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]، وكَقَوْلِهِ: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ الآيَةَ [مريم: ٣٨]، ومِن إطْلاقِ الظَّنِّ عَلى اليَقِينِ [ قَوْلُـهُ ] تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦]، أيْ: يُوقِنُونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ، وقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٠]، (p-٢٩٩)فالظَّنُّ في هَذِهِ الآياتِ كُلِّها بِمَعْنى اليَقِينِ، والعَرَبُ تُطْلِقُ الظَّنَّ عَلى اليَقِينِ وعَلى الشَّكِّ، ومِن إطْلاقِهِ عَلى اليَقِينِ في كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
؎فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ سَراتُهم في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ
وَقَوْلُ عَمِيرَةَ بْنِ طارِقٍ:
؎بِأنْ تَغْتَزُوا قَوْمِي وأقْعُدُ فِيكُمُ ∗∗∗ وأجْعَلُ مِنِّي الظَّنَّ غَيْبًا مُرَجَّما
وَقَدْ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُجْرِمِينَ يَرَوْنَ النّارَ، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّها هي تَراهم أيْضًا، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١١ - ١٢]، وما جَرى عَلى ألْسِنَةِ العُلَماءِ مِن أنَّ الظَّنَّ جُلُّ الِاعْتِقادِ اصْطِلاحٌ لِلْأُصُولِيِّينَ والفُقَهاءِ، ولا مُشاحَّةَ في الِاصْطِلاحِ، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾، المَصْرِفُ: المَعْدِلُ، أيْ: ولَمْ يَجِدُوا عَنِ النّارِ مَكانًا يَنْصَرِفُونَ إلَيْهِ ويَعْدِلُونَ إلَيْهِ، لِيَتَّخِذُوهُ مَلْجَأً ومُعْتَصَمًا يَنْجُونَ فِيهِ مِن عَذابِ اللَّهِ، ومِن إطْلاقِ المَصْرِفِ عَلى المَعْدِلِ بِمَعْنى مَكانِ الِانْصِرافِ لِلِاعْتِصامِ بِذَلِكَ المَكانِ قَوْلُ أبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ:
؎أزُهَيْرُ هَلْ عَنْ شَيْبَةَ مِن مَصْرِفِ ∗∗∗ أمْ لا خُلُودَ لِباذِلٍ مُتَكَلِّفِ
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ:
﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ﴾، مِن رَأى البَصَرِيَّةِ، فَهي تَتَعَدّى لِمَفْعُولٍ واحِدٍ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي عَنِ المُسْتَقْبَلِ نَظَرًا لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، فَكانَ ذَلِكَ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كالواقِعِ بِالفِعْلِ، كَما تَقَدَّمَ مِرارًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
18:54Страница 300
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا ٥٤
Мы разъяснили людям в этом Коране любые притчи, но человек больше всего склонен препираться.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾، قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا﴾ [الكهف: ٥٤]، أيْ: رَدَّدْنا وكَثَّرْنا تَصْرِيفَ الأمْثالِ بِعِباراتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وأسالِيبَ مُتَنَوِّعَةٍ في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ. لِيَهْتَدُوا إلى الحَقِّ، ويَتَّعِظُوا. فَعارَضُوا بِالجَدَلِ والخُصُومَةِ، والمَثَلُ: هو القَوْلُ الغَرِيبُ السّائِرُ في الآفاقِ، وضَرْبُ الأمْثالِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ جِدًّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ [البقرة: ٢٦]، ومِن أمْثِلَةِ ضَرْبِ المَثَلِ فِيهِ ﴿ياأيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ الآيَةَ [الحج: ٧٣]، وقَوْلُـهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١] (p-٣٠٠)وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٧٦ - ١٧٧]، وكَقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الجمعة: ٥]، وقَوْلِـهِ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٤٥]، وقَوْلِـهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]، وقَوْلِـهِ: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ [الروم: ٢٨]، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وفي هَذِهِ الأمْثالِ وأشْباهِها في القُرْآنِ عِبَرٌ ومَواعِظُ وزَواجِرُ عَظِيمَةٌ جِدًّا، لا لَبْسَ في الحَقِّ مَعَها، إلّا أنَّها لا يَعْقِلُ مَعانِيَها إلّا أهْلُ العِلْمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾، ومِن حِكَمِ ضَرْبِ المَثَلِ: أنْ يَتَذَكَّرَ النّاسُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّ الأمْثالَ مَعَ إيضاحِها لِلْحَقِّ يَهْدِي بِها اللَّهُ قَوْمًا، ويُضِلُّ بِها قَوْمًا آخَرِينَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]، وأشارَ إلى هَذا المَعْنى في سُورَةِ ”الرَّعْدِ“؛ لِأنَّهُ لَمّا ضَرَبَ المَثَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ [الرعد: ١٧]، أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [الرعد: ١٨]، ولا شَكَّ أنَّ الَّذِينَ (p-٣٠١)اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ هُمُ العُقَلاءُ الَّذِينَ عَقَلُوا مَعْنى الأمْثالِ، وانْتَفَعُوا بِما تَضَمَّنَتْ مِن بَيانِ الحَقِّ، وأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْقِلُوها، ولَمْ يَعْرِفُوا ما أوْضَحَتْهُ مِنَ الحَقائِقِ، فالفَرِيقُ الأوَّلُ هُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، والفَرِيقُ الثّانِي هُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ وقالَ فِيهِمْ ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ .
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا﴾ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَفْعُولُ ”صَرَّفْنا“ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: البَيِّناتُ والعِبَرُ، وعَلى هَذا فَـ ”مِن“ لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: ولَقَدْ صَرَّفْنا الآياتِ والعِبَرَ مِن أنْواعِ ضَرْبِ المَثَلِ لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا، فَقابَلُوا ذَلِكَ بِالجِدالِ والخِصامِ، ولِذا قالَ: ﴿وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٤٥]، وهَذا هو الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ، ثُمَّ قالَ: وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”مِن“ زائِدَةً لِلتَّوْكِيدِ، فالتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ صَرَّفْنا كُلَّ مَثَلٍ، فَيَكُونُ مَفْعُولُ ”صَرَّفْنا“: ”كُلُّ مَثَلٍ“ وهَذا التَّخْرِيجُ هو عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ، لا عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، انْتَهى الغَرَضُ مِن كَلامِ صاحِبِ البَحْرِ المُحِيطِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”مِن كُلِّ مَثَلٍ“ مِن كُلِّ مَعْنًى هو كالمَثَلِ في غَرابَتِهِ وحُسْنِهِ ا هـ، وضابِطُ ضَرْبِ المَثَلِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ كُلُّ مَعانِيهِ الَّتِي يُفَسَّرُ بِها: هو إيضاحُ مَعْنى النَّظِيرِ بِذِكْرِ نَظِيرِهِ؛ لِأنَّ النَّظِيرَ يُعْرَفُ بِنَظِيرِهِ، وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ جاءَ مَذْكُورًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ في ”الإسْراءِ“: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وما يَزِيدُهم إلّا نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤١]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٧ - ٢٨]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ [الروم: ٥٨]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] أيْ: أكْثَرَ الأشْياءِ الَّتِي مِن شَأْنِها الخُصُومَةُ إنْ فَصَلْتَها واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ ”جَدَلًا“ أيْ: خُصُومَةً ومُماراةً بِالباطِلِ لِقَصْدِ إدْحاضِ الحَقِّ.
وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى خُصُومَةِ الإنْسانِ بِالباطِلِ لِإدْحاضِ الحَقِّ قَوْلُهُ هُنا ﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦]، (p-٣٠٢)وَقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الآيَةَ [الشورى: ١٦] وقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] وقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَما فَسَّرْنا بِهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ مِن أنَّ مَعْناهُ كَثْرَةُ خُصُومَةِ الكُفّارِ ومُماراتِهِمْ بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ هو السِّياقُ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الإسراء: ٨٩]، أيْ: لِيَذَّكَّرُوا ويَتَّعِظُوا ويُنِيبُوا إلى رَبِّهِمْ: بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الإسراء: ٤١] وقَوْلِـهِ: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]، فَلَمّا أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، عَلِمْنا مِن سِياقِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ أكْثَرُوا الجَدَلَ والخُصُومَةَ والمِراءَ لِإدْحاضِ الحَقِّ الَّذِي أوْضَحَهُ اللَّهُ بِما ضَرَبَهُ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ، ولَكِنْ كَوْنُ هَذا هو ظاهِرُ القُرْآنِ وسَبَبُ النُّزُولِ لا يُنافِي تَفْسِيرَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِظاهِرِ عُمُومِها؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما بَيَّناهُ بِأدِلَّتِهِ فِيما مَضى، ولِأجْلِ هَذا لَمّا «طَرَقَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا وفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لَيْلَةً فَقالَ: ”ألّا تُصَلِّيانِ“ ؟ وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّما أنْفُسُنا بِيَدِ اللَّهِ، فَإذا شاءَ أنْ يَبْعَثَنا بَعَثَنا، انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ راجِعًا وهو يَضْرِبُ فَخِذَهُ ويَقُولُ: ﴿وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾»، والحَدِيثُ مَشْهُورٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَإيرادُهُ ﷺ الآيَةَ عَلى قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”إنَّما أنْفُسُنا بِيَدِ اللَّهِ، فَإذا شاءَ أنْ يَبْعَثَنا بَعَثَنا“ دَلِيلٌ عَلى عُمُومِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وشُمُولِها لِكُلِّ خِصامٍ وجَدَلٍ، لَكِنَّهُ قَدْ دَلَّتْ آياتٌ أُخَرُ عَلى أنَّ مِنَ الجَدَلِ ما هو مَحْمُودٌ مَأْمُورٌ بِهِ لِإظْهارِ الحَقِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَلا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وقَوْلُـهُ ”جَدَلًا“ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
؎والفاعِلَ المَعْنى انْصِبَنْ بِأفْعَلا مُفَضِّلًا كَأنْتَ أعْلى مَنزِلًا
وَقَوْلُـهُ: ﴿أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ أيْ: أكْثَرَ الأشْياءِ الَّتِي يَتَأتّى مِنها الجَدَلُ جَدَلًا كَما تَقَدَّمَ، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَتْ إلى نَكِرَةٍ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، أوْ جُرِّدَتْ مِنَ الإضافَةِ والتَّعْرِيفِ بِالألِفِ واللّامِ لَزِمَ إفْرادُها وتَذْكِيرُها كَما عَقَدَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:(p-٣٠٣)
؎وَإنْ لِمَنكُورٍ يُضَفْ أوْ جُرِّدا ∗∗∗ ألْزِمْ تَذْكِيرًا وأنْ يُوَحَّدا
وَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مُبَيِّنًا بَعْضَ الآياتِ المُبَيِّنَةِ لِلْمُرادِ بِجَدَلِ الإنْسانِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ، بَعْدَ أنْ ساقَ سَنَدَهُ إلى ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾، قالَ: الجَدَلُ الخُصُومَةُ خُصُومَةُ القَوْمِ لِأنْبِيائِهِمْ ورَدُّهم عَلَيْهِمْ ما جاءُوا بِهِ، وقَرَأ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣]، وقَرَأ: ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤]، وقَرَأ حَتّى تَوَفّى الآيَةَ ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧]، وقَرَأ: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ ﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤] انْتَهى مِن تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي ذُكِرَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّها مُفَسِّرَةٌ لِجَدَلِ الإنْسانِ المَذْكُورِ في الآيَةِ أنَّها كَذَلِكَ، كَما قَدَّمْنا أنَّ ذَلِكَ هو ظاهِرُ السِّياقِ وسَبَبُ النُّزُولِ، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ العَظِيمِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
18:55Страница 300
وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّهُمۡ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ قُبُلٗا ٥٥
Что же помешало людям уверовать, когда к ним явилось верное руководство, и попросить прощения у своего Господа, если не стремление к участи первых поколений и мучениям, которые предстанут перед ними лицом к лицу?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا﴾ .
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، وكِلاهُما تَدُلُّ عَلى مُقْتَضاهُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وأحَدُ الوَجْهَيْنِ أظْهَرُ عِنْدِي مِنَ الآخَرِ.
الأوَّلُ مِنهُما أنَّ مَعْنى الآيَةِ: وما مَنَعَ النّاسَ مِنَ الإيمانِ والِاسْتِغْفارِ إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِالبَيِّناتِ الواضِحاتِ، إلّا ما سَبَقَ في عِلْمِنا: مِن أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، بَلْ يَسْتَمِرُّونَ عَلى كُفْرِهِمْ حَتّى تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ مِنَ الكُفّارِ، وإتْيانُ العَذابِ إيّاهم يَوْمَ القِيامَةِ قُبُلًا، وعَلى هَذا القَوْلِ فالآياتُ الدّالَّةُ عَلى هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] وقَوْلِـهِ: ﴿وَما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٧] (p-٣٠٤)وَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]، والآياتُ في مِثْلِ هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ مُضافًا مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ: وما مَنَعَ النّاسَ مِنَ الإيمانِ والِاسْتِغْفارِ إلّا طَلَبُهم أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ، أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا.
والآياتُ الدّالَّةُ عَلى طَلَبِهِمُ الهَلاكَ والعَذابَ عِنادًا وتَعَنُّتًا كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَقَوْلِهِ عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧]، وكَقَوْلِهِ عَنْ قَوْمِ هُودٍ: ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢]، وكَقَوْلِهِ عَنْ قَوْمِ صالِحٍ: ﴿وَقالُوا ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]، وكَقَوْلِهِ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، وكَقَوْلِهِ عَنْ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿قالُوا يانُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [هود: ٣٢] .
فَهَذِهِ الآياتُ وأمْثالُها في القُرْآنِ ذَكَرَ اللَّهُ فِيها شَيْئًا مِن سُنَّةِ الأوَّلِينَ: أنَّهم يَطْلُبُونَ تَعْجِيلَ العَذابِ عِنادًا وتَعَنُّتًا، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أهْلَكَ جَمِيعَهم بِعَذابٍ مُسْتَأْصِلٍ، كَإهْلاكِ قَوْمِ نُوحٍ بِالطُّوفانِ، وقَوْمِ صالِحٍ بِالصَّيْحَةِ، وقَوْمِ شُعَيْبٍ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وقَوْمِ هُودٍ بِالرِّيحِ العَقِيمِ، وقَوْمِ لُوطٍ بِجَعْلِ عالِي قُراهم سافِلَها، وإرْسالِ حِجارَةِ السِّجِّيلِ عَلَيْهِمْ، كَما هو مُفَصَّلٌ في الآياتِ القُرْآنِيَّةِ.
وَبَيَّنَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ: أنَّ كُفّارَ هَذِهِ الأُمَّةِ كَمُشْرِكِي قُرَيْشٍ سَألُوا العَذابَ كَما سَألَهُ مَن قَبْلَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦]، وأصْلُ القِطِّ: كِتابُ المَلِكِ الَّذِي فِيهِ الجائِزَةُ، وصارَ يُطْلَقُ عَلى النَّصِيبِ: فَمَعْنى ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ أيْ: نَصِيبَنا المُقَدَّرَ لَنا مِنَ العَذابِ الَّذِي تَزْعُمُ وُقُوعَهُ بِنا إنْ لَمْ نُصَدِّقْكَ ونُؤْمِن بِكَ، كالنَّصِيبِ الَّذِي يُقَدِّرُهُ المَلِكُ في القِطِّ الَّذِي هو كِتابُ الجائِزَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎وَلا المَلِكُ النُّعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ بِغِبْطَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفَقُ
وَقَوْلِهِ ”يَأْفَقُ“ أيْ: يُفَضِّلُ بَعْضًا عَلى بَعْضٍ في العَطاءِ، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ عِنْدِي؛ لِأنَّ ما لا تَقْدِيرَ فِيهِ أوْلى مِمّا فِيهِ تَقْدِيرٌ إلّا بِحُجَّةِ (p-٣٠٥)الرُّجُوعِ إلَيْها تُثْبِتُ المَحْذُوفَ المُقَدَّرَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وقَدْ ذَكَرْنا في كِتابِنا ) دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ ( وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى هُنا: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٥٥]، وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]، بِما حاصِلُهُ بِاخْتِصارٍ: أنَّ المانِعَ المَذْكُورَ في سُورَةِ ”الإسْراءِ“ مانِعٌ عادِيٌّ يَجُوزُ تَخَلُّفُهُ؛ لِأنَّ اسْتِغْرابَهم بَعْثَ رَسُولٍ مِنَ البَشَرِ مانِعٌ عادِيٌّ يَجُوزُ تَخَلُّفُهُ لِإمْكانِ أنْ يَسْتَغْرِبَ الكافِرُ بَعْثَ رَسُولٍ مِنَ البَشَرِ ثُمَّ يُؤْمِنَ بِهِ مَعَ ذَلِكَ الِاسْتِغْرابِ، فالحَصْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]، حَصْرٌ في المانِعِ العادِيِّ، وأمّا الحَصْرُ في قَوْلِهِ هُنا: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا﴾ [الكهف: ٥٥]، فَهو حَصْرٌ في المانِعِ الحَقِيقِيِّ؛ لِأنَّ إرادَتَهُ جَلَّ وعَلا عَدَمُ إيمانِهِمْ، وحُكْمُهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وقَضاءُهُ بِهِ مانِعٌ حَقِيقِيٌّ مِن وُقُوعِ غَيْرِهِ.
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا﴾، قَرَأهُ الكُوفِيُّونَ: وهم عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”قُبُلًا“ بِضَمِّ القافِ والباءِ، وقَرَأهُ الأرْبَعَةُ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ: وهم نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ ”قِبَلًا“ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، أمّا عَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ فَقَوْلُهُ ”قُبُلًا“ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ قَبِيلٍ، والفَعِيلُ إذا كانَ اسْمًا يُجْمَعُ عَلى فُعُلٍ كَسَرِيرٍ وسُرُرٍ، وطَرِيقٍ وطُرُقٍ، وحَصِيرٍ وحُصُرٍ، كَما أشارَ إلى ذَلِكَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَفِعْلٌ لِاسْمٍ رُباعِيٍّ بِمَدْ ∗∗∗ قَدْ زِيدَ قَبْلَ لامِ إعْلالًا فَقَدْ
ما لَمْ يُضاعَفْ في الأعَمِّ ذُو الألِفْ.، إلَخْ.
وَعَلى هَذا، فَمَعْنى الآيَةِ ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا﴾ أيْ: أنْواعًا مُخْتَلِفَةً، يَتْلُو بَعْضُها بَعْضًا، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَءُوا ”قِبَلًا“ كَعِنَبٍ، فَمَعْناهُ عِيانًا، أيْ: أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ عِيانًا، وقالَ مُجاهِدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ ”قُبُلًا“ أيْ: فَجْأةً، والتَّحْقِيقُ: أنَّ مَعْناها عِيانًا، وأصْلُهُ مِنَ المُقابَلَةِ؛ لِأنَّ المُتَقابِلَيْنِ يُعايِنُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ، وذَكَرَ أبُو عُبَيْدٍ: أنَّ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، وأنَّ مَعْناهُما عِيانًا، وأصْلُهُ مِنَ المُقابَلَةِ، وانْتِصابُ ”قُبُلًا“ عَلى الحالِ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ، وهو عَلى القَوْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في مَعْنى ”قُبُلًا“ إنْ قَدَّرْنا أنَّهُ بِمَعْنى عِيانًا، فَهو مَصْدَرُ مُنَكَّرٌ حالٌ كَما قَدَّمْنا مِرارًا، وعَلى أنَّهُ جَمْعُ قَبِيلٍ: فَهو اسْمٌ جامِدٌ (p-٣٠٦)مُؤَوَّلٌ بِمُشْتَقٍّ؛ لِأنَّهُ في تَأْوِيلِ: أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ في حالِ كَوْنِهِ أنْواعًا وضُرُوبًا مُخْتَلِفَةً، والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن ”أنْ“ وصِلَتِها في قَوْلِهِ: أنْ يُؤْمِنُوا في مَحَلِّ نَصْبٍ؛ لِأنَّهُ مَفْعُولُ ”مَنَعَ“ الثّانِي، والمُنْسَبِكُ في ”أنْ“ وصِلَتِها في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ؛ لِأنَّهُ فاعِلُ ”مَنَعَ“ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفْرَغٌ، وما قَبْلَ ”إلّا“ عامِلٌ فِيما بَعْدَها، فَصارَ التَّقْدِيرُ: مَنَعَ النّاسَ الإيمانَ إتْيانُ سُنَّةِ الأوَّلِينَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
؎وَإنْ يُفَرَّغْ سابِقُ إلّا لِما ∗∗∗ بَعْدُ يَكُنْ كَما لَوْ إلّا عُدِما
والِاسْتِغْفارُ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ هو طَلَبُ المَغْفِرَةِ مِنهُ جَلَّ وعَلا لِجَمِيعِ الذُّنُوبِ السّالِفَةِ بِالإنابَةِ إلَيْهِ، والنَّدَمِ عَلى ما فاتَ، والعَزْمِ المُصَمِّمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ إلى الذَّنْبِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии