Аш-ШинкитиМарьям · 19:73–77

Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском

Марьям 19:73–77

19:73Страница 310

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ خَيۡرٞ مَّقَامٗا وَأَحۡسَنُ نَدِيّٗا ٧٣

Когда им читают Наши ясные аяты, неверующие говорят верующим: «Какая из двух групп занимает более высокое положение и более достойное место?».

(p-٤٨٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿خَيْرٌ مَقامًا﴾ [مريم: ٧٣]، قَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِضَمِّ المِيمِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، وقَوْلُهُ: ورِئْيًا، قَرَأهُ قالُونُ وابْنُ ذَكْوانَ ”وَرِيًّا“ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الرّاءِ وبَعْدَها ياءٌ مُخَفَّفَةٌ.

وَمَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ كانُوا إذا يَتْلُو عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ آياتِ هَذا القُرْآنِ في حالِ كَوْنِها بَيِّناتٍ، أيْ مُرَتَّلاتِ الألْفاظِ، واضِحاتِ المَعانِي بَيِّناتِ المَقاصِدِ، إمّا مُحْكَماتٌ جاءَتْ واضِحَةً، أوْ مُتَشابِهاتٌ قَدْ تَبِعَها البَيانُ بِالمُحْكَماتِ، أوْ تَبْيِينِ الرَّسُولِ ﷺ قَوْلًا أوْ فِعْلًا، أوْ ظاهِراتُ الإعْجازِ تُحُدِّيَ بِها فَلَمْ يُقْدَرْ عَلى مُعارَضَتِها، أوْ حُجَجًا وبَراهِينَ.

والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: بَيِّناتٍ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ لِأنَّ آياتِ اللَّهِ لا تَكُونُ إلّا كَذَلِكَ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [فاطر: ٣١]، أيْ: إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ اللَّهِ في حالِ كَوْنِها مُتَّصِفَةً بِما ذَكَرْنا عارَضُوها واحْتَجُّوا عَلى بُطْلانِها، وأنَّ الحَقَّ مَعَهم لا مَعَ مَن يَتْلُوها بِشُبْهَةٍ ساقِطَةٍ لا يَحْتَجُّ بِها إلّا مَن لا عَقْلَ لَهُ، ومَضْمُونُ شُبْهَتِهِمُ المَذْكُورَةِ: أنَّهم يَقُولُونَ لَهم: نَحْنُ أوْفَرُ مِنكم حَظًّا في الدُّنْيا، فَنَحْنُ أحْسَنُ مِنكم مَنازِلَ، وأحْسَنُ مِنكم مَتاعًا، وأحْسَنُ مِنكم مَنظَرًا، فَلَوْلا أنَّنا أفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنكم لَما آثَرَنا عَلَيْكم في الحَياةِ الدُّنْيا، وأعْطانا مِن نَعِيمِها وزِينَتِها ما لَمْ يُعْطِكم.

فَقَوْلُهُ: ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا﴾ [مريم: ٧٣]، أيْ: نَحْنُ وأنْتُمْ أيُّنا خَيْرٌ مَقامًا، والمُقامُ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ بِضَمِّ المِيمِ مَحِلُّ الإقامَةِ، وهو المَنازِلُ والأمْكِنَةُ الَّتِي يَسْكُنُونَها، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فالمَقامُ - بِفَتْحِ المِيمِ - مَكانُ القِيامِ وهو مَوْضِعُ قِيامِهِمْ وهو مَساكِنُهم ومَنازِلُهم، وقِيلَ: هو مَوْضِعُ القِيامِ بِالأُمُورِ الجَلِيلَةِ، والأوَّلُ هو الصَّوابُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأحْسَنُ نَدِيًّا﴾، أيْ: مَجْلِسًا ومُجْتَمَعًا، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، لِيَحْمِلُوا بِهِ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ هم في تَقَشُّفٍ ورَثاثَةِ هَيْئَةٍ عَلى أنْ يَقُولُوا أنْتُمْ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا مِنّا، وعَلى كُلِّ حالٍ فَلا خِلافَ أنَّ (p-٤٨٤)مَقْصُودَهم بِالِاسْتِفْهامِ المَذْكُورِ أنَّهم - أيْ كُفّارُ قُرَيْشٍ - خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّ ذَلِكَ هو دَلِيلُهم عَلى أنَّهم عَلى الحَقِّ، وأنَّهم أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وما في التَّلْخِيصِ وشُرُوحِهِ مِن أنَّ السُّؤالَ بِـ ”أيُّ“ في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها سُؤالٌ بِها عَمّا يُمَيِّزُ أحَدَ المُشْتَرِكِينَ في أمْرٍ يَعُمُّهُما كالعادَةِ في أيِّ غَلَطٍ مِنهم؛ لِأنَّهم فَسَّرُوا الآيَةَ الكَرِيمَةَ بِغَيْرِ مَعْناها الصَّحِيحِ، والصَّوابُ ما ذَكَرْناهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، واسْتِدْلالُهم هَذا بِحَظِّهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا عَلى حَظِّهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وأنَّ اللَّهَ ما أعْطاهم في الدُّنْيا إلّا لِمَكانَتِهِمْ عِنْدَهُ، واسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ - لِسَخافَةِ عُقُولِهِمْ، ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٥ - ٣٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، فَكُلُّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّهم لِجَهْلِهِمْ يَظُنُّونَ أنَّ اللَّهَ لَمْ يُعْطِهِمْ نَصِيبًا مِنَ الدُّنْيا إلّا لِرِضاهُ عَنْهم، ومَكانَتِهِمْ عِنْدَهُ، وأنَّ الأمْرَ في الآخِرَةِ سَيَكُونُ كَذَلِكَ.

وَقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ تَعالى دَعْواهم هَذِهِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤]، والمَعْنى: أهْلَكْنا قُرُونًا كَثِيرَةً، أيْ أُمَمًا كانَتْ قَبْلَهم وهم أكْثَرُ نَصِيبًا في الدُّنْيا مِنهم، فَما مَنَعَهم ما كانَ عِنْدَهم مِن زِينَةِ الدُّنْيا ومَتاعِها مِن إهْلاكِ اللَّهِ إيّاهم لَمّا عَصَوْا وكَذَّبُوا رُسُلَهُ، فَلَوْ كانَ الحَظُّ والنَّصِيبُ في الدُّنْيا يَدُلُّ عَلى رِضا اللَّهِ والمَكانَةِ عِنْدَهُ لَما أهْلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، الَّذِينَ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا مِنكم.

وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وكَمْ هي الخَبَرِيَّةُ، ومَعْناها الإخْبارُ بِعَدَدٍ كَثِيرٍ، وهي في مَحِلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ ”أهْلَكْنا“ أيْ: أهْلَكْنا كَثِيرًا، و مِن مُبَيِّنَةٌ (p-٤٨٥)لِـ وكَمْ وكُلُّ أهْلِ عَصْرٍ قَرْنٌ لِمَن بَعْدَهم لِأنَّهم يَتَقَدَّمُونَهم، قِيلَ: سُمُّوا قَرْنًا لِاقْتِرانِهِمْ في الوُجُودِ، والأثاثُ: مَتاعُ البَيْتِ، وقِيلَ هو الجَدِيدُ مِنَ الفُرُشِ، وغَيْرُ الجَدِيدِ مِنها يُسَمّى ”الخُرْثِيَّ“ بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ الرّاءِ والثّاءِ المُثَلَّثَةِ بَعْدَها ياءٌ مُشَدَّدَةٌ، وأنْشَدَ لِهَذا التَّفْصِيلِ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ قَوْلَ الشّاعِرِ:

؎تَقادَمَ العَهْدُ مِن أُمِّ الوَلِيدِ بِنا دَهْرًا وصارَ أثاثُ البَيْتِ خُرْثِيًّا

والإطْلاقُ المَشْهُورُ في العَرَبِيَّةِ هو إطْلاقُ الأثاثِ عَلى مَتاعِ البَيْتِ مُطْلَقًا، قالَ الفَرّاءُ: لا واحِدَ لَهُ، ويُطْلَقُ الأثاثُ عَلى المالِ أجْمَعَ: الإبِلِ، والغَنَمِ، والعَبِيدِ، والمَتاعِ، والواحِدُ أثاثَةٌ، وتَأثَّثَ فُلانٌ: إذا أصابَ رِياشًا، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ عَنْ أبِي زَيْدٍ، وقَوْلُهُ: ورِئْيًا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَهْمُوزًا، أيْ: أحْسَنُ مَنظَرًا وهَيْئَةً، وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن: رَأى، البَصَرِيَّةِ، والمُرادُ بِهِ الَّذِي تَراهُ العَيْنُ مِن هَيْئَتِهِمُ الحَسَنَةِ ومَتاعِهِمُ الحَسَنِ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِمُحَمَّدِ بْنِ نُمَيْرٍ الثَّقَفِيِّ في هَذا المَعْنى قَوْلَهُ:

؎أشاقَتْكَ الظَّعائِنُ يَوْمَ بانُوا ∗∗∗ بِذِي الرِّئْيِ الجَمِيلِ مِنَ الأثاثِ

وَعَلى قِراءَةِ قالُونَ وابْنِ ذَكْوانَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْناهُ مَعْنى القِراءَةِ الأُولى، إلّا أنَّ الهَمْزَةَ أُبْدِلَتْ ياءً فَأُدْغِمَتْ في الياءِ، وقالَ بَعْضُهم: لا هَمْزَ عَلى قِراءَتِهِما أصْلًا، بَلْ عَلَيْها فَهو مِنَ الرِّيِّ الَّذِي هو النِّعْمَةُ والتَّرَفُّهُ، مِن قَوْلِهِمْ: هو رَيّانٌ مِنَ النَّعِيمِ، وهي رَيًّا مِنهُ، وعَلى هَذا فالمَعْنى: أحْسَنُ نِعْمَةً وتَرَفُّهًا، والأوَّلُ أظْهَرُ عِنْدِي، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

والآياتُ الَّتِي أبْطَلَ اللَّهُ بِها دَعْواهم هَذِهِ كَثِيرَةٌ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [سبإ: ٣٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم: ٤٤]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]،

والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وقَدْ قَدَّمْنا شَيْئًا مِن ذَلِكَ.

وَقَوْلُ الكُفّارِ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾، (p-٤٨٦)الظّاهِرُ فِيهِ أنَّ وجْهَ ذِكْرِهِمْ لِلْمَقامِ والنَّدِيِّ: أنَّ المَقامَ هو مَحِلُّ السُّكْنى الخاصُّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم، والنَّدِيَّ مَحِلُّ اجْتِماعِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَإذا كانَ كُلٌّ مِنهُما لِلْكُفّارِ أحْسَنَ مِن نَظِيرِهِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ نَصِيبَهم في الدُّنْيا أوْفَرُ مِن نَصِيبِ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎يَوْمانِ يَوْمُ مُقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ∗∗∗ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْوِيبِ

والمَقاماتُ: جَمْعُ مَقامَةٍ بِمَعْنى المَقامِ، والأنْدِيَةُ: جَمْعُ نادٍ بِمَعْنى النَّدِيِّ، وهو مَجْلِسُ القَوْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، فالنّادِي والنَّدِيُّ يُطْلَقانِ عَلى المَجْلِسِ، وعَلى القَوْمِ الجالِسِينَ فِيهِ، وكَذَلِكَ المَجْلِسُ يُطْلَقُ عَلى القَوْمِ الجالِسِينَ، ومِن إطْلاقِ النَّدِيِّ عَلى المَكانِ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:

؎وَما قامَ مِنّا قائِمٌ في نَدِيِّنا ∗∗∗ فَيَنْطِقَ إلّا بِالَّتِي هي أعْرَفُ

وَقَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿وَأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ .

وَمِن إطْلاقِهِ عَلى القَوْمِ قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٧ - ١٨]، ومِن إطْلاقِ المَجْلِسِ عَلى القَوْمِ الجالِسِينَ فِيهِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:

؎لَهم مَجْلِسٌ صُهْبُ السِّبالِ ∗∗∗ أذِلَّةٌ سَواسِيَةٌ أحْرارُها وعَبِيدُها

والجُمْلَةُ في قَوْلِهِ: ﴿هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي في مَحِلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِقَوْلِهِ: ”كَمْ“ ألا تَرى أنَّكَ لَوْ تَرَكْتَ لَفْظَةَ ”هم“ لَمْ يَكُنْ لَكَ بُدٌّ مِن نَصْبِ أحْسَنُ عَلى الوَصْفِيَّةِ. اهـ. وتابَعَ الزَّمَخْشَرِيَّ أبُو البَقاءِ عَلى ذَلِكَ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ بِأنَّ بَعْضَ عُلَماءَ النَّحْوِ نَصُّوا عَلى أنَّ ”كَمْ“ سَواءٌ كانَتِ اسْتِفْهامِيَّةً أوْ خَبَرِيَّةً لا تُوصَفُ ولا يُوصَفُ بِها، قالَ: وعَلى هَذا يَكُونُ هم أحْسَنُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لـِ قَرْنٍ وجُمِعَ نَعْتُ القَرْنِ اعْتِبارًا لِمَعْنى القَرْنِ، وهَذا هو الصَّوابُ عِنْدِي لا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾، تَلْزَمُها ”مِن“ لِتَجَرُّدِها مِنَ الإضافَةِ والتَّعْرِيفِ، إلّا أنَّها مَحْذُوفَةٌ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ: هم أحْسَنُ أثاثًا ورَئْيًا مِنهم، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:

وَأفْعَلُ التَّفْضِيلِ صِلْهُ أبَدا تَقْدِيرًا أوْ لَفْظًا بِمَن إنْ جُرِّدا فَإنْ قِيلَ: أيْنَ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ؟ الآيَةُ [مريم: ٧٣]، فالجَوابٌ: أنَّهُ راجِعٌ إلى الكُفّارِ (p-٤٨٧)المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ أئِذا ما مِتُّ﴾ الآيَةَ [مريم: ٦٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾، قالَهُ القُرْطُبِيُّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

19:74Страница 310

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَحۡسَنُ أَثَٰثٗا وَرِءۡيٗا ٧٤

Сколько же поколений до них Мы погубили! Они превосходили их богатством (или утварью) и внешностью.

К этому аяту нет толкования

19:75Страница 310

قُلۡ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَٰلَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَدًّاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوۡاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلۡعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعۡلَمُونَ مَنۡ هُوَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضۡعَفُ جُندٗا ٧٥

Скажи: «Да продлит Милостивый жизнь заблудших до тех пор, пока они не увидят обещанные мучения или Час. Тогда они узнают, чье место хуже и чье воинство слабее».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾ .

فِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ العُلَماءِ، وكِلاهُما يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَقُولَ هَذِهِ الكَلِماتِ كَدُعاءِ المُباهَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، وإيضاحُ مَعْناهُ: قُلْ يا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ ادَّعَوْا أنَّهم خَيْرٌ مِنكم، وأنَّ الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ أنَّهم خَيْرٌ مِنكم مَقامًا وأحْسَنُ مِنكم نَدِيًّا: مَن كانَ مِنّا ومِنكم في الضَّلالَةِ - أيِ الكُفْرِ والضَّلالِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ - فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا، أيْ: فَأمْهَلَهُ الرَّحْمَنُ إمْهالًا فِيما هو فِيهِ حَتّى يَسْتَدْرِجَهُ بِالإمْهالِ ويَمُوتَ عَلى ذَلِكَ ولا يَرْجِعَ عَنْهُ، بَلْ يَسْتَمِرَّ عَلى ذَلِكَ حَتّى يَرى ما يُوعِدُهُ اللَّهُ، وهو: إمّا عَذابٌ في الدُّنْيا بِأيْدِي المُسْلِمِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤]، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وإمّا عَذابُ الآخِرَةِ إنْ ماتُوا وهم عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ، وعَلى ذَلِكَ التَّفْسِيرِ فَصِيغَةُ الطَّلَبِ المَدْلُولُ عَلَيْها بِاللّامِ في قَوْلِهِ: فَلْيَمْدُدْ عَلى بابِها، وعَلَيْهِ فَهي لامُ الدُّعاءِ بِالإمْهالِ في الضَّلالِ عَلى الضّالِّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، حَتّى يَرى ما يُوعِدُهُ مِنَ الشَّرِّ وهو عَلى أقْبَحِ حالٍ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ، واقْتَصَرَ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وهو الظّاهِرُ مِن صِيغَةِ الطَّلَبِ في قَوْلِهِ: فَلْيَمْدُدْ، ونَظِيرُ هَذا المَعْنى في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]؛ لِأنَّهُ عَلى ذَلِكَ التَّفْسِيرِ يَكُونُ في كِلْتا الآيَتَيْنِ دُعاءً بِالشَّرِّ عَلى الضّالِّ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في اليَهُودِ: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤]، في ”البَقَرَةِ والجُمُعَةِ“ عِنْدَ مَن يَقُولُ: إنَّ المُرادَ بِالتَّمَنِّي الدُّعاءُ بِالمَوْتِ عَلى الكاذِبِينَ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ كَثِيرٍ، وظاهِرُ الآيَةِ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ.

الوَجْهُ الثّانِي أنَّ صِيغَةَ الطَّلَبِ في قَوْلِهِ: فَلْيَمْدُدْ، يُرادُ بِها الإخْبارُ عَنْ سُنَّةِ اللَّهِ في الضّالِّينَ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أجْرى العادَةَ بِأنَّهُ يُمْهِلُ الضّالَّ ويُمْلِي لَهُ فَيَسْتَدْرِجُهُ (p-٤٨٨)بِذَلِكَ حَتّى يَرى ما يُوعِدُهُ، وهو في غَفْلَةٍ وكُفْرٍ وضَلالٍ.

وَتَشْهَدُ لِهَذا الوَجْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٧٨]، وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٤٤]، كَما قَدَّمْنا قَرِيبًا بَعْضَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ.

وَمِمّا يُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ قالَ: في حَرْفِ أُبَيٍّ: ”قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَإنَّهُ يَزِيدُهُ اللَّهُ ضَلالَةً“ اهـ. قالَهُ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ، ومِثْلُ هَذا مِن جِنْسِ التَّفْسِيرِ لا مِن جِنْسِ القِراءَةِ، فَإنْ قِيلَ عَلى هَذا الوَجْهِ: ما النُّكْتَةُ في إطْلاقِ صِيغَةِ الطَّلَبِ في مَعْنى الخَبَرِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ أجابَ في كَشّافِهِ عَنْ ذَلِكَ، قالَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾، أيْ: مَدَّ لَهُ الرَّحْمَنُ، يَعْنِي أمْهَلَهُ وأمْلى لَهُ في العُمْرِ، فَأُخْرِجَ عَلى لَفْظِ الأمْرِ إيذانًا بِوُجُوبِ ذَلِكَ، وأنَّهُ مَفْعُولٌ لا مَحالَةَ، كالمَأْمُورِ بِهِ المُمْتَثَلِ لِتَنْقَطِعَ مَعاذِيرُ الضّالِّ، ويُقالُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] . انْتَهى مَحِلُّ الغَرَضِ مِنهُ، وأظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾، أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ وما يَلِيهِ، والمَعْنى: فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتّى إذا رَأى ما يُوعَدُ عَلِمَ أنَّ الأمْرَ عَلى خِلافِ ما كانَ يَظُنُّ.

وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ حَتّى في هَذِهِ الآيَةِ هي الَّتِي تُحْكى بَعْدَها الجُمَلُ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِمَجِيءِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ بَعْدَها.

وَقَوْلُهُ: ما يُوعَدُونَ لَفْظَةُ ما، مَفْعُولٌ بِهِ لِـ ما، وقَوْلُهُ: ﴿إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ﴾، بَدَلٌ مِنَ المَفْعُولِ بِهِ الَّذِي هو ”ما“ ولَفْظَةُ مَن مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَن هُوَ﴾، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي مَوْصُولَةٌ في مَحِلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ ”يَعْلَمُونَ“ وعَلَيْهِ فَعَلِمَ هُنا عِرْفانِيَّةٌ تَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَن اسْتِفْهامِيَّةٌ والفِعْلُ القَلْبِيُّ الَّذِي هو يَعْلَمُونَ مُعَلَّقٌ بِالِاسْتِفْهامِ، وهَذا أظْهَرُ عِنْدِي.

وَقَوْلُهُ: ﴿شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾، في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾؛ لِأنَّ مَقامَهم هو مَكانُهم ومَسْكَنُهم، والنَّدِيُّ: المَجْلِسُ الجامِعُ لِوُجُوهِ قَوْمِهِمْ وأعْوانِهِمْ وأنْصارِهِمْ، والجُنْدُ هُمُ الأنْصارُ والأعْوانُ، فالمُقابَلَةُ المَذْكُورَةُ ظاهِرَةٌ، وقَدْ دَلَّتْ آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ عَلى إطْلاقِ شَرٌّ مَكانًا، والمُرادُ اتِّصافُ الشَّخْصِ بِالشَّرِّ (p-٤٨٩)لا المَكانِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ [يوسف: ٧٢]، فَتَفْضِيلُ المَكانِ في الشَّرِّ هاهُنا الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ تَفْضِيلُهُ إخْوَتَهُ في الشَّرِّ عَلى نَفْسِهِ فِيما نَسَبُوا إلَيْهِ مِن شَرِّ السَّرِقَةِ لا نَفْسَ المَكانِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُرادَ بِذَلِكَ المَكانُ المَعْنَوِيُّ، أيْ: أنْتُمْ شَرٌّ مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآياتِ المَذْكُورَةِ مَقامًا، و نَدِيًّا، و أثاثًا، و مَكانًا، و جُنْدًا، كُلُّ واحِدٍ مِنها تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:

والفاعِلُ المَعْنى انْصِبَنْ بِأفْعَلا مُفَضِّلًا كَـ ”أنْتَ أعْلى مَنزِلا“

19:76Страница 310

وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ هُدٗىۗ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٞ مَّرَدًّا ٧٦

Аллах увеличивает приверженность прямому пути тех, кто следует прямым путем. А нетленные благодеяния лучше перед твоим Господом по вознаграждению и по исходу.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ .

قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، دَلِيلٌ عَلى رُجْحانِ القَوْلِ الثّانِي في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وأنَّ المَعْنى: أنَّ مَن كانَ في الضَّلالَةِ زادَهُ اللَّهُ ضَلالَةً، ومَنِ اهْتَدى زادَهُ اللَّهُ هُدًى، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ،

• كَقَوْلِهِ في الضَّلالِ: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون: ٣]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١١٠]،

كَما قَدَّمْنا كَثِيرًا مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى هَذا المَعْنى.

وَقالَ في الهُدى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، وقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وقالَ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٦٩]، وقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُما في آياتٍ أُخَرَ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ الآيَةَ [فصلت: ٤٤]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]،

كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦]، تَقَدَّمَ (p-٤٩٠)إيضاحُهُ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ .

فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ الآيَةِ أنَّ لَفْظَةَ خَيْرٌ في قَوْلِهِ: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾، صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، والظّاهِرُ أنَّ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ هو جَزاءُ الكافِرِينَ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ ما قالَهُ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ، قالَ: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾، يَعْنِي: خَيْرٌ جَزاءً مِن جَزاءِ المُشْرِكِينَ، ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾، يَعْنِي مَرْجِعًا مِن مَرْجِعِهِمْ إلى النّارِ، والمَعْرُوفُ في العَرَبِيَّةِ أنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ تَقْتَضِي مُشارَكَةَ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ، والخَيْرِيَّةُ مَنفِيَّةٌ بَتاتًا عَنْ جَزاءِ المُشْرِكِينَ وعَنْ مَرَدِّهِمْ، فَلَمْ يُشارِكُوا في ذَلِكَ المُسْلِمِينَ حَتّى يُفَضَّلُوا عَلَيْهِمْ.

فالجَوابُ: أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ في كَشّافِهِ حاوَلَ الجَوابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ بِما حاصِلُهُ: أنَّهُ كَأنَّهُ قِيلَ ثَوابُهُمُ النّارُ، والجَنَّةُ خَيْرٌ مِنها عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ بِشْرِ بْنِ أبِي حازِمٍ:

؎غَضِبَتْ تَمِيمٌ أنْ تُقَتَّلَ عامِرٌ يَوْمَ النِّسارِ، فَأُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ

فَقَوْلُهُ: ”أُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ“ يَعْنِي أُرْضُوا بِالسَّيْفِ، أيْ: لا رِضًا لَهم عِنْدَنا إلّا السَّيْفُ لِقَتْلِهِمْ بِهِ.

وَنَظِيرُهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:

؎وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَها بِخَيْلٍ ∗∗∗ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ

أيْ لا تَحِيَّةَ بَيْنَهم إلّا الضَّرْبُ الوَجِيعُ

وَقَوْلُ الآخَرِ:

؎شَجعاءَ جِرَّتُها الذَميلُ تَلوكُهُ ∗∗∗ أُصُلًا إذا راحَ المَطِيُّ غِراثا

يَعْنِي: أنَّ هَذِهِ النّاقَةَ لا جِرَّةَ لَها تُخْرِجُها مِن كَرِشِها فَتَمْضُغُها إلّا السَّيْرُ، وعَلى هَذا المَعْنى فالمُرادُ: لا ثَوابَ لَهم إلّا النّارُ، وبِاعْتِبارِ جَعْلِها ثَوابًا بِهَذا المَعْنى فُضِّلَ عَلَيْها ثَوابُ المُؤْمِنِينَ، هَذا هو حاصِلُ جَوابِ الزَّمَخْشَرِيِّ مَعَ إيضاحِنا لَهُ.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: ويَظْهَرُ لِي في الآيَةِ جَوابٌ آخَرُ أقْرَبُ مِن هَذا، وهو أنّا قَدَّمْنا أنَّ القُرْآنَ والسُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ دَلّا عَلى أنَّ الكافِرَ مُجازًى بِعَمَلِهِ الصّالِحِ في الدُّنْيا، فَإذا بَرَّ والِدَيْهِ ونَفَّسَ عَنِ المَكْرُوبِ، وقَرى الضَّيْفَ، ووَصَلَ الرَّحِمَ مَثَلًا يَبْتَغِي بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ يُثِيبُهُ في الدُّنْيا، كَما قَدَّمْنا دَلالَةَ الآياتِ عَلَيْهِ، وحَدِيثَ أنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، فَثَوابُهُ هَذا الرّاجِعُ إلَيْهِ مِن عَمَلِهِ في الدُّنْيا، هو الَّذِي فَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِ في الآيَةِ ثَوابَ المُؤْمِنِينَ، وهَذا واضِحٌ لا إشْكالَ فِيهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

19:77Страница 311

أَفَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالٗا وَوَلَدًا ٧٧

Видел ли ты того, кто не уверовал в Наши знамения и сказал: «Я непременно буду одарен богатством и детьми?».

(p-٤٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾، أخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما مِن غَيْرِ وجْهٍ «عَنْ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: ”جِئْتُ العاصَ بْنَ وائِلٍ السَّهْمِيَّ أتَقاضاهُ حَقًّا لِي عِنْدَهُ، فَقالَ: لا أُعْطِيكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَقُلْتُ: لا، حَتّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ، قالَ: وإنِّي لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: إنَّ لِي هُناكَ مالًا فَأقْضِيكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾“»، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ مُرادَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ الِاسْتِهْزاءُ بِالدِّينِ وبِخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ زَعَمَ أنَّهُ يُؤْتى مالًا ووَلَدًا قِياسًا مِنهُ لِلْآخِرَةِ عَلى الدُّنْيا، كَما بَيَّنّا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]،

• وقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”وَوُلْدًا“ بِضَمِّ الواوِ الثّانِيَةِ وسُكُونِ اللّامِ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ الواوِ واللّامِ مَعًا، وهُما لُغَتانِ مَعْناهُما واحِدٌ كالعُرْبِ والعَرَبِ، والعُدْمِ والعَدَمِ، ومِن إطْلاقِ العَرَبِ الوُلْدَ بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ كَقِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ:

؎وَلَقَدْ رَأيْتُ مَعاشِرًا قَدْ ثَمَّرُوا مالًا ووُلْدا

وَقَوْلُ رُؤْبَةَ:

؎الحَمْدُ لِلَّهِ العَزِيزِ فَرْدا ∗∗∗ لَمْ يَتَّخِذْ مِن وُلْدِ شَيْءٍ وُلْدا

وَزَعَمَ بَعْضُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ: أنَّ الوَلَدَ بِفَتْحِ الواوِ واللّامِ مُفْرَدٌ، وأنَّ الوُلْدَ بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ جَمْعٌ لَهُ، كَأسَدٍ بِالفَتْحِ يُجْمَعُ عَلى أُسْدٍ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، والظّاهِرُ عَدَمُ صِحَّةِ هَذا، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ ”الوُلْدَ“ بِالضَّمِّ لَيْسَ بِجَمْعٍ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَلَيْتَ فُلانًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ∗∗∗ ولَيْتَ فُلانًا كانَ وُلْدَ حِمارِ

لِأنَّ ”الوُلْدَ“ في هَذا البَيْتِ بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ، وهو مُفْرَدٌ قَطْعًا كَما تَرى.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English