Аш-ШинкитиТа Ха · 20:87–93

Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском

Та Ха 20:87–93

20:87Страница 317

قَالُواْ مَآ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ بِمَلۡكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا مِّن زِينَةِ ٱلۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلۡقَى ٱلسَّامِرِيُّ ٨٧

Они сказали: «Мы не нарушали данного тебе обещания по своей воле. Мы были нагружены тяжелыми украшениями того народа и бросили их в огонь, и самаритянин тоже бросил».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ .

قَرَأ هَذا الحَرْفَ أبُو عَمْرٍو وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ حَمَلْنا بِفَتْحِ الحاءِ، والمِيمِ المُخَفَّفَةِ مُبَيِّنًا لِلْفاعِلِ مُجَرَّدًا. وقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”حُمِّلْنا“ بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ المِيمِ المُشَدَّدَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. و ”نا“ عَلى القِراءَةِ الأُولى فاعِلُ ”حَمَلَ“ وعَلى الثّانِيَةِ نائِبُ فاعِلِ ”حُمِّلَ“ بِالتَّضْعِيفِ. والأوْزارُ في قَوْلِهِ أوْزارًا قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْناها الأثْقالُ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْناها الآثامُ. ووَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ أنَّها أحْمالٌ مِن حُلِيِّ القِبْطِ الَّذِي اسْتَعارُوهُ مِنهم. ووَجْهُ الثّانِي أنَّها آثامٌ وتَبِعاتٌ. لِأنَّهم كانُوا مَعَهم في حُكْمِ المُسْتَأْمَنِينَ في دارِ الحَرْبِ، ولَيْسَ لِلْمُسْتَأْمَنِ أنْ يَأْخُذَ مالَ الحَرْبِيِّ، ولِأنَّ الغَنائِمَ لَمْ تَكُنْ تَحِلُّ لَهم. والتَّعْلِيلُ الأخِيرُ أقْوى.

وَقَوْلُهُ: ﴿مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ المُرادُ بِالزِّينَةِ الحُلِيُّ، كَما يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ ألَمْ [الأعراف: ١٤٨] أيْ: ألَقَيْناها وطَرَحْناها في النّارِ الَّتِي أوْقَدَها السّامِرِيُّ في الحُفْرَةِ، وأمَرَنا أنْ نَطْرَحَ الحُلِيَّ فِيها. وأظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي في ذَلِكَ: هو أنَّهم جَعَلُوا جَمِيعَ الحُلِيِّ في النّارِ لِيَذُوبَ فَيَصِيرَ قِطْعَةً واحِدَةً. لِأنَّ ذَلِكَ أسْهَلُ لِحِفْظِهِ حَتّى يَرى نَبِيَّ اللَّهِ مُوسى فِيهِ رَأْيَهُ. والسّامِرِيُّ يُرِيدُ تَدْبِيرَ خُطَّةٍ لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَيْها. وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا جاءَ جِبْرِيلُ لِيَذْهَبَ بِمُوسى إلى المِيقاتِ وكانَ عَلى فَرَسٍ، أخَذَ السّامِرِيُّ تُرابًا مَسَّهُ حافِرُ تِلْكَ الفَرَسِ، ويَزْعُمُونَ في القِصَّةِ أنَّهُ عايَنَ مَوْضِعَ أثَرِها يَنْبُتُ فِيهِ النَّباتُ، فَتَفَرَّسَ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ فِيها خاصِّيَّةَ الحَياةِ، فَأخَذَ تِلْكَ القَبْضَةَ مِنَ التُّرابِ واحْتَفَظَ بِها، فَلَمّا أرادُوا أنْ يَطْرَحُوا الحُلِيَّ في النّارِ لِيَجْعَلُوهُ قِطْعَةً واحِدَةً أوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ وجَعَلُوهُ فِيها، ألْقى السّامِرِيُّ عَلَيْهِ تِلْكَ القَبْضَةَ مِنَ التُّرابِ المَذْكُورَةَ، وقالَ لَهُ: كُنْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ. فَجَعَلَهُ اللَّهُ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ. فَقالَ لَهم: هَذا العِجْلُ هو إلاهُكم وإلَهُ مُوسى، كَما يُشِيرُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ مُوسى: ﴿قالَ فَما خَطْبُكَ ياسامِرِيُّ﴾ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه: ٥٩] .

(p-٨٤)وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ هو مِن بَقِيَّةِ اعْتِذارِهِمُ الفاسِدِ البارِدِ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِذارَ مِنَ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ لا مَن غَيْرِهِمْ، ولا يَبْعُدُ مَعَهُ احْتِمالُ أنَّهُ مِن غَيْرِهِمْ. لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ما يُعَيِّنُ كَوْنَ الِاعْتِذارِ مِنهم تَعَيُّنًا غَيْرَ مُحْتَمَلٍ. ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا العُذْرَ عُذْرٌ لا وجْهَ لَهُ عَلى كُلِّ حالٍ.

وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَنَسِيَ أيْ: نَسِيَ مُوسى إلَهَهُ هُنا وذَهَبَ يَطْلُبُهُ في مَحَلٍّ آخَرَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في حَدِيثِ الفُتُونِ. وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ فَنَسِيَ أيْ: نَسِيَ أنْ يُذَكِّرَكم بِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا فَنَسِيَ أيِ: السّامِرِيُّ ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ، وصارَ كافِرًا بِادِّعاءِ أُلُوهِيَّةِ العِجْلِ وعِبادَتِهِ.

20:88Страница 318

فَأَخۡرَجَ لَهُمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٞ فَقَالُواْ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمۡ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ ٨٨

Он изготовил для них изваяние тельца, который мычал, и сказал: «Вот ваш бог и бог Мусы (Моисея), но он забыл его».

К этому аяту нет толкования

20:89Страница 318

أَفَلَا يَرَوۡنَ أَلَّا يَرۡجِعُ إِلَيۡهِمۡ قَوۡلٗا وَلَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا ٨٩

Неужели они не видели, что он не говорил им в ответ ни слова и не был способен навредить им или принести им пользу?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ .

بَيَّنَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ سَخافَةَ عُقُولِ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، وكَيْفَ عَبَدُوا ما لا يَقْدِرُ عَلى رَدِّ الجَوابِ لِمَن سَألَهُ، ولا يَمْلِكُ نَفْعًا لِمَن عَبَدَهُ، ولا ضَرًّا لِمَن عَصاهُ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْبُودَ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عاجِزًا عَنِ النَّفْعِ، والضَّرَرِ ورَدِّ الجَوابِ. وقَدْ بَيَّنَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“ في القِصَّةِ بِعَيْنِها: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨] ولا شَكَّ أنَّ مَنِ اتَّخَذَ مَن لا يُكَلِّمُهُ، ولا يَهْدِيهِ سَبِيلًا إلَهًا أنَّهُ مِن أظْلَمِ الظّالِمِينَ. ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] وقَوْلُهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا: ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: ٧٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وَإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكم ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكم ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣] . وقَدْ قَدَّمْنا (p-٨٥)الكَلامَ مُسْتَوْفًى في هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الَّتِي بَعْدَها أداةُ عَطْفٍ كالفاءِ، والواوِ، كَقَوْلِهِ هُنا: أفَلا يَرَوْنَ فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وقَرَأ هَذا الحَرْفَ جَماهِيرُ القُرّاءِ ألّا يَرْجِعُ بِالرَّفْعِ لِأنَّ ”أنْ“ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّها مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ تَصْرِيحُهُ تَعالى بِالثَّقِيلَةِ في قَوْلِهِ في المَسْألَةِ بِعَيْنِها في ”الأعْرافِ“: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٤٨] ورَأى في آيَةِ ”طه، والأعْرافِ“ عَلَمِيَّةٌ عَلى التَّحْقِيقِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ عِلْمًا يَقِينًا أنَّ ذَلِكَ العِجْلَ المَصُوغَ مِنَ الحُلِيِّ لا يَنْفَعُ، ولا يَضُرُّ، ولا يَتَكَلَّمُ.

واعْلَمْ أنَّ المُقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّ: ”أنْ“ لَها ثَلاثُ حالاتٍ: الأُولى أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ قَوْلًا واحِدًا. ولا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”أنْ“ المَصْدَرِيَّةَ النّاصِبَةَ لِلْفِعْلِ المُضارِعِ. وضابِطُ هَذِهِ: أنْ تَكُونَ بَعْدَ فِعْلِ العِلْمِ وما جَرى مَجْراهُ مِنَ الأفْعالِ الدّالَّةِ عَلى اليَقِينِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى﴾ [المزمل: ٢٠]، وقَوْلِهِ: ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ الآيَةَ [الجن: ٢٨]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎واعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ ما قُدِّرا

وَقَوْلِ الآخَرِ:

؎فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ∗∗∗ أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ

وَإذا جاءَ بَعْدَ هَذِهِ المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ فِعْلٌ مُضارِعٌ فَإنَّهُ يُرْفَعُ، ولا يُنْصَبُ كَقَوْلِهِ:

؎عَلِمُوا أنْ يُؤَمَّلُونَ فَجادُوا ∗∗∗ قَبْلَ أنْ يُسْألُوا بِأعْظَمِ سُؤْلِ

وَ ”أنْ“ هَذِهِ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ يَكُونُ اسْمُها مُسْتَكِنًّا غالِبًا، والأغْلَبُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ. وقِيلَ لا يَكُونُ إلّا ضَمِيرَ الشَّأْنِ، وخَبَرُها الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَها، كَما أشارَ إلى ذَلِكَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:

؎وَإنْ تُخَفَّفْ أنَّ فاسْمُها اسْتَكَنْ ∗∗∗ والخَبَرُ اجْعَلْ جُمْلَةً مِن بَعْدِ أنْ

وَما سُمِعَ في شِعْرِ العَرَبِ مِن بُرُوزِ اسْمِها في حالِ كَوْنِهِ غَيْرَ ضَمِيرِ الشَّأْنِ فَمِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ. كَقَوْلِ جَنُوبَ أُخْتِ عَمْرِو ذِي الكَلْبِ:

؎لَقَدْ عَلِمَ الضَّيْفُ والمُرْمِلُونَ ∗∗∗ إذا اغْبَرَّ أُفْقٌ وهَبَّتْ شَمالًا

؎بِأنَّكَ رَبِيعٌ وغَيْثٌ مُرْبِعٌ ∗∗∗ وأنَّكَ هُناكَ تَكُونُ الثِّمالا

وَقَوْلِ الآخَرِ:

؎فَلَوْ أنَّكِ في يَوْمِ الرَّخاءِ سَألْتِنِي ∗∗∗ طَلاقَكِ لَمْ أبْخَلْ وأنْتِ صَدِيقُ

(p-٨٦)الحالَةُ الثّانِيَةُ أنْ تَكُونَ مُحْتَمِلَةً لِكَوْنِها المَصْدَرِيَّةَ النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ. ومُحْتَمِلَةً لِأنْ تَكُونَ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ.

وَإنْ جاءَ بَعْدَها فِعْلٌ مُضارِعٌ جازَ نَصْبُهُ لِلِاحْتِمالِ الأوَّلِ، ورَفْعُهُ لِلِاحْتِمالِ الثّانِي، وعَلَيْهِ القِراءَتانِ السَّبْعِيَّتانِ في قَوْلِهِ ﴿وَحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [ ٥ ]، بِنَصْبِ ”تَكُونَ“ ورَفْعِهِ، وضابِطُ ”أنْ“ هَذِهِ أنْ تَكُونَ بَعْدَ فِعْلٍ يَقْتَضِي الظَّنَّ ونَحْوِهِ مِن أفْعالِ الرُّجْحانِ. وإذا لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَها وبَيْنَ الفِعْلِ فاصْلٌ فالنَّصْبُ أرْجَحُ، ولِذا اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى النَّصْبِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٢] وقِيلَ: إنَّ ”أنْ“ الواقِعَةَ بَعْدَ الشَّكِّ لَيْسَ فِيها إلّا النَّصْبُ. نَقَلَهُ الصَّبّانُ في حاشِيَتِهِ عَنْ أبِي حَيّانَ بِواسِطَةِ نَقْلِ السُّيُوطِيِّ.

الحالَةُ الثّالِثَةُ: أنْ تَكُونَ ”أنْ“ لَيْسَتْ بَعْدَ ما يَقْتَضِي اليَقِينَ، ولا الظَّنَّ ولَمْ يَجْرِ مَجْراهُما، فَهي المَصْدَرِيَّةُ النّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ المُضارِعِ قَوْلًا واحِدًا. وإلى الحالاتِ الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ أشارَ بِقَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:

؎وَبِلَنِ انْصِبْهُ وكَيْ كَذا بِأنْ ∗∗∗ لا بَعْدَ عِلْمٍ والَّتِي مِن بَعْدِ ظَنَّ

؎فانْصِبْ بِها والرَّفْعَ صَحِّحْ واعْتَقِدْ ∗∗∗ تَخَفِيفَها مِن أنَّ فَهْوَ مُطَّرِدْ

* *

تَنْبِيهٌ

قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا أنَّ العِجْلَ لَوْ كانَ يُكَلِّمُهم لَكانَ إلَهًا. لِأنَّ الشَّيْءَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا بِشُرُوطٍ كَثِيرَةٍ، فَفَواتُ واحِدٍ مِنها يَقْتَضِي فَواتَ المَشْرُوطِ، ولَكِنَّ حُصُولَ الواحِدِ فِيها لا يَقْتَضِي حُصُولَ المَشْرُوطِ انْتَهى كَلامُهُ.

وَما ذَكَرَهُ مُقَرَّرٌ في الأُصُولِ. فَكُلُّ ما تَوَقَّفَ عَلى شَرْطَيْنِ فَصاعِدًا لا يَحْصُلُ إلّا بِحُصُولِ جَمِيعِ الشُّرُوطِ. فَلَوْ قُلْتَ لِعَبْدِكَ: إنْ صامَ زَيْدٌ وصَلّى وحَجَّ فَأعْطِهِ دِينارًا. لَمْ يَجُزْ لَهُ إعْطاؤُهُ الدِّينارَ إلّا بِالشُّرُوطِ الثَّلاثَةِ. ومَحَلُّ هَذا ما لَمْ يَكُنْ تَعْلِيقُ الشُّرُوطِ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ فَإنَّهُ يَكْفِي فِيهِ واحِدٌ. فَلَوْ قُلْتَ لِعَبْدِكَ: إنْ صامَ زَيْدٌ أوْ صَلّى فَأعْطِهِ دِرْهَمًا. فَإنَّهُ يَسْتَوْجِبُ إعْطاءَ الدِّرْهَمِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ. وإلى هَذِهِ المَسْألَةِ أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ في مَبْحَثِ المُخَصَّصاتِ المُتَّصِلَةِ بِقَوْلِهِ:

؎وَإنْ تَعَلَّقَ عَلى شَرْطَيْنِ شَيْءٌ فَبِالحُصُولِ لِلشَّرْطَيْنِ

؎وَما عَلى البَدَلِ قَدْ تَعَلَّقا ∗∗∗ فَبِحُصُولِ واحِدٍ تَحَقَّقا

وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وقَدْ تَقَدَّمَ في حَدِيثِ الفُتُونِ عَنِ (p-٨٧)الحَسَنِ البَصْرِيِّ: أنَّ هَذا العِجْلَ اسْمُهُ يَهْمُوتِ. وحاصِلُ ما اعْتَذَرَ بِهِ هَؤُلاءِ الجَهَلَةُ: أنَّهم تَوَرَّعُوا عَنْ زِينَةِ القِبْطِ فَألْقَوْها عَنْهم وعَبَدُوا العِجْلَ، فَتَوَرَّعُوا عَنِ الحَقِيرِ وفَعَلُوا الأمْرَ الكَبِيرَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍ: أنَّهُ سَألَهُ رَجُلٌ مِن أهْلِ العِراقِ عَنْ دَمِ البَعُوضِ إذا أصابَ الثَّوْبَ. يَعْنِي هَلْ يُصَلِّي فِيهِ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: انْظُرُوا إلى أهْلِ العِراقِ قَتَلُوا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (يَعْنِي الحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) وهم يَسْألُونَ عَنْ دَمِ البَعُوضَةِ انْتَهى مِنهُ.

20:90Страница 318

وَلَقَدۡ قَالَ لَهُمۡ هَٰرُونُ مِن قَبۡلُ يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوٓاْ أَمۡرِي ٩٠

Харун (Аарон) сказал им до этого: «О мой народ! Вас искушают этим. Ваш Господь - Милостивый. Следуйте за мной и повинуйтесь моим велениям».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ ياقَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ .

بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا فَتَنَهُمُ السّامِرِيُّ وأضَلَّهم بِعِبادَةِ العِجْلِ، نَصَحَهم نَبِيُّ اللَّهِ هارُونُ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَيَّنَ لَهم أنَّ عِبادَتَهُمُ العِجْلَ فِتْنَةٌ فُتِنُوا بِها. أيْ: كُفْرٌ وضَلالٌ ارْتَكَبُوهُ بِذَلِكَ، وبَيَّنَ لَهم أنَّ رَبَّهُمُ الرَّحْمَنُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ جَلَّ وعَلا، وأنَّ عِجْلًا مُصْطَنَعًا مِن حُلِيٍّ لا يَعْبُدُهُ إلّا مَفْتُونٌ ضالٌّ كافِرٌ. وأمَرَهم بِاتِّباعِهِ في تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، والوَفاءِ بِمَوْعِدِ مُوسى عَلَيْهِما وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنْ يُطِيعُوهُ في ذَلِكَ. فَصارَحُوهُ بِالتَّمَرُّدِ، والعِصْيانِ، والدَّيْمُومَةِ عَلى الكُفْرِ حَتّى يَرْجِعَ مُوسى. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَلَغَ مَعَهم غايَةَ جُهْدِهِ وطاقَتِهِ، وأنَّهُمُ اسْتَضْعَفُوهُ وتَمَرَّدُوا عَلَيْهِ ولَمْ يُطِيعُوهُ.

وَقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿قالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٠]، . فَقَوْلُهُ عَنْهم في خِطابِهِمْ لَهُ ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى اسْتِضْعافِهِمْ لَهُ وتَمَرُّدِهِمْ عَلَيْهِ المُصَرَّحِ بِهِ في ”الأعْرافِ“ كَما بَيَّنّا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ الكَرِيماتِ ما نَصُّهُ: وسُئِلَ الإمامُ أبُو بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيُّ: ما يَقُولُ سَيِّدُنا الفَقِيهُ في مَذْهَبِ الصُّوفِيَّةِ ؟ واعْلَمْ حَرَسَ اللَّهُ مُدَّتَهُ: أنَّهُ اجْتَمَعَ جَماعَةٌ مِن رِجالٍ فَيُكْثِرُونَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وذِكْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ إنَّهم يُوقِعُونَ بِالقَضِيبِ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأدِيمِ، ويَقُومُ بَعْضُهم يَرْقُصُ ويَتَواجَدُ حَتّى يَقَعَ مُغْشِيًّا عَلَيْهِ، ويُحْضِرُونَ شَيْئًا يَأْكُلُونَهُ. هَلَ الحُضُورُ مَعَهم جائِزٌ أمْ لا ؟ أفْتُونا مَأْجُورِينَ. وهَذا القَوْلُ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ:

يا شَيْخُ كُفَّ عَنِ الذُّنُوبِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ والزَّلَلْ(p-٨٨)

؎واعْمَلْ لِنَفْسِكَ صالِحًا ما دامَ يَنْفَعُكَ العَمَلْ

؎أمّا الشَّبابُ فَقَدْ مَضى ∗∗∗ ومَشِيبُ رَأْسِكَ قَدْ نَزَلْ

وَفِي مِثْلِ هَذا ونَحْوِهِ الجَوابُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ: مَذْهَبُ الصُّوفِيَّةِ بَطالَةٌ وجَهالَةٌ وضَلالَةٌ، وما الإسْلامُ إلّا كِتابُ اللَّهِ وسُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ . وأمّا الرَّقْصُ، والتَّواجُدُ: فَأوَّلُ مَن أحْدَثَهُ أصْحابُ السّامِرِيِّ لَمّا اتَّخَذَ لَهم عِجَلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ، قامُوا يَرْقُصُونَ حَوالَيْهِ، ويَتَواجَدُونَ، فَهو دِينُ الكُفّارِ وعِبادَةُ العِجْلِ. وأمّا القَضِيبُ: فَأوَّلُ مَنِ اتَّخَذَهُ الزَّنادِقَةُ لِيَشْغَلُوا بِهِ المُسْلِمِينَ عَنْ كِتابِ اللَّهِ تَعالى. وإنَّما كانَ يَجْلِسُ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أصْحابِهِ كَأنَّما عَلى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ مِنَ الوَقارِ. فَيَنْبَغِي لِلسُّلْطانِ ونُوّابِهِ أنْ يَمْنَعَهم مِن حُضُورِ المَساجِدِ، وغَيْرِها. ولا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنْ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ، واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَحْضُرَ مَعَهم، ولا أنْ يُعِينَهم عَلى باطِلِهِمْ. هَذا مَذْهَبُ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وغَيْرِهِمْ مِن أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: قَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ الصُّوفِيَّةِ عَلى الحَقِّ. ولا شَكَّ أنَّ مِنهم مَن هو عَلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ مِنَ العَمَلِ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، وبِذَلِكَ عالَجُوا أمْراضَ قُلُوبِهِمْ وحَرَسُوها، وراقَبُوها وعَرَفُوا أحْوالَها، وتَكَلَّمُوا عَلى أحْوالِ القُلُوبِ كَلامًا مُفَصَّلًا كَما هو مَعْلُومٌ، كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَطِيَّةَ، أوِ ابْنِ أحْمَدَ بْنِ عَطِيَّةَ، أوِ ابْنِ عَسْكَرٍ أعْنِي أبا سُلَيْمانَ الدّارانِيَّ، وكَعَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي كانَ يُقالُ لَهُ حَكَمُ الأُمَّةِ، وأضْرابِهِما، وكَسَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيِّ، أبِي طالِبٍ المَكِّيِّ، وأبِي عُثْمانَ النَّيْسابُورِيِّ، ويَحْيى بْنِ مُعاذٍ الرّازِيِّ، والجُنَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، ومَن سارَ عَلى مِنوالِهِمْ، لِأنَّهم عالَجُوا أمْراضَ أنْفُسِهِمْ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، ولا يَحِيدُونَ عَنِ العَمَلِ بِالكِتابِ، والسُّنَّةِ ظاهِرًا وباطِنًا، ولَمْ تَظْهَرْ مِنهم أشْياءٌ تُخالِفُ الشَّرْعَ. فالحُكْمُ بِالضَّلالِ عَلى جَمِيعِ الصُّوفِيَّةِ لا يَنْبَغِي، ولا يَصِحُّ عَلى إطْلاقِهِ، والمِيزانُ الفارِقُ بَيْنَ الحَقِّ، والباطِلِ في ذَلِكَ هو كِتابُ اللَّهِ وسُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ . فَمَن كانَ مِنهم مُتَّبِعًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وهَدْيِهِ وسَمْتِهِ، كَمَن ذَكَرْنا وأمْثالِهِمْ، فَإنَّهم مِن جُمْلَةِ العُلَماءِ العامِلِينَ، ولا يَجُوزُ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ. وأمّا مَن كانَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ فَهو الضّالُّ.

نَعَمْ، صارَ المَعْرُوفُ في الآوِنَةِ الأخِيرَةِ، وأزْمِنَةٍ كَثِيرَةٍ قَبْلَها بِالِاسْتِقْراءِ، أنَّ عامَّةَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ التَّصَوُّفَ في أقْطارِ الدُّنْيا إلّا مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم دَجاجِلَةٌ يَتَظاهَرُونَ بِالدِّينِ لِيُضِلُّوا العَوامَّ الجَهَلَةَ وضِعافَ العُقُولِ مِن طَلَبَةِ العِلْمِ، لِيَتَّخِذُوا بِذَلِكَ أتْباعًا وخَدَمًا، (p-٨٩)وَأمْوالًا وجاهًا، وهم بِمَعْزِلٍ عَنْ مَذْهَبِ الصُّوفِيَّةِ الحَقِّ، لا يَعْمَلُونَ بِكِتابِ اللَّهِ، ولا بِسُنَّةِ نَبِيِّهِ، واسْتِعْمارُهم لِأفْكارِ ضِعافِ العُقُولِ أشَدُّ مِنِ اسْتِعْمارِ كُلِّ طَوائِفِ المُسْتَعْمِرِينَ. فَيَجِبُ التَّباعُدُ عَنْهم، والِاعْتِصامُ مِن ضَلالَتِهِمْ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ، ولَوْ ظَهَرَ عَلى أيْدِيهِمْ بَعْضُ الخَوارِقِ، ولَقَدْ صَدَقَ مَن قالَ:

؎إذا رَأيْتَ رَجُلًا يَطِيرُ ∗∗∗ وفَوْقَ ماءِ البَحْرِ قَدْ يَسِيرُ

؎وَلَمْ يَقِفْ عِنْدَ حُدُودِ الشَّرْعِ ∗∗∗ فَإنَّهُ مُسْتَدْرِجٌ أوْ بِدْعِي

والقَوْلُ الفَصْلُ في ذَلِكَ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٣]، فَمَن كانَ عَمَلُهُ مُخالِفًا لِلشَّرْعِ كَمُتَصَوِّفَةِ آخِرِ الزَّمانِ فَهو الضّالُّ. ومَن كانَ عَمَلُهُ مُوافِقًا لِما جاءَ بِهِ نَبِيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهو المُهْتَدِي. نَرْجُو اللَّهَ تَعالى أنْ يَهْدِيَنا وإخْوانَنا المُؤْمِنِينَ، وألّا يُزِيغَنا، ولا يُضِلَّنا عَنِ العَمَلِ بِكِتابِهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ الَّتِي هي مَحَجَّةٌ بَيْضاءُ، لَيْلُها كَنَهارِها، لا يَزِيغُ عَنْها إلّا هالِكٌ.

20:91Страница 318

قَالُواْ لَن نَّبۡرَحَ عَلَيۡهِ عَٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرۡجِعَ إِلَيۡنَا مُوسَىٰ ٩١

Они сказали: «Мы не перестанем поклоняться ему, пока Муса (Моисей) не вернется к нам».

К этому аяту нет толкования

20:92Страница 318

قَالَ يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذۡ رَأَيۡتَهُمۡ ضَلُّوٓاْ ٩٢

Муса (Моисей) сказал: «О Харун (Аарон)! Когда ты увидел, что они впали в заблуждение, что помешало тебе

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي﴾ .

قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ”لا“ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي﴾ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ. واسْتَدَلَّ مَن قالَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى في ”الأعْرافِ“: ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، قالَ لِأنَّ المُرادَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في القِصَّةِ بِعَيْنِها في سُورَةِ ”ص“: ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ الآيَةَ [ ٣٨ ] . فَحَذَفَ لَفْظَةَ ”لا“ في ”ص“ مَعَ ثُبُوتِها في ”الأعْرافِ“، والمَعْنى واحِدٌ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: قَدْ عُرِفَ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ أنَّ زِيادَةَ لَفْظَةِ ”لا“ في الكَلامِ الَّذِي فِيهِ مَعْنى الجَحْدِ لِتَوْكِيدِهِ مُطَّرِدَةٌ.

• كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ألّا تَتَّبِعَنِي﴾ أيْ: ما مَنَعَكَ أنْ تَتْبَعَنِي، وقَوْلُهُ: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في ”ص“: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ الآيَةَ،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الحديد: ٢٩] . أيْ: لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ،

• وقَوْلِهِ ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥]، أيْ فَوَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ [ ٤١ ]، (p-٩٠)أيْ: والسَّيِّئَةُ،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]، عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]، عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٥١]

عَلى أحَدِ الأقْوالِ فِيها.

وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرْ

يَعْنِي فَوَأبِيكِ. وقَوْلُ أبِي النَّجْمِ:

؎فَما ألُومُ البِيضَ ألّا تَسْخَرا ∗∗∗ لَمّا رَأيْنَ الشَّمِطَ القَفَنْدَرا

يَعْنِي أنْ تَسْخَرَ، وقَوْلُ الآخَرَ:

؎ما كانَ يَرْضى رَسُولُ اللَّهِ دِينَهُمُ ∗∗∗ والأطْيَبانِ أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ

يَعْنِي وعُمَرُ. وقَوْلُ الآخَرِ:

؎وَتَلْحَيْنَنِي في اللَّهْوِ ألّا أُحِبَّهُ ∗∗∗ ولِلَّهْوِ داعٍ دائِبٌ غَيْرُ غافِلِ

يَعْنِي أنْ أُحِبَّهُ، و ”لا“ مَزِيدَةٌ في جَمِيعِ الأبْياتِ لِتَوْكِيدِ الجَحْدِ فِيها. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّها لا تُزادُ إلّا في الكَلامِ الَّذِي فِيهِ مَعْنى الجَحْدِ كالأمْثِلَةِ المُتَقَدِّمَةِ. والمُرادُ بِالجَحْدِ النَّفْيُ وما يُشْبِهُ كالمَنعِ في قَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ﴾ [طه: ٨٩]، ونَحْوِ ذَلِكَ. والَّذِي يَظْهَرُ لَنا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. أنَّ زِيادَةَ لَفْظَةِ ”لا“ لِتَوْكِيدِ الكَلامِ وتَقْوِيَتِهِ أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وهو في الكَلامِ الَّذِي فِيهِ مَعْنى الجَحْدِ أغْلَبُ مَعَ أنَّ ذَلِكَ مَسْمُوعٌ في غَيْرِهِ. وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ لِزِيادَةِ ”لا“ قَوْلَ ساعِدَةَ الهُذَلِيِّ:

؎أفَعَنْكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ ∗∗∗ غابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرامٌ مُثْقَبُ

وَيُرْوى ”أفَمِنكَ“ بَدَلَ ”أفَعَنْكَ“ و ”تَشَيَّمَهُ“ بَدَلَ ”تَسَنَّمَهُ“ يَعْنِي أعَنْكَ بَرْقٌ بِـ ”لا“ زائِدَةٍ لِلتَّوْكِيدِ، والكَلامُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى الجَهْدِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُ الآخَرِ:

؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ ∗∗∗ وكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقَطَّعُ

يَعْنِي كادَ يَتَقَطَّعُ. وأنْشَدَ الجَوْهَرِيُّ لِزِيادَةِ ”لا“ قَوْلَ العَجّاجِ:

؎فِي بِئْرِ لا حُورٍ سَرى وما شَعَرْ ∗∗∗ بِإفْكِهِ حَتّى رَأى الصُّبْحَ جَشَرْ

والحُورُ الهَلَكَةُ. يَعْنِي في بِئْرِ هَلَكَةٍ، ولا زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ. قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وغَيْرُهُ. (p-٩١)والكَلامُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى الجَحْدِ. وقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في كِتابِنا (دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) في سُورَةِ ”البَلَدِ“ .

20:93Страница 318

أَلَّا تَتَّبِعَنِۖ أَفَعَصَيۡتَ أَمۡرِي ٩٣

последовать за мной? Неужели ты ослушался меня?».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ .

الظّاهِرُ أنَّ أمْرَهُ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] .

وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى اقْتِضاءِ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ. لِأنَّهُ أطْلَقَ اسْمَ المَعْصِيَةِ عَلى عَدَمِ امْتِثالِ الأمْرِ، والنُّصُوصُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ:

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فَجَعَلَ أمْرَهُ وأمْرَ رَسُولِهِ ﷺ مانِعًا مِنَ الِاخْتِيارِ، مُوجِبًا لِلِامْتِثالِ.

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَوَبَّخَهُ هَذا التَّوْبِيخَ الشَّدِيدَ عَلى عَدَمِ امْتِثالِ الأمْرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِصِيغَةِ افْعُلْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [طه: ١١٦]، .

وجَماهِيرُ الأُصُولِيِّينَ عَلى أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ المُجَرَّدَةَ عَنِ القَرائِنِ تَقْتَضِي الوُجُوبَ لِلْأدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا، وغَيْرِها مِمّا هو مُماثِلٌ لَها. وإلى ذَلِكَ أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:

؎وافْعَلْ لَدى الأكْثَرِ لِلْوُجُوبِ وقِيلَ لِلنَّدْبِ أوِ المَطْلُوبِ

. . إلَخْ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English