Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:229
2:229Страница 36
ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِۖ فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَأۡخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ شَيۡـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَا فِيمَا ٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٢٩
Развод допускается дважды, после чего надо либо удержать жену на разумных условиях, либо отпустить ее по-доброму. Вам не дозволено брать что-либо из дарованного им, если только у обеих сторон нет опасения, что они не смогут соблюсти ограничения Аллаха. И если вы опасаетесь, что они не смогут соблюсти ограничения Аллаха, то они оба не совершат греха, если она выкупит развод. Таковы ограничения Аллаха, не преступайте же их. А те, которые преступают ограничения Аллаха, являются беззаконниками.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿(الطَّلاقُ مَرَّتانِ)﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الطَّلاقَ كُلَّهُ مُنْحَصِرٌ في المَرَّتَيْنِ، ولَكِنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ المُنْحَصِرَ في المَرَّتَيْنِ هو الطَّلاقُ الَّذِي تُمْلَكُ بَعْدَهُ الرَّجْعَةُ لا مُطْلَقًا، وذَلِكَ بِذِكْرِهِ الطَّلْقَةَ الثّالِثَةُ الَّتِي لا تَحِلُّ بَعْدَها المُراجَعَةُ إلّا بَعْدَ زَوْجٍ، وهي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٣٠]، وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَوْلُهُ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] يَعْنِي بِهِ عَدَمَ الرَّجْعَةِ.
(p-١٠٥)وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الطَّلْقَةُ الثّالِثَةُ هي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ ورُوِيَ هَذا مَرْفُوعًا إلَيْهِ ﷺ .
* *
تَنْبِيهٌ
ذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ الَّتِي هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ يُؤْخَذُ مِنها وُقُوعُ الطَّلاقِ الثَّلاثِ في لَفْظٍ واحِدٍ، وأشارَ البُخارِيُّ بِقَوْلِهِ: " بابُ مَن جَوَّزَ الطَّلاقَ الثَّلاثَ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿(الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ)﴾ .
والظّاهِرُ أنَّ وجْهَ الدَّلالَةِ المُرادَ عِنْدَ البُخارِيِّ هو ما قالَهُ الكِرْمانِيُّ مِن أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] عَلِمْنا أنَّ إحْدى المَرَّتَيْنِ جَمَعَ فِيها بَيْنَ تَطْلِيقَتَيْنِ، وإذا جازَ جَمْعُ التَّطْلِيقَتَيْنِ دَفْعَةً، جازَ جَمْعُ الثَّلاثِ، ورَدَّ ابْنُ حَجَرٍ هَذا بِأنَّهُ قِياسٌ مَعَ وُجُودِ الفارِقِ، وجَعَلَ الآيَةَ دَلِيلًا لِنَقِيضِ ذَلِكَ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ غَيْرُ ناهِضٍ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ حَصْرَ الطَّلاقِ كُلَّهُ في المَرَّتَيْنِ حَتّى يَلْزَمَ الجَمْعُ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ في إحْدى التَّطْلِيقَتَيِنِ كَما ذَكَرَ، بَلِ المُرادُ بِالطَّلاقِ المَحْصُورِ هو خُصُوصُ الطَّلاقِ الَّذِي تُمْلَكُ بَعْدَهُ الرَّجْعَةُ كَما ذَكَرْنا، وكَما فَسَّرَ بِهِ الآيَةَ جَماهِيرُ عُلَماءِ التَّفْسِيرِ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ وجْهُ الدَّلِيلِ في الآيَةِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ عامٌّ يَتَناوَلُ إيقاعَ الثَّلاثِ دَفْعَةً واحِدَةً، ولا يَخْفى عَدَمُ ظُهُورِهِ، ولَكِنَّ كَوْنَ الآيَةِ لا دَلِيلَ فِيها عَلى وُقُوعِ الثَّلاثِ بِلَفْظٍ واحِدٍ، لا يُنافِي أنْ تَقُومَ عَلى ذَلِكَ أدِلَّةٌ، وسَنَذْكُرُ أدِلَّةَ ذَلِكَ وأدِلَّةَ مَن خالَفَ فِيهِ، والرّاجِحُ عِنْدَنا في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مَعَ إيضاحِ خُلاصَةِ البَحْثِ كُلِّهِ في آخِرِ الكَلامِ إيضاحًا تامًّا.
فَنَقُولُ وبِاللَّهِ نَسْتَعِينُ: اعْلَمْ أنَّ مِن أدِلَّةِ القائِلِينَ بِلُزُومِ الثَّلاثِ مُجْتَمِعَةً حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ، الثّابِتُ في الصَّحِيحِ في قِصَّةِ لِعانِ عُوَيْمِرٍ العَجْلانِيِّ وزَوْجِهِ؛ فَإنَّ فِيهِ: «فَلَمّا فَرَغا قالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أمْسَكْتُها، فَطَلَّقَها ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَ ابْنُ شِهابٍ: فَكانَتْ سُنَّةُ المُتَلاعِنَيْنِ» .
أخْرَجَ البُخارِيُّ هَذا الحَدِيثَ تَحْتَ التَّرْجَمَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَنْهُ، ووَجْهُ الدَّلِيلِ مِنهُ: أنَّهُ أوْقَعَ الثَّلاثَ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، ولَمْ يُنْكِرْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَرَدَّ المُخالِفُ الِاسْتِدْلالَ بِهَذا الحَدِيثِ؛ بِأنَّ المُفارَقَةَ وقَعَتْ بِنَفْسِ اللِّعانِ فَلَمْ (p-١٠٦)يُصادِفْ تَطْلِيقَهُ الثَّلاثَ مَحَلًّا، ورَدَّ هَذا الِاعْتِراضَ؛ بِأنَّ الِاحْتِجاجَ بِالحَدِيثِ مِن حَيْثُ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ إيقاعَ الثَّلاثِ مَجْمُوعَةً، فَلَوْ كانَ مَمْنُوعًا لَأنْكَرَهُ، ولَوْ كانَتِ الفُرْقَةُ بِنَفْسِ اللِّعانِ وبِأنَّ الفُرْقَةَ لَمْ يَدُلَّ عَلى أنَّها بِنَفْسِ اللِّعانِ كِتابٌ ولا سُنَّةٌ صَرِيحَةٌ ولا إجْماعٌ، والعُلَماءُ مُخْتَلِفُونَ في ذَلِكَ.
فَذَهَبَ مالِكٌ وأصْحابُهُ إلى أنَّ الفُرْقَةَ بِنَفْسِ اللِّعانِ، وإنَّما تَتَحَقَّقُ بِلِعانِ الزَّوْجَيْنِ مَعًا، وهو رِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ. وذَهَبَ الشّافِعِيُّ وأصْحابُهُ إلى أنَّ الفُرْقَةَ بِنَفْسِ اللِّعانِ، وتَقَعُ عِنْدَ فَراغِ الزَّوْجِ مِن أيْمانِهِ قَبْلَ لِعانِ المَرْأةِ، وهو قَوْلُ سَحْنُونٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
وَذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وأتْباعُهُما إلى أنَّها لا تَقَعُ حَتّى يُوقِعَها الحاكِمُ؛ واحْتَجُّوا بِظاهِرِ ما وقَعَ في أحادِيثِ اللِّعانِ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأةٍ قَذَفَها، وأحْلَفَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» . وأخْرَجَ أيْضًا في ”صَحِيحِهِ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِن وجْهٍ آخَرَ إنَّهُ قالَ: «لاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأةٍ مِنَ الأنْصارِ، وفَرَّقَ بَيْنَهُما» ورَواهُ باقِي الجَماعَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ يَحْيى بْنِ مَعِينٍ: إنَّ الرِّوايَةَ بِلَفْظِ ”فَرَّقَ“ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ خَطَأٌ، يَعْنِي في خُصُوصِ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ المُتَقَدِّمِ، لا مُطْلَقًا، بِدَلِيلِ ثُبُوتِها في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كَما تَرى. قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: إنْ أرادَ مِن حَدِيثِ سَهْلٍ فَسَهْلٌ، وإلّا فَمَرْدُودٌ. وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ ما نَصُّهُ: ويُؤْخَذُ مِنهُ أنَّ إطْلاقَ يَحْيى بْنِ مَعِينٍ وغَيْرِهِ تَخْطِئَةَ الرِّوايَةِ بِلَفْظِ «فَرَّقَ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ» إنَّما المُرادُ بِهِ في حَدِيثِ سَهْلٍ بِخُصُوصِهِ، فَقَدْ أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ مِن طَرِيقِ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ بِهَذا اللَّفْظِ، وقالَ بَعْدَهُ لَمْ يُتابِعِ ابْنَ عُيَيْنَةَ عَلى ذَلِكَ أحَدٌ، ثُمَّ أخْرَجَ مِن طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أخَوَيْ بَنِي العَجْلانِ» ا ه، مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظٍ، وقَدْ قَدَّمْنا في حَدِيثِ سَهْلٍ: «فَكانَتْ سُنَةُ المُتَلاعِنَيْنِ» .
واخْتُلِفَ في هَذا اللَّفْظِ هَلْ هو مُدْرَجٌ مِن كَلامِ الزُّهْرِيِّ فَيَكُونُ مُرْسَلًا، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ ؟ أوْ هو مِن كَلامِ سَهْلٍ فَهو مَرْفُوعٌ مُتَّصِلٌ ؟ ويُؤَيِّدُ كَوْنَهُ مِن كَلامِ سَهْلٍ ما وقَعَ في حَدِيثِ أبِي داوُدَ مِن طَرِيقِ عِياضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الفِهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ سَهْلٍ قالَ: «فَطَلَّقَها ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وكانَ ما صُنِعَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُنَّةً.
قالَ سَهْلٌ: حَضَرْتُ هَذا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَضَتِ السُّنَّةُ بَعْدُ في المُتَلاعِنَيْنِ، أنْ (p-١٠٧)يُفَرَّقَ بَيْنَهُما، ثُمَّ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا» .
قالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: ورِجالُهُ رِجالُ الصَّحِيحِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ومَعْلُومٌ أنَّ ما سَكَتَ عَلَيْهِ أبُو داوُدَ فَأقَلُّ دَرَجاتِهِ عِنْدَهُ الحَسَنُ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ ظاهِرَةٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ، وبِها تَعْلَمُ أنَّ احْتِجاجَ البُخارِيِّ لِوُقُوعِ الثَّلاثِ دَفْعَةً بِحَدِيثِ سَهْلٍ المَذْكُورِ واقِعٌ مَوْقِعَهُ؛ لِأنَّ المُطَّلِعَ عَلى غَوامِضِ إشاراتِ البُخارِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَفْهَمُ أنَّ هَذا اللَّفْظَ الثّابِتَ في ”سُنَنِ أبِي داوُدَ“ مُطابِقٌ لِتَرْجَمَةِ البُخارِيِّ، وأنَّهُ أشارَ بِالتَّرْجَمَةِ إلى هَذِهِ الرِّوايَةِ ولَمْ يُخَرِّجْها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ عَلى شَرْطِهِ، فَتَصْرِيحُ هَذا الصَّحابِيِّ الجَلِيلِ في هَذِهِ الرِّوايَةِ الثّابِتَةِ: «بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أنْفَذَ طَلاقَ الثَّلاثِ دَفْعَةً» يَبْطُلُ بِإيضاحٍ أنَّهُ لا عِبْرَةَ بِسُكُوتِهِ ﷺ وتَقْرِيرِهِ لَهُ؛ بِناءً عَلى أنَّ الفُرْقَةَ بِنَفْسِ اللِّعانِ كَما تَرى.
وَذَهَبَ عُثْمانُ البَتِّيُّ، وأبُو الشَّعْثاءِ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ البَصْرِيُّ، أحَدُ أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن فُقَهاءِ التّابِعِينَ إلى أنَّ الفُرْقَةَ لا تَقَعُ حَتّى يُوقِعَها الزَّوْجُ، وذَهَبَ أبُو عُبَيْدٍ إلى أنَّها تَقَعُ بِنَفْسِ القَذْفِ، وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ الفُرْقَةِ بِنَفْسِ اللِّعانِ لَيْسَ أمْرًا قَطْعِيًّا، حَتّى تَرِدَ بِهِ دَلالَةُ تَقْرِيرِ النَّبِيِّ ﷺ عُوَيْمِرًا العَجْلانِيَّ، عَلى إيقاعِ الثَّلاثِ دَفْعَةً، الثّابِتُ في الصَّحِيحِ، لا سِيَّما وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ بَعْضَ الرِّواياتِ فِيها التَّصْرِيحُ بِأنَّهُ ﷺ أنْفَذَ ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ قَدْ وقَعَ في حَدِيثٍ لِأبِي داوُدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَضى أنْ لَيْسَ عَلَيْهِ قُوتٌ ولا سُكْنى، مِن أجْلِ أنَّهُما يَفْتَرِقانِ بِغَيْرِ طَلاقٍ ولا مُتَوَفًّى عَنْها.
فالجَوابُ أنَّ هَذا التَّعْلِيلَ لِعَدَمِ إيجابِ النَّفَقَةِ والسُّكْنى؛ لِلْمُلاعَنَةِ بِعَدَمِ طَلاقٍ أوْ وفاةٍ يَحْتَمِلُ كَوْنَهُ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَيْسَ مَرْفُوعًا إلَيْهِ ﷺ .
وَهَذا هو الظّاهِرُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ العِلَّةَ لِما قَضى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن عَدَمِ النَّفَقَةِ والسُّكْنى، وأراهُ اجْتِهادَهُ أنَّ عِلَّةَ ذَلِكَ عَدَمُ الطَّلاقِ والوَفاةِ.
والظّاهِرُ أنَّ العِلَّةَ الصَّحِيحَةَ لِعَدَمِ النَّفَقَةِ والسُّكْنى هي البَيْنُونَةُ بِمَعْناها الَّذِي هو أعَمُّ مِن وُقُوعِها بِالطَّلاقِ أوْ بِالفَسْخِ، بِدَلِيلِ أنَّ البائِنَ بِالطَّلاقِ لا تَجِبُ لَها النَّفَقَةُ والسُّكْنى عَلى أصَحِّ الأقْوالِ دَلِيلًا.
فَعُلِمَ أنَّ عَدَمَ النَّفَقَةِ والسُّكْنى لا يَتَوَقَّفُ عَلى عَدَمِ الطَّلاقِ.
وَأوْضَحُ دَلِيلٍ في ذَلِكَ ما صَحَّ عَنْهُ ﷺ مِن «حَدِيثِ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ (p-١٠٨)عَنْها: ”أنَّها طَلَّقَها زَوْجُها آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقاتٍ فَلَمْ يَجْعَلْ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفَقَةً ولا سُكْنى“» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ والإمامُ أحْمَدُ وأصْحابُ السُّنَنِ، وهو نَصٌّ صَرِيحٌ صَحِيحٌ في أنَّ البائِنَ بِالطَّلاقِ لا نَفَقَةَ لَها ولا سُكْنى، وهَذا الحَدِيثُ أصَحُّ مِن حَدِيثِابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمِ.
وَصَرَّحَ الأئِمَّةُ بِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مِنَ السُّنَّةِ ما يُخالِفُ حَدِيثَ فاطِمَةَ هَذا، وما وقَعَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَها: ”السُّكْنى والنَّفَقَةُ»“ . فَقالَ: قالَ الإمامُ أحْمَدُ: لا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ.
وَقالَ الدّارَقُطْنِيُّ: السُّنَّةُ بِيَدِ فاطِمَةَ قَطْعًا، وأيْضًا تِلْكَ الرِّوايَةُ عَنْ عُمَرَ مِن طَرِيقِ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، ومَوْلِدُهُ بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ بِسَنَتَيْنِ.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ: ونَحْنُ نَشْهَدُ بِاللَّهِ شَهادَةً نُسْألُ عَنْها إذا لَقِيناهُ، أنَّها كَذِبٌ عَلى عُمَرَ، وكَذِبٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإذا حُقِّقَتْ أنَّ السُّنَّةَ مَعَها وأنَّها صاحِبَةُ القِصَّةِ، فاعْلَمْ أنَّها لَمّا سَمِعَتْ قَوْلَ عُمَرَ لا نَتْرُكُ كِتابَ اللَّهِ وسُنَّةَ نَبِيِّنا ﷺ لِقَوْلِ امْرَأةٍ، لا نَدْرِي لَعَلَّها حَفِظَتْ أوْ نَسِيَتْ، قالَتْ: بَيْنِي وبَيْنَكم كِتابُ اللَّهِ. قالَ اللَّهُ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، حَتّى قالَ: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ [الطلاق: ١] . فَأيُّ أمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلاثِ، رَواهُ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ بِمَعْناهُ. فَتَحَصَّلَ أنَّ السُّنَّةَ بِيَدِها وكِتابَ اللَّهِ مَعَها.
وَهَذا المَذْهَبُ بِحَسَبِ الدَّلِيلِ هو أوْضَحُ المَذاهِبِ وأصْوَبُها. ولِلْعُلَماءِ في نَفَقَةِ البائِنِ وسُكْناها أقْوالٌ غَيْرُ هَذا فَمِنهم مَن أوْجَبَهُما مَعًا، ومِنهم مَن أوْجَبَ السُّكْنى دُونَ النَّفَقَةِ، ومِنهم مَن عَكَسَ.
فالحاصِلُ أنَّ حَدِيثَ فاطِمَةَ هَذا يَرُدُّ تَعْلِيلَ ابْنِ عَبّاسٍ المَذْكُورَ، وأنَّهُ أصَحُّ مِن حَدِيثِهِ، وفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ سُقُوطَ النَّفَقَةِ والسُّكْنى لا يَتَوَقَّفُ عَلى عَدَمِ الطَّلاقِ، بَلْ يَكُونُ مَعَ الطَّلاقِ البائِنِ، وأيْضًا فالتَّصْرِيحُ بِأنَّهُ ﷺ أنْفَذَ الثَّلاثَ دَفْعَةً في الرِّوايَةِ المَذْكُورَةِ أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ المَذْكُورِ؛ لِأنَّ مَن حَفِظَ حُجَّةً عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ، وهَذا الصَّحابِيُّ حَفِظَ إنْفاذَ الثَّلاثِ، والمُثْبَتُ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي.
فَإنْ قِيلَ: إنْفاذُهُ ﷺ الثَّلاثَ دَفْعَةً مِنَ المُلاعِنِ عَلى الرِّوايَةِ المَذْكُورَةِ لا يَكُونُ حُجَّةً في غَيْرِ اللِّعانِ؛ لِأنَّ اللِّعانَ تَجِبُ فِيهِ الفُرْقَةُ الأبَدِيَّةُ. فَإنْفاذُ الثَّلاثِ مُؤَكِّدٌ لِذَلِكَ الأمْرِ الواجِبِ (p-١٠٩)بِخِلافِ الواقِعِ في غَيْرِ اللِّعانِ.
وَيَدُلُّ لِهَذا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَضِبَ مِن إيقاعِ الثَّلاثِ دَفْعَةً في غَيْرِ اللِّعانِ، وقالَ: «أيُلْعَبُ بِكِتابِ اللَّهِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ !» كَما أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، فالجَوابُ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: الكَلامُ في حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، فَإنَّهُ تَكَلَّمَ مِن جِهَتَيْنِ: الأُولى: أنَّهُ مُرْسَلٌ؛ لِأنَّ مَحْمُودَ بْنَ لَبِيدٍ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ سَماعٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإنْ كانَتْ وِلادَتُهُ في عَهْدِهِ ﷺ، وذِكْرُهُ في الصَّحابَةِ مِن أجْلِ الرُّؤْيَةِ، وقَدْ تَرْجَمَ لَهُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وأخْرَجَ لَهُ عِدَّةَ أحادِيثَ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ صَرَّحَ فِيهِ بِالسَّماعِ.
الثّانِيَةُ: أنَّ النَّسائِيَّ قالَ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ لِهَذا الحَدِيثِ لا أعْلَمُ أحَدًا رَواهُ غَيْرُ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ يَعْنِي ابْنَ الأشَجِّ، عَنْ أبِيهِ، ورِوايَةُ مَخْرَمَةَ، عَنْ أبِيهِ، وِجادَةٌ مِن كِتابِهِ، قالَهُ أحْمَدُ وابْنُ مَعِينٍ وغَيْرُهُما.
وَقالَ ابْنُ المَدِينِيِّ: سَمِعَ مِن أبِيهِ قَلِيلًا، قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: رِوايَتُهُ عَنْ أبِيهِ وِجادَةٌ مِن كِتابِهِ، قالَ أحْمَدُ وابْنُ مَعِينٍ وغَيْرُهُما، وقالَ ابْنُ المَدِينِيِّ: سَمِعَ مِن أبِيهِ قَلِيلًا.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: أمّا الإعْلالُ الأوَّلُ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ، فَهو مَرْدُودٌ بِأنَّهُ مُرْسَلُ صَحابِيٍّ ومَراسِيلُ الصَّحابَةِ لَها حُكْمُ الوَصْلِ، ومَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ المَذْكُورُ جُلُّ رِوايَتِهِ عَنِ الصَّحابَةِ، كَما قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“ وغَيْرِهِ.
والإعْلالُ الثّانِي بِأنَّ رِوايَةَ مَخْرَمَةَ عَنْ أبِيهِ وِجادَةٌ مِن كِتابِهِ فِيهِ أنَّ مُسْلِمًا أخْرَجَ في ”صَحِيحِهِ“ عِدَّةَ أحادِيثَ مِن رِوايَةِ مَخْرَمَةَ، عَنْ أبِيهِ، والمُسْلِمُونَ مُجْمِعُونَ عَلى قَبُولِ أحادِيثِ مُسْلِمٍ إلّا بِمُوجِبٍ صَرِيحٍ يَقْتَضِي الرَّدَّ، فالحَقُّ أنَّ الحَدِيثَ ثابِتٌ إلّا أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِهِ يَرُدُّهُ.
الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنْ حَدِيثَ مَحْمُودٍ لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّهُ ﷺ أنْفَذَ الثَّلاثَ، ولا أنَّهُ لَمْ يُنْفِذْها، وحَدِيثُ سَهْلٍ عَلى الرِّوايَةِ المَذْكُورَةِ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّهُ أنْفَذَها، والمُبَيَّنُ مُقَدَّمٌ عَلى المُجْمَلِ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ بَلْ بَعْضُ العُلَماءِ احْتَجَّ لِإيقاعِ الثَّلاثِ دَفْعَةً، بِحَدِيثِ مَحْمُودٍ هَذا.
وَوَجْهُ اسْتِدْلالِهِ بِهِ أنَّهُ طَلَّقَ ثَلاثًا يَظُنُّ لُزُومَها، فَلَوْ كانَتْ غَيْرَ لازِمَةٍ لِبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ (p-١١٠)أنَّها غَيْرُ لازِمَةٍ؛ لِأنَّ البَيانَ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ إمامَ المُحَدِّثِينَ مُحَمَّدَ بْنَ إسْماعِيلَ البُخارِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أخْرَجَ حَدِيثَ سَهْلٍ تَحْتَ التَّرْجَمَةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ”بابُ مَن جَوَّزَ الطَّلاقَ الثَّلاثَ“ وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَرى عَدَمَ الفَرْقِ بَيْنَ اللِّعانِ وغَيْرِهِ في الِاحْتِجاجِ بِإنْفاذِ الثَّلاثِ دَفْعَةً.
الوَجْهُ الرّابِعُ: هو ما سَيَأْتِي مِنَ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى وُقُوعِ الثَّلاثِ دَفْعَةً، كَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وحَدِيثِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وإنْ كانَ الكُلُّ لا يَخْلُو مِن كَلامٍ. ومِمَّنْ قالَ بِأنَّ اللِّعانَ طَلاقٌ لا فَسْخٌ: أبُو حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، وحَمّادٌ، وصَحَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، كَما نَقَلَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ وعَنِ الضَّحّاكِ والشَّعْبِيِّ: إذا أكْذَبَ نَفْسَهُ رُدَّتْ إلَيْهِ امْرَأتُهُ.
وَبِهَذا كُلِّهِ تَعْلَمُ أنَّ رَدَّ الِاحْتِجاجِ بِتَقْرِيرِهِ ﷺ عُوَيْمِرَ العَجْلانِيَّ، عَلى إيقاعِ الثَّلاثِ دَفْعَةً، بِأنَّ الفُرْقَةَ بِنَفْسِ اللِّعانِ لا يَخْلُو مِن نَظَرٍ، ولَوْ سَلَّمْنا أنَّ الفُرْقَةَ بِنَفْسِ اللِّعانِ فَإنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ سُكُوتَهُ ﷺ لا دَلِيلَ فِيهِ، بَلْ نَقُولُ: لَوْ كانَتْ لا تَقَعُ دَفْعَةً لَبَيَّنَ أنَّها لا تَقَعُ دَفْعَةً، ولَوْ كانَتِ الفُرْقَةُ بِنَفْسِ اللِّعانِ، كَما تَقَدَّمَ.
* *
وَمِن أدِلَّتِهِمْ حَدِيثُ عائِشَةَ الثّابِتُ في الصَّحِيحِ في قِصَّةِ رِفاعَةَ القُرَظِيِّ وامْرَأتِهِ، فَإنَّ فِيهِ: «فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنْ رِفاعَةَ طَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلاقِي» الحَدِيثَ. وقَدْ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ تَحْتَ التَّرْجَمَةِ المُتَقَدِّمَةِ، فَإنَّ قَوْلَها ”فَبَتَّ طَلاقِي“ ظاهِرٌ في أنَّهُ قالَ لَها: أنْتِ طالِقٌ البَتَّةَ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الِاسْتِدْلالُ بِهَذا الحَدِيثِ غَيْرُ ناهِضٍ فِيما يَظْهَرُ؛ لِأنَّ مُرادَها بِقَوْلِها: فَبَتَّ طَلاقِي؛ أيْ: بِحُصُولِ الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ.
وَيُبَيِّنُهُ أنَّ البُخارِيَّ ذَكَرَ في كِتابِ الأدَبِ مِن وجْهٍ آخَرَ أنَّها قالَتْ: «طَلَّقَنِي آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقاتٍ»، وهَذِهِ الرِّوايَةُ تُبَيِّنُ المُرادَ مِن قَوْلِها فَبَتَّ طَلاقِي، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَفْعَةً واحِدَةً، ومِن أدِلَّتِهِمْ حَدِيثُ عائِشَةَ الثّابِتُ في الصَّحِيحِ. وقَدْ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ تَحْتَ التَّرْجَمَةِ المَذْكُورَةِ أيْضًا: «أنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، فَتَزَوَّجَتْ فَطَلَّقَ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أتَحِلُّ لِلْأوَّلِ ؟ قالَ: " لا، حَتّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَها كَما ذاقَ الأوَّلُ» فَإنَّ قَوْلَهُ ثَلاثًا ظاهِرٌ في كَوْنِها مَجْمُوعَةً، واعْتَرَضَ الِاسْتِدْلالَ بِهَذا الحَدِيثِ بِأنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِن قِصَّةِ رِفاعَةَ، وقَدْ قَدَّمْنا قَرِيبًا أنَّ بَعْضَ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ دَلَّ عَلى أنَّها ثَلاثٌ مُفَرَّقَةٌ لا مَجْمُوعَةٌ، ورَدَّ هَذا (p-١١١)الِاعْتِراضَ بِأنَّ غَيْرَ رِفاعَةَ قَدْ وقَعَ لَهُ مَعَ امْرَأتِهِ نَظِيرُ ما وقَعَ لِرِفاعَةَ، فَلا مانِعَ مِنَ التَّعَدُّدِ، وكَوْنُ الحَدِيثِ الأخِيرِ في قِصَّةٍ أُخْرى كَما ذَكَرَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجْرٍ في الكَلامِ عَلى قِصَّةِ رِفاعَةَ، فَإنَّهُ قالَ فِيها ما نَصُّهُ: وهَذا الحَدِيثُ إنْ كانَ مَحْفُوظًا فالواضِحُ مِن سِياقِهِ أنَّها قِصَّةٌ أُخْرى، وأنَّ كُلًّا مِن رِفاعَةَ القُرَظِيِّ، ورِفاعَةَ النَّضْرِيِّ وقَعَ لَهُ مَعَ زَوْجَةٍ لَهُ طَلاقٌ، فَتَزَوَّجَ كُلًّا مِنهُما عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَطَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَمَسَّها، فالحُكْمُ في قِصَّتِهِما مُتَّحِدٌ مَعَ تَغايُرِ الأشْخاصِ. وبِهَذا يَتَبَيَّنُ خَطَأُ مَن وحَّدَ بَيْنَهُما ظَنًّا مِنهُ أنَّ رِفاعَةَ بْنَ سَمَوْألٍ هو رَفاعَةُ بْنُ وهْبٍ. ا ه، مَحَلُّ الحاجَةِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَمِن أدِلَّتِهِمْ ما أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «أُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ جَمِيعًا، فَقامَ مُغْضَبًا، فَقالَ: " أيُلْعَبُ بِكِتابِ اللَّهِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ !» وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ وجْهَ الِاسْتِدْلالِ مِنهُ: أنَّ المُطَلِّقَ يَظُنُّ الثَّلاثَ المَجْمُوعَةَ واقِعَةً، فَلَوْ كانَتْ لا تَقَعُ لَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّها لا تَقَعُ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ في حَقِّهِ تَأْخِيرُ البَيانِ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ إلَيْهِ.
وَقَدْ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في حَدِيثِ مَحْمُودٍ هَذا: إنَّ إسْنادَهُ جَيِّدٌ، وقالَ الحافِظُ في ”بُلُوغِ المَرامِ“: رُواتُهُ مُوَثَّقُونَ، وقالَ في ”الفَتْحِ“: رِجالُهُ ثِقاتٌ، فَإنْ قِيلَ: غَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ، وتَصْرِيحُهُ بِأنَّ ذَلِكَ الجَمْعَ لِلطَّلَقاتِ لَعِبٌ بِكِتابِ اللَّهِ يَدُلُّ عَلى أنَّها لا تَقَعُ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن أحْدَثَ في أمْرِنا هَذا ما لَيْسَ مِنهُ فَهو رَدٌّ»، وفي رِوايَةِ «مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنا فَهو رَدٌّ»، فالجَوابُ أنَّ كَوْنَهُ مَمْنُوعًا ابْتِداءً لا يُنافِي وُقُوعَهُ بَعْدَ الإيقاعِ، ويَدُلُّ لَهُ ما سَيَأْتِي قَرِيبًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِن قَوْلِهِ لِمَن سَألَهُ: وإنْ كُنْتَ طَلَّقْتَها ثَلاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ، وعَصَيْتَ اللَّهَ فِيما أمَرَكَ بِهِ مِن طَلاقِ امْرَأتِكِ، ولا سِيَّما عَلى قَوْلِ الحاكِمِ: إنَّهُ مَرْفُوعٌ، وهَذا ثابِتٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الصَّحِيحِ، ويُؤَيِّدُهُ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ قَرِيبًا مِن حَدِيثِهِ المَرْفُوعِ عِنْدَ الدّارَقُطْنِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: «كانَتْ تَبِينُ مِنكَ وتَكُونُ مَعْصِيَةٌ» ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ أنَّهُ قالَ لِمَن سَألَهُ عَنْ ثَلاثٍ أوْقَعَها دَفْعَةً: ”إنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ فَيَجْعَلُ لَكَ مَخْرَجًا، عَصَيْتَ رَبَّكَ، وبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ“ .
وَبِالجُمْلَةِ فالمُناسِبُ لِمُرْتَكِبِ المَعْصِيَةِ التَّشْدِيدُ لا التَّخْفِيفُ بِعَدَمِ الإلْزامِ، ومِن أدِلَّتِهِمْ ما أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - إنَّهُ قالَ: «فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! أرَأيْتَ لَوْ طَلَّقْتُها ثَلاثًا أكانَ يَحِلُّ لِي أنْ أُراجِعَها ؟ قالَ: ”لا، كانَتْ (p-١١٢)تَبِينُ مِنكَ وتَكُونُ مَعْصِيَةٌ»“ وفي إسْنادِهِ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ وهو مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وقَدْ وثَّقَهُ التِّرْمِذِيُّ، وقالَ النَّسائِيُّ، وأبُو حاتِمٍ: لا بَأْسَ بِهِ، وكَذَّبَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وضَعَّفَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ البُخارِيُّ: لَيْسَ فِيمَن رُوِيَ عَنْ مالِكٍ مَن يَسْتَحِقُّ التَّرْكَ غَيْرُهُ، وقالَ شُعْبَةُ: كانَ نَسِيًّا، وقالَ ابْنُ حِبّانَ: كانَ مِن خِيارِ عِبادِ اللَّهِ، غَيْرَ أنَّهُ كَثِيرُ الوَهْمِ سَيِّئُ الحِفْظِ، يُخْطِئُ ولا يَدْرِي، فَلَمّا كَثُرَ ذَلِكَ في رِوايَتِهِ بَطَلَ الِاحْتِجاجُ بِهِ. وأيْضًا الزِّيادَةُ الَّتِي هي مَحَلُّ الحُجَّةِ مِنَ الحَدِيثِ أعْنِي قَوْلَهُ: «أرَأيْتَ لَوْ طَلَّقْتُها» إلَخْ، مِمّا تَفَرَّدَ بِهِ عَطاءٌ المَذْكُورُ. وقَدْ شارَكَهُ الحُفّاظُ في أصْلِ الحَدِيثِ، ولَمْ يَذْكُرُوا الزِّيادَةَ المَذْكُورَةَ. وفي إسْنادِها شُعَيْبُ بْنُ زُرَيْقٍ الشّامِيُّ وهو ضَعِيفٌ، وأعَلَّ عَبْدُ الحَقِّ في أحْكامِهِ هَذا الحَدِيثَ، بِأنَّ في إسِنادِهِ مُعَلّى بْنَ مَنصُورٍ، وقالَ: رَماهُ أحْمَدُ بِالكَذِبِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: أمّا عَطاءٌ الخُراسانِيُّ المَذْكُورُ فَهو مِن رِجالِ مُسْلِمٍ في ”صَحِيحِهِ“ وأمّا مُعَلّى بْنُ مَنصُورٍ فَقَدْ قالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: ثِقَةٌ سُنِّيٌّ فَقِيهٌ طُلِبَ لِلْقَضاءِ فامْتَنَعَ، أخْطَأ مَن زَعَمَ أنَّ أحْمَدَ رَماهُ بِالكَذِبِ، أخْرَجَ لَهُ الشَّيْخانِ وباقِي الجَماعَةِ. وأمّا شُعَيْبُ بْنُ زُرَيْقٍ أبُو شَيْبَةَ الشّامِيِّ فَقَدْ قالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: صَدُوقٌ يُخْطِئُ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ مَرْدُودَ الحَدِيثِ، لا سِيَّما وقَدِ اعْتَضَدَتْ رِوايَتُهُ بِما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ سَهْلٍ، وبِما رَواهُ البَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - فَإنَّهُ قالَ في [ السُّنَنِ الكُبْرى ] ما نَصُّهُ: أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ بْنِ عَبْدانَ: أنا أحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفّارِ، أنا إبْراهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرّازِيُّ، أنا سَلَمَةُ بْنُ الفَضْلِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أبِي قَيْسٍ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الأعْلى، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، قالَ: كانَتْ عائِشَةُ الخَثْعَمِيَّةُ عِنْدَ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، فَلَمّا قُتِلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَتْ: لِتَهْنِكَ الخِلافَةُ، قالَ: بِقَتْلِ عَلِيٍّ تُظْهِرِينَ الشَّماتَةَ، اذْهَبِي فَأنْتِ طالِقٌ، يَعْنِي ثَلاثًا قالَ: فَتَلَفَّعَتْ بِثِيابِها، وقَعَدَتْ حَتّى قَضَتْ عِدَّتَها، فَبَعَثَ إلَيْها بِبَقِيَّةٍ بَقِيَتْ لَها مِن صَداقِها وعَشَرَةِ آلافٍ صَدَقَةً، فَلَمّا جاءَها الرَّسُولُ قالَتْ: مَتاعٌ قَلِيلٌ مِن حَبِيبٍ مُفارِقٍ، فَلَمّا بَلَغَهُ قَوْلُها بَكى، ثُمَّ قالَ: لَوْلا أنِّي سَمِعْتُ جَدِّي أوْ حَدَّثَنِي أبِي أنَّهُ سَمِعَ جَدِّي يَقُولُ: «أيُّما رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا عِنْدَ الأقْراءِ ”أوْ“ ثَلاثًا مُبْهَمَةً لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» لَراجَعْتُها.
وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شَمِرٍ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ مُسْلِمٍ، وإبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الأعْلى، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ. ا ه مِنهُ بِلَفْظِهِ. وضِعْفُ هَذا الإسْنادِ بِأنَّ فِيهِ مُحَمَّدَ بْنَ (p-١١٣)حُمَيْدِ بْنِ حَيّانَ الرّازِيَّ، قالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: حافِظٌ ضَعِيفٌ، وكانَ ابْنُ مَعِينٍ حَسَنَ الرَّأْيِ فِيهِ، أنَّ فِيهِ أيْضًا سَلَمَةَ بْنَ الفَضْلِ الأبْرَشَ، مَوْلى الأنْصارِ قاضِي الرَّيِّ قالَ فِيهِ في ”التَّقْرِيبِ“: صَدُوقٌ كَثِيرُ الخَطَأِ ورُوِيَ مِن غَيْرِ هَذا الوَجْهِ ورَوى نَحْوَهُ الطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، وضَعَّفَ الحَدِيثَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، ويُؤَيِّدُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ المَذْكُورَ أيْضًا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِن إنَّهُ قالَ: ”وَإنْ كُنْتَ طَلَّقْتَها ثَلاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ، وعَصَيْتَ اللَّهَ فِيما أمَرَكَ بِهِ مِن طَلاقِ امْرَأتِكَ“ . ولا سِيَّما عَلى قَوْلِ الحاكِمِ: إنَّهُ مَرْفُوعٌ، وعَلى ثُبُوتِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ المَذْكُورِ، فَهو ظاهِرٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ.
فَما ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن أنَّهُ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ بِناءً عَلى حَمْلِهِ عَلى كَوْنِ الثَّلاثِ مُفَرَّقَةً لا مُجْتَمِعَةً، فَهو بَعِيدٌ. والحَدِيثُ ظاهِرٌ في كَوْنِها مُجْتَمِعَةً؛ لِأنَّ ابْنَ عُمَرَ لا يَسْألُ عَنِ الثَّلاثِ المُتَفَرِّقَةِ إذْ لا يَخْفى عَلَيْهِ أنَّها مُحَرَّمَةٌ، ولَيْسَ مَحَلُّ نِزاعٍ. ومِن أدِلَّتِهِمْ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”مُصَنَّفِهِ“، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، قالَ: «طَلَّقَ جَدِّي امْرَأةً لَهُ ألْفَ تَطْلِيقَةٍ، فانْطَلَقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " ما اتَّقى اللَّهَ جَدُّكَ، أمّا ثَلاثٌ فَلَهُ، وأمّا تِسْعُمِائَةٍ وسَبْعٌ وتِسْعُونَ فَعُدْوانٌ وظُلْمٌ، إنْ شاءَ اللَّهُ عَذَّبَهُ وإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ» . وفي رِوايَةٍ: «إنَّ أباكَ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ فَيَجْعَلَ لَهُ مَخْرَجًا، بانَتْ مِنهُ بِثَلاثٍ عَلى غَيْرِ السُّنَّةِ، وتِسْعُمِائَةٍ وسَبْعٌ وتِسْعُونَ إثْمٌ في عُنُقِهِ» وفي إسْنادِهِ يَحْيى بْنُ العَلاءِ، وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الوَلِيدِ، وإبْراهِيمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، ولا يُحْتَجُّ بِواحِدٍ مِنهم.
وَقَدْ رَواهُ بَعْضُهم عَنْ صَدَقَةَ بْنِ أبِي عِمْرانَ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. ومِن أدِلَّتِهِمْ ما رَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «قُلْتُ لِفاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: حَدِّثِينِي عَنْ طَلاقِكِ، قالَتْ: طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلاثًا، وهو خارِجٌ إلى اليَمَنِ، فَأجازَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» .
وَفِي رِوايَةِ أبِي أُسامَةَ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قالَتْ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ زَوِّجِي طَلَّقَنِي ثَلاثًا، فَأخافُ أنْ يَقْتَحِمَ عَلَيَّ فَأمَرَها فَتَحَوَّلَتْ» .
وَفِي مُسْلِمٍ مِن رِوايَةِ أبِي سَلَمَةَ، أنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أخْبَرَتْهُ «أنَّ أبا حَفْصِ بْنَ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيَّ طَلَّقَها ثَلاثًا ثُمَّ انْطَلَقَ إلى اليَمَنِ» إلَخْ. . . وفِيهِ عَنْ أبِي سَلَمَةَ أيْضًا أنَّها قالَتْ: «فَطَلَّقَنِي البَتَّةَ» .
قالُوا: فَهَذِهِ الرِّواياتُ ظاهِرَةٌ في أنَّ الطَّلاقَ كانَ بِالثَّلاثِ المُجْتَمِعَةِ، ولا سِيَّما (p-١١٤)حَدِيثُ الشَّعْبِيِّ؛ لِقَوْلِها فِيهِ: فَأجازَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذْ لا يَحْتاجُ إلى الإخْبارِ بِإجازَتِهِ إلّا الثَّلاثَ المُجْتَمِعَةَ، ورَدَّ الِاسْتِدْلالَ بِهَذا الحَدِيثِ بِما ثَبَتَ في بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ، كَما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي سَلَمَةَ أيْضًا: أنَّ فاطِمَةَ أخْبَرَتْهُ أنَّها كانَتْ تَحْتَ أبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصِ بْنِ المُغِيرَةِ فَطَلَّقَها آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقاتٍ.
فَهَذِهِ الرِّوايَةُ تُفَسِّرُ الرِّواياتِ المُتَقَدِّمَةِ، وتُظْهِرُ أنَّ المَقْصُودَ مِنها أنَّ ذَلِكَ وقَعَ مُفَرَّقًا لا دَفْعَةً، ورَدَّ بَعْضُهم هَذا الِاعْتِراضَ بِأنَّ الرِّواياتِ المَذْكُورَةَ تَدُلُّ عَلى عَدَمِ تَفْرِيقِ الصَّحابَةِ والتّابِعَيْنِ بَيْنَ صِيَغِ البَيْنُونَةِ الثَّلاثِ، يَعْنُونَ لَفْظَ البَتَّةَ والثَّلاثِ المُجْتَمِعَةِ، والثَّلاثِ المُتَفَرِّقَةِ؛ لِتَعْبِيرِها في بَعْضِ الرِّواياتِ بِلَفْظِ طَلَّقَنِي ثَلاثًا، وفي بَعْضِها بِلَفْظِ: طَلَّقَنِي البَتَّةَ، وفي بَعْضِها بِلَفْظٍ: فَطَلَّقَنِي آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقاتٍ. فَلَمْ تَخُصَّ لَفْظًا مِنها عَنْ لَفْظٍ؛ لِعِلْمِها بِتَساوِي الصِّيَغِ.
وَلَوْ عَلِمْتَ أنَّ بَعْضَها لا يَحْرُمُ لاحْتَرَزَتْ مِنهُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии