Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
البقرة
Аль-Бакара
Корова · Мединская · 286 аятов
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-١٩٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ البَقَرَةِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الم ذَلِكَ الكِتابُ﴾ .
أشارَ اللَّهُ تَعالى إلى القُرْءانِ في هَذِهِ الآيَةِ إشارَةَ البَعِيدِ، وقَدْ أشارَ لَهُ في آياتٍ أُخَرَ إشارَةَ القَرِيبِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [نوح: ٩]، وكَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ [النمل: ٧٦] .
وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] .
وَكَقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَلِلْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ أوْجُهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: ما حَرَّرَهُ بَعْضُ عُلَماءِ البَلاغَةِ مِن أنَّ وجْهَ الإشارَةِ إلَيْهِ بِإشارَةِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أنَّ هَذا القُرْءانِ قَرِيبٌ حاضِرٌ في الأسْماعِ والألْسِنَةِ والقُلُوبِ، ووَجْهُ الإشارَةِ إلَيْهِ بِإشارَةِ البَعِيدِ هو بُعْدُ مَكانَتِهِ ومَنزِلَتِهِ مِن مُشابَهَةِ كَلامِ الخَلْقِ، وعَمّا يَزْعُمُهُ الكُفّارُ مِن أنَّهُ سِحْرٌ أوْ شِعْرٌ أوْ كِهانَةٌ أوْ أساطِيرُ الأوَّلِينَ.
الوَجْهُ الثّانِي: هو ما اخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ مِن أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿الم﴾، وأنَّهُ أشارَ إلَيْهِ إشارَةَ البَعِيدِ لِأنَّ الكَلامَ المُشارَ إلَيْهِ مُنْقَضٍ، ومَعْناهُ في الحَقِيقَةِ القَرِيبُ لِقُرْبِ انْقِضائِهِ، وضَرَبَ لَهُ مَثَلًا بِالرَّجُلِ يُحَدِّثُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ لَهُ مَرَّةً: واللَّهِ إنَّ ذَلِكَ لَكَما قُلْتُ، ومَرَّةً يَقُولُ: واللَّهِ إنَّ هَذا لَكَما قُلْتُ، فَإشارَةُ البَعِيدِ نَظَرًا إلى أنَّ الكَلامَ مَضى وانْقَضى، وإشارَةُ القَرِيبِ نَظَرًا إلى قُرْبِ انْقِضائِهِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ العَرَبَ رُبَّما أشارَتْ إلى القَرِيبِ إشارَةَ البَعِيدِ، فَتَكُونُ الآيَةُ عَلى (p-٢٠٠)أُسْلُوبٍ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ خُفافِ بْنِ نُدْبَةَ السُّلَمِيِّ، لَمّا قُتِلَ مالِكُ بْنُ حَرْمَلَةَ الفَزارِيُّ:
؎فَإنْ تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصِيبَ صَمِيمُها فَعَمْدًا عَلى عَيْنِي تَيَمَّمْتُ مالِكًا
؎أقُولُ لَهُ والرُّمْحُ يَأْطُرُ مَتْنُهُ ∗∗∗ تَأمَّلْ خِفافًا إنَّنِي أنا ذَلِكا
يَعْنِي أنا هَذا، وهَذا القَوْلُ الأخِيرُ حَكاهُ البُخارِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ المُثَنّى أبِي عُبَيْدَةَ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَعامَّةُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ ذَلِكَ الكِتابُ بِمَعْنى هَذا الكِتابُ.
2:2Страница 2
ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ ٢
Это Писание, в котором нет сомнения, является верным руководством для богобоязненных,
(p-١٠)﷽
سُورَةُ البَقَرَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾
صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّ هَذا القُرْآنَ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، ويُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ الآيَةِ - أعْنِي مَفْهُومَ المُخالَفَةِ المَعْرُوفِ بِدَلِيلِ الخِطابِ - أنَّ غَيْرَ المُتَّقِينَ لَيْسَ هَذا القُرْآنُ هُدًى لَهم، وصَرَّحَ بِهَذا المَفْهُومِ في آياتٍ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ الآيَتَيْنِ [المائدة: ٦٤، ٦٨] .
وَمَعْلُومٌ أنَّ المُرادَ بِالهُدى في هَذِهِ الآيَةِ الهُدى الخاصُّ؛ الَّذِي هو التَّفَضُّلُ بِالتَّوْفِيقِ إلى دِينِ الحَقِّ، لا الهُدى العامُّ؛ الَّذِي هو إيضاحُ الحَقِّ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ .
هَذِهِ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ رُكِّبَتْ مَعَ ”لا“، فَبُنِيَتْ عَلى الفَتْحِ.
والنَّكِرَةُ إذا كانَتْ كَذَلِكَ فَهي نَصٌّ في العُمُومِ، كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ و ”لا“ هَذِهِ الَّتِي هي نَصٌّ في العُمُومِ هي المَعْرُوفَةُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ: ”لا“ الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، أمّا ”لا“ العامِلَةُ عَمَلَ لَيْسَ فَهي ظاهِرَةٌ في العُمُومِ لا نَصٌّ فِيهِ، وعَلَيْهِ فالآيَةُ نَصٌّ في نَفْيِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الرَّيْبِ عَنْ هَذا القُرْءانِ العَظِيمِ، وقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخَرَ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الرَّيْبِ فِيهِ لِبَعْضٍ مِنَ النّاسِ، كالكُفّارِ الشّاكِّينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [ ٢ ] .
وَكَقَوْلِهِ: ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥] .
وَكَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٩] .
وَوَجْهُ الجَمْعِ في ذَلِكَ أنَّ القُرْءانَ بالَغَ مِن وُضُوحِ الأدِلَّةِ وظُهُورِ المُعْجِزَةِ ما يَنْفِي تَطَرُّقَ أيِّ رَيْبٍ إلَيْهِ، ورَيْبُ الكُفّارِ فِيهِ إنَّما هو لِعَمى بَصائِرِهِمْ، كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ [الرعد: ١٩]، فَصَرَّحَ بِأنَّ مَن لا يَعْلَمُ أنَّهُ الحَقُّ أنَّ ذَلِكَ إنَّما جاءَهُ مِن قِبَلِ عَماهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ عَدَمَ رُؤْيَةِ الأعْمى لِلشَّمْسِ لا يُنافِي كَوْنَها لا رَيْبَ فِيها لِظُهُورِها:
؎إذا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ عَيْنٌ صَحِيحَةٌ فَلا غَرْوَ أنْ يَرْتابَ والصُّبْحُ مُسْفِرٌ
وَأجابَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ خَبَرٌ أُرِيدَ بِهِ الإنْشاءُ، أيْ: لا تَرْتابُوا فِيهِ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ.
**
(p-٢٠١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
خَصَّصَ في هَذِهِ الآيَةِ هُدى هَذا الكِتابِ بِالمُتَّقِينَ، وقَدْ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى ما يَدُلُّ عَلى أنَّ هُداهُ عامٌّ لِجَمِيعِ النّاسِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨٥] . ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُما أنَّ الهُدى يُسْتَعْمَلُ في القُرْءانِ اسْتِعْمالَيْنِ: أحَدُهُما عامٌّ، والثّانِي خاصٌّ، أمّا الهُدى العامُّ فَمَعْناهُ إبانَةُ طَرِيقِ الحَقِّ وإيضاحُ المَحَجَّةِ، سَواءٌ سَلَكَها المُبَيَّنَ لَهُ أمْ لا، ومِنهُ بِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]، أيْ بَيَّنّا لَهم طَرِيقَ الحَقِّ عَلى لِسانِ نَبِيِّنا صالِحٍ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، مَعَ أنَّهم لَمْ يَسْلُكُوها بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] .
وَمِنهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣]، أيْ بَيَّنّا لَهُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] .
وَأمّا الهُدى الخاصُّ فَهو تَفَضُّلُ اللَّهِ بِالتَّوْفِيقِ عَلى العَبْدِ، ومِنهُ بِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ الآيَةَ [ ٦ ] .
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ الهُدى الخاصَّ بِالمُتَّقِينَ هو الهُدى الخاصُّ، وهو التَّفَضُّلُ بِالتَّوْفِيقِ عَلَيْهِمْ، والهُدى العامُّ لِلنّاسِ هو الهُدى العامُّ، وهو إبانَةُ الطَّرِيقِ وإيضاحُ المَحَجَّةِ، وبِهَذا يَرْتَفِعُ الإشْكالُ أيْضًا بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، لِأنَّ الهُدى المَنفِيَّ عَنْهُ ﷺ هو الهُدى الخاصُّ، لِأنَّ التَّوْفِيقَ بِيَدِ اللَّهِ وحْدَهُ: ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [المائدة: ٤١] .
والهُدى المُثْبَتُ لَهُ هو الهُدى العامُّ الَّذِي هو إبانَةُ الطَّرِيقِ، وقَدْ بَيَّنَها ﷺ حَتّى تَرَكَها مَحَجَّةً بَيْضاءَ لَيْلُها كَنَهارِها: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] .
2:3Страница 2
ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣
которые веруют в сокровенное, совершают намаз и расходуют из того, чем Мы их наделили,
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾
عَبَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ”بِمَن“ التَّبْعِيضِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ يُنْفِقُ لِوَجْهِ اللَّهِ بَعْضَ مالِهِ لا كُلِّهِ. ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا القَدْرَ الَّذِي يَنْبَغِي إنْفاقُهُ، والَّذِي يَنْبَغِي إمْساكُهُ. ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ القَدْرَ الَّذِي يَنْبَغِي إنْفاقُهُ: هو الزّائِدُ عَلى الحاجَةِ وسَدِّ الخَلَّةِ الَّتِي لا بُدَّ مِنها، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما﴾ [البقرة: ٢١٩]، والمُرادُ بِالعَفْوِ: الزّائِدُ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ الَّتِي لا بُدَّ مِنها عَلى أصَحِّ التَّفْسِيراتِ، وهو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ.
وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]، أيْ: كَثُرُوا، وكَثُرَتْ أمْوالُهم وأوْلادُهم.
(p-١١)وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: العَفْوُ نَقِيضُ الجَهْدِ، وهو أنْ يُنْفِقَ ما لا يَبْلُغُ إنْفاقُهُ مِنهُ الجَهْدَ واسْتِفْراغَ الوُسْعِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: [ الطَّوِيلُ ]
؎خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتِي حِينَ أغْضَبُ
وَهَذا القَوْلُ راجِحٌ إلى ما ذَكَرْنا، وبَقِيَّةُ الأقْوالِ ضَعِيفَةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] فَنَهاهُ عَنِ البُخْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ ونَهاهُ عَنِ الإسْرافِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾، فَيَتَعَيَّنُ الوَسَطُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] فَيَجِبُ عَلى المُنْفِقِ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الجُودِ والتَّبْذِيرِ، وبَيْنَ البُخْلِ والِاقْتِصادِ. فالجُودُ غَيْرُ التَّبْذِيرِ، والِاقْتِصادُ غَيْرُ البُخْلِ. فالمَنعُ في مَحَلِّ الإعْطاءِ مَذْمُومٌ. وقَدْ نَهى اللَّهُ عَنْهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾، والإعْطاءُ في مَحَلِّ المَنعِ مَذْمُومٌ أيْضًا وقَدْ نَهى اللَّهُ عَنْهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ . وقَدْ قالَ الشّاعِرُ: [ البَسِيطُ ]
؎لا تَمْدَحَنَّ ابْنَ عَبّادٍ وإنْ هَطَلَتْ ∗∗∗ يَداهُ كالمُزْنِ حَتّى تَخْجَلَ الدِّيَما ∗∗∗ فَإنَّها فَلَتاتٌ مِن وساوِسِهِ ∗∗∗ يُعْطِي ويَمْنَعُ لا بُخْلًا ولا كَرَما
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّ الإنْفاقَ المَحْمُودَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، إلّا إذا كانَ مَصْرِفُهُ الَّذِي صُرِفَ فِيهِ مِمّا يُرْضِي اللَّهَ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٥] وصَرَّحَ بِأنَّ الإنْفاقَ فِيما لا يُرْضِي اللَّهَ حَسْرَةٌ عَلى صاحِبِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٣٦] وقَدْ قالَ الشّاعِرُ:
؎إنَّ الصَّنِيعَةَ لا تُعَدُّ صَنِيعَةً ∗∗∗ حَتّى يُصابَ بِها طَرِيقُ المَصْنَعِ
فَإنْ قِيلَ: هَذا الَّذِي قَرَّرْتُمْ يَقْتَضِي أنَّ الإنْفاقَ المَحْمُودَ هو إنْفاقُ ما زادَ عَلى الحاجَةِ الضَّرُورِيَّةِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أثْنى عَلى قَوْمٍ بِالإنْفاقِ وهم في حاجَةٍ إلى ما أنْفَقُوا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] .
(p-١٢)فالظّاهِرُ في الجَوابِ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - هو ما ذَكَرَهُ بَعْضُ العُلَماءِ مِن أنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالًا، فَفي بَعْضِ الأحْوالِ يَكُونُ الإيثارُ مَمْنُوعًا. وذَلِكَ كَما إذا كانَتْ عَلى المُنْفِقِ نَفَقاتٌ واجِبَةٌ، كَنَفَقَةِ الزَّوْجاتِ ونَحْوِها فَتَبَرَّعَ بِالإنْفاقِ في غَيْرِ واجِبٍ، وتَرَكَ الفَرْضَ لِقَوْلِهِ ﷺ: «وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ» وكَأنْ يَكُونَ لا صَبْرَ عِنْدَهُ عَنْ سُؤالِ النّاسِ فَيُنْفِقُ مالَهُ ويَرْجِعُ إلى النّاسِ يَسْألُهم مالَهم، فَلا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، والإيثارُ فِيما إذا كانَ لَمْ يُضَيِّعْ نَفَقَةً واجِبَةً وكانَ واثِقًا مِن نَفْسِهِ بِالصَّبْرِ والتَّعَفُّفِ وعَدَمِ السُّؤالِ.
وَأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ يَعْنِي بِهِ الزَّكاةَ، فالأمْرُ واضِحٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
2:4Страница 2
وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٤
которые веруют в ниспосланное тебе и ниспосланное до тебя и убеждены в Последней жизни.
К этому аяту нет толкования
2:5Страница 2
أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥
Они следуют верному руководству от их Господа, и они являются преуспевшими.
К этому аяту нет толкования
2:6Страница 3
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٦
Воистину, неверующим безразлично, предостерег ты их или не предостерег. Они все равно не уверуют.
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
(p-٢٠٢)هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى عَدَمِ إيمانِ الكُفّارِ، وقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ الكُفّارِ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٣٨]، وكَقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٩٤]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَمِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٧] .
وَوَجْهُ الجَمْعِ ظاهِرٌ، وهو أنَّ الآيَةَ مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ، لِأنَّها في خُصُوصِ الأشْقِياءِ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم في عِلْمِ اللَّهِ الشَّقاوَةُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]، ويَدُلُّ لِهَذا التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٧] .
وَأجابَ البَعْضُ بِأنَّ المَعْنى لا يُؤْمِنُونَ، ما دامَ الطَّبْعُ عَلى قُلُوبِهِمْ وأسْماعِهِمْ والغِشاوَةُ عَلى أبْصارِهِمْ، فَإنْ أزالَ اللَّهُ عَنْهم ذَلِكَ بِفَضْلِهِ آمَنُوا.
2:7Страница 3
خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ غِشَٰوَةٞۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٧
Аллах запечатал их сердца и слух, а на глазах у них - покрывало. Им уготованы великие мучения.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ الآيَةَ، لا يَخْفى أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ:
﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ﴾ مُحْتَمِلَةٌ في الحَرْفَيْنِ أنْ تَكُونَ عاطِفَةً عَلى ما قَبْلِها، وأنْ تَكُونَ اسْتِئْنافِيَّةً، ولَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ هُنا، ولَكِنْ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾، وأنَّ قَوْلَهُ ﴿وَعَلى أبْصارِهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو ﴿غِشاوَةٌ﴾ وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِالنَّكِرَةِ فِيهِ اعْتِمادُها عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَها، ولِذَلِكَ يَجِبُ تَقْدِيمُ هَذا الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي سَوَّغَ الِابْتِداءَ بِالمُبْتَدَأِ كَما عَقَدَهُ في [ الخُلاصَةِ ] بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]
؎وَنَحْوَ عِنْدِي دِرْهَمٌ ولِي وطَرْ مُلْتَزَمٌ فِيهِ تَقُدُّمُ الخَبَرْ
فَتَحَصَّلَ أنَّ الخَتْمَ عَلى القُلُوبِ والأسْماعِ، وأنَّ الغِشاوَةَ عَلى الأبْصارِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]، والخَتْمُ: الِاسْتِيثاقُ مِنَ الشَّيْءِ حَتّى لا يَخْرُجَ مِنهُ داخِلٌ فِيهِ ولا يَدْخُلَ فِيهِ خارِجٌ عَنْهُ، والغِشاوَةُ: الغِطاءُ عَلى العَيْنِ يَمْنَعُها مِنَ الرُّؤْيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ خالِدِ بْنِ العاصِ: [ الطَّوِيلُ ]
؎هَوَيْتُكِ إذْ عَيْنِي عَلَيْها غِشاوَةٌ ∗∗∗ فَلَمّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفَسِي ألُومُها
وَعَلى قِراءَةِ مَن نَصَبَ ”غِشاوَةٌ“ فَهي مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ ﴿وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]، كَما في سُورَةِ ”الجاثِيَةِ“ وهو كَقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا ∗∗∗ حَتّى شَتَتْ هَمّالَةً عَيْناها
(p-١٣)وَقَوْلِ الآخَرِ: [ مُرَفَّلُ الكامِلِ ]
؎وَرَأيْتُ زَوْجَكِ في الوَغى ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحا
وَقَوْلِ الآخَرِ: [ الوافِرُ ]
؎إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعَيُونا
كَما هو مَعْرُوفٌ في النَّحْوِ، وأجازَ بَعْضُهم كَوْنَهُ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ المَجْرُورِ، فَإنْ قِيلَ: قَدْ يَكُونُ الطَّبْعُ عَلى الأبْصارِ أيْضًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ [ الآيَةَ ١٠٨ ] .
فالجَوابُ: أنَّ الطَّبْعَ عَلى الأبْصارِ المَذْكُورَ في آيَةِ النَّحْلِ: هو الغِشاوَةُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ والجاثِيَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّهم مَجْبُورُونَ لِأنَّ مَن خُتِمَ عَلى قَلْبِهِ وجُعِلَتِ الغِشاوَةُ عَلى بَصَرِهِ سُلِبَتْ مِنهُ القُدْرَةُ عَلى الإيمانِ، وقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ كُفْرَهم واقِعٌ بِمَشِيئَتِهِمْ وإرادَتِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] .
وَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ﴾ [البقرة: ١٧٥] .
وَكَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢٩]، وكَقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٨٢] .
وَكَقَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٨٠] .
والجَوابُ أنَّ الخَتْمَ والطَّبْعَ والغِشاوَةَ المَجْعُولَةَ عَلى أسْماعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وقُلُوبِهِمْ، كُلُّ ذَلِكَ عِقابٌ مِنَ اللَّهِ لَهم عَلى مُبادَرَتِهِمْ لِلْكُفْرِ وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ بِاخْتِيارِهِمْ ومَشِيئَتِهِمْ، فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ بِعَدَمِ التَّوْفِيقِ جَزاءً وِفاقًا، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] .
(p-٢٠٣)وَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون: ٣] .
وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] .
وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] .
وَقَوْلِهِ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٠] .
وَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
2:8Страница 3
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ ٨
Среди людей есть такие, которые говорят: «Мы уверовали в Аллаха и в Последний день». Однако они суть неверующие.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ لَمْ يَذْكُرْ هُنا بَيانًا عَنْ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، وصَرَّحَ بِذِكْرِ بَعْضِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ [التوبة: ١٠١] .
2:9Страница 3
يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٩
Они пытаются обмануть Аллаха и верующих, но обманывают только самих себя и не осознают этого.
К этому аяту нет толкования
2:10Страница 3
فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ١٠
Их сердца поражены недугом. Да усилит Аллах их недуг! Им уготованы мучительные страдания за то, что они лгали.
К этому аяту нет толкования
2:11Страница 3
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ ١١
Когда им говорят: «Не распространяйте нечестия на земле!». - они отвечают: «Только мы и устанавливаем порядок».
К этому аяту нет толкования
2:12Страница 3
أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ ١٢
Воистину, именно они распространяют нечестие, но они не осознают этого.
К этому аяту нет толкования
2:13Страница 3
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ ١٣
Когда им говорят: «Уверуйте так, как уверовали люди», - они отвечают: «Неужели мы уверуем так, как уверовали глупцы?». Воистину, именно они являются глупцами, но они не знают этого.
К этому аяту нет толкования
2:14Страница 3
وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ ١٤
Когда они встречают верующих, то говорят: «Мы уверовали». Когда же они остаются наедине со своими дьяволами, они говорят: «Воистину, мы - с вами. Мы лишь издеваемся».
К этому аяту нет толкования
2:15Страница 3
ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٥
Аллах поиздевается над ними и увеличит их беззаконие, в котором они скитаются вслепую.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا شَيْئًا مِنِ اسْتِهْزائِهِ بِهِمْ، وذَكَرَ بَعْضَهُ في سُورَةِ الحَدِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣] .
2:16Страница 3
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٦
Они - те, которые купили заблуждение за верное руководство. Но сделка не принесла им прибыли, и они не последовали прямым путем.
К этому аяту нет толкования
2:17Страница 4
مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ ١٧
Они подобны тому, кто разжег огонь. Когда же огонь озарил все вокруг него, Аллах лишил их света и оставил их в темноте, где они ничего не видят.
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ الآيَةَ.
أفْرَدَ في هَذِهِ الآيَةِ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: اسْتَوْقَدَ وفي ما حَوْلَهُ، وجَمَعَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧]، مَعَ أنَّ مَرْجِعَ كُلِّ هَذِهِ الضَّمائِرِ شَيْءٌ واحِدٌ وهو لَفْظَةُ ”الَّذِي“ مِن قَوْلِهِ: مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي.
والجَوابُ عَنْ هَذا أنَّ لَفْظَةَ: ”الَّذِي“ مُفْرَدٌ ومَعْناها عامٌّ لِكُلِّ ما تَشْمَلُهُ صِلَتُها وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ أنَّ الأسْماءَ المَوْصُولَةَ كُلَّها مِن صِيَغِ العُمُومِ، فَإذا حَقَّقَتْ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ لَفْظَةِ: ”الَّذِي“ وجَمْعَهُ بِاعْتِبارِ مَعْناها، ولِهَذا المَعْنى جَرى عَلى ألْسِنَةِ العُلَماءِ أنَّ: ”الَّذِي“ تَأْتِي بِمَعْنى الَّذِينَ، ومِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ في القُرْءانِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، فَقَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ أيْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدُوا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٧] .
وَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٣٣] . وقَوْلُهُ: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، أيْ كالَّذِينَ يُنْفِقُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ [ ٩ ]، بِناءٌ عَلى الصَّحِيحِ، مِن أنَّ: ”الَّذِي“ فِيها مَوْصُولَةٌ لا مَصْدَرِيَّةٌ، ونَظِيرُ هَذا مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎يا رَبَّ عَبْسٍ لا تُبارِكْ في أحَدْ في قائِمٍ مِنهم ولا في مَن قَعَدْ
؎إلّا الَّذِي قامُوا بِأطْرافِ المَسَدْ
(p-٢٠٤)وَقَوْلُ الشّاعِرِ وهو أشْهَبُ بْنُ رُمَيْلَةَ، وأنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ لِإطْلاقِ الَّذِي وإرادَةِ الَّذِينَ:
؎وَإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهم ∗∗∗ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدٍ
وَزَعَمَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ لَفْظَةَ الَّذِي في بَيْتِ أشْهَبَ جَمْعٌ ألْذٍ بِالسُّكُونِ، وأنْ ”الَّذِي“ في الآيَةِ مُفْرَدٌ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ، وكَلامُ سِيبَوَيْهِ يَرُدُّ عَلَيْهِ، وقَوْلُ عُدَيْلِ بْنِ الفَرْخِ العِجْلِيِّ:
؎وَبِتُّ أُساقِي القَوْمَ إخْوَتِيَ الَّذِي ∗∗∗ غَوايَتُهم غَيِّي ورُشْدُهُمُ رُشْدِي
وَقالَ بَعْضُهُمُ: المُسْتَوْقِدُ واحِدٌ لِجَماعَةٍ مَعَهُ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ.
2:18Страница 4
صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ١٨
Глухие, немые, слепые! Они не вернутся на прямой путь.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ الآيَةَ، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُنافِقِينَ مُتَّصِفُونَ بِالصَّمَمِ، والبُكْمِ، والعَمى. ولَكِنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ مَعْنى صَمَمِهِمْ، وبُكُمِهِمْ، وعِماهم، هو عَدَمُ انْتِفاعِهِمْ بِأسْماعِهِمْ، وقُلُوبِهِمْ، وأبْصارِهِمْ وذَلِكَ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ يَدُلُّ ظاهِرُها عَلى أنَّ المُنافِقِينَ لا يَسْمَعُونَ، ولا يَتَكَلَّمُونَ، ولا يُبْصِرُونَ، وقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخَرَ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] .
وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ الآيَةَ [المنافقون: ٤]، أيْ لِفَصاحَتِهِمْ وحَلاوَةِ ألْسِنَتِهِمْ.
وَقَوْلِهِ ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، ووَجْهُ الجَمْعِ ظاهِرٌ، وهو أنَّهم بُكْمٌ عَنِ النُّطْقِ بِالحَقِّ، وإنْ تَكَلَّمُوا بِغَيْرِهِ، صُمٌّ عَنْ سَماعِ الحَقِّ وإنْ سَمِعُوا غَيْرَهُ، عُمْيٌ عَنْ رُؤْيَةِ الحَقِّ وإنَّ رَأوْا غَيْرَهُ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى هَذا الجَمْعَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٢٦]، لِأنَّ ما لا يُغْنِي شَيْئًا فَهو كالمَعْدُومِ، والعَرَبُ رُبَّما أطْلَقَتِ الصَّمَمَ عَلى السَّماعِ الَّذِي لا أثَرَ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ قَعْنَبِ بْنِ أُمِّ صاحِبٍ:
؎صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا
وَقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أصَمُّ عَنِ الأمْرِ الَّذِي لا أُرِيدُهُ ∗∗∗ وأُسْمِعُ خَلْقَ اللَّهِ حِينَ أُرِيدُ
وَقَوْلُ الآخَرَ:
؎فأصْمَمْتُ عَمْرًا وأعْمَيْتُهُ ∗∗∗ عَنِ الجُودِ والفَخْرِ يَوْمَ الفَخّارِ
(p-٢٠٥)وَكَذَلِكَ الكَلامُ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ فَهو كالعَدَمِ.
قالَ هُبَيْرَةُ بْنُ أبِي وهْبٍ المَخْزُومِيُّ:
؎وَإنَّ كَلامَ المَرْءِ في غَيْرِ كُنْهِهِ ∗∗∗ لَكالنَّبْلِ تَهْوِي لَيْسَ فِيها نِصالُها
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии