Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
Марьям 19:12–18
19:12Страница 306
يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا ١٢
О Йахья (Иоанн)! Крепко держи Писание. Мы одарили его мудростью, пока он был еще ребенком,
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ﴿وَحَنانًا مِن لَدُنّا وزَكاةً وكانَ تَقِيًّا﴾ ﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ .
(p-٣٧٨)اعْلَمْ أوَّلًا: أنّا قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَذْكُرَ شَيْئًا مَعَ بَعْضِ صِفاتِهِ ولَهُ صِفاتٌ أُخَرُ مَذْكُورَةٌ في مَوْضِعٍ آخَرَ، فَإنّا نُبَيِّنُها، وقَدْ مَرَّ فِيهِ أمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ مِن ذَلِكَ، وأكْثَرُها في المَوْصُوفاتِ مِن أسْماءِ الأجْناسِ لا الأعْلامِ، ورُبَّما ذَكَرْنا ذَلِكَ في صِفاتِ الأعْلامِ كَما هُنا فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَعْضَ صِفاتِ يَحْيى، وقَدْ ذَكَرَ شَيْئًا مِن صِفاتِهِ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وسَنُبَيِّنُ إنْ شاءَ اللَّهُ المُرادَ بِالمَذْكُورِ مِنها هُنا، والمَذْكُورِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
اعْلَمْ أنَّهُ هُنا وصَفَهُ بِأنَّهُ قالَ لَهُ: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَآتَيْناهُ الحُكْمَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وقُلْنا لَهُ ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾، والكِتابُ: التَّوْراةُ، أيْ: خُذِ التَّوْراةَ بِقُوَّةٍ، أيْ: بِجِدٍّ واجْتِهادٍ، وذَلِكَ بِتَفَهُّمِ المَعْنى أوَّلًا حَتّى يَفْهَمَهُ عَلى الوَجْهِ الصَّحِيحِ، ثُمَّ يَعْمَلَ بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، فَيَعْتَقِدَ عَقائِدَهُ، ويُحِلَّ حَلالَهُ، ويُحَرِّمَ حَرامَهُ، ويَتَأدَّبَ بِآدابِهِ، ويَتَّعِظَ بِمَواعِظِهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن جِهاتِ العَمَلِ بِهِ، وعامَّةُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ هُنا: التَّوْراةُ، وحَكى غَيْرُ واحِدٍ عَلَيْهِ الإجْماعَ، وقِيلَ: هو كِتابٌ أُنْزِلَ عَلى يَحْيى، وقِيلَ: هو اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ الكُتُبَ المُقَدَّمَةَ، وقِيلَ: هو صُحُفُ إبْراهِيمَ، والأظْهَرُ قَوْلُ الجُمْهُورِ: إنَّهُ التَّوْراةُ كَما قَدَّمْنا.
وَقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَآتَيْناهُ الحُكْمَ﴾، أيْ: أعْطَيْناهُ الحُكْمَ، ولِلْعُلَماءِ في المُرادِ بِالحُكْمِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، مَرْجِعُها إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو أنَّ اللَّهَ أعْطاهُ الفَهْمَ في الكِتابِ، أيْ: إدْراكَ ما فِيهِ والعَمَلَ بِهِ في حالِ كَوْنِهِ صَبِيًّا، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾، أيِ: الفَهْمَ والعِلْمَ والجِدَّ والعَزْمَ، والإقْبالَ عَلى الخَيْرِ والإكْبابَ عَلَيْهِ، والِاجْتِهادَ فِيهِ وهو صَغِيرٌ حَدَثٌ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ قالَ مَعْمَرٌ: قالَ الصِّبْيانُ لِيَحْيى بْنِ زَكَرِيّا: اذْهَبْ بِنا نَلْعَبُ، فَقالَ: ما لِلَّعِبِ خُلِقْنا فَلِهَذا أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾، يَقُولُ تَعالى ذِكْرُهُ: وأعْطَيْناهُ الفَهْمَ بِكِتابِ اللَّهِ في حالِ صِباهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ أسْنانَ الرِّجالِ، وقَدْ حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ قالَ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ قالَ: أخْبَرَنِي مَعْمَرٌ ولَمْ يَذْكُرْهُ عَنْ أحَدٍ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾، قالَ بَلَغَنِي أنَّ الصِّبْيانَ قالُوا لِيَحْيى: اذْهَبْ بِنا نَلْعَبُ، فَقالَ: (p-٣٧٩)ما لِلَّعِبِ خُلِقْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: ﴿وَآتَيْناهُ الحُكْمَ﴾، أيِ: الحِكْمَةَ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةَ ذُبْيانَ:
؎واحْكم كَحُكْمِ فَتاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ إلى حَمامٍ سِراعٍ وارِدِ الثَّمَدِ
وَقالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: والحُكْمُ النُّبُوَّةُ، أوْ حُكْمُ الكِتابِ، أوِ الحِكْمَةُ، أوِ العِلْمُ بِالأحْكامِ، أوِ اللُّبُّ وهو العَقْلُ، أوْ آدابُ الخِدْمَةِ، أوِ الفِراسَةُ الصّادِقَةُ، أقْوالٌ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي هو أنَّ الحُكْمَ يُعْلَمُ النّافِعُ والعَمَلُ بِهِ، وذَلِكَ بِفَهْمِ الكِتابِ السَّماوِيِّ فَهْمًا صَحِيحًا، والعَمَلِ بِهِ حَقًّا، فَإنَّ هَذا يَشْمَلُ جَمِيعَ أقْوالِ العُلَماءِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وأصْلُ مَعْنى ”الحِكَمِ“ المَنعُ، والعِلْمُ النّافِعُ، والعَمَلُ بِهِ يَمْنَعُ الأقْوالَ والأفْعالَ مِنَ الخَلَلِ والفَسادِ والنُّقْصانِ.
وَقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿صَبِيًّا﴾، أيْ: لَمْ يَبْلُغْ، وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: صَبِيًّا، أيْ: شابًّا لَمْ يَبْلُغْ سِنَّ الكُهُولَةِ ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ، والظّاهِرُ الأوَّلُ، قِيلَ ابْنُ ثَلاثِ سِنِينَ، وقِيلَ ابْنُ سَبْعٍ، وقِيلَ ابْنُ سَنَتَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَحَنانًا﴾، مَعْطُوفٌ عَلى الحُكْمَ، أيْ: وآتَيْناهُ حَنانًا مِن لَدُنّا، والحَنانُ: هو ما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّحْمَةِ، والعَطْفِ والشَّفَقَةِ، وإطْلاقُ الحَنانِ عَلى الرَّحْمَةِ والعَطْفِ مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُهم: حَنانَكَ وحَنانَيْكَ يا رَبِّ، بِمَعْنى رَحْمَتَكَ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎أبِنْتَ الحارِثِ المَلِكِ بْنِ عَمْرٍو ∗∗∗ لَهُ مُلْكُ العِراقِ إلى عُمانِ
؎وَيَمْنَحُها بَنُو شَمَجى بْنِ جَرْمٍ ∗∗∗ مَعِيزَهُمُ حَنانَكَ ذا الحَنانِ
يَعْنِي: رَحْمَتَكَ يا رَحْمَنُ، وقَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ:
؎أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا حَنانَيْكَ ∗∗∗ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ
وَقَوْلُ مُنْذِرِ بْنِ دِرْهَمٍ الكَلْبِيِّ:
؎وَأحْدَثُ عَهْدٍ مِن أمِينَةَ نَظْرَةٌ ∗∗∗ عَلى جانِبِ العَلْياءِ إذْ أنا واقِفُ
؎فَقالَتْ حَنانٌ ما أتى بِكَ هاهُنا ∗∗∗ أذُو نَسَبٍ أمْ أنْتَ بِالحَيِّ
عارِفُ فَقَوْلُهُ ”حَنانٌ“ أيْ: أمْرِي حَنانٌ، أيْ رَحْمَةٌ لَكَ، وعَطْفٌ وشَفَقَةٌ عَلَيْكَ (p-٣٨٠)وَقَوْلُ الحُطَيْئَةِ أوْ غَيْرِهِ:
تَحَنَّنْ عَلَيَّ هَداكَ المَلِيكُ فَإنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالا وقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿مِن لَدُنّا﴾، أيْ: مِن عِنْدِنا، وأصَحُّ التَّفْسِيراتِ في قَوْلِهِ ”وَزَكاةً“ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ: أوْ أعْطَيْناهُ زَكاةً، أيْ: طَهارَةً مِن أدْرانِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي بِالطّاعَةِ، والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ بِما يُرْضِيهِ: وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى إطْلاقِ الزَّكاةِ في القُرْآنِ بِمَعْنى الطَّهارَةِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
وَقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ”وَزَكاةً“ الزَّكاةُ: التَّطْهِيرُ والبَرَكَةُ والتَّنْمِيَةُ في وُجُوهِ الخَيْرِ، أيْ: جَعَلْناهُ مُبارَكًا لِلنّاسِ يَهْدِيهِمْ، وقِيلَ المَعْنى: زَكَّيْناهُ بِحُسْنِ الثَّناءِ عَلَيْهِ كَما يُزَكِّي الشُّهُودُ إنْسانًا، وقِيلَ ”زَكاةً“ صَدَقَةً عَلى أبَوَيْهِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ، وهو خِلافُ التَّحْقِيقِ في مَعْنى الآيَةِ، والتَّحْقِيقُ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ هو ما ذَكَرْنا، مِن أنَّ المَعْنى: وأعْطَيْناهُ زَكاةً، أيْ: طَهارَةً مِنَ الذُّنُوبِ والمَعاصِي بِتَوْفِيقِنا إيّاهُ لِلْعَمَلِ بِما يُرْضِي اللَّهَ تَعالى، وقَوْلُ مَن قالَ مِنَ العُلَماءِ: بِأنَّ المُرادَ بِالزَّكاةِ في الآيَةِ العَمَلُ الصّالِحُ، راجِعٌ إلى ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ هو الَّذِي بِهِ الطَّهارَةُ مِنَ الذُّنُوبِ والمَعاصِي.
وَقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَكانَ تَقِيًّا﴾، أيْ: مُمْتَثِلًا لِأوامِرِ رَبِّهِ مُجْتَنِبًا كُلَّ ما نَهى عَنْهُ، ولِذا لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ، ولَمْ يُلِمَّ بِها، قالَهُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ، وفي نَحْوِ ذَلِكَ أحادِيثُ مَرْفُوعَةٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ مَرْفُوعًا، إمّا بِانْقِطاعٍ، وإمّا بِعَنْعَنَةِ مُدَلِّسٍ: وإمّا بِضَعْفِ واوٍ، كَما أشارَ لَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ، وقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى ”التَّقْوى“ مِرارًا وأصْلُ مادَّتِها في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.
وَقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ﴾ [مريم: ١٤]، البَرُّ بِالفَتْحِ هو فاعِلُ البِرِّ بِالكَسْرِ كَثِيرًا أيْ: وجَعَلْناهُ كَثِيرَ البِرِّ بِوالِدَيْهِ، أيْ: مُحْسِنًا إلَيْهِما، لَطِيفًا بِهِما، لَيِّنَ الجانِبِ لَهُما، وقَوْلُـهُ ”وَبَرًّا“ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ”تَقِيًّا“، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾، أيْ: لَمْ يَكُنْ مُسْتَكْبِرًا عَنْ طاعَةِ رَبِّهِ وطاعَةِ والِدَيْهِ، ولَكِنَّهُ كانَ مُطِيعًا لِلَّهِ، مُتَواضِعًا لِوالِدَيْهِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، والجَبّارُ: هو كَثِيرُ الجَبْرِ، أيِ: القَهْرِ لِلنّاسِ، والظُّلْمِ لَهم، وكُلُّ مُتَكَبِّرٍ عَلى النّاسِ يَظْلِمُهم: فَهو جَبّارٌ، وقَدْ أُطْلِقَ في القُرْآنِ عَلى شَدِيدِ البَطْشِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠]، وعَلى مَن يَتَكَرَّرُ مِنهُ القَتْلُ في (p-٣٨١)قَوْلِهِ: ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [القصص: ١٩]، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ”عَصِيًّا“ فَعُولٌ قُلِبَتْ فِيهِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ عَلى القاعِدَةِ التَّصْرِيفِيَّةِ المَشْهُورَةِ: الَّتِي عَقَدَها ابْنُ مالِكِ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎إنْ يَسْكُنِ السّابِقُ مِن واوٍ ويا ∗∗∗ واتَّصَلا ومِن عُرُوضٍ عَرِيا
؎فَياءُ الواوِ اقْلِبَنَّ مُدْغِما ∗∗∗ وشَذَّ مُعْطًى غَيْرُ ما قَدْ رُسِما
فَأصْلُ ”عَصِيًّا“ عَلى هَذا ”عَصُويًا“ كَصَبُورٍ، أيْ: كَثِيرَ العِصْيانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ فَعِيلًا وهي مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ أيْضًا، قالَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ.
وَقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥]، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وسَلامٌ عَلَيْهِ، أيْ: أمانٌ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّها التَّحِيَّةُ المُتَعارَفَةُ، فَهي أشْرَفُ مِنَ الأمانِ؛ لِأنَّ الأمانَ مُتَحَصَّلٌ لَهُ بِنَفْيِ العِصْيانِ عَنْهُ وهو أقَلُّ دَرَجاتِهِ، وإنَّما الشَّرَفُ في أنْ سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وحَيّاهُ في المَواطِنِ الَّتِي الإنْسانُ فِيها في غايَةِ الضَّعْفِ والحاجَةِ، وقِلَّةِ الحِيلَةِ والفَقْرِ إلى اللَّهِ تَعالى عَظِيمِ الحَوْلِ.
انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ بِواسِطَةِ نَقْلِ القُرْطُبِيِّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، ومَرْجِعُ القَوْلَيْنِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ مَعْنى سَلامٌ، التَّحِيَّةُ، الأمانُ، والسَّلامَةُ مِمّا يَكْرَهُ، وقَوْلُ مَن قالَ: هو الأمانُ، يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ الأمانَ مِنَ اللَّهِ، والتَّحِيَّةُ مِنَ اللَّهِ مَعْناها الأمانُ والسَّلامَةُ مِمّا يَكْرَهُ، والظّاهِرُ المُتَبادَرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾، تَحِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ لِيَحْيى ومَعْناها الأمانُ والسَّلامَةُ، وقَوْلَـهُ: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ﴾ مُبْتَدَأٌ، وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ وهو نَكِرَةٌ أنَّهُ في مَعْنى الدُّعاءِ، وإنَّما خَصَّ هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةَ بِالسَّلامِ الَّتِي هي وقْتُ وِلادَتِهِ، ووَقْتُ مَوْتِهِ، ووَقْتُ بَعْثِهِ، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ﴾ الآيَةَ؛ لِأنَّها أوْحَشُ مِن غَيْرِها، قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أوْحَشُ ما يَكُونُ المَرْءُ في ثَلاثَةِ مَواطِنَ: يَوْمَ يُولَدُ فَيَرى نَفْسَهُ خارِجًا مِمّا كانَ فِيهِ ويَوْمَ يَمُوتُ فَيَرى قَوْمًا لَمْ يَكُنْ عايَنَهم، ويَوْمَ يُبْعَثُ فَيَرى نَفْسَهُ في مَحْشَرٍ عَظِيمٍ، قالَ: فَأكْرَمَ اللَّهُ فِيها يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا فَخَصَّهُ بِالسَّلامِ عَلَيْهِ فِيها، رَواهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ، وذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِإسْنادِهِ عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ قالَ: إنْ عِيسى ويَحْيى التَقَيا فَقالَ لَهُ عِيسى: اسْتَغْفِرْ لِي، أنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، فَقالَ الآخَرُ: اسْتَغْفِرْ لِي، أنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، فَقالَ عِيسى: أنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، سَلَّمْتُ عَلى نَفْسِي وسَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وقَدْ نَقَلَ القُرْطُبِيُّ هَذا الكَلامَ الَّذِي رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ قالَ: انْتَزَعَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ في التَّسْلِيمِ فَضْلَ عِيسى بِأنْ قالَ إدْلالُهُ (p-٣٨٢)فِي التَّسْلِيمِ عَلى نَفْسِهِ ومَكانَتُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى الَّتِي اقْتَضَتْ ذَلِكَ حِينَ قُرِّرَ وحُكِيَ في مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ أعْظَمُ في المَنزِلَةِ مِن أنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولِكُلٍّ وجْهٌ، انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ، والظّاهِرُ أنَّ سَلامَ اللَّهِ عَلى يَحْيى في قَوْلِهِ: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ الآيَةَ [مريم: ١٥]، أعْظَمُ مِن سَلامِ عِيسى عَلى نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣]، كَما هو ظاهِرٌ.
19:13Страница 306
وَحَنَانٗا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةٗۖ وَكَانَ تَقِيّٗا ١٣
а также состраданием от Нас и чистотой. Он был богобоязнен,
К этому аяту нет толкования
19:14Страница 306
وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَيۡهِ وَلَمۡ يَكُن جَبَّارًا عَصِيّٗا ١٤
почтителен к родителям и не был гордецом и ослушником.
К этому аяту нет толкования
19:15Страница 306
وَسَلَٰمٌ عَلَيۡهِ يَوۡمَ وُلِدَ وَيَوۡمَ يَمُوتُ وَيَوۡمَ يُبۡعَثُ حَيّٗا ١٥
Мир ему в тот день, когда он родился, в тот день, когда он скончался, и в тот день, когда он будет воскрешен к жизни!
تَنْبِيهٌ
الفَتْحَةُ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥]، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في الظُّرُوفِ الثَّلاثَةِ فَتْحَةُ إعْرابٍ نَصْبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ فَتْحَةَ بِناءٍ لِجَوازِ البِناءِ في نَحْوِ ذَلِكَ، والأجْوَدُ أنْ تَكُونَ فَتْحَةُ ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ فَتْحَةَ بِناءٍ، وفَتْحَةُ ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ﴾ فَتْحَةَ نَصْبٍ؛ لِأنَّ بِناءَ ما قَبْلَ الفِعْلِ الماضِي أجْوَدُ مِن إعْرابِهِ وإعْرابِ ما قَبْلَ المُضارِعِ والجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ أجْوَدُ مِن بِنائِهِ، كَما عَقَدَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وابْنِ أوْ أعْرِبْ ما كَإذْ قَدْ أُجْرِيا واخْتَرْ بِنا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيا
؎وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أوْ مُبْتَدا ∗∗∗ أعْرِبْ ومَن بَنى فَلَنْ يُفَنَّدا
والأحْوالُ في مِثْلِ هَذا أرْبَعَةٌ: الأوَّلُ أنْ يُضافَ الظَّرْفُ المَذْكُورُ إلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ فِعْلُها مَبْنِيٌّ بِناءً أصْلِيًّا وهو الماضِي؛ كَقَوْلِ نابِغَةَ ذُبْيانَ:
؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا ∗∗∗ فَقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَّيْبُ وازِعُ
فَبِناءُ الظَّرْفِ في مِثْلِ ذَلِكَ أجْوَدُ، وإعْرابُهُ جائِزٌ.
الثّانِي: أنْ يُضافَ الظَّرْفُ المَذْكُورُ إلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ فِعْلُها مَبْنِيٌّ بِناءً عارِضًا، كالمُضارِعِ المَبْنِيِّ لِاتِّصالِهِ بِنُونِ النِّسْوَةِ، كَقَوْلِ الآخَرِ:
؎لَأجْتَذِبَنَّ مِنهُنَّ قَلْبِي تَحَلُّمًا ∗∗∗ عَلى حِينَ يَسْتَصْبِينَ كُلَّ حَلِيمِ
وَحُكْمُ هَذا كَما قَبْلَهُ.
الثّالِثُ: أنْ يُضافَ إلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ فِعْلُها مُعْرَبٌ، كَقَوْلِ أبِي صَخْرٍ الهُذَلِيِّ:
؎إذا قُلْتُ هَذا حِينَ أسْلُو يَهِيجُنِي ∗∗∗ نَسِيمُ الصَّبا مِن حَيْثُ يَطَّلِعُ الفَجْرُ
فَإعْرابُ مِثْلِ هَذا أجْوَدُ، وبِناؤُهُ جائِزٌ.
الرّابِعُ: أنْ يُضافَ الظَّرْفُ المَذْكُورُ إلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:(p-٣٨٣)
؎ألَمْ تَعْلَمِي يا عَمْرَكِ اللَّهَ أنَّنِي ∗∗∗ كَرِيمٌ عَلى حِينِ الكِرامِ قَلِيلُ
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎تَذَكَّرَ ما تَذَكَّرَ مِن سُلَيْمى ∗∗∗ عَلى حِينِ التَّواصُلُ غَيْرُ دانِ
وَحُكْمُ هَذا كَما قَبْلَهُ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأوْجُهَ إنَّما هي في الظَّرْفِ المُبْهَمِ الماضِي، وأمّا إنْ كانَ الظَّرْفُ المُبْهَمُ مُسْتَقْبَلَ المَعْنى، كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ﴾، فَإنَّهُ لا يُضافُ إلّا إلى الجُمَلِ الفِعْلِيَّةِ دُونَ الِاسْمِيَّةِ، فَتَكُونُ فِيهِ الأوْجُهُ الثَّلاثَةُ المَذْكُورَةُ دُونَ الرّابِعِ، وأجازَ ابْنُ مالِكٍ إضافَتَهُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ بِقِلَّةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣]، وقَوْلِ سَوادِ بْنِ قارِبٍ:
؎وَكُنْ لِي شَفِيعًا يَوْمَ لا ذُو شَفاعَةٍ ∗∗∗ بِمُغْنٍ فَتِيلًا عَنْ سَوادِ بْنِ قارِبٍ
لِأنَّ الظَّرْفَ في الآيَةِ والبَيْتِ المَذْكُورَيْنِ مُسْتَقْبَلٌ لا ماضٍ، وقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾، قالَ أبُو حَيّانَ: فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى كَوْنِهِ مِنَ الشُّهَداءِ، لِقَوْلِهِ تَعالى فِيهِمْ: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] .
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وجْهُ هَذا الِاسْتِنْباطِ أنَّ الحالَ قَيْدٌ لِعامِلِها، وصْفٌ لِصاحِبِها، وعَلَيْهِ فَبَعْثُهُ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِ حَيًّا، وتِلْكَ حَياةُ الشُّهَداءِ، ولَيْسَ بِظاهِرٍ كُلَّ الظُّهُورِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
هَذا هو حاصِلُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِن صِفاتِ يَحْيى، وذَكَرَ بَعْضَ صِفاتِهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ في ”آلِ عِمْرانَ“: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩]، ومَعْنى كَوْنِهِ ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أنَّهُ مُصَدِّقٌ بِعِيسى، وإنَّما قِيلَ لِعِيسى كَلِمَةٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ أوْجَدَهُ بِكَلِمَةٍ هي قَوْلُهُ ”كُنْ“ فَكانَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٧١]، وقالَ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٤٥]، وهَذا هو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾، وقِيلَ: المُرادُ بِكَلِمَةٍ: الكِتابُ، أيْ: مُصَدِّقًا بِكِتابِ اللَّهِ، والكَلِمَةُ في القُرْآنِ تُطْلَقُ عَلى الكَلامِ المُفِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، (p-٣٨٤)وَقَوْلِـهِ: ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَباقِيَ الأقْوالِ تَرَكْناهُ لِظُهُورِ ضَعْفِهِ، والصَّوابُ إنْ شاءَ اللَّهُ هو ما ذَكَرْنا، وقَوْلُهُ ﴿وَسَيِّدًا﴾ وزْنُ السَّيِّدِ بِالمِيزانِ الصَّرْفِيِّ فَيْعِلٌ وأصْلُ مادَّتِهِ ) س ود ( سَكَنَتْ ياءُ الفَعِيلِ الزّائِدَةِ قَبْلَ الواوِ الَّتِي هي في مَوْضِعِ العَيْنِ، فَأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً عَنِ القاعِدَةِ التَّصْرِيفِيَّةِ المُشارِ لَها بِقَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
؎إنْ يَسْكُنِ السّابِقُ مِن واوٍ ويا
البَيْتَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ آنِفًا، وأصْلُهُ مِنَ السَّوادِ وهو الخَلْقُ الكَثِيرُ، فالسَّيِّدُ مَن يُطِيعُهُ، ويَتَّبِعُهُ سَوادٌ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ عَيْنَ المادَّةِ واوٌ أنَّكَ تَقُولُ فِيهِ: سادَ يَسُودُ بِالواوِ، وتَقُولُ سَوَّدُوهُ إذا جَعَلُوهُ سَيِّدًا، والتَّضْعِيفُ يَرُدُّ العَيْنَ إلى أصْلِها، ومِنهُ قَوْلُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ العامِرِيِّ:
؎وَإنِّي وإنْ كُنْتُ ابْنَ سَيِّدِ عامِرٍ ∗∗∗ وفارِسَها المَشْهُورَ في كُلِّ مَوْكِبِ
؎فَما سَوَّدَتْنِي عامِرٌ عَنْ وِراثَةٍ ∗∗∗ أبى اللَّهُ أنْ أسَمْوَ بِأُمٍّ ولا أبِ
وَقالَ الآخَرُ:
؎وَإنَّ بِقَوْمٍ سَوَّدُوكَ لِحاجَةٍ ∗∗∗ إلى سَيِّدٍ لَوْ يَظْفَرُونَ بِسَيِّدِ
وَشُهْرَةُ مِثْلِ ذَلِكَ تَكْفِي عَنْ بَيانِهِ، والآيَةُ فِيها دَلِيلٌ عَلى إطْلاقِ السَّيِّدِ عَلى مَن سادَ مِنَ النّاسِ، وقَدْ جاءَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «إنَّ ابْنِي هَذا سَيِّدٌ» الحَدِيثَ، وأنَّهُ ﷺ: لَمّا جاءَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلْحُكْمِ في بَنِي قُرَيْظَةَ قالَ ﷺ: «قُومُوا لِسَيِّدِكم» والتَّحْقِيقُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩]، أنَّهُ الَّذِي حَصَرَ نَفْسَهُ عَنِ النِّساءِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى إتْيانِهِنَّ تَبَتُّلًا مِنهُ، وانْقِطاعًا لِعِبادَةِ اللَّهِ، وكانَ ذَلِكَ جائِزًا في شَرْعِهِ، وأمّا سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ فَهي التَّزْوِيجُ وعَدَمُ التَّبَتُّلِ، أمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الحَصُورَ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وأنَّهُ مَحْصُورٌ عَنِ النِّساءِ؛ لِأنَّهُ عِنِّينٌ لا يَقْدِرُ عَلى إتْيانِهِنَّ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ العُنَّةَ عَيْبٌ ونَقْصٌ في الرِّجالِ، ولَيْسَتْ مِن فِعْلِهِ حَتّى يُثْنى عَلَيْهِ بِها، فالصَّوابُ إنْ شاءَ اللَّهُ هو ما ذَكَرْنا، واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الحَصُورَ هو الَّذِي لا يَدْخُلُ مَعَ القَوْمِ في المَيْسِرِ كَما قالَ الأخْطَلُ:
؎وَشارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكَأْسِ نادَمَنِي ∗∗∗ لا بِالحَصُورِ ولا فِيها بِسَوّارِ
قَوْلٌ لَيْسَ بِالصَّوابِ في مَعْنى الآيَةِ، بَلْ مَعْناها هو ما ذَكَرْنا وإنْ كانَ إطْلاقُ الحَصُورِ (p-٣٨٥)عَلى ذَلِكَ صَحِيحًا لُغَةً، وقَوْلُهُ: ”وَنَبِيئًا“ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ بِالهَمْزَةِ مَعْناهُ واضِحٌ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، مِنَ النَّبَأِ وهو الخَبَرُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ؛ لِأنَّ الوَحْيَ خَبَرٌ لَهُ شَأْنٌ يُخْبِرُهُ اللَّهُ بِهِ، وعَلى قِراءَةٍ: بِالياءِ المُشَدَّدَةِ، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْناهُ كَمَعْنى قِراءَةِ نافِعٍ، إلّا أنَّ الهَمْزَةَ أُبْدِلَتْ ياءً وأُدْغِمَتْ فِيها، لِلْياءِ الَّتِي قَبْلَها، وعَلى هَذا فَهو كالقِراءَتَيْنِ السَّبْعِيَّتَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]، بِالهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الياءِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مِنَ النَّبْوَةِ بِمَعْنى الِارْتِفاعِ لِرِفْعَةِ النَّبِيِّ وشَرَفِهِ. والصّالِحُونَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَحَتْ عَقائِدُهم، وأعْمالُهم، وأقْوالُهم، ونِيّاتُهم، والصَّلاحُ ضِدُّ الفَسادِ، وقَدْ وصَفَ اللَّهُ تَعالى يَحْيى بِالصَّلاحِ مَعَ مَن وصَفَ بِذَلِكَ مِنَ الأنْبِياءِ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في قَوْلِهِ: ﴿وَزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الأنعام: ٨٥] .
19:16Страница 306
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا ١٦
Помяни в Писании Марьям (Марию). Вот она ушла от своей семьи на восток
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا﴾ .
أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنْ يَذْكُرَ في الكِتابِ وهو القُرْآنُ ”مَرْيَمَ“ حِينَ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا، وقَوْلُهُ ﴿انْتَبَذَتْ﴾ أيْ: تَنَحَّتْ عَنْهم واعْتَزَلَتْهم مُنْفَرِدَةً عَنْهم، وقَوْلُهُ: ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾، أيْ: مِمّا يَلِي شَرْقِيَّ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ”إذِ“ ”مَرْيَمَ“ بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ الأحْيانَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما فِيها اشْتِمالَ الظَّرْفِ عَلى مَظْرُوفِهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ واعْتَرَضَهُ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ وأبُو حَيّانَ. والظّاهِرُ سُقُوطُ اعْتِراضِهِما، وأنَّ الصَّوابَ مَعَهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَلَمْ يَذْكُرْ هُنا شَيْئًا عَنْ نَسَبِ ”مَرْيَمَ“ ولا عَنْ قِصَّةِ وِلادَتِها، وبَيَّنَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّها ابْنَةُ عِمْرانَ، وأنَّ أُمَّها نَذَرَتْ ما في بَطْنِها مُحَرَّرًا، تَعْنِي لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، تَظُنُّ أنَّها سَتَلِدُ ذَكَرًا ”فَوَلَدَتْ مَرْيَمَ“، قالَ في بَيانِ كَوْنِها ابْنَةَ عِمْرانَ: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ الآيَةَ [التحريم: ١٢]، وذَكَرَ قِصَّةَ وِلادَتِها في ”آلِ عِمْرانَ“ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يامَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٣٥ - ٣٦]
وَقَوْلُهُ ”مَكانًا“ مَنصُوبٌ لِأنَّهُ ظَرْفٌ.
19:17Страница 306
فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابٗا فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرٗا سَوِيّٗا ١٧
и укрылась от них за завесой. Мы же послали к ней Нашего Духа (Джибрила), и он предстал перед ней в облике прекрасно сложенного человека.
(p-٣٨٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾، أظْهَرُ الأقْوالِ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ ”رُوحَنا“ جِبْرِيلُ.
وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ الآيَةَ [الشعراء: ١٩٣] وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٠٢]، وإضافَتُهُ إلى اللَّهِ إضافَةُ تَشْرِيفٍ وتَكْرِيمٍ.
] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ .
تَمَثُّلُهُ لَها بَشَرًا سَوِيًّا المَذْكُورُ في الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَلَكٌ ولَيْسَ بِآدَمِيٍّ، وهَذا المَدْلُولُ صَرَّحَ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٤٥]، وهَذا الَّذِي بَشَّرَها بِهِ هو الَّذِي قالَ لَها هُنا ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩]، وقَوْلُهُ: ﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾، حالانِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ ”تَمَثَّلَ لَها“ .
19:18Страница 306
قَالَتۡ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّٗا ١٨
Она сказала: «Я прибегаю к Милостивому, чтобы Он защитил меня от тебя, если только ты богобоязнен».
К этому аяту нет толкования
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии