Аш-ШинкитиАль‑Кахф · 18:65–76

Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском

Аль-Кахф 18:65–76, продолжение

وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالرَّسُولِ فِيها نَبِيُّنا ﷺ، كَما قالَهُ ابْنُ العَبّاسِ وغَيْرُهُ فالأمْرُ واضِحٌ، وعَلى أنَّها عامَّةٌ فَهو ﷺ يَدْخُلُ في عُمُومِها دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَلَوْ كانَ الخَضِرُ حَيًّا في زَمَنِهِ لَجاءَهُ ونَصَرَهُ وقاتَلَ تَحْتَ رايَتِهِ، ومِمّا يُوَضِّحُ أنَّهُ لا يُدْرِكُهُ نَبِيٌّ إلّا اتَّبَعَهُ ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَزّارُ مِن حَدِيثِ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أتى النَّبِيَّ ﷺ بِكِتابٍ أصابَهُ مِن بَعْضِ أهْلِ الكِتابِ فَقَرَأهُ عَلَيْهِ فَغَضِبَ وقالَ: ”لَقَدْ جِئْتُكم بِها بَيْضاءَ نَقِيَّةً لا تَسْألُوهم عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكم بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أوْ باطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أنَّ مُوسى كانَ حَيًّا ما وسِعَهُ إلّا أنْ يَتَّبِعَنِي»“ ا هـ قالَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ: ورِجالُهُ مُوَثَّقُونَ، إلّا أنَّ في مُجالِدٍ ضَعْفًا، وقالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تارِيخِهِ بَعْدَ أنْ ساقَ آيَةَ ”آلِ عِمْرانَ“ المَذْكُورَةِ آنِفًا مُسْتَدِلًّا بِها عَلى أنَّ الخَضِرَ لَوْ كانَ حَيًّا لَجاءَ النَّبِيَّ ﷺ ونَصَرَهُ ما نَصُّهُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّنا إلّا أُخِذَ عَلَيْهِ المِيثاقُ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ وهو حَيٌّ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ولِيَنْصُرُنَّهُ، وأمَرُهُ أنْ يَأْخُذَ عَلى أُمَّتِهِ المِيثاقَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ وهم أحْياءٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ويَنْصُرُونَهُ، ذَكَرَهُ البُخارِيُّ عَنْهُ.

فالخَضِرُ إنْ كانَ نَبِيًّا أوْ ولِيًّا فَقَدْ دَخَلَ في هَذا المِيثاقِ، فَلَوْ كانَ حَيًّا في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكانَ أشْرَفَ أحْوالِهِ أنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، يُؤْمِنُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ويَنْصُرُهُ أنْ يَصِلَ أحَدٌ مِنَ الأعْداءِ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ ولِيًّا فالصَّدِيقُ أفْضَلُ مِنهُ، وإنْ كانَ نَبِيًّا فَمُوسى أفْضَلُ مِنهُ.

(p-٣٣٢)وَقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنا شُرَيْحُ بْنُ النُّعْمانِ، حَدَّثَنا هُشَيْمٌ أنْبَأنا مُجالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أنَّ مُوسى كانَ حَيًّا ما وسِعَهُ إلّا أنْ يَتْبَعَنِي»، وهَذا الَّذِي يُقْطَعُ بِهِ ويُعْلَمُ مِنَ الدِّينِ عِلْمَ الضَّرُورَةِ.

وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ: أنَّ الأنْبِياءَ كُلَّهم لَوْ فُرِضَ أنَّهم أحْياءٌ مُكَلَّفُونَ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكانُوا كُلُّهم أتْباعًا لَهُ وتَحْتَ أوامِرِهِ، وفي عُمُومِ شَرْعِهِ، كَما أنَّ صَلَواتِ اللَّهِ وسَلامَهُ عَلَيْهِ لَمّا اجْتَمَعَ بِهِمُ الإسْراءُ رُفِعَ فَوْقَهم كُلِّهِمْ، ولَمّا هَبَطُوا مَعَهُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وحانَتِ الصَّلاةُ أمَرَهُ جِبْرِيلُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ أنْ يَؤُمَّهم، فَصَلّى بِهِمْ في مَحَلِّ ولايَتِهِمْ ودارِ إقامَتِهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ الإمامُ الأعْظَمُ، والرَّسُولُ الخاتَمُ المُبَجَّلُ المُقَدَّمُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ.

فَإذا عُلِمَ هَذا، وهو مَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، عُلِمَ أنَّهُ لَوْ كانَ الخَضِرُ حَيًّا لَكانَ مِن جُمْلَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ومِمَّنْ يَقْتَدِي بِشَرْعِهِ لا يَسَعُهُ إلّا ذَلِكَ، هَذا عِيسى بْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا نَزَلَ في آخِرِ الزَّمانِ يَحْكُمُ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ، لا يَخْرُجُ مِنها ولا يَحِيدُ عَنْها، وهو أحَدُ أُولِي العَزْمِ الخَمْسَةِ المُرْسَلِينَ، وخاتَمُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، والمَعْلُومُ أنَّ الخَضِرَ لَمْ يَنْقُلْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ولا حَسَنٍ تَسْكُنُ النَّفْسُ إلَيْهِ أنَّهُ اجْتَمَعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في يَوْمٍ واحِدٍ، ولَمْ يَشْهَدْ مَعَهُ قِتالًا في مَشْهَدٍ مِنَ المَشاهِدِ، وهَذا يَوْمُ بَدْرٍ يَقُولُ الصّادِقُ المَصْدُوقُ فِيما دَعا بِهِ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ واسْتَنْصَرَهُ واسْتَفْتَحَهُ عَلى مَن كَفَرَهُ: «اللَّهُمَّ إنَّ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةَ لا تُعْبَدُ بَعْدَها في الأرْضِ» وتِلْكَ العِصابَةُ كانَ تَحْتَها سادَةُ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ، وسادَةُ المَلائِكَةِ حَتّى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ في قَصِيدَةٍ لَهُ في بَيْتٍ يُقالُ بِأنَّهُ أفْخَرُ بَيْتٍ قالَتْهُ العَرَبُ:

؎وَبِبِئْرِ بَدْرٍ إذْ يَرُدُّ

؎وُجُوهَهم جِبْرِيلُ تَحْتَ لِوائِنا ∗∗∗ ومُحَمَّدُ

فَلَوْ كانَ الخَضِرُ حَيًّا لَكانَ وُقُوفُهُ تَحْتَ هَذِهِ الرّايَةِ أشْرَفَ مَقاماتِهِ، وأعْظَمَ غَزَواتِهِ، قالَ القاضِي أبُو يَعْلى مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ الفَرّاءِ الحَنْبَلِيُّ: سُئِلَ بَعْضُ أصْحابِنا عَنِ الخَضِرِ هَلْ ماتَ ؟ فَقالَ: نَعَمْ، قالَ: وبَلَغَنِي مِثْلُ هَذا عَنْ أبِي طاهِرِ بْنِ العَبّادِيِّ قالَ: وكانَ يَحْتَجُّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ حَيًّا لَجاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، نَقَلَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ في العُجالَةِ، فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يُقالُ إنَّهُ كانَ حاضِرًا في هَذِهِ المَواطِنِ كُلِّها ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ يَراهُ ؟

فالجَوابُ: أنَّ الأصْلَ عَدَمُ هَذا الِاحْتِمالِ البَعِيدِ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ تَخْصِيصُ العُمُوماتِ بِمُجَرَّدِ التَّوَهُّماتِ، ثُمَّ (p-٣٣٣)ما الحامِلُ لَهُ عَلى هَذا الِاخْتِفاءِ ؟ وظُهُورُهُ أعْظَمُ لِأجْرِهِ، وأعْلى في مَرْتَبَتِهِ، وأظْهَرُ لِمُعْجِزَتِهِ، ثُمَّ لَوْ كانَ باقِيًا بَعْدَهُ لَكانَ تَبْلِيغُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الأحادِيثَ النَّبَوِيَّةَ، والآياتِ القُرْآنِيَّةَ، وإنْكارَهُ لِما وقَعَ مِنَ الأحادِيثِ المَكْذُوبَةِ، والرِّواياتِ المَقْلُوبَةِ، والآراءِ البِدْعِيَّةِ، والأهْواءِ العَصَبِيَّةِ، وقِتالُهُ مَعَ المُسْلِمِينَ في غَزَواتِهِمْ، وشُهُودُهُ جَمْعَهم وجَماعاتِهِمْ، ونَفْعُهُ إيّاهم، ودَفْعُهُ الضَّرَرَ عَنْهم مِمّا سِواهم، وتَسْدِيدُهُ العُلَماءَ والحُكّامَ، وتَقْرِيرُهُ الأدِلَّةَ والأحْكامَ أفْضَلَ مِمّا يُقالُ مِن كَوْنِهِ في الأمْصارِ، وجَوْبِهِ الفَيافِيَ والأقْطارَ، واجْتِماعِهِ بِعِبادٍ لا تُعْرَفُ أحْوالُ كَثِيرٍ مِنهم، وجَعْلِهِ كالنَّقِيبِ المُتَرْجِمِ عَنْهُمْ

وَهَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لا يَتَوَقَّفُ أحَدٌ فِيهِ بَعْدَ التَّفَهُّمِ، واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، انْتَهى مِنَ البِدايَةِ والنِّهايَةِ لِابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.

فَتَحَصَّلَ أنَّ الأحادِيثَ المَرْفُوعَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وُجُودِ الخَضِرِ حَيًّا باقِيًا لَمْ يَثْبُتْ مِنها شَيْءٌ، وأنَّهُ قَدْ دَلَّتِ الأدِلَّةُ المَذْكُورَةُ عَلى وفاتِهِ، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ.

وَمِمَّنْ بَيَّنَ ضَعْفَ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى حَياةِ الخَضِرِ وبَقائِهِ ابْنُ كَثِيرٍ في تارِيخِهِ وتَفْسِيرِهِ، وبَيَّنَ كَثِيرًا مِن أوْجُهِ ضَعْفِها ابْنُ حَجَرٍ في الإصابَةِ، وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في البِدايَةِ والنِّهايَةِ بَعْدَ أنْ ساقَ الأحادِيثَ والحِكاياتِ الوارِدَةَ في حَياةِ الخَضِرِ: وهَذِهِ الرِّواياتُ والحِكاياتُ هي عُمْدَةُ مَن ذَهَبَ إلى حَياتِهِ إلى اليَوْمِ، وكُلٌّ مِنَ الأحادِيثِ المَرْفُوعَةِ ضَعِيفَةٌ جِدًّا، لا تَقُومُ بِمِثْلِها حُجَّةٌ في الدِّينِ.

والحِكاياتُ لا يَخْلُو أكْثَرُها مَن ضَعْفٍ في الإسْنادِ، وقُصاراها أنَّها صَحِيحَةٌ إلى مَن لَيْسَ بِمَعْصُومٍ مِن صَحابِيٍّ أوْ غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ الخَطَأُ) واللَّهُ أعْلَمُ (، إلى أنْ قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وقَدْ تَصَدّى الشَّيْخُ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ ) عَجَلَةِ المُنْتَظِرِ في شَرْحِ حالَةِ الخَضِرِ ( لِلْأحادِيثِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ مِنَ المَرْفُوعاتِ فَبَيَّنَ أنَّها مَوْضُوعاتٌ، ومِنَ الآثارِ عَنِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ فَمَن بَعْدَهم، فَبَيَّنَ ضَعْفَ أسانِيدِها بِبَيانِ أحْوالِها، وجَهالَةِ رِجالِها، وقَدْ أجادَ في ذَلِكَ وأحْسَنَ الِانْتِقادَ ا هـ مِنهُ.

واعْلَمْ أنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ العِلْمِ ناقَشُوا الأدِلَّةَ الَّتِي ذَكَرْنا أنَّها تَدُلُّ عَلى وفاتِهِ، فَزَعَمُوا أنَّهُ لا يَشْمَلُهُ عُمُومُ ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، ولا عُمُومُ حَدِيثِ: «أرَأيْتُكم لَيْلَتَكم هَذِهِ فَإنَّهُ عَلى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ لَمْ يَبْقَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ مِمَّنْ هو عَلَيْها اليَوْمَ» كَما تَقَدَّمَ، قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ولا حُجَّةَ لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ يَعْنِي الحَدِيثَ المَذْكُورَ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ الخَضِرَ (p-٣٣٤)حَيٌّ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ”ما مِن نَفْسٍ مَنفُوسَةٍ.“؛ لِأنَّ العُمُومَ وإنْ كانَ مُؤَكَّدَ الِاسْتِغْراقِ لَيْسَ نَصًّا فِيهِ، بَلْ هو قابِلٌ لِلتَّخْصِيصِ، فَكَما لَمْ يَتَناوَلْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ لَمْ يَمُتْ ولَمْ يُقْتَلْ، بَلْ هو حَيٌّ بِنَصِّ القُرْآنِ ومَعْناهُ، ولا يَتَناوَلُ الدَّجّالَ مَعَ أنَّهُ حَيٌّ بِدَلِيلِ حَدِيثٍ الجَسّاسَةِ: فَكَذَلِكَ لَمْ يَتَناوَلِ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَيْسَ مُشاهَدًا لِلنّاسِ، ولا مِمَّنْ يُخالِطُهم حَتّى يَخْطُرَ بِبالِهِمْ حالَةَ مُخاطَبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَمِثْلُ هَذا العُمُومِ لا يَتَناوَلُهُ، وقِيلَ: إنَّ أصْحابَ الكَهْفِ أحْياءٌ، ويَحُجُّونَ مَعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما تَقَدَّمَ، وكَذَلِكَ فَتى مُوسى في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ كَما ذَكَرْنا ا هـ مِنهُ.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: كَلامُ القُرْطُبِيِّ هَذا ظاهِرُ السُّقُوطِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ إلْمامٌ بِعُلُومِ الشَّرْعِ، فَإنَّهُ اعْتَرَفَ بِأنَّ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ عامٌّ في كُلِّ نَفْسٍ مَنفُوسَةٍ عُمُومًا مُؤَكَّدًا؛ لِأنَّ زِيادَةَ ”مِن“ قَبْلَ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ تَجْعَلُها نَصًّا صَرِيحًا في العُمُومِ لا ظاهِرًا فِيهِ كَما هو مُقَرَّرٌ في الأُصُولِ، وقَدْ أوْضَحْناهُ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ .

وَلَوْ فَرَضْنا صِحَّةَ ما قالَهُ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أنَّهُ ظاهِرٌ في العُمُومِ لا نَصَّ فِيهِ، وقَرَّرْنا أنَّهُ قابِلٌ لِلتَّخْصِيصِ كَما هو الحَقُّ في كُلِّ عامٍّ، فَإنَّ العُلَماءَ مُجْمِعُونَ عَلى وُجُوبِ اسْتِصْحابِ عُمُومِ العامِّ حَتّى يَرِدَ دَلِيلٌ مُخَصِّصٌ صالِحٌ لِلتَّخْصِيصِ سَنَدًا ومَتْنًا، فالدَّعْوى المُجَرَّدَةُ عَنْ دَلِيلٍ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ لا يَجُوزُ أنْ يُخَصَّصَ بِها نَصٌّ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ إجْماعًا.

وَقَوْلُـهُ: ”إنَّ عِيسى لَمْ يَتَناوَلْهُ عُمُومُ الحَدِيثِ“ فِيهِ أنَّ لَفْظَ الحَدِيثِ مِن أصْلِهِ لَمْ يَتَناوَلْهُ عِيسى؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ فِيهِ: «لَمْ يَبْقَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ مِمَّنْ هو بِها اليَوْمَ أحَدٌ»، فَخَصَّصَ ذَلِكَ بِظَهْرِ الأرْضِ فَلَمْ يَتَناوَلِ اللَّفْظُ مَن في السَّماءِ، وعِيسى قَدْ رَفَعَهُ اللَّهُ مِنَ الأرْضِ كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وهَذا واضِحٌ جِدًّا كَما تَرى.

وَدَعْوى حَياةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وفَتى مُوسى ظاهِرَةُ السُّقُوطِ ولَوْ فَرَضْنا حَياتَهم فَإنَّ الحَدِيثَ يَدُلُّ عَلى مَوْتِهِمْ عِنْدَ المِائَةِ كَما تَقَدَّمَ، ولَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ يُعارِضُهُ.

وَقَوْلُـهُ ”إنَّ الخَضِرَ لَيْسَ مُشاهَدًا لِلنّاسِ، ولا مِمَّنْ يُخالِطُهم حَتّى يَخْطُرَ بِبالِهِمْ حالَةَ مُخاطَبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا“ يُقالُ فِيهِ: إنَّ الِاعْتِراضَ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ مِن جِهَتَيْنِ:

الأُولى: أنَّ دَعْوى كَوْنِ الخَضِرِ مَحْجُوبًا عَنْ أعْيُنِ النّاسِ كالجِنِّ والمَلائِكَةِ (p-٣٣٥)دَعْوى لا دَلِيلَ عَلَيْها والأصْلُ خِلافُها؛ لِأنَّ الأصْلَ أنَّ بَنِي آدَمَ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا لِاتِّفاقِهِمْ في الصِّفاتِ النَّفْسِيَّةِ، ومُشابِهَتِهِمْ فِيما بَيْنَهم.

الثّانِيَةُ: أنّا لَوْ فَرَضْنا أنَّهُ لا يَراهُ بَنُو آدَمَ، فاللَّهُ الَّذِي أعْلَمَ النَّبِيَّ بِالغَيْبِ الَّذِي هو ”هَلاكُ كُلِّ نَفْسٍ مَنفُوسَةٍ في تِلْكَ المِائَةِ“ عالِمٌ بِالخَضِرِ، وبِأنَّهُ نَفْسٌ مَنفُوسَةٌ، ولَوْ سَلَّمْنا جَدَلِيًّا أنَّ الخَضِرَ فَرْدٌ نادِرٌ لا تَراهُ العُيُونُ، وأنَّ مِثْلَهُ لَمْ يُقْصَدْ بِالشُّمُولِيِّ في العُمُومِ فَأصَحُّ القَوْلَيْنِ عِنْدَ عُلَماءِ الأُصُولِ شُمُولُ العامِّ والمُطْلَقِ لِلْفَرْدِ النّادِرِ والفَرْدِ غَيْرِ المَقْصُودِ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ الفَرْدَ النّادِرَ وغَيْرَ المَقْصُودِ لا يَشْمَلُهُما العامُّ ولا المُطْلَقُ.

قالَ صاحِبُ جَمْعِ الجَوامِعِ في ”مَبْحَثِ العامِّ“ ما نَصُّهُ: والصَّحِيحُ دُخُولُ النّادِرَةِ وغَيْرِ المَقْصُودَةِ تَحْتَهُ، فَقَوْلُهُ: ”النّادِرَةُ وغَيْرُ المَقْصُودَةِ“، يَعْنِي الصُّورَةَ النّادِرَةَ وغَيْرَ المَقْصُودَةِ، وقَوْلُـهُ: ”تَحْتَهُ“ يَعْنِي العامَّ، والحَقُّ أنَّ الصُّورَةَ النّادِرَةَ، وغَيْرَ المَقْصُودَةِ صُورَتانِ واحِدَةٌ، وبَيْنَهُما عُمُومٌ وخُصُوصٌ مِن وجْهٍ عَلى التَّحْقِيقِ؛ لِأنَّ الصُّورَةَ النّادِرَةَ قَدْ تَكُونُ مَقْصُودَةً وغَيْرَ مَقْصُودَةٍ، والصُّورَةُ غَيْرُ المَقْصُودَةِ قَدْ تَكُونُ نادِرَةً وغَيْرَ نادِرَةٍ، ومِنَ الفُرُوعِ الَّتِي تُبْنى عَلى دُخُولِ الصُّورَةِ النّادِرَةِ في العامِّ والمُطْلَقِ وعَدَمِ دُخُولِها فِيهِما اخْتِلافُ العُلَماءِ في جَوازِ دَفْعِ السَّبَقِ - بِفَتْحَتَيْنِ - في المُسابَقَةِ عَلى الفِيلِ، وإيضاحُهُ أنَّهُ جاءَ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أصْحابُ السُّنَنِ والإمامُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا سَبَقَ إلّا في خُفٍّ أوْ نَصْلٍ أوْ حافِرٍ» ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْنُ ماجَهْ ”أوْ نَصْلٍ“ والفِيلُ ذُو خُفٍّ، وهو صُورَةٌ نادِرَةٌ، فَعَلى القَوْلِ بِدُخُولِ الصُّورَةِ النّادِرَةِ في العامِّ يَجُوزُ دَفْعُ السَّبَقِ - بِفَتْحَتَيْنِ - في المُسابَقَةِ عَلى الفِيَلَةِ، والسَّبَقُ المَذْكُورُ هو المالُ المَجْعُولُ لِلسّابِقِ، وهَذا الحَدِيثُ جَعَلَهُ بَعْضُ عُلَماءِ الأُصُولِ مِثالًا لِدُخُولِ الصُّورَةِ النّادِرَةِ في المُطْلَقِ لا العامِّ، قالَ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ”إلّا في خُفٍّ“ نَكِرَةٌ في سِياقِ الإثْباتِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ ”إلّا“ مُثْبَتٌ، والنَّكِرَةُ في سِياقِ الإثْباتِ إطْلاقٌ لا عُمُومٌ، وجَعَلَهُ بَعْضُ أهْلِ الأُصُولِ مِثالًا لِدُخُولِ الصُّورَةِ النّادِرَةِ في العامِّ.

قالَ الشَّيْخُ زَكَرِيّا: وجْهُ عُمُومِهِ مَعَ أنَّهُ نَكِرَةٌ في الإثْباتِ أنَّهُ في حَيِّزِ الشَّرْطِ مَعْنًى، إذِ التَّقْدِيرُ: إلّا إذا كانَ في خُفٍّ، والنَّكِرَةُ في سِياقِ الشَّرْطِ تَعُمُّ، وضابِطُ الصُّورَةِ النّادِرَةِ عِنْدَ أهْلِ الأُصُولِ هي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الفَرْدُ لا يَخْطُرُ غالِبًا بِبالِ المُتَكَلِّمِ لِنُدْرَةِ وُقُوعِهِ، ومِن أمْثِلَةِ الِاخْتِلافِ في الصُّورَةِ النّادِرَةِ: هَلْ تَدْخُلُ في العامِّ والمُطْلَقِ أوْ لا ؟ ! اخْتِلافُ العُلَماءِ في وُجُوبِ الغُسْلِ مِن خُرُوجِ المَنِيِّ الخارِجِ بِغَيْرِ لَذَّةٍ، كَمَن تَلْدَغُهُ عَقْرَبٌ في ذَكَرِهِ فَيَنْزِلُ مِنهُ (p-٣٣٦)المَنِيُّ، وكَذَلِكَ الخارِجُ بِلَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتادَةٍ كالَّذِي يَنْزِلُ في ماءٍ حارٍّ أوْ تَهُزُّهُ دابَّةٌ فَيَنْزِلُ مِنهُ المَنِيُّ، فَنُزُولُ المَنِيِّ بِغَيْرِ لَذَّةٍ، أوْ بِلَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتادَةٍ صُورَةٌ نادِرَةٌ، ووُجُوبُ الغُسْلِ مِنهُ يَجْرِي عَلى الخِلافِ المَدْخُولِ في دُخُولِ الصُّوَرِ النّادِرَةِ في العامِّ والمُطْلَقِ وعَدَمِ دُخُولِها فِيهِما، فَعَلى دُخُولِ تِلْكَ الصُّورَةِ النّادِرَةِ في عُمُومِ «إنَّما الماءُ مِنَ الماءِ» فالغُسْلُ واجِبٌ، وعَلى العَكْسِ فَلا، ومِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ في المُطْلَقِ ما لَوْ أوْصى رَجُلٌ بِرَأْسٍ مِن رَقِيقِهِ، فَهَلْ يَجُوزُ دَفْعُ الخُنْثى أوْ لا ؟ فَعَلى دُخُولِ الصُّورَةِ النّادِرَةِ في المُطْلَقِ يَجُوزُ دَفْعُ الخُنْثى، وعَلى العَكْسِ فَلا، ومِن أمْثِلَةِ الِاخْتِلافِ في دُخُولِ الصُّورَةِ غَيْرِ المَقْصُودَةِ في الإطْلاقِ، ما لَوْ وكَّلَ رَجُلٌ آخَرَ عَلى أنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدًا لِيَخْدِمَهُ، فاشْتَرى الوَكِيلُ عَبْدًا يُعْتَقُ عَلى المُوَكِّلِ، فالمُوَكِّلُ لَمْ يَقْصِدْ مَن يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وإنَّما أرادَ خادِمًا يَخْدِمُهُ، فَعَلى دُخُولِ الصُّورَةِ غَيْرِ المَقْصُودَةِ في المُطْلَقِ يَمْضِي البَيْعُ ويُعْتَقُ العَبْدُ، وعَلى العَكْسِ فَلا، وإلى هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ أشارَ في المَراقِي بِقَوْلِهِ:

؎هَلْ نادِرٌ في ذِي العُمُومِ يَدْخُلْ ∗∗∗ ومُطْلَقٌ أوْ لا خِلافَ يُنْقَلْ

؎فَما لِغَيْرِ لَذَّةٍ والفِيلْ ∗∗∗ ومُشَبَّهٌ فِيهِ تَنافِي القِيلْ

؎وَما مِنَ القَصْدِ خَلا فِيهِ اخْتُلِفْ ∗∗∗ وقَدْ يَجِيءُ بِالمَجازِ مُتَّصِفْ

وَمِمَّنْ مالَ إلى عَدَمِ دُخُولِ الصُّوَرِ النّادِرَةِ وغَيْرِ المَقْصُودَةِ في العامِّ والمُطْلَقِ أبُو إسْحاقَ الشّاطِبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ رُجْحانُهُ بِحَسَبِ المُقَرَّرِ في الأُصُولِ شُمُولُ العامِّ والمُطْلَقِ لِلصُّوَرِ النّادِرَةِ؛ لِأنَّ العامَّ ظاهِرٌ في عُمُومِهِ حَتّى يَرِدَ دَلِيلٌ مُخَصِّصٌ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ، وإذا تَقَرَّرَ أنَّ العامَّ ظاهِرٌ في عُمُومِهِ وشُمُولِهِ لِجَمِيعِ الأفْرادِ فَحُكْمُ الظّاهِرِ أنَّهُ لا يَعْدِلُ عَنْهُ، بَلْ يَجِبُ العَمَلُ بِهِ إلّا بِدَلِيلٍ يَصْلُحُ لِلتَّخْصِيصِ، وقَدْ كانَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم يَعْمَلُونَ بِشُمُولِ العُمُوماتِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ في ذَلِكَ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ دُخُولَ الخَضِرِ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٣٤]، وعُمُومُ قَوْلِهِ ﷺ: «أرَأيْتُكم لَيْلَتَكم هَذِهِ فَإنَّهُ عَلى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ لا يَبْقى عَلى وجْهِ الأرْضِ مِمَّنْ هو عَلَيْها اليَوْمَ أحَدٌ» هو الصَّحِيحُ، ولا يُمْكِنُ خُرُوجُهُ مِن تِلْكَ العُمُوماتِ إلّا بِمُخَصِّصٍ صالِحٍ لِلتَّخْصِيصِ.

وَمِمّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ: أنَّ الخُنْثى صُورَةٌ نادِرَةٌ جِدًّا، مَعَ أنَّهُ داخِلٌ في عُمُومِ آياتِ المَوارِيثِ والقِصاصِ والعِتْقِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن عُمُوماتِ أدِلَّةِ الشَّرْعِ، وما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ مِن (p-٣٣٧)خُرُوجِ الدَّجّالِ مِن تِلْكَ العُمُوماتِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ الجَسّاسَةِ لا دَلِيلَ فِيهِ؛ لِأنَّ الدَّجّالَ أخْرَجَهُ دَلِيلٌ صالِحٌ لِلتَّخْصِيصِ، وهو الحَدِيثُ الَّذِي أشارَ لَهُ القُرْطُبِيُّ، وهو حَدِيثٌ ثابِتٌ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إنَّهُ حَدَّثَهُ بِهِ تَمِيمٌ الدّارِيُّ، وأنَّهُ أعْجَبَهُ حَدِيثُ تَمِيمٍ المَذْكُورُ؛ لِأنَّهُ وافَقَ ما كانَ يُحَدِّثُ بِهِ أصْحابَهُ مِن خَبَرِ الدَّجّالِ، قالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا عَبْدُ الوارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الوارِثِ، وحَجّاجُ بْنُ الشّاعِرِ كِلاهُما عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ واللَّفْظُ لِعَبْدِ الوارِثِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنا أبِي عَنْ جَدِّي عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوانَ، حَدَّثَنا ابْنُ بُرَيْدَةَ حَدَّثَنِي عامِرُ بْنُ شَراحِيلَ الشَّعْبِيُّ شَعْبُ هَمْدانَ، أنَّهُ سَألَ فاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ وكانَتْ مِنَ المُهاجِراتِ الأُوَلِ فَقالَ: حَدِّثِينِي حَدِيثًا سَمِعْتِهِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا تُسْنِدِيهِ إلى أحَدٍ غَيْرِهِ، فَقالَتْ لَئِنْ شِئْتَ لَأفْعَلَنَّ ؟ فَقالَ لَها: أجَلْ ؟ حَدِّثِينِي، فَقالَتْ: . . . ثُمَّ ساقَ الحَدِيثَ وفِيهِ طُولٌ، ومَحَلُّ الشّاهِدِ مِنهُ «قَوْلُ تَمِيمٍ الدّارِيِّ: فانْطَلَقْنا سِراعًا حَتّى دَخَلْنا الدَّيْرَ فَإذا فِيهِ أعْظَمُ إنْسانٍ رَأيْناهُ قَطُّ خَلْقًا، وأشَدُّهُ وثاقًا، مَجْمُوعَةٌ يَداهُ إلى عُنُقِهِ ما بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إلى كَعْبَيْهِ بِالحَدِيدِ، قُلْنا: ويْلَكَ ! ما لَكَ ؟ ! الحَدِيثُ بِطُولِهِ إلى قَوْلِهِ وإنِّي مُخْبِرُكم عَنِّي، إنِّي أنا المَسِيحُ، وإنِّي أُوشِكُ أنْ يُؤْذَنَ لِي في الخُرُوجِ فَأخْرُجَ فَأسِيرَ في الأرْضِ، فَلا أدَعُ قَرْيَةً إلّا هَبَطْتُها في أرْبَعِينَ لَيْلَةً غَيْرَ مَكَّةَ وطِيبَةَ، فَهُما مُحَرَّمَتانِ عَلى كِلْتاهُما»، الحَدِيثَ.

فَهَذا نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ في أنَّ الدَّجّالَ حَيٌّ مَوْجُودٌ في تِلْكَ الجَزِيرَةِ البَحْرِيَّةِ المَذْكُورَةِ في حَدِيثِ تَمِيمٍ الدّارِيِّ المَذْكُورِ، وإنَّهُ باقٍ وهو حَيٌّ حَتّى يَخْرُجَ في آخِرِ الزَّمانِ، وهَذا نَصٌّ صالِحٌ لِلتَّخْصِيصِ يُخْرِجُ الدَّجّالَ مِن عُمُومِ حَدِيثِ مَوْتِ كُلِّ نَفْسٍ في تِلْكَ المِائَةِ، والقاعِدَةُ المُقَرَّرَةُ في الأُصُولِ: أنَّ العُمُومَ يَجِبُ إبْقاؤُهُ عَلى عُمُومِهِ، فَما أخْرَجَهُ نَصٌّ مُخَصِّصٌ خَرَجَ مِنَ العُمُومِ وبَقِيَ العامُّ حُجَّةً في بَقِيَّةِ الأفْرادِ الَّتِي لَمْ يَدُلَّ عَلى إخْراجِها دَلِيلٌ، كَما قَدَّمْناهُ مِرارًا وهو الحَقُّ ومَذْهَبُ الجُمْهُورِ، وهو غالِبُ ما في الكِتابِ والسُّنَّةِ مِنَ العُمُوماتِ يَخْرُجُ مِنها بَعْضُ الأفْرادِ بِنَصٍّ مُخَصِّصٍ، ويَبْقى العامُّ حُجَّةً في الباقِي، وإلى ذَلِكَ أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ في مَبْحَثِ التَّخْصِيصِ بِقَوْلِهِ:

؎وَهُوَ حُجَّةٌ لَدى الأكْثَرِ إنْ ∗∗∗ مُخَصِّصٌ لَهُ مُعَيَّنًا يَبِنْ

وَبِهَذا كُلِّهِ يَتَبَيَّنُ أنَّ النُّصُوصَ الدّالَّةَ عَلى مَوْتِ كُلِّ إنْسانٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ في ظَرْفِ تِلْكَ المِائَةِ، ونَفْيِ الخُلْدِ عَنْ كُلِّ بَشَرٍ قَبْلَهُ تَتَناوَلُ بِظَواهِرِها الخَضِرَ، ولَمْ يَخْرُجْ مِنها نَصٌّ (p-٣٣٨)صالِحٌ لِلتَّخْصِيصِ كَما رَأيْتَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا اخْتِلافًا كَثِيرًا في نَسَبِ الخَضِرِ، فَقِيلَ: هو ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في الإصابَةِ: وهَذا قَوْلٌ رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ مِن طَرِيقِ رَوّادِ بْنِ الجَرّاحِ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوّادٌ ضَعِيفٌ، ومُقاتِلٌ مَتْرُوكٌ، والضَّحّاكُ لَمْ يَسْمَعْ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: إنَّهُ ابْنُ قابِيلَ بْنِ آدَمَ قالَ ابْنُ حَجَرٍ: ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ السِّجِسْتانِيُّ في كِتابِ المُعَمَّرِينَ، ثُمَّ ساقَ سَنَدَهُ وقالَ: هو مُعْضَلٌ وحَكى صاحِبُ هَذا القَوْلِ: أنَّهُ اسْمُهُ خَضِرُونَ وهو الخَضِرُ، وقِيلَ: اسْمُهُ عامِرٌ، ذَكَرَهُ أبُو الخَطّابِ بْنُ دِحْيَةَ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ البَغْدادِيِّ، وقِيلَ: إنَّ اسْمَهُ بِلْيامُ بْنُ مَلْكانِ بْنُ فالِغِ بْنِ شالَخِ بْنِ أرْفَخْشَدَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، ذَكَرَ هَذا القَوْلَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في المَعارِفِ عَنْ وهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وغَيْرُهُ، وقِيلَ: إنَّ اسْمَهُ المُعَمِّرَ بْنُ مالِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَصْرِ بْنِ الأزْدِ، وهَذا قَوْلُ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي أُوَيْسٍ، نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُما.

وَقِيلَ: خَضْرُونُ بْنُ عَمائِيلَ مِن ذُرِّيَّةِ العِيصِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ: وهَذا القَوْلُ حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ أيْضًا ذَكَرَهُ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن سِبْطِ هارُونَ أخِي مُوسى، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ أيْضًا ثُمَّ قالَ: وهو بَعِيدٌ، وأعْجَبُ مِنهُ قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ: إنَّهُ أرْمَيا بُنُ حَلْقِيا، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ: إنَّهُ ابْنُ بِنْتِ فِرْعَوْنَ، حَكاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أيُّوبَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ.

وَقِيلَ: ابْنُ فِرْعَوْنَ لِصُلْبِهِ، حَكاهُ النَّقّاشُ، وقِيلَ: إنَّهُ اليَسَعُ، حُكِيَ عَنْ مُقاتِلٍ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّهُ بَعِيدٌ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن ولَدِ فارِسٍ، قالَ ابْنُ حَجَرٍ: جاءَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، أخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ مِن رِوايَةِ ضَمْرَةَ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، وقِيلَ: إنَّهُ مَن ولَدِ بَعْضِ مَن كانَ آمَنَ بِإبْراهِيمَ وهاجَرَ مَعَهُ مِن أرْضِ بابِلَ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تارِيخِهِ، وقِيلَ: كانَ أبُوهُ فارِسِيًّا، وأُمُّهُ رُومِيَّةً، وقِيلَ عَكْسُ ذَلِكَ ا هـ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الواقِعِ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: «إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ جَلَسَ عَلى فَرْوَةٍ بَيْضاءَ، فَإذا هي تَهْتَزُّ مِن خَلْفِهِ خَضْراءَ»، والفَرْوَةُ البَيْضاءُ: ما عَلى وجْهِ الأرْضِ مِنَ الحَشِيشِ الأبْيَضِ وشِبْهِهِ مِنَ الهَشِيمِ، وقِيلَ، الفَرْوَةُ: الأرْضُ البَيْضاءُ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، وقِيلَ: هي الهَشِيمُ اليابِسُ.

وَمِن ذَلِكَ القَبِيلِ تَسْمِيَةُ جِلْدَةِ الرَّأْسِ فَرْوَةً، كَما قَدَّمْنا في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ في قَوْلِ الشّاعِرِ:(p-٣٣٩)

؎دَنِسُ الثِّيابِ كَأنَّ فَرْوَةَ رَأْسِهِ ∗∗∗ غُرِسَتْ فَأنْبَتْ جانِباها فُلْفُلًا

18:66Страница 301

قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا ٦٦

Муса (Моисей) сказал ему (Хадиру): «Могу ли я последовать за тобой, чтобы ты научил меня о прямом пути тому, чему ты обучен?».

К этому аяту нет толкования

18:67Страница 301

قَالَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٦٧

Он сказал: «У тебя не хватит терпения находиться рядом со мной.

К этому аяту нет толкования

18:68Страница 301

وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا ٦٨

Как ты сможешь терпеливо относиться к тому, что ты не объемлешь знанием?».

К этому аяту нет толкования

18:69Страница 301

قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا ٦٩

Муса (Моисей) сказал: «Если Аллах пожелает, то ты увидишь, что я терпелив, и я не ослушаюсь твоего веления».

К этому аяту нет толкования

18:70Страница 301

قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا ٧٠

Он сказал: «Если ты последуешь за мной, то не спрашивай меня ни о чем, пока я сам не поведаю тебе об этом».

К этому аяту нет толкования

18:71Страница 301

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا ٧١

Они вдвоем двинулись в путь. Когда же они сели на корабль, он сделал в нем пробоину. Он сказал: «Ты сделал пробоину, чтобы потопить людей на нем? Ты совершил тяжкий поступок!».

К этому аяту нет толкования

18:72Страница 301

قَالَ أَلَمۡ أَقُلۡ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٢

Он сказал: «Разве я не говорил, что ты не сможешь сохранять терпение рядом со мной?».

К этому аяту нет толкования

18:73Страница 301

قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا ٧٣

Муса (Моисей) сказал: «Не наказывай меня за то, что я позабыл, и не возлагай на меня тяжелое бремя».

К этому аяту нет толкования

18:74Страница 301

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمٗا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٖ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـٔٗا نُّكۡرٗا ٧٤

Они продолжили путь, пока не встретили мальчика, и он убил его. Он сказал: «Неужели ты убил невинного человека, который никого не убивал?! Ты совершил предосудительный поступок!».

К этому аяту нет толкования

18:75Страница 302

۞ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٥

Он сказал: «Разве я не говорил тебе, что ты не сможешь сохранять терпение рядом со мной?».

К этому аяту нет толкования

18:76Страница 302

قَالَ إِن سَأَلۡتُكَ عَن شَيۡءِۭ بَعۡدَهَا فَلَا تُصَٰحِبۡنِيۖ قَدۡ بَلَغۡتَ مِن لَّدُنِّي عُذۡرٗا ٧٦

Муса (Моисей) сказал: «Если я спрошу тебя о чем-либо после этого, то не продолжай путь вместе со мной. Твой поступок по отношению ко мне уже оправдан».

К этому аяту нет толкования

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English