Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
Марьям 19:24–25
19:24Страница 306
فَنَادَىٰهَا مِن تَحۡتِهَآ أَلَّا تَحۡزَنِي قَدۡ جَعَلَ رَبُّكِ تَحۡتَكِ سَرِيّٗا ٢٤
Тогда он (Иса или Джибрил) воззвал к ней из-под нее: «Не печалься! Господь твой создал под тобой ручей.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَناداها مِن تَحْتِها ألّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾، اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ في هَذا الحَرْفِ قِراءَتَيْنِ سَبْعِيَّتَيْنِ: قَرَأهُ نافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ [مريم: ٢٤]، بِكَسْرِ المِيمِ عَلى أنَّ ”مِن“ حَرْفُ جَرٍّ، وخَفْضِ تاءِ ”تَحْتِها“ لِأنَّ الظَّرْفَ مَجْرُورٌ بِـ ”مِن“ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ ”فَناداها مَن تَحْتَها“ بِفَتْحِ مِيمِ ”مَن“ عَلى أنَّهُ اسْمٌ مَوْصُولٌ هو فاعِلُ ”نادى“ أيْ ناداها الَّذِي تَحْتَها، وفَتْحِ ”تَحْتَها“ فَعَلى القِراءَةِ الأُولى فَفاعِلُ النِّداءِ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ، وعَلى الثّانِيَةِ فالفاعِلُ الِاسْمُ المَوْصُولُ الَّذِي هو ”مَن“ .
وَإذا عَرَفْتَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ مُخْتَلِفُونَ في هَذا المُنادِي الَّذِي ناداها المُعَبَّرُ عَنْهُ في إحْدى القِراءَتَيْنِ بِالضَّمِيرِ، وفي الثّانِيَةِ بِالِاسْمِ المَوْصُولِ مَن هو ؟ فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو عِيسى، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو جِبْرِيلُ، ومِمَّنْ قالَ: ”إنَّ الَّذِي نادى مَرْيَمَ هو جِبْرِيلُ“ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الأوْدِيُّ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ، وأهْلُ هَذا القَوْلِ قالُوا: لَمْ يَتَكَلَّمْ عِيسى حَتّى أتَتْ بِهِ قَوْمَها.
(p-٣٩٤)وَمِمَّنْ قالَ إنَّ الَّذِي ناداها هو عِيسى عِنْدَما وضَعَتْهُ أُبَيٌّ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في الرِّوايَةِ الأُخْرى عَنْهُ وابْنُ زَيْدٍ.
فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ مَن قالَ إنَّهُ المَلَكُ يَقُولُ: فَناداها جِبْرِيلُ مِن مَكانٍ تَحْتَها؛ لِأنَّها عَلى رَبْوَةٍ مُرْتَفِعَةٍ، وقَدْ ناداها مِن مَكانٍ مُنْخَفِضٍ عَنْها، وبَعْضُ أهْلِ هَذا القَوْلِ يَقُولُ: كانَ جِبْرِيلُ تَحْتَها يَقْبَلُ الوَلَدَ كَما تَقْبَلُهُ القابِلَةُ، والظّاهِرُ الأوَّلُ عَلى هَذا القَوْلِ، وعَلى قِراءَةِ ”فَناداها مَن تَحْتَها“ بِفَتْحِ المِيمِ وتاءِ ”تَحْتَها“ عِنْدَ أهْلِ هَذا القَوْلِ، فالمَعْنى فَناداها الَّذِي هو تَحْتَها، أيْ: في مَكانٍ أسْفَلَ مِن مَكانِها، أوْ تَحْتَها يَقْبَلُ الوَلَدَ كَما تَقْبَلُ القابِلَةُ، مَعَ ضَعْفِ الِاحْتِمالِ الأخِيرِ كَما قَدَّمْنا، أيْ: وهو جِبْرِيلُ فَعَلى القِراءَةِ الأُولى عَلى هَذا القَوْلِ ”فَناداها“ هو، أيْ: جِبْرِيلُ مِن تَحْتِها، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ ”فَناداها مِن تَحْتِها“ أيْ: الَّذِي تَحْتَها وهو جِبْرِيلُ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُنادِي هو عِيسى، فالمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: فَناداها هو، أيْ: المَوْلُودُ الَّذِي وضَعَتْهُ مِن تَحْتِها؛ لِأنَّهُ كانَ تَحْتَها عِنْدَ الوَضْعِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: ”فَناداها مَن تَحْتَها“ أيْ: الَّذِي تَحْتَها وهو المَوْلُودُ المَذْكُورُ الكائِنُ تَحْتَها عِنْدَ الوَضْعِ، ومِمَّنِ اخْتارَ أنَّ الَّذِي ناداها هو عِيسى: ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ، واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ، واسْتَظْهَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّهُ جِبْرِيلُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: أظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي أنَّ الَّذِي ناداها هو ابْنُها عِيسى، وتَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَرِينَتانِ: الأُولى أنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ إلّا بِدَلِيلٍ صارِفٍ عَنْ ذَلِكَ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وأقْرَبُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ هو عِيسى لا جِبْرِيلُ؛ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾، يَعْنِي عِيسى ﴿فانْتَبَذَتْ بِهِ﴾، أيْ بِعِيسى.
ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَناداها﴾ فالَّذِي يَظْهَرُ ويَتَبادَرُ مِنَ السِّياقِ أنَّهُ عِيسى.
والقَرِينَةُ الثّانِيَةُ أنَّها لَمّا جاءَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ، وقالُوا لَها ما قالُوا أشارَتْ إلى عِيسى لِيُكَلِّمُوهُ، كَما قالَ تَعالى عَنْها: ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]، وإشارَتُها إلَيْهِ لِيُكَلِّمُوهُ قَرِينَةٌ عَلى أنَّها عَرَفَتْ قَبْلَ ذَلِكَ أنَّهُ يَتَكَلَّمُ عَلى سَبِيلِ خَرْقِ العادَةِ لِنِدائِهِ لَها عِنْدَما وضَعَتْهُ، وبِهَذِهِ القَرِينَةِ الأخِيرَةِ اسْتَدَلَّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ عَلى أنَّهُ عِيسى، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ غَيْرُ واحِدٍ، و ”أنْ“ في قَوْلِهِ ”ألّا تَحْزَنِي“ هي المُفَسِّرَةُ، فَهي بِمَعْنى أيْ، وضابِطُ ”أنْ“ المُفَسِّرَةِ أنْ يَتَقَدَّمَها مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ كَما هُنا، فالنِّداءُ فِيهِ بِمَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ ومَعْنى كَوْنِها مُفَسِّرَةً: أنَّ الكَلامَ الَّذِي بَعْدَها هو مَعْنى ما (p-٣٩٥)قَبْلَها، فالنِّداءُ المَذْكُورُ قَبْلَها هو: ﴿لا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكَ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ .
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِالسَّرِيِّ هُنا، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو الجَدْوَلُ وهو النَّهْرُ الصَّغِيرُ؛ لِأنَّ اللَّهَ أجْرى لَها تَحْتَها نَهْرًا، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلِي﴾ أيْ: مِنَ الرُّطَبِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥]، ﴿واشْرَبِي﴾ [مريم: ٢٦]، أيْ: مِنَ النَّهْرِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾، وإطْلاقُ السَّرِيِّ عَلى الجَدْوَلِ مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎فَتَوَسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ وصَدَّعا مَسْجُورَةً مُتَجاوِرًا قُلّامُها
وَقَوْلُ لَبِيَدٍ أيْضًا يَصِفُ نَخْلًا نابِتًا عَلى ماءِ النَّهْرِ:
؎سُحُقٌ يُمَتِّعُها الصَّفا وسَرِيُّهُ ∗∗∗ عُمٌّ نَواعِمُ بَيْنَهُنَّ كُرُومُ
وَقَوْلُ الآخَرِ: .
؎سَهْلُ الخَلِيقَةِ ماجِدٌ ذُو نائِلٍ ∗∗∗ مِثْلُ السَّرِيِّ تَمُدُّهُ الأنْهارُ
فَقَوْلُهُ ”سَرِيًّا“، وقَوْلُهُما ”السَّرِيُّ“ بِمَعْنى الجَدْوَلِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎سَلْمٌ تَرى الدّالِيَ مِنهُ أزْوَرا ∗∗∗ إذا يَعُبُّ في السَّرِيِّ هَرْهَرا
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: السَّرِيُّ هو عِيسى، والسَّرِيُّ هو الرَّجُلُ الَّذِي لَهُ شَرَفٌ ومُرُوءَةٌ، يُقالُ في فِعْلِهِ سَرُوَ ”بِالضَّمِّ“ وسَرا ”بِالفَتْحِ“ يَسْرُو سَرْوًا، فِيهِما، وسَرِيَ ”بِالكَسْرِ“ يَسْرِي سِرًى وسِراءً وسَرْوًا: إذا شَرُفَ، ويُجْمَعُ السَّرِيُّ هَذا عَلى أسْرِياءَ عَلى القِياسِ، وسُرَواءَ وسَراةٍ بِالفَتْحِ، وعَنْ سِيبَوَيْهَ أنَّ السَّراةَ بِالفَتْحِ اسْمُ جَمْعٍ لا جَمْعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأفْوَهِ الأوْدِيِّ:
؎لا يَصْلُحُ النّاسُ فَوْضى لا سَراةَ لَهم ∗∗∗ ولا سَراةَ إذا جُهّالُهم سادُوا
وَيُجْمَعُ السَّراةُ عَلى سَرَواتٍ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الحَطِيمِ:
؎وَعَمْرَةُ مِن سَرَواتِ النِّساءِ ∗∗∗ تَنْفَحُ بِالمِسْكِ أرْدانُها
وَمِن إطْلاقِ السَّرِيِّ بِمَعْنى الشَّرِيفِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَلْقى السَّرِيَّ مِنَ الرِّجالِ بِنَفْسِهِ ∗∗∗ وابْنُ السَّرِيِّ إذا سَرا أسْراهُما
وَقَوْلُهُ ”أسْراهُما“، أيْ: أشْرَفُهُما، قالَهُ في اللِّسانِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: أظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي أنَّ السَّرِيَّ في الآيَةِ النَّهْرُ (p-٣٩٦)الصَّغِيرُ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أمْرانِ:
أحَدُهُما: القَرِينَةُ مِنَ القُرْآنِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلِي واشْرَبِي﴾، قَرِينَةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ المَأْكُولَ والمَشْرُوبَ هو ما تَقَدَّمَ الِامْتِنانُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤]، وقَوْلُهُ: ﴿تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥]، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٥]؛ لِأنَّ المَعِينَ الماءُ الجارِي، والظّاهِرُ أنَّهُ الجَدْوَلُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسَّرِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الأمْرُ الثّانِي: حَدِيثٌ جاءَ بِذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وقَدْ جاءَ بِذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، قالَ الطَّبَرانِيُّ: حَدَّثَنا أبُو شُعَيْبٍ الحَرّانِيُّ، حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البابِلِيُّ، حَدَّثَنا أيُّوبُ بْنُ نَهِيكٍ، سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ السَّرِيَّ الَّذِي قالَ اللَّهُ لِمَرْيَمَ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾، نَهْرٌ أخْرَجَهُ اللَّهُ لَها لِتَشْرَبَ مِنهُ» وهَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا مِن هَذا الوَجْهِ، وأيُّوبُ بْنُ نَهِيكٍ هَذا هو الحُبُلِيُّ، قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو زُرْعَةَ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ الأزْدِيُّ: مَتْرُوكُ الحَدِيثِ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في ”الكافِي الشّافْ في تَخْرِيجِ أحادِيثَ الكَشّافْ“ في الحَدِيثِ المَذْكُورِ: أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ، وابْنُ عَدِيٍّ مِن رِوايَةِ أبِي سِنانٍ سَعِيدِ بْنِ سِنانٍ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنِ البَراءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾، قالَ: «”السَّرِيُّ: النَّهْرُ»“، قالَ الطَّبَرانِيُّ: لَمْ يَرْفَعْهُ عَنْ أبِي إسْحاقَ إلّا أبُو سِنانٍ، رَواهُ عَنْهُ يَحْيى بْنُ مُعاوِيَةَ وهو ضَعِيفٌ، وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنِ البَراءِ مَوْقُوفًا، وكَذا ذَكَرَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا عَنْ وكِيعٍ، عَنْ إسْرائِيلَ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، ورَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ آدَمَ، عَنْ إسْرائِيلَ كَذَلِكَ وأخْرَجَهُ الحاكِمُ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أبِي إسْحاقَ مَوْقُوفًا، وفي البابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: ”إنَّ السَّرِيَّ الَّذِي قالَهُ لِمَرْيَمَ نَهْرٌ أخْرَجَهُ اللَّهُ لِتَشْرَبَ مِنهُ“، أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ في تَرْجَمَةِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وراوِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ أيُّوبُ بْنُ نَهِيكٍ ضَعَّفَهُ أبُو حاتِمٍ وأبُو زُرْعَةَ، انْتَهى.
فَهَذا الحَدِيثُ المَرْفُوعُ إلى النَّبِيِّ ﷺ وإنْ كانَتْ طُرُقُهُ لا يَخْلُو شَيْءٌ مِنها مِن ضَعْفٍ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ مِن دَعْوى أنَّ السَّرِيَّ عِيسى بِغَيْرِ دَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، ومِمَّنِ اخْتارَ أنَّ السَّرِيَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ النَّهْرُ: ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ، وبِهِ قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، (p-٣٩٧)والضَّحّاكُ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وغَيْرُهم، ومِمَّنْ قالَ إنَّهُ عِيسى: الحَسَنُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَبّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ قَتادَةَ، وقَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ.
19:25Страница 306
وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبٗا جَنِيّٗا ٢٥
Потряси на себя ствол пальмы, и на тебя попадают свежие финики.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ ﴿فَكُلِي واشْرَبِي وقَرِّي عَيْنًا﴾، لَمْ يُصَرِّحْ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِبَيانِ الشَّيْءِ الَّذِي أمَرَها أنْ تَأْكُلَ مِنهُ، والشَّيْءِ الَّذِي أمَرَها أنْ تَشْرَبَ مِنهُ، ولَكِنَّهُ أشارَ إلى أنَّ الَّذِي أمَرَها أنْ تَأْكُلَ مِنهُ هو: ”الرُّطَبُ الجَنِيُّ“ المَذْكُورُ، والَّذِي أمَرَها أنْ تَشْرَبَ مِنهُ هو النَّهْرُ المَذْكُورُ المُعَبَّرُ عَنْهُ ”بِالسَّرِيِّ“ كَما تَقَدَّمَ، هَذا هو الظّاهِرُ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ جِذْعَ النَّخْلَةِ الَّذِي أمَرَها أنْ تَهُزَّ بِهِ كانَ جِذْعًا يابِسًا؛ فَلَمّا هَزَّتْهُ جَعَلَهُ اللَّهُ نَخْلَةً ذاتَ رُطَبٍ جَنِيٍّ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كانَ الجِذْعُ جِذْعَ نَخْلَةٍ نابِتَةٍ إلّا أنَّها غَيْرُ مُثْمِرَةٍ، فَلَمّا هَزَّتْهُ أنْبَتَ اللَّهُ فِيهِ الثَّمَرَ وجَعَلَهُ رُطَبًا جَنِيًّا، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كانَتِ النَّخْلَةُ مُثْمِرَةً، وقَدْ أمَرَها اللَّهُ بِهَزِّها لِيَتَساقَطَ لَها الرُّطَبُ الَّذِي كانَ مَوْجُودًا، والَّذِي يُفْهَمُ مِن سِياقِ القُرْآنِ: أنَّ اللَّهَ أنْبَتَ لَها ذَلِكَ الرُّطَبَ عَلى سَبِيلِ خَرْقِ العادَةِ، وأجْرى لَها ذَلِكَ النَّهْرَ عَلى سَبِيلِ خَرْقِ العادَةِ، ولَمْ يَكُنِ الرُّطَبُ والنَّهْرُ مَوْجُودَيْنِ قَبْلَ ذَلِكَ، سَواءٌ قُلْنا إنَّ الجِذْعَ كانَ يابِسًا أوْ نَخْلَةً غَيْرَ مُثْمِرَةٍ، إلّا أنَّ اللَّهَ أنَبَتَ فِيهِ الثَّمَرَ وجَعَلَهُ رُطَبًا جَنِيًّا، ووَجْهُ دَلالَةِ السِّياقِ عَلى ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَكُلِي واشْرَبِي وقَرِّي عَيْنًا﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ عَيْنَها إنَّما تَقَرُّ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِالأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ؛ لِأنَّها هي الَّتِي تُبَيِّنُ بَراءَتَها مِمّا اتَّهَمُوها بِهِ، فَوُجُودُ هَذِهِ الخَوارِقِ مِن تَفْجِيرِ النَّهْرِ، وإنْباتِ الرُّطَبِ، وكَلامِ المَوْلُودِ - تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ نَفْسُها وتَزُولُ بِهِ عَنْها الرِّيبَةُ، وبِذَلِكَ يَكُونُ قُرَّةَ عَيْنٍ لَها؛ لِأنَّ مُجَرَّدَ الأكْلِ والشُّرْبِ مَعَ بَقاءِ التُّهْمَةِ الَّتِي تَمَنَّتْ بِسَبَبِها أنْ تَكُونَ قَدْ ماتَتْ مِن قَبْلُ وكانَتْ نَسْيًا مَنسِيًّا، لَمْ يَكُنْ قُرَّةً لِعَيْنِها في ذَلِكَ الوَقْتِ كَما هو ظاهِرٌ، وخَرْقُ اللَّهِ لَها العادَةَ بِتَفْجِيرِ الماءِ، وإنْباتِ الرُّطَبِ، وكَلامِ المَوْلُودِ لا غَرابَةَ فِيهِ، وقَدْ نَصَّ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في ”آلِ عِمْرانَ“ عَلى خَرْقِهِ لَها العادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يامَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]، قالَ العُلَماءُ: كانَ يَجِدُ عِنْدَها فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وفاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، وإجْراءُ النَّهْرِ وإنْباتُ الرُّطَبِ لَيْسَ أغْرَبَ مِن هَذا المَذْكُورِ في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ .
* *
(p-٣٩٨)مَسْألَةٌ
أخَذَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الآيَةَ، أنَّ السَّعْيَ والتَّسَبُّبَ في تَحْصِيلِ الرِّزْقِ أمْرٌ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا وأنَّهُ لا يُنافِي التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ جَلَّ وعَلا، وهَذا أمْرٌ كالمَعْلُومِ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الأخْذَ بِالأسْبابِ في تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ في الدُّنْيا أمْرٌ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا لا يُنافِي التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ بِحالٍ؛ لِأنَّ المُكَلَّفَ يَتَعاطى السَّبَبَ امْتِثالًا لِأمْرِ رَبِّهِ مَعَ عِلْمِهِ ويَقِينِهِ أنَّهُ لا يَقَعُ إلّا ما يَشاءُ اللَّهُ وُقُوعَهُ، فَهو مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ، عالِمٌ أنَّهُ لا يُصِيبُهُ إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ تَخَلُّفَ تَأْثِيرِ الأسْبابِ عَنْ مُسَبَّباتِها لَتَخَلَّفَ.
وَمِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٦٩]، فَطَبِيعَةُ الإحْراقِ في النّارِ مَعْنًى واحِدٌ لا يَتَجَزَّأُ إلى مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعَ هَذا أحْرَقَتِ الحَطَبَ فَصارَ رَمادًا مِن حَرِّها في الوَقْتِ الَّذِي هي كائِنَةٌ بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ، فَدَلَّ ذَلِكَ دَلالَةً قاطِعَةً عَلى أنَّ التَّأْثِيرَ حَقِيقَةً إنَّما هو بِمَشِيئَةِ خالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّهُ يُسَبِّبُ ما شاءَ مِنَ المُسَبَّباتِ عَلى ما شاءَ مِنَ الأسْبابِ، وأنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ إلّا بِمَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا.
وَمِن أوْضَحِ الأدِلَّةِ في ذَلِكَ: أنَّهُ رُبَّما جَعَلَ الشَّيْءَ سَبَبًا لِشَيْءٍ آخَرَ مَعَ أنَّهُ مُنافٍ لَهُ، كَجَعْلِهِ ضَرْبَ مَيِّتِ بَنِي إسْرائِيلَ بِبَعْضٍ مِن بَقَرَةٍ مَذْبُوحَةٍ سَبَبًا لِحَياتِهِ، وضَرْبُهُ بِقِطْعَةٍ مَيْتَةٍ مِن بَقَرَةٍ مَيْتَةٍ مُنافٍ لِحَياتِهِ؛ إذْ لا تُكْسَبُ الحَياةُ مِن ضَرْبٍ بِمَيْتٍ، وذَلِكَ يُوَضِّحُ أنَّهُ جَلَّ وعَلا يُسَبِّبُ ما شاءَ مِنَ المُسَبَّباتِ عَلى ما شاءَ مِنَ الأسْبابِ، ولا يَقَعُ تَأْثِيرٌ ألْبَتَّةَ إلّا بِمَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا.
وَمِمّا يُوَضِّحُ أنَّ تَعاطِيَ الأسْبابِ لا يُنافِي التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ يَعْقُوبَ: ﴿وَقالَ يابَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف: ٦٧]، أمَرَهم في هَذا الكَلامِ بِتَعاطِي السَّبَبِ، وتَسَبَّبَ في ذَلِكَ بِالأمْرِ بِهِ؛ لِأنَّهُ يَخافُ عَلَيْهِمْ أنْ تُصِيبَهُمُ النّاسُ بِالعَيْنِ لِأنَّهم أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا أبْناءُ رَجُلٍ واحِدٍ، وهم أهْلُ جَمالٍ وكَمالٍ وبَسْطَةٍ في الأجْسامِ، فَدُخُولُهم مِن بابٍ واحِدٍ مَظِنَّةٌ لِأنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ فَأمَرَهم بِالتَّفَرُّقِ والدُّخُولِ مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ تَعاطِيًا لِلسَّبَبِ في السَّلامَةِ مِن إصابَةِ العَيْنِ؛ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِن عُلَماءِ السَّلَفِ، ومَعَ هَذا التَّسَبُّبِ فَقَدْ قالَ اللَّهُ عَنْهُ: (p-٣٩٩)﴿وَقالَ يابَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧]، فانْظُرْ كَيْفَ جَمَعَ بَيْنَ التَّسَبُّبِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾، وبَيْنَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾، وهَذا أمْرٌ مَعْلُومٌ لا يَخْفى إلّا عَلى مَن طَمَسَ اللَّهُ بَصِيرَتَهُ، واللَّهُ جَلَّ وعَلا قادِرٌ عَلى أنْ يُسْقِطَ لَها الرُّطَبَ مِن غَيْرِ هَزِّ الجِذْعِ، ولَكِنَّهُ أمَرَها بِالتَّسَبُّبِ في إسْقاطِهِ بِهَزِّ الجِذْعِ، وقَدْ قالَ بَعْضُهم في ذَلِكَ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ قالَ لِمَرْيَمَ وهُزِّي إلَيْكَ الجِذْعَ يَسّاقَطِ الرُّطَبُ
؎وَلَوْ شاءَ أنْ تَجْنِيَهُ مِن غَيْرِ هَزِّهِ ∗∗∗ جَنَتْهُ ولَكِنْ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبُ
وَقَدْ أخَذَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ خَيْرَ ما تَطْعَمُهُ النُّفَساءُ الرُّطَبُ، قالُوا: لَوْ كانَ شَيْءٌ أحْسَنَ لِلنُّفَساءِ مِنَ الرُّطَبِ لَأطْعَمَهُ اللَّهُ مَرْيَمَ وقْتَ نِفاسِها بِعِيسى، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ وغَيْرُهُ، والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥]، مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ؛ لِأنَّ فِعْلَ الهَزِّ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، وزِيادَةُ حَرْفِ الباءِ لِلتَّوْكِيدِ قَبْلَ مَفْعُولِ الفِعْلِ المُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، فَمِنهُ في القُرْآنِ قَوْلُهُ هُنا ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾؛ لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ اللُّغَةِ أنَّ الأصْلَ: وهَزِّي إلَيْكِ جِذْعَ النَّخْلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ الآيَةَ [الحج: ٢٥]، وقَوْلُهُ: ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ الآيَةَ [القلم: ٥ - ٦]، وقَوْلُهُ: ”تُنْبِتُ بِالدُّهْنِ“، عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الباءِ مُضارِعُ ”أنْبَتَ“ الرُّباعِيِّ؛ لِأنَّ الرُّباعِيَّ الَّذِي هو ”أنْبَتَ يُنْبِتُ“ بِضَمِّ الياءِ المُثَنّاةِ وكَسْرِ الباءِ المُوَحَّدَةِ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ دُونَ الحَرْفِ، فالباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ كَما رَأيْتَ في الآياتِ المَذْكُورَةِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ:
؎إذْ يَسَفُّونَ بِالدَّقِيقِ وكانُوا ∗∗∗ قَبْلُ لا يَأْكُلُونَ خُبْزًا فَطِيرا
لِأنَّ الأصْلَ: يَسَفُّونَ الدَّقِيقَ، فَزِيدَتِ الباءُ لِلتَّوْكِيدِ.
وَقَوْلُ الرّاعِي:
؎هُنَّ الحَرائِرُ لا رَبّاتُ أخْمِرَةٍ ∗∗∗ سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
فالأصْلُ: لا يَقْرَأْنَ السُّوَرَ، فَزِيدَتِ الباءُ لِما ذُكِرَ.
وَقَوْلُ يَعْلى الأحْوَلِ اليَشْكُرِيِّ أوْ غَيْرِهِ:(p-٤٠٠)
؎بِوادٍ يَمانٍ يُنْبِتُ السِّدْرَ صَدْرُهُ ∗∗∗ وأسْفَلُهُ بِالمَرْخِ والشَّبُهانِ
فالأصْلُ: وأسْفَلُهُ المَرْخَ؛ أيْ: ويُنْبِتُ أسْفَلُهُ المَرْخَ، فَزِيدَتِ الباءُ لِما ذُكِرَ.
وَقَوْلُ الأعْشى:
؎ضَمِنَتْ بِرِزْقِ عِيالِنا أرْماحُنا مِلْءَ ∗∗∗ المَراجِلِ والصَّرِيحَ الأجْرَدا
فالأصْلُ: ضَمِنَتْ رِزْقَ عِيالِنا.
وَقَوْلُ الرّاجِزِ:
؎نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ الفَلَجْ ∗∗∗ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجْ
أيْ: نَرْجُو الفَرَجَ.
وَقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا تَنازَعْنا الحَدِيثَ وأسْمَحَتْ ∗∗∗ هَصَرْتُ بِغُصْنٍ ذِي شَمارِيخَ مَيّالِ
فالأصْلُ: هَصَرْتُ غُصْنًا؛ لِأنَّ هَصَرَ تَتَعَدّى بِنَفْسِها.
وَأمْثالُ هَذا كَثِيرَةٌ في كَلامِ العَرَبِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ”تَسّاقَطْ“ تِسْعُ قِراءاتٍ، ثَلاثٌ مِنها سَبْعِيَّةٌ، وسِتٌّ شاذَّةٌ، أمّا الثَّلاثُ السَّبْعِيَّةُ فَقَدْ قَرَأهُ حَمْزَةُ وحْدَهُ مِنَ السَّبْعَةِ ”تَساقَطْ“ بِفَتْحِ التّاءِ وتَخْفِيفِ السِّينِ وفَتْحِ القافِ، وأصْلُهُ: تَتَساقَطْ؛ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَقَوْلُهُ ”رُطَبًا“ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ، وقَرَأهُ حَفْصٌ وحْدَهُ عَنْ عاصِمٍ ”تُساقِطْ“ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ القافِ وتَخْفِيفِ السِّينِ، مُضارِعُ ساقَطَتْ تُساقِطُ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَقَوْلُهُ ”رُطَبًا“ مَفْعُولٌ بِهِ لِلْفِعْلِ الَّذِي هو: تُساقِطْ هي، أيِ النَّخْلَةُ، رُطَبًا، وقَرَأهُ بَقِيَّةُ السَّبْعَةِ ”تَسّاقَطْ“ بِفَتْحِ التّاءِ والقافِ وتَشْدِيدِ السِّينِ، أصْلُهُ: تَتَساقَطْ؛ فَأُدْغِمَتْ إحْدى التّاءَيْنِ في السِّينِ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هَذِهِ فَقَوْلُهُ ”رُطَبًا“ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ كَإعْرابِهِ عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ.
وَغَيْرُ هَذا مِنَ القِراءاتِ شاذٌّ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾ الجَنِيُّ: هو ما طابَ وصَلَحَ لِأنْ يُجْنى فَيُؤْكَلَ، وعَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: أنَّ الجَنِيَّ هو الَّذِي لَمْ يَجِفَّ ولَمْ يَيْبَسْ، ولَمْ يَبْعُدْ عَنْ يَدَيْ مُتَناوِلِهِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии