Аш-ШинкитиТа Ха · 20:69

Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском

Та Ха 20:69, продолжение

وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أنْ نَقَلَ هَذا النَّوْعَ مِنَ السِّحْرِ عَنِ الرّازِيِّ: هَذا النَّمَطُ يُقالُ لَهُ التَّنْبَلَةُ، وإنَّما يُرَوَّجُ عَلى ضُعَفاءِ العُقُولِ مِن بَنِي آدَمَ. وفي عِلْمِ الفِراسَةِ ما يُرْشِدُ إلى مَعْرِفَةِ كامِلِ العَقْلِ مِن ناقِصِهِ. فَإذا كانَ النَّبِيلُ حاذِقًا في عِلْمِ الفِراسَةِ عَرَفَ مَن يَنْقادُ لَهُ مِنَ النّاسِ مِن غَيْرِهِ.

النَّوْعُ الثّامِنُ مِن أنْواعِ السِّحْرِ: السَّعْيُ بِالنَّمِيمَةِ، والتَّضْرِيبُ مِن وُجُوهٍ لَطِيفَةٍ خَفِيَّةٍ وذَلِكَ شائِعٌ في النّاسِ ا ه. والتَّضْرِيبُ بَيْنَ القَوْمِ: إغْراءُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ.

وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أنْ نَقَلَ هَذا النَّوْعَ الأخِيرَ عَنِ الرّازِيِّ قُلْتُ: النَّمِيمَةُ عَلى قِسْمَيْنِ: تارَةً تَكُونُ عَلى وجْهِ التَّحْرِيشِ بَيْنَ النّاسِ، وتَفْرِيقِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ. فَهَذا حَرامٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَأمّا إنْ كانَتْ عَلى وجْهِ الإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ، وائْتِلافِ كَلِمَةِ المُسْلِمِينَ كَما جاءَ في الحَدِيثِ «لَيْسَ الكَذّابُ مَن يُنَمِّ خَيْرًا» أوْ يَكُونُ عَلى وجْهِ التَّخْذِيلِ، والتَّفْرِيقِ بَيْنَ جُمُوعِ الكَفَرَةِ، فَهَذا أمْرٌ مَطْلُوبٌ كَما جاءَ في الحَدِيثِ «الحَرْبُ خُدْعَةٌ»، وكَما فَعَلَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ في تَفْرِيقِهِ بَيْنَ كَلِمَةِ الأحْزابِ وبَيْنَ قُرَيْظَةَ، جاءَ إلى هَؤُلاءِ ونَمّى إلَيْهِمْ عَنْ هَؤُلاءِ، ونَقَلَ مِن هَؤُلاءِ إلى أُولَئِكَ شَيْئًا آخَرَ، ثُمَّ لَأمَ بَيْنَ ذَلِكَ فَتَناكَرَتِ النُّفُوسُ وافْتَرَقَتْ. وإنَّما يَحْذُو عَلى مِثْلِ هَذا الذَّكاءِ ذُو البَصِيرَةِ النّافِذَةِ. واللَّهُ المُسْتَعانُ.

(p-٤٧)ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ: فَهَذِهِ جُمْلَةُ الكَلامِ في أقْسامِ السِّحْرِ وشَرْحِ أنْواعِهِ وأصْنافِهِ.

قُلْتُ: وإنَّما أدْخَلَ كَثِيرًا مِن هَذِهِ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ في فَنِّ السِّحْرِ لِلَطافَةِ مَدارِكِها. لِأنَّ السِّحْرَ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَمّا لَطُفَ وخَفِيَ سَبَبُهُ، ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ «إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا» وسُمِّيَ السَّحُورُ سَحُورًا لِكَوْنِهِ يَقَعُ خَفِيًّا آخِرَ اللَّيْلِ. والسِّحْرُ: الرِّئَةُ وهي مَحَلُّ الغِذاءِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِخَفائِها ولُطْفِ مَجارِيها إلى أجْزاءِ البَدَنِ وغُضُونِهِ، كَما قالَ أبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ لِعُتْبَةَ: أنْتَفَخَ سِحْرُهُ ؟ أيْ: أنْتَفَخَتْ رِئَتُهُ مِنَ الخَوْفِ ؟

وَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ سَحْرِي ونَحْرِي» . وقالَ تَعالى: ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] أيْ: أخْفَوْا عَنْهم عَمَلَهم، انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.

هَذا هو حاصِلُ الأقْسامِ الثَّمانِيَةِ الَّتِي ذَكَرَ الفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ انْقِسامَ السِّحْرِ إلَيْها. ولِأهْلِ العِلْمِ فِيهِ تَقْسِيماتٌ مُتَعَدِّدَةٌ يَرْجِعُ غالِبُها إلى هَذِهِ الأقْسامِ المَذْكُورَةِ وقَدْ قَسَّمَهُ الشَّيْخُ سَيِّدِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحاجِّ إبْراهِيمَ العَلَوِيُّ الشَّنْقِيطِيُّ صاحِبُ التَّآلِيفِ العَدِيدَةِ المُفِيدَةِ في نَظْمِهِ المُسَمّى (رُشْدُ الغافِلِ) وشَرْحِهِ لَهُ، الَّذِي بَيَّنَ فِيهِ أنْواعَ عُلُومِ الشَّرِّ لِتُتَّقى وتُجْتَنَبَ إلى أقْسامٍ مُتَعَدِّدَةٍ:

(مِنها) قِسْمٌ يُسَمّى (بِالهِيمْياءِ) بِكَسْرِ الهاءِ بَعْدَها مُثَنّاةٌ تَحْتِيَّةٌ فَمِيمٌ فَياءٌ بَعْدَها ألِفُ التَّأْنِيثِ المَمْدُودَةُ، عَلى وزْنِ كِبْرِياءَ. قالَ: وهو ما تَرَكَّبَ مِن خَواصٍّ سَماوِيَّةٍ تُضافُ لِأحْوالِ الأفْلاكِ، يَحْصُلُ لِمَن عُمِلَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ أُمُورٌ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ السَّحَرَةِ، وقَدْ يَبْقى لَهُ إدْراكٌ، وقَدْ يُسْلَبُهُ بِالكُلِّيَّةِ فَتَصِيرُ أحْوالُهُ كَحالاتِ النّائِمِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ، حَتّى يَتَخَيَّلَ مُرُورَ السِّنِينِ الكَثِيرَةِ في الزَّمَنِ اليَسِيرِ وحُدُوثَ الأوْلادِ وانْقِضاءَ الأعْمارِ، وغَيْرَ ذَلِكَ في ساعَةٍ ونَحْوِها مِنَ الزَّمَنِ اليَسِيرِ. ومَن لَمْ يُعْمَلْ لَهُ ذَلِكَ لا تَجِدُ شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ. وهَذا تَخْيِيلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ اه.

(ومِنها) نَوْعٌ يُسَمّى (بِالسِّيمْياءِ) بِكَسْرِ السِّينِ المُهْمَلَةِ وبَقِيَّةُ حُرُوفِهِ كَحُرُوفِ ما قَبْلَهُ. قالَ: وهو عِبارَةٌ عَمّا تَرَكَّبَ مِن خَواصَّ أرْضِيَّةٍ كَدُهْنٍ خاصٍّ، أوْ مائِعاتٍ خاصَّةٍ يَبْقى مَعَها إدْراكٌ، وقَدْ يُسْلَبُ بِالكُلِّيَّةِ إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ في الهِيمْياءِ.

(ومِنها): نَوْعٌ هو رُقًى ضارَّةٌ. قالَ: كَرُقى الجاهِلِيَّةِ وأهْلِ الهِنْدِ، ورُبَّما كانَتْ كُفْرًا. قالَ: ولِهَذا نَهى مالِكٌ عَنِ الرُّقى بِالعَجَمِيَّةِ. وقالَ ابْنُ زَكَرِيّا في شَرْحِ (النَّصِيحَةِ): ولا يُقالُ لِما يُحْدِثُ ضَرَرًا رُقًى، بَلْ ذَلِكَ يُقالُ لَهُ سِحْرٌ.

(p-٤٨)(ومِنها): قِسْمٌ يُسَمّى خَصائِصُ بَعْضِ الحَقائِقِ الَّتِي لَها تَسَلُّطٌ عَلى النُّفُوسِ. كالمُشْطِ، والمُشاقَةِ وجَفُّ طَلْعِ الذَّكَرِ مِنَ النَّخْلِ، وقِصَّةُ جُعْلِ اليَهُودِيِّ الَّذِي سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ لِما ذُكِرَ في سِحْرِهِ مَشْهُورَةٌ. وسَيَأْتِي إيضاحُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وَمِن أمْثِلَةِ هَذا النَّوْعِ عِنْدَ أهْلِهِ: أنَّ بَعْضَ أنْواعِ الكِلابِ مِن شَأْنِهِ إذا رُمِيَ بِحَجَرٍ أنْ يَعَضَّهُ، فَإذا رُمِيَ بِسَبْعِ حِجارَةٍ وعَضَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها وطُرِحَتْ تِلْكَ الحِجارَةُ في ماءٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَإنَّ السَّحَرَةَ يَزْعُمُونَ أنْ تَظْهَرَ فِيهِ آثارٌ مَخْصُوصَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَهم. قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعالى.

(ومِنها): نَوْعٌ يُسَمّى (بِالطَّلاسِمِ) وهو عِبارَةٌ عَنْ نَقْشِ أسْماءٍ خاصَّةٍ لَها تَعَلُّقٌ بِالأفْلاكِ والكَواكِبِ عَلى زَعْمِ أهْلِها في جِسْمٍ مِنَ المَعادِنِ أوْ غَيْرِها، تَحْدُثُ بِها خاصِّيَّةٌ رُبِطَتْ في مَجارِي العاداتِ، ولا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِن نَفْسٍ صالِحَةٍ لِهَذِهِ الأعْمالِ. فَإنَّ بَعْضَ النُّفُوسِ لا تَجْرِي الخاصَّةُ المَذْكُورَةُ عَلى يَدِهِ.

(ومِنها): نَوْعٌ يُسَمّى (بِالعَزائِمِ) وهم يَزْعُمُونَ أنَّ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ المَلائِكَةِ أسْماءً أُمِرُوا بِتَعْظِيمِها، ومَتى أُقْسِمَ عَلَيْهِمْ بِها أطاعُوا وأجابُوا وفَعَلُوا ما طُلِبَ مِنهم ا هـ، ولا يَخْفى ما في هَذا الزَّعْمِ مِنَ الفَسادِ.

(ومِنها): نَوْعٌ يُسَمُّونَهُ الِاسْتِخْدامَ لِلْكَواكِبِ، والجِنِّ. وأهْلُ الِاسْتِخْدَماتِ يَزْعُمُونَ أنَّ لِلْكَواكِبِ إدْراكاتٍ رُوحانِيَّةً. فَإذا قُوبِلَتَ الكَواكِبُ بِبَخُورٍ خاصٍّ ولِباسٍ خاصٍّ عَلى الَّذِي يُباشِرُ البَخُورَ، كانَتْ رُوحانِيَّةَ فَلَكِ الكَواكِبِ مُطِيعَةٌ لَهُ، مَتى ما أرادَ شَيْئًا فَعَلَتْهُ لَهُ عَلى زَعْمِهِمْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى. وهَذا النَّوْعُ مِن سِحْرِ الكِلْدانِيِّينَ المُتَقَدِّمِ. وكَذَلِكَ مُلُوكُ الجانِّ يَزْعُمُونَ أنَّهم إذا عَمِلُوا لَهم أشْياءً خاصَّةً بِكُلِّ مَلِكٍ مِن مُلُوكِهِمْ أطاعُوا وفَعَلُوا لَهم ما أرادُوا. قالَ: وشُرُوطُ هَذِهِ الأُمُورِ مُسْتَوْعَبَةٌ في كُتُبِهِمْ. وذَكَرَ مِن عُلُومِ الشَّرِّ أنْواعًا كَثِيرَةً: كالخَطِّ، والأشْكالِ، والمَوالِدِ، والقُرْعَةِ، والفَأْلِ، وعِلْمِ الكَتِفِ، والمُوسِيقى، والرَّعْدِيِّ، والكِهانَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

والخَطُّ الرَّمْلِيُّ مَعْرُوفٌ. والأشْكالُ جَمْعُ شَكْلٍ، ويُسَمّى عِلْمُها عِلْمُ الجَداوِلِ وعِلْمُ الأوْفاقِ، وهي مَعْرُوفَةٌ وهي مِنَ الباطِلِ.

والمَوالِدُ جَمْعُ مَوْلِدٍ، وهي أنْ يَدَّعِيَ مِن مَعْرِفَةِ النَّجْمِ الَّذِي كانَ طالِعًا عِنْدَ وِلادَةِ الشَّخْصِ أنَّهُ يَكُونُ سُلْطانًا أوْ عالِمًا، أوْ غَنِيًا أوْ فَقِيرًا، أوْ طَوِيلَ العُمْرِ أوْ قَصِيرَهُ، ونَحْوَ ذَلِكَ.

(p-٤٩)والقُرْعَةُ ما يُسَمُّونَهُ قُرْعَةَ الأنْبِياءِ، وحاصِلُها جَدْوَلٌ مَرْسُومٌ في بُيُوتِهِ أسْماءُ الأنْبِياءِ وأسْماءُ الطُّيُورِ. وبَعْدَ الجَدْوَلِ تَراجِمُ، لِكُلِّ اسْمٍ تَرْجَمَةٌ خاصَّةٌ بِهِ، ويُذْكَرُ فِيها أُمُورٌ مِنَ المَنافِعِ، والمَضارِّ، يُقالُ لِلشَّخْصِ غَمِّضْ عَيْنَيْكَ وضَعْ أُصْبُعَكَ في الجَدْوَلِ. فَإذا وضَعَها عَلى اسْمٍ قُرِئَتْ لَهُ تَرْجَمَتُهُ لِيَعْتَقِدَ أنَّهُ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ المَذْكُورُ مِنها. قالَ: وقَدْ عَدَّها العُلَماءُ مِن بابِ الِاسْتِقْسامِ بِالأزْلامِ.

وَمُرادُهُ بِالفَأْلِ: الفَأْلُ المُكْتَسَبُ. كَأنْ يُرِيدَ إنْسانٌ التَّزَوُّجَ أوِ السَّفَرَ مَثَلًا، فَيَخْرُجُ لِيَسْمَعَ ما يُفْهَمُ مِنهُ الإقْدامُ أوِ الإحْجامُ، ويَدْخُلُ فِيهِ النَّظَرُ في المُصْحَفِ لِذَلِكَ: ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ مِن نَوْعِ الِاسْتِقْسامِ بِالأزْلامِ. أمّا ما يُعْرَضُ مِن غَيْرِ اكْتِسابٍ كَأنْ يَسْمَعَ قائِلًا يَقُولُ: ما مُفْلِحٌ، فَلَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ كَما جاءَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ.

وَعِلْمُ الكَتِفِ: عِلْمٌ يَزْعُمُ أهْلُ الشَّرِّ، والضَّلالِ أنَّ مَن عَلِمَهُ يَكُونُ إذا نَظَرَ في أكْتافِ الغَنَمِ اطَّلَعَ عَلى أُمُورٍ مِنَ الغَيْبِ، ورُبَّما زَعَمَ المُشْتَغِلُ بِهِ أنَّ السُّلْطانَ يَمُوتُ في تارِيخِ كَذا، وأنَّهُ يَطْرَأُ رُخْصٌ أوْ غَلاءٌ أوْ مَوْتَ الأعْيانِ كالعُلَماءِ، والصّالِحِينَ، وقَدْ يَذْكُرُ شَأْنَ الكُنُوزِ أوِ الدَّفائِنِ، ونَحْوَ ذَلِكَ. والمُوسِيقى مَعْرُوفَةٌ، وكُلُّها مِنَ الباطِلِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ إلْمامٌ بِالشَّرْعِ الكَرِيمِ.

والرَّعْدِيّاتُ: عِلْمٌ يَزْعُمُ أهْلُهُ أنَّ الرَّعْدَ إذا كانَ في وقْتِ كَذا مِنَ السَّنَةِ والشَّهْرِ فَهو عَلامَةٌ عَلى أُمُورٍ غَيْبِيَّةٍ مِن جَدْبٍ وخِصْبٍ، وكَثْرَةِ الرَّواجِ في الأسْواقِ وقِلَّتِهِ، وكَثْرَةِ المَوْتِ وهَلاكِ الماشِيَةِ، وانْقِراضِ المِلْكِ ونَحْوِ ذَلِكَ. والفَرْقُ بَيْنَ العِرافَةِ والكِهانَةِ مَعَ أنَّهُما يَشْتَرِكانِ في دَعْوى الِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ: أنَّ العِرافَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالأُمُورِ الماضِيَةِ، والكِهانَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ ا ه مِنهُ.

وَعُلُومُ الشَّرِّ كَثِيرَةٌ، وقَصَدْنا بِذِكْرِ ما ذَكَرْنا مِنها التَّنْبِيهَ عَلى خِسَّتِها وقُبْحِها شَرْعًا، وأنَّ مِنها ما هو كُفْرٌ بَواحٌ، ومِنها ما يُؤَدِّي إلى الكُفْرِ، وأقَلُّ دَرَجاتِها التَّحْرِيمُ الشَّدِيدُ. وقَدْ دَلَّ بَعْضُ الأحادِيثِ، والآثارِ عَلى أنَّ العِيافَةَ، والطَّرْقَ، والطِّيَرَةَ مِنَ السِّحْرِ. وقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى ذَلِكَ في ”الأنْعامِ“ وعَنْهُ ﷺ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مَنِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ فَقَدِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زادَ ما زادَ» رَواهُ أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ. ولِلنَّسائِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «مَن عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيها فَقَدْ سَحَرَ، ومَن سَحَرَ فَقَدْ أشْرَكَ، ومَن تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إلَيْهِ» .

* *

(p-٥٠)المَسْألَةُ الرّابِعَةُ

اخْتَلَفَ العُلَماءُ في السِّحْرِ هَلْ هو حَقِيقَةٌ أوْ هو تَخْيِيلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ. والتَّحْقِيقُ أنَّ مِنهُ ما هو حَقِيقَةٌ كَما قَدَّمْنا، ومِنهُ ما هو تَخْيِيلٌ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. وهو مَفْهُومٌ مِن أقْسامِ السِّحْرِ المُتَقَدِّمَةِ في كَلامِ الرّازِيِّ، وغَيْرِهِ.

* *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ

اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن يَتَعَلَّمُ السِّحْرَ ويَسْتَعْمِلُهُ فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ يَكْفُرُ بِذَلِكَ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ مِنهم مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُ أحْمَدَ، وغَيْرُهم. وعَنْ أحْمَدَ ما يَقْتَضِي عَدَمَ كُفْرِهِ. وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ إذا تَعَلَّمَ السِّحْرَ قِيلَ لَهُ صِفْ لَنا سِحْرَكَ. فَإنْ وصَفَ ما يَسْتَوْجِبُ الكُفْرَ مِثْلَ سِحْرِ أهْلِ بابِلَ مِنَ التَّقَرُّبِ لِلْكَواكِبِ، وأنَّها تَفْعَلُ ما يَطْلُبُ مِنها فَهو كافِرٌ، وإنْ كانَ لا يُوجِبُ الكُفْرَ فَإنِ اعْتَقَدَ إباحَتَهُ فَهو كافِرٌ، وإلّا فَلا. وأقْوالُ أهْلِ العِلْمِ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: التَّحْقِيقُ في هَذِهِ المَسْألَةِ هو التَّفْصِيلُ. فَإنْ كانَ السِّحْرُ مِمّا يُعَظَّمُ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ كالكَواكِبِ، والجِنِّ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُؤَدِّي إلى الكُفْرِ فَهو كُفْرٌ بِلا نِزاعٍ، ومِن هَذا النَّوْعِ سِحْرُ هارُوتَ ومارُوتَ المَذْكُورُ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ فَإنَّهُ كُفْرٌ بِلا نِزاعٍ. كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. وإنْ كانَ السِّحْرُ لا يَقْتَضِي الكُفْرَ كالِاسْتِعانَةِ بِخَواصِّ بَعْضِ الأشْياءِ مِن دِهاناتٍ وغَيْرِها فَهو حَرامٌ حُرْمَةً شَدِيدَةً ولَكِنَّهُ لا يَبْلُغُ بِصاحِبِهِ الكُفْرَ. هَذا هو التَّحْقِيقُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ المَسْألَةِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيها العُلَماءُ.

* *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ

اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في السّاحِرِ هَلْ يُقْتَلُ بِمُجَرَّدِ فِعْلِهِ لِلسِّحْرِ واسْتِعْمالِهِ لَهُ أوْ لا ؟ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: قالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وهَلْ يُقْتَلُ بِمُجَرَّدِ فِعْلِهِ واسْتِعْمالِهِ لَهُ ؟ فَقالَ مالِكٌ وأحْمَدُ: نَعَمْ. وقالَ الشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ: لا. فَأمّا إنْ قَتَلَ بِسِحْرِهِ إنْسانًا فَإنَّهُ (p-٥١)يُقْتَلُ عِنْدَ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُقْتَلُ حَتّى يَتَكَرَّرَ مِنهُ ذَلِكَ، أوْ يُقِرَّ بِذَلِكَ في حَقِّ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ. وإذا قُتِلَ فَإنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا عِنْدَهم إلّا الشّافِعِيَّ فَإنَّهُ قالَ: يُقْتَلُ، والحالَةُ هَذِهِ قِصاصًا.

وَهَلْ إذا تابَ السّاحِرُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ ؟ فَقالَ مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ وأحْمَدُ في المَشْهُورِ عَنْهم: لا تُقْبَلُ. وقالَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ في الرِّوايَةِ الأُخْرى: تُقْبَلُ التَّوْبَةُ.

وَأمّا ساحِرُ أهْلِ الكِتابِ فَعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يُقْتَلُ كَما يُقْتَلُ السّاحِرُ المُسْلِمُ. وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ: لا يُقْتَلُ. يَعْنِي لِقِصَّةِ لَبِيدِ بْنِ الأعْصَمِ.

واخْتَلَفُوا في المُسْلِمَةِ السّاحِرَةِ. فَعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ أنَّها لا تُقْتَلُ، ولَكِنْ تُحْبَسُ. وقالَ الثَّلاثَةُ: حُكْمُها حُكْمُ الرَّجُلِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الخَلّالُ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ المَرْوَزِيُّ قالَ: قَرَأ عَلى أبِي عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - عُمَرُ بْنُ هارُونَ أخْبَرَنا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: يُقْتَلُ ساحِرُ المُسْلِمِينَ، ولا يُقْتَلُ ساحِرُ المُشْرِكِينَ. لِأنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَحَرَتْهُ امْرَأةٌ مِنَ اليَهُودِ فَلَمْ يَقْتُلْها» . وقَدْ نَقَلَ القُرْطُبِيُّ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ قالَ في الذِّمِّيِّ: يُقْتَلُ إنْ قَتَلَ بِسِحْرِهِ. وحَكى ابْنُ خُوَيْزِ مَندادٍ عَنْ مالِكٍ رِوايَتَيْنِ في الذِّمِّيِّ إذا سَحَرَ: إحْداهُما أنَّهُ يُسْتَتابُ فَإنْ أسْلَمَ وإلّا قُتِلَ: والثّانِيَةُ أنَّهُ يُقْتَلُ وإنْ أسْلَمَ.

وَأمّا السّاحِرُ المُسْلِمُ فَإنْ تَضَمَّنَ سِحْرُهُ كُفْرًا كُفِّرَ عِنْدَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، وغَيْرِهِمْ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] لَكِنْ قالَ مالِكٌ: إذا ظُهِرَ عَلَيْهِ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ. لِأنَّهُ كالزِّنْدِيقِ فَإنْ تابَ قَبْلَ أنْ يُظْهَرَ عَلَيْهِ وجاءَ تائِبًا قَبِلْناهُ. فَإنْ قَتَلَ سِحْرُهُ قُتِلَ. قالَ الشّافِعِيُّ فَإنْ قالَ لَمْ أتَعَمَّدِ القَتْلَ فَهو مُخْطِئٌ تَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.

وَقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ: وأمّا تَعَلُّمُهُ وتَعْلِيمُهُ فَحَرامٌ، فَإنْ تَضَمَّنَ ما يَقْتَضِي الكُفْرَ كُفِّرَ وإلّا فَلا. وإذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما يَقْتَضِي الكُفْرَ عُزِّرَ واسْتُتِيبَ مِنهُ، ولا يُقْتَلُ عِنْدَنا، فَإنْ تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ. وقالَ مالِكٌ: السّاحِرُ كافِرٌ يُقْتَلُ بِالسِّحْرِ، ولا يُسْتَتابُ، ولا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بَلْ يَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ: والمَسْألَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى الخِلافِ في قَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ، لِأنَّ السّاحِرَ عِنْدَهُ كافِرٌ كَما ذَكَرْنا، وعِنْدَنا لَيْسَ بِكافِرٍ، وعِنْدَنا تُقْبَلُ تَوْبَةُ المُنافِقِ، والزِّنْدِيقِ. وقالَ القاضِي عِياضٌ: وبِقَوْلِ مالِكٍ قالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، والتّابِعِينَ. قالَ أصْحابُنا: فَإذا قَتَلَ السّاحِرُ بِسِحْرِهِ إنْسانًا واعْتَرَفَ أنَّهُ ماتَ بِسِحْرِهِ وأنَّهُ يَقْتُلُ غالِبًا لَزِمَهُ القِصاصُ. وإنْ قالَ ماتَ بِهِ ولَكِنَّهُ قَدْ يَقْتُلُ وقَدْ لا يَقْتُلُ فَلا قِصاصَ، وتَجِبُ الدِّيَةُ في مالِهِ (p-٥٢)لا عَلى عاقِلَتِهِ. لِأنَّ العاقِلَةَ لا تَحْمِلُ ما ثَبَتَ بِاعْتِرافِ الجانِي. وقالَ أصْحابُنا: ولا يُتَصَوَّرُ القَتْلُ بِالسِّحْرِ بِالبَيِّنَةِ، وإنَّما يُتَصَوَّرُ بِاعْتِرافِ السّاحِرِ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُ النَّوَوِيُّ.

وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي في الكَلامِ عَلى قَوْلِ البُخارِيِّ: (بابُ السِّحْرِ) وقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]: وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ ومُتَعَلِّمُهُ كافِرٌ، وهو واضِحٌ في بَعْضِ أنْواعِهِ الَّتِي قَدَّمْتُها، وهو التَّعَبُّدُ لِلشَّياطِينِ أوِ الكَواكِبِ. وأمّا النَّوْعُ الآخَرُ الَّذِي هو مِن بابِ الشَّعْوَذَةِ فَلا يَكْفُرُ مَن تَعَلَّمَهُ أصْلًا.

قالَ النَّوَوِيُّ. عَمَلُ السِّحْرِ حَرامٌ، وهو مِنَ الكَبائِرِ بِالإجْماعِ، وقَدْ عَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ السَّبْعِ المُوبِقاتِ، ومِنهُ ما يَكُونُ كُفْرًا. ومِنهُ ما لا يَكُونُ كُفْرًا، بَلْ مَعْصِيَةً كَبِيرَةً. فَإنْ كانَ فِيهِ قَوْلٌ أوْ فِعْلٌ يَقْتَضِي الكُفْرَ فَهو كُفْرٌ وإلّا فَلا. وأمّا تَعَلُّمُهُ وتَعْلِيمُهُ فَحَرامٌ، إلى آخِرِ كَلامِ النَّوَوِيِّ الَّذِي ذَكَرْناهُ عَنْهُ آنِفًا. ثُمَّ إنَّ ابْنَ حَجَّةَ لَمّا نَقَلَهُ عَنْهُ قالَ: وفي المَسْألَةِ اخْتِلافٌ كَبِيرٌ وتَفاصِيلُ لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ بَسْطِها ا ه.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: التَّحْقِيقُ في هَذِهِ المَسْألَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أنَّ السِّحْرَ نَوْعانِ كَما تَقَدَّمَ ؟ مِنهُ ما هو كُفْرٌ، ومِنهُ ما لا يَبْلُغُ بِصاحِبِهِ الكُفْرَ، فَإنْ كانَ السّاحِرُ اسْتَعْمَلَ السِّحْرَ الَّذِي هو كُفْرٌ فَلا شَكَّ في أنَّهُ يُقْتَلُ كُفْرًا ؟ لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ» .

وَأظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي في اسْتِتابَتِهِ أنَّهُ يُسْتَتابُ، فَإنْ تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ. وقَدْ بَيَّنْتُ في كِتابِي (دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ أنَّ أظْهَرَ القَوْلَيْنِ دَلِيلًا أنَّ الزِّنْدِيقَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ ؟ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ نَبِيَّهُ، ولا أُمَّتَهُ ﷺ بِالتَّنْقِيبِ عَنْ قُلُوبِ النّاسِ ؟ بَلْ بِالِاكْتِفاءِ بِالظّاهِرِ. وما يُخْفُونَهُ في سَرائِرِهِمْ أمْرُهُ إلى اللَّهِ تَعالى. خِلافًا لِلْإمامِ مالِكٍ وأصْحابِهِ القائِلِينَ بِأنَّ السّاحِرَ لَهُ حُكْمُ الزِّنْدِيقِ. لِأنَّهُ مُسْتَمِرٌّ بِالكُفْرِ، والزِّنْدِيقُ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ عِنْدَهُ إلّا إذا جاءَ تائِبًا قَبْلَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ. وأظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي: أنَّ المَرْأةَ السّاحِرَةَ حُكْمُها حُكْمُ الرَّجُلِ السّاحِرِ وأنَّها إنْ كَفَرَتْ بِسِحْرِها قُتِلَتْ كَما يُقْتَلُ الرَّجُلُ. لِأنَّ لَفْظَةَ ”مَن“ في قَوْلِهِ: «مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ» تَشْمَلُ الأُنْثى عَلى أظْهَرِ القَوْلَيْنِ وأصَحِّهِما إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ومِنَ الأدِلَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ الآيَةَ [النساء: ١٢٤] . فَأدْخَلَ الأُنْثى في لَفْظَةِ ”مَن“ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٢٤]، وقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٣٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وإلى هَذِهِ المَسْألَةِ الَّتِي هي شُمُولُ لَفْظَةِ ”مَن“ في الكِتابِ، والسُّنَّةِ (p-٥٣)لِلْأُنْثى أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:

؎وَما شُمُولُ مَن لِلْأُنْثى جَنَفٌ وفي شَيْبِهِ المُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا

وَأمّا إنْ كانَ السّاحِرُ عَمِلَ السِّحْرَ الَّذِي لا يَبْلُغُ بِصاحِبِهِ الكُفْرَ، فَهَذا هو مَحَلُّ الخِلافِ بَيْنَ العُلَماءِ. فالَّذِينَ قالُوا يُقْتَلُ ولَوْ لَمْ يَكْفُرْ بِسِحْرِهِ قالَ أكْثَرُهم: يُقْتَلُ حَدًّا ولَوْ قَتَلَ إنْسانًا بِسِحْرِهِ، وانْفَرَدَ الشّافِعِيُّ في هَذِهِ الصُّورَةِ بِأنَّهُ يُقْتَلُ قِصاصًا لا حَدًّا.

وَهَذِهِ حُجَجُ الفَرِيقَيْنِ ومُناقَشَتُها:

أمّا الَّذِينَ قالُوا مُطْلَقًا إذا عَمِلَ بِسِحْرِهِ ولَوْ لَمْ يَقْتُلْ بِهِ أحَدًا فاسْتَدَلُّوا بِآثارٍ عَنِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وبِحَدِيثٍ جاءَ بِذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَصِحَّ. فَمِنَ الآثارِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ما رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في كِتابِ (الجِهادُ في بابِ الجِزْيَةِ): حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنا سُفْيانُ قالَ: سَمِعْتُ عَمْرًا قالَ: كُنْتُ جالِسًا مَعَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ وعَمْرِو بْنِ أوْسٍ فَحَدَّثَهُما بَجالَةُ سَنَةَ سَبْعِينَ عامَ حَجَّ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ بِأهْلِ البَصْرَةِ عِنْدَ دَرَجِ زَمْزَمَ قالَ: كُنْتُ كاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعاوِيَةَ عَمِّ الأحْنَفِ، فَأتانا كِتابُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: اقْتُلُوا كُلَّ ساحِرٍ، وفَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنَ المَجُوسِ قالَ: فَقَتَلْنا في يَوْمٍ واحِدٍ ثَلاثَ سَواحِرَ وفَرَّقْنا بَيْنَ المَحارِمِ مِنهم. ورَواهُ أيْضًا أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ. واعْلَمْ أنَّ لَفْظَةَ ”اقْتُلُوا كُلَّ ساحِرٍ“ إلَخْ في هَذا الأثَرِ ساقِطَةٌ في بَعْضِ رِواياتِ البُخارِيِّ، ثابِتَةٌ في بَعْضِها، وهي ثابِتَةٌ في رِوايَةِ مُسَدَّدِ وأبِي يَعْلى. قالَهُ في الفَتْحِ.

وَمِنَ الآثارِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ أيْضًا ما رَواهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرارَةَ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَتَلَتْ جارِيَةً لَها سَحَرَتْها، وقَدْ كانَتْ دَبَّرَتْها فَأمَرَتْ بِها فَقُتِلَتْ. قالَ مالِكٌ: السّاحِرُ الَّذِي يَعْمَلُ السِّحْرَ ولَمْ يَعْمَلْ ذَلِكَ لَهُ غَيْرُهُ هو مِثْلُ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى في كِتابِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] فَأرى أنْ يُقْتَلَ ذَلِكَ إذا عَمِلَ ذَلِكَ مِن نَفْسِهِ انْتَهى مِنَ المُوَطَّأِ.

وَنَحْوَهُ أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ. ومِنَ الآثارِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ما رَواهُ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ الكَبِيرِ: حَدَّثَنا إسْحاقُ. حَدَّثَنا خالِدٌ الواسِطِيُّ، عَنْ خالِدٍ الحَذّاءِ، عَنْ أبِي عُثْمانَ: كانَ عِنْدَ الوَلِيدِ رَجُلٌ يَلْعَبُ فَذَبَحَ إنْسانًا وأبانَ رَأْسَهُ، فَجاءَ جُنْدَبٌ الأزْدِيُّ فَقَتَلَهُ. حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنا هُشَيْمٌ عَنْ خالِدٍ عَنْ أبِي عُثْمانَ عَنْ جُنْدَبٍ البَجَلِيِّ: أنَّهُ قَتَلَهُ. حَدَّثَنا مُوسى قالَ حَدَّثَنا عَبْدُ الواحِدِ عَنْ عاصِمٍ عَنْ أبِي عُثْمانَ: قَتَلَهُ جُنْدَبُ بْنُ كَعْبٍ.

وَفِي (فَتْحِ المَجِيدِ شَرْحِ كِتابِ التَّوْحِيدِ) لِلْعَلّامَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ أشارَ لِكَلامِ البُخارِيِّ في (p-٥٤)التّارِيخِ الَّذِي ذَكَرْنا، ورَواهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مُطَوَّلًا، وفِيهِ: فَأمَرَ بِهِ الوَلِيدُ فَسُجِنَ. فَذَكَرَ القِصَّةَ بِتَمامِها ولَها طُرُقٌ كَثِيرَةٌ انْتَهى مِنهُ.

فَهَذِهِ آثارٌ عَنْ ثَلاثَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَتْلِ السّاحِرِ: وهم عُمَرُ وابْنَتُهُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ حَفْصَةٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم جَمِيعًا، وجُنْدَبٌ ولَمْ يُعْلَمْ لَهم مُخالِفٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. ويُعْتَضَدُ ذَلِكَ بِما رَواهُ لِلتِّرْمِذِيِّ، والدّارَقُطْنِيِّ عَنْ جُنْدَبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «حَدُّ السّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ» . وضَعَّفَ التِّرْمِذِيُّ إسْنادَ هَذا الحَدِيثِ وقالَ: الصَّحِيحُ عَنْ جُنْدَبٍ مَوْقُوفٌ، وتَضْعِيفُهُ بِأنَّ في إسْنادِهِ إسْماعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ المَكِّيُّ وهو يَضْعُفُ في الحَدِيثِ. وقالَ في (فَتْحِ المَجِيدِ) أيْضًا في الكَلامِ عَلى حَدِيثِ جُنْدَبٍ المَذْكُورِ: رَوى ابْنُ السَّكَنِ مِن حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «يُضْرَبُ ضَرْبَةً واحِدَةً فَيَكُونُ أُمَّةً وحْدَهُ» ا ه مِنهُ.

وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ تَضْعِيفَهُ بِإسْماعِيلَ المَذْكُورِ: قُلْتُ قَدْ رَواهُ الطَّبَرانِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنِ الحَسَنِ عَنْ جُنْدَبٍ مَرْفُوعًا ا ه. وهَذا يُقَوِّيهِ كَما تَرى.

فَهَذِهِ الآثارُ الَّتِي لَمْ يُعْلَمْ أنَّ أحَدًا مِنَ الصَّحابَةِ أنْكَرَها عَلى مَن عَمِلَ بِها مَعَ اعْتِضادِها بِالحَدِيثِ المَرْفُوعِ المَذْكُورِ هي حُجَّةُ مَن قالَ بِقَتْلِهِ مُطْلَقًا. والآثارُ المَذْكُورَةُ والحَدِيثُ فِيهِما الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ يُقْتَلُ ولَوْ لَمْ يَبْلُغْ بِهِ سِحْرُهُ الكُفْرَ. لِأنَّ السّاحِرَ الَّذِي قَتَلَهُ جُنْدَبٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ سِحْرُهُ مِن نَحْوِ الشَّعْوَذَةِ، والأخْذِ بِالعُيُونِ، حَتّى إنَّهُ يُخَيَّلُ إلَيْهِمْ أنَّهُ أبانَ رَأْسَ الرَّجُلِ، والواقِعُ بِخِلافِ ذَلِكَ. وقَوْلُ عُمَرَ ”اقْتُلُوا كُلَّ ساحِرٍ“ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لِصِيغَةِ العُمُومِ. ومِمَّنْ قالَ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآثارِ وهَذا الحَدِيثِ: مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وابْنُ عُمَرَ، وحَفْصَةٌ، وجُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وجُنْدَبُ بْنُ كَعْبٍ، وقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ. وغَيْرُهم، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدامَةَ في (المُغْنِي) خِلافًا لِلشّافِعِيِّ، وابْنِ المُنْذِرِ ومَن وافَقَهُما.

واحْتَجَّ مَن قالَ: بِأنَّهُ إنْ كانَ سِحْرُهُ لَمْ يَبْلُغْ بِهِ الكُفْرَ لا يُقْتَلُ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ ”«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ. . .“» الحَدِيثَ، وقَدْ قَدَّمْناهُ مِرارًا. ولَيْسَ السِّحْرُ الَّذِي لَمْ يَكْفُرْ صاحِبُهُ مِنَ الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ مُنْتَصِرًا لِهَذا القَوْلِ: وهَذا صَحِيحٌ، ودِماءُ المُسْلِمِينَ مَحْظُورَةٌ لا تُسْتَباحُ إلّا بِيَقِينٍ، ولا يَقِينَ مَعَ الِاخْتِلافِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

واحْتَجُّوا أيْضًا بِأنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها باعَتْ مُدَبَّرَةً لَها سَحَرَتْها، ولَوْ وجَبَ قَتْلُها (p-٥٥)لَما حَلَّ بَيْعُها. قالَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهُ. وما حاوَلَهُ بَعْضُهم مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الأدِلَّةِ المَذْكُورَةِ بِحَمْلِ السِّحْرِ عَلى الَّذِي يَقْتَضِي الكُفْرَ في قَوْلِ مَن قالَ بِالقَتْلِ، وحَمْلِهِ عَلى الَّذِي لا يَقْتَضِي الكُفْرَ في قَوْلِ مَن قالَ بِعَدَمِ القَتْلِ لا يَصِحُّ. لِأنَّ الآثارَ الوارِدَةَ في قَتْلِهِ جاءَتْ بِقَتْلِ السّاحِرِ الَّذِي سَحَرَهُ مِن نَوْعِ الشَّعْوَذَةِ كَساحِرِ جُنْدَبٍ الَّذِي قَتَلَهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي الكُفْرَ المُخْرِجَ مِن مِلَّةِ الإسْلامِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. فالجَمْعُ غَيْرُ مُمْكِنٍ. وعَلَيْهِ فَيَجِبُ التَّرْجِيحُ، فَبَعْضُهم يُرَجِّحُ عَدَمَ القَتْلِ بِأنَّ دِماءَ المُسْلِمِينَ حَرامٌ إلّا بِيَقِينٍ. وبَعْضُهم يُرَجِّحُ القَتْلَ بِأنَّ أدِلَّتَهُ خاصَّةٌ، ولا يَتَعارَضُ عامٌّ وخاصٌّ. لِأنَّ الخاصَّ يَقْضِي عَلى العامِّ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ الأُصُولِ كَما هو مُقَرَّرٌ في مَحَلِّهِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ السّاحِرَ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ بِهِ سِحْرُهُ الكُفْرَ ولَمْ يَقْتُلْ بِهِ إنْسانًا أنَّهُ لا يُقْتَلُ. لِدَلالَةِ النُّصُوصِ القَطْعِيَّةِ، والإجْماعِ عَلى عِصْمَةِ دِماءِ المُسْلِمِينَ عامَّةً إلّا بِدَلِيلٍ واضِحٍ. وقَتْلُ السّاحِرِ الَّذِي لَمْ يَكْفُرْ بِسِحْرِهِ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، والتَّجَرُّؤُ عَلى دَمِ مُسْلِمٍ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ صَحِيحٍ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ مَرْفُوعَةٍ غَيْرُ ظاهِرٍ عِنْدِي. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، مَعَ أنَّ القَوْلَ بِقَتْلِهِ مُطْلَقًا قَوِيٌّ جِدًّا لِفِعْلِ الصَّحابَةِ لَهُ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ.

* *

المَسْألَةُ السّابِعَةُ

اعْلَمْ أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في تَعَلُّمِ السِّحْرِ مِن غَيْرِ عَمَلٍ بِهِ. هَلْ يَجُوزُ أوْ لا ؟، والتَّحْقِيقُ وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ: هو أنَّهُ لا يَجُوزُ، ومِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ في ذَلِكَ تَصْرِيحُهُ تَعالى بِأنَّهُ يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ في قَوْلِهِ: ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم [البقرة: ١٠٢] وإذا أثْبَتَ اللَّهُ أنَّ السِّحْرَ ضارٌّ ونَفى أنَّهُ نافِعٌ فَكَيْفَ يَجُوزُ تَعَلُّمُ ما هو ضَرَرٌ مَحْضٌ لا نَفْعَ فِيهِ ؟ !

وَجَزَمَ الفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ بِأنَّهُ جائِزٌ بَلْ واجِبٌ. قالَ ما نَصُّهُ:

(المَسْألَةُ الخامِسَةُ) في أنَّ العِلْمَ بِالسِّحْرِ غَيْرُ قَبِيحٍ، ولا مَحْظُورٍ، اتَّفَقَ المُحَقِّقُونَ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ العِلْمَ لِذاتِهِ شَرِيفٌ، وأيْضًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، ولِأنَّ السِّحْرَ لَوْ لَمْ يَكُنْ يُعْلَمُ لَما أمْكَنَ الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُعْجِزَةِ، والعِلْمُ بِكَوْنِ المُعْجِزِ مُعْجِزًا واجِبٌ، وما يَتَوَقَّفُ الواجِبُ عَلَيْهِ فَهو واجِبٌ، فَهَذا (p-٥٦)يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ تَحْصِيلُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ واجِبًا، وما يَكُونُ واجِبًا كَيْفَ يَكُونُ حَرامًا وقَبِيحًا. انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English