Аш-ШинкитиАль‑Хаджж · 22:28

Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском

Аль-Хаджж 22:28

22:28Страница 335

لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ ٢٨

Пусть они засвидетельствуют то, что приносит им пользу, и поминают имя Аллаха в установленные дни над скотиной, которой Он наделил их. Ешьте от них и кормите неимущего страдальца!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ . اللّامُ في قَوْلِهِ: لِيَشْهَدُوا [الحج: ٢٨]: هي لامُ التَّعْلِيلِ: وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ الآيَةَ [الحج: ٢٧]: أيْ إنْ تُؤَذِّنْ فِيهِمْ يَأْتُوكَ مُشاةً ورُكْبانًا، لِأجْلِ أنْ يَشْهَدُوا: أيْ يَحْضُرُوا مَنافِعَ لَهم، والمُرادُ بِحُضُورِهِمُ المَنافِعَ: حُصُولُها لَهم.

(p-١١١)وَقَوْلُهُ: مَنافِعَ جَمْعُ مَنفَعَةٍ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذِهِ المَنافِعَ ما هي. وقَدْ جاءَ بَيانُ بَعْضِها في بَعْضِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ، وأنَّ مِنها ما هو دُنْيَوِيٌّ، وما هو أُخْرَوِيٌّ، أمّا الدُّنْيَوِيٌّ فَكَأرْباحِ التِّجارَةِ، إذا خَرَجَ الحاجُّ بِمالِ تِجارَةٍ مَعَهُ، فَإنَّهُ يُحْصُلُ لَهُ الرِّبْحُ غالِبًا، وذَلِكَ نَفْعٌ دُنْيَوِيٌّ.

وَقَدْ أطْبَقَ عُلَماءُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] أنَّهُ لَيْسَ عَلى الحاجِّ إثْمٌ ولا حَرَجٌ، إذا ابْتَغى رِبْحًا بِتِجارَةٍ في أيّامِ الحَجِّ، إنْ كانَ ذَلِكَ لا يَشْغَلُهُ عَنْ شَيْءٍ، مِن أداءِ مَناسِكِهِ، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ.

فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ فِيهِ بَيانٌ لِبَعْضِ المَنافِعِ المَذْكُورَةِ في آيَةِ ”الحَجِّ“ هَذِهِ وهَذا نَفْعٌ دُنْيَوِيٌّ.

وَمِنَ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ ما يُصِيبُونَهُ مِنَ البُدْنِ والذَّبائِحِ، كَما يَأْتِي تَفْصِيلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ قَرِيبًا؛ كَقَوْلِهِ في البُدْنِ: ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِنها﴾ في المَوْضِعَيْنِ، وكُلُّ ذَلِكَ نَفْعٌ دُنْيَوِيٌّ، وفي ذَلِكَ بَيانٌ أيْضًا لِبَعْضِ المَنافِعِ المَذْكُورَةِ في آيَةِ ”الحَجِّ“ هَذِهِ.

وَقَدْ بَيَّنَتْ آيَةُ ”البَقَرَةِ“ عَلى ما فَسَّرَها بِهِ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم، واخْتارَهُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ، ووَجَّهَ اخْتِيارَهُ لَهُ، بِكَثْرَةِ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ: أنَّ مِنَ المَنافِعِ المَذْكُورَةِ في آيَةِ ”الحَجِّ“ غُفْرانَ ذُنُوبِ الحاجِّ، حَتّى لا يَبْقى عَلَيْهِ إثْمٌ إنْ كانَ مُتَّقِيًا رَبَّهُ في حَجِّهِ بِامْتِثالِ ما أُمِرَ بِهِ، واجْتِنابِ ما نُهِيَ عَنْهُ.

وَذَلِكَ أنَّهُ قالَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] أنَّ الحاجَّ يَرْجِعُ مَغْفُورًا لَهُ، ولا يَبْقى عَلَيْهِ إثْمٌ، سَواءٌ تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ، أوْ تَأخَّرَ إلى الثّالِثِ، ولَكِنَّ غُفْرانَ ذُنُوبِهِ هَذا مَشْرُوطٌ بِتَقْواهُ رَبَّهُ في حَجِّهِ، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ الآيَةَ: أيْ وهَذا الغُفْرانُ لِلذُّنُوبِ، وحَطُّ الآثامِ إنَّما هو لِخُصُوصِ مَنِ اتَّقى.

وَمَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ فِيها أوْجُهٌ مِنَ التَّفْسِيرِ غَيْرُ هَذا.

وَمِمَّنْ نَقَلَ عَنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ مَعْناها: أنَّهُ يَغْفِرُ لِلْحاجِّ جَمِيعَ ذُنُوبِهِ، سَواءٌ تَعَجَّلَ في (p-١١٢)يَوْمَيْنِ، أوْ تَأخَّرَ: عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، وعامِرٌ، ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ.

وَلَمّا ذَكَرَ أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ فِيها قالَ: وأوْلى هَذِهِ الأقْوالِ بِالصِّحَّةِ قَوْلُ مَن قالَ: تَأْوِيلُ ذَلِكَ: فَمَن تَعَجَّلَ مِن أيّامِ مِنًى الثَّلاثَةِ، فَنَفَرَ في اليَوْمِ الثّانِي، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، يَحُطُّ اللَّهُ ذُنُوبَهُ إنْ كانَ قَدِ اتَّقى في حَجِّهِ، فاجْتَنَبَ فِيهِ ما أمَرَ اللَّهُ بِاجْتِنابِهِ، وفَعَلَ فِيهِ ما أمَرَ اللَّهُ بِفِعْلِهِ، وأطاعَهُ بِأدائِهِ عَلى ما كَلَّفَهُ مِن حُدُودِهِ، ومَن تَأخَّرَ إلى اليَوْمِ الثّالِثِ مِنهُنَّ، فَلَمْ يَنْفِرْ إلى النَّفْرِ الثّانِي، حَتّى نَفَرَ مِن غَدِ النَّفْرِ الأوَّلِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، لِتَكْفِيرِ اللَّهِ ما سَلَفَ مِن آثامِهِ، وإجْرامِهِ إنْ كانَ اتَّقى اللَّهَ في حَجِّهِ بِأدائِهِ بِحُدُودِهِ.

وَإنَّما قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ أوْلى تَأْوِيلاتِهِ: لِتَظاهُرِ الأخْبارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن حَجَّ هَذا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِن ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ» وأنَّهُ قالَ: «تابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ فَإنَّهُما يَنْفِيانِ الذُّنُوبَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ» . وساقَ ابْنُ جَرِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِأسانِيدِهِ أحادِيثَ دالَّةً عَلى ذَلِكَ فَفي لَفْظٍ لَهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «تابَعُوا بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، فَإنَّهُما يَنْفِيانِ الفَقْرَ والذُّنُوبَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ ولَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوابٌ دُونَ الجَنَّةِ» . وفي لَفْظٍ لَهُ عَنْ عُمَرَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «تابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، فَإنَّ المُتابَعَةَ بَيْنَهُما تَنْفِي الفَقْرَ والذُّنُوبَ كَما يَنْفِي الكِيرُ الخَبَثَ، أوْ خَبَثَ الحَدِيدِ» . وفي لَفْظٍ لَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا قَضَيْتَ حَجَّكَ فَأنْتَ مِثْلُ ما ولَدَتْكَ أُمُّكَ»، وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي يَطُولُ بِذِكْرِ جَمِيعِها الكِتابُ مِمّا يُنْبِئُ عَنْ أنَّ مَن حَجَّ، فَقَضاهُ بِحُدُودِهِ عَلى ما أمَرَهُ اللَّهُ، فَهو خارِجٌ مِن ذُنُوبِهِ كَما قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى﴾ اللَّهَ في حَجِّهِ، فَكانَ في ذَلِكَ مِن قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما يُوَضِّحُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ جَلَّ وعَزَّ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ أنَّهُ خارِجٌ مِن ذُنُوبِهِ، مَحْطُوطَةً عَنْهُ آثامُهُ، مَغْفُورَةً أجْرامُهُ إلى آخِرِ كَلامِهِ الطَّوِيلِ في المَوْضُوعِ.

وَقَدْ بَيَّنَ فِيهِ أنَّهُ لا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ المَعْنى لا إثْمَ عَلَيْهِ في تَعَجُّلِهِ، ولا إثْمَ عَلَيْهِ في تَأخُّرِهِ؛ لِأنَّ التَّأخُّرَ إلى اليَوْمِ الثّالِثِ، لا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ فِيهِ إثْمٌ، حَتّى يُقالَ فِيهِ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾، وأنَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ سَبَبَ النُّزُولِ أنْ بَعْضَهم كانَ يَقُولُ: التَّعَجُّلُ لا يَجُوزُ، وبَعْضُهم يَقُولُ: التَّأخُّرُ لا يَجُوزُ.

(p-١١٣)فَمَعْنى الآيَةِ: النَّهْيُ عَنْ تَخْطِئَةِ المُتَأخِّرِ المُتَعَجِّلِ كَعَكْسِهِ: أيْ لا يُؤَثِّمَنَّ أحَدُهُما الآخَرَ، أنَّ هَذا القَوْلَ خَطَأٌ، لِمُخالَفَتِهِ لِقَوْلِ جَمِيعِ أهْلِ التَّأْوِيلِ.

والحاصِلُ: أنَّهُ أعْنِي الطَّبَرِيَّ بَيَّنَ كَثِيرًا مِنَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: هو ما ذَكَرَ مِن أنَّ الحاجَّ يَخْرُجُ مَغْفُورًا لَهُ، كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ، لا إثْمَ عَلَيْهِ، سَواءٌ تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ، أوْ تَأخَّرَ، وقَدْ يَظْهَرُ لِلنّاظِرِ أنَّ رَبْطَ نَفْيِ الإثْمِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ بِالتَّعَجُّلِ والتَّأخُّرِ في الآيَةِ، رَبْطَ الجَزاءِ بِشَرْطِهِ يَتَبادَرُ مِنهُ أنَّ نَفْيَ الإثْمِ إنَّما هو في التَّعَجُّلِ والتَّأخُّرِ، ولَكِنَّ الأدِلَّةَ الَّتِي أقامَها أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، عَلى المَعْنى الَّذِي اخْتارَ فِيها فِيهِ مَقْنَعٌ، وتَشْهَدُ لَها أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ بَعْدَ القُرْآنِ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ .

فَقَوْلُهُ في آيَةِ البَقَرَةِ هَذِهِ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾، هو مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ: «رَجَعَ كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ»، وقَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾، هو مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ: «مَن حَجَّ هَذا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ»؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَرْفُثْ، ولَمْ يَفْسُقْ، هو الَّذِي اتَّقى.

وَمِن كَلامِ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّوِيلِ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ أنَّهُ قالَ ما نَصُّهُ: فَإنْ قالَ قائِلٌ: ما الجالِبُ لِلّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ وما مَعْناها ؟

قِيلَ: الجالِبُ لَها مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ مَعْنى: حَطَطْنا ذُنُوبَهُ، وكَفَّرْنا آثامَهُ، فَكانَ في ذَلِكَ مَعْنى: جَعَلْنا تَكْفِيرَ الذُّنُوبِ لِمَنِ اتَّقى في اللَّهِ حَجَّهُ، وتَرَكَ ذِكْرَ ”جَعَلْنا تَكْفِيرَ الذُّنُوبِ“ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾، وقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي البَصْرَةِ أنَّهُ كَأنَّهُ إذا ذَكَرَ هَذِهِ الرُّخْصَةَ، فَقَدْ أخْبَرَ عَنْ أمْرٍ فَقالَ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ أيْ هَذا لِمَنِ اتَّقى، وأنْكَرَ بَعْضُهم ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: وقَدْ زَعَمَ أنَّ الصِّفَةَ لا بُدَّ لَها مِن شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ؛ لِأنَّها لا تَقُومُ بِنَفْسِها، ولَكِنَّها فِيما زَعَمَ مِن صِلَةِ قَوْلٍ مَتْرُوكٍ.

فَكانَ مَعْنى الكَلامِ عِنْدَهُ ما قُلْنا: مِن أنَّ مَن تَأخَّرَ لا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى، وقامَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ مَقامَ القَوْلِ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ جَرِيرٍ.

وَعَلى تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّ مَعْنى ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ في المَوْضِعَيْنِ: أنَّ الحاجَّ يُغْفَرُ جَمِيعُ ذُنُوبِهِ، فَلا يَبْقى عَلَيْهِ إثْمٌ، فَغُفْرانُ جَمِيعِ ذُنُوبِهِ هَذا الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ هَذا التَّفْسِيرُ مِن أكْبَرِ المَنافِعِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ وعَلَيْهِ فَقَدْ بَيَّنَتْ آيَةُ ”البَقَرَةِ“ هَذِهِ بَعْضَ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ ”الحَجِّ“، وقَدْ أوْضَحَتِ السُّنَّةُ هَذا البَيانَ بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي ذَكَرْنا؛ كَحَدِيثِ: «مَن حَجَّ هَذا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ (p-١١٤)وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» . وحَدِيثِ: «الحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزاءٌ إلّا الجَنَّةُ»، ومِن تِلْكَ المَنافِعِ الَّتِي لَمْ يُبَيِّنْها القُرْآنُ حَدِيثُ: «إنَّ اللَّهَ يُباهِي بِأهْلِ عَرَفَةَ أهْلَ السَّماءِ» الحَدِيثَ، كَما تَقَدَّمَ. ومِن تِلْكَ المَنافِعِ الَّتِي لَمْ يُبَيِّنْها القُرْآنُ تَيَسُّرُ اجْتِماعِ المُسْلِمِينَ مِن أقْطارِ الدُّنْيا في أوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ، في أماكِنَ مُعَيَّنَةٍ لِيَشْعُرُوا بِالوَحْدَةِ الإسْلامِيَّةِ، ولِتُمْكِنَ اسْتِفادَةُ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، فِيما يَهُمُّ الجَمِيعَ مِن أُمُورِ الدُّنْيا والدِّينِ، وبِدُونِ فَرِيضَةِ الحَجِّ، لا يُمْكِنُ أنْ يَتَسَنّى لَهم ذَلِكَ، فَهو تَشْرِيعٌ عَظِيمٌ مِن حَكِيمٍ خَبِيرٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ .

قَوْلُهُ: ويَذْكُرُوا مَنصُوبٌ بِحَذْفِ النُّونِ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المَنصُوبِ بِـ ”أنِ“ المُضْمَرَةِ بَعْدَ لامِ التَّعْلِيلِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ .

وَإيضاحُ المَعْنى: وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ مُشاةً ورُكْبانًا؛ لِأجْلِ أنْ يَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم، ولِأجْلِ أنْ يَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِإراقَةِ دِماءِ ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ، مَعَ ذِكْرِهِمُ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها عِنْدَ النَّحْرِ والذَّبْحِ، وظاهِرُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا التَّقَرُّبَ بِالنَّحْرِ في هَذِهِ الأيّامِ المَعْلُوماتِ، إنَّما هو الهَدايا لا الضَّحايا؛ لِأنَّ الضَّحايا لا يُحْتاجُ فِيها إلى الأذانِ بِالحَجِّ، حَتّى يَأْتِيَ المُضَحُّونَ مُشاةً ورُكْبانًا، وإنَّما ذَلِكَ في الهَدايا عَلى ما يَظْهَرُ، ومِن هُنا ذَهَبَ مالِكٌ، وأصْحابُهُ إلى أنَّ الحاجَّ بِمِنًى لا تَلْزَمُهُ الأُضْحِيَةُ ولا تُسَنُّ لَهُ، وكُلُّ ما يَذْبَحُ في ذَلِكَ المَكانِ والزَّمانِ، فَهو يَجْعَلُهُ هَدْيًا لا أُضْحِيَةً.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ﴾ أيْ عَلى نَحْرِ وذَبْحِ ما رَزَقَهم ﴿مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾؛ لِيَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِدِمائِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ تَقْوى مِنهم، فَهو يَصِلُ إلى رَبِّهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، وقَدْ بَيَّنَ في بَعْضِ المَواضِعِ أنَّهُ لا يَجُوزُ الأكْلُ مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنها؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ . وقَوْلِهِ: ﴿وَما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ جَعَلَ الحَرَمَ المَكِّيَّ مَنسَكًا تُراقُ فِيهِ الدِّماءُ تَقْرُّبًا إلى اللَّهِ، ويُذْكَرُ عَلَيْها عِنْدَ تَذْكِيَتِها اسْمُ اللَّهِ، ولَمْ يُبَيِّنْ في هَذِهِ الآيَةِ، هَلْ وقَعَ مِثْلُ هَذا لِكُلِّ أُمَّةٍ أوْ لا، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّهُ جَعَلَ مِثْلَ هَذا لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-١١٥)﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ [الحج: ٣٤] .

وَإذا عَلِمْتَ أنَّ مِن حِكَمِ الأذانِ في النّاسِ بِالحَجِّ، لِيَأْتُوا مُشاةً، ورُكْبانًا تَقَرُّبَهم إلى رَبِّهِمْ بِدِماءِ الأنْعامِ، ذاكِرِينَ عَلَيْها اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ تَذْكِيَتِها، وأنَّ الآيَةَ أقْرَبُ إلى إرادَةِ الهَدْيِ مِن إرادَةِ الأُضْحِيَةِ، فَدُونَكَ تَفْصِيلَ أحْكامِ الهَدايا الَّتِي دَعَوْا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِنها.

اعْلَمْ أوَّلًا: أنَّ الهَدْيَ قِسْمانِ: هَدْيٌ واجِبٌ، وهَدْيٌ غَيْرُ واجِبٍ، بَلْ تَطَوَّعَ بِهِ صاحِبُهُ تَقَرُّبًا بِاللَّهِ تَعالى، والأيّامُ المَعْلُوماتُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ يُذْبَحُ فِيها، ويُذْكَرُ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ فِيها - لِلْعُلَماءِ فِيها أقْوالٌ كَثِيرَةٌ. والتَّحْقِيقُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى: أنَّ غَيْرَ اثْنَيْنِ مِن تِلْكَ الأقْوالِ الكَثِيرَةِ باطِلٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وأنَّ المُعَوَّلَ عَلَيْهِ مِنها اثْنانِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ هي أيّامُ النَّحْرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ وذِكْرُهُمُ اللَّهَ عَلَيْها يَعْنِي: التَّسْمِيَةَ عِنْدَ تَذْكِيَتِها. فاتَّضَحَ أنَّها أيّامُ النَّحْرِ، ويَوْمانِ بَعْدَهُ، وعَلَيْهِ فَلا يَذْبَحُ الهَدْيَ، ولا الأُضْحِيَةَ في اليَوْمِ الأخِيرِ مِن أيّامِ مِنًى، الَّذِي هو اليَوْمُ الثّالِثَ عَشَرَ مِن ذِي الحِجَّةِ.

قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وهَذا القَوْلُ نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ، وقالَ: وهو عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورَواهُ الأثْرَمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ، ويُرْوى عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: أيّامُ النَّحْرِ: يَوْمُ الأضْحى، وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، والأوْزاعِيُّ، والشّافِعِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ.

وَقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: اخْتَلَفُوا كَمْ أيّامُ النَّحْرِ. فَقالَ مالِكٌ: ثَلاثَةٌ، يَوْمُ النَّحْرِ ويَوْمانِ بَعْدَهُ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ عَنْهُما.

وَقالَ الشّافِعِيُّ: أرْبَعَةُ أيّامٍ، يَوْمُ النَّحْرِ، وثَلاثَةٌ بَعْدَهُ، وبِهِ قالَ الأوْزاعِيُّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - . ورُوِيَ عَنْهم أيْضًا مِثْلُ قَوْلِ مالِكٍ وأحْمَدَ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ.

وَقالَ أيْضًا: قالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ يَوْمَ النَّحْرِ يَوْمُ (p-١١٦)أضْحى. وأجْمَعُوا عَلى أنْ لا أضْحى بَعْدَ انْسِلاخِ ذِي الحِجَّةِ، ولا يَصِحُّ عِنْدِي في هَذِهِ إلّا قَوْلانِ:

أحَدُهُما: قَوْلُ مالِكٍ والكُوفِيِّينَ.

والآخَرُ: قَوْلُ الشّافِعِيِّ، والشّامِيِّينَ، وهَذانِ القَوْلانِ مَرْوِيّانِ عَنِ الصَّحابَةِ، فَلا مَعْنى لِلِاشْتِغالِ بِما خالَفَهُما؛ لِأنَّ ما خالَفَهُما لا أصْلَ لَهُ في السُّنَّةِ، ولا في قَوْلِ الصَّحابَةِ، وما خَرَجَ عَنْ هَذَيْنَ فَمَتْرُوكٌ لَهُما، ا هـ.

وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: في وقْتِ ذَبْحِ الهَدْيِ طَرِيقانِ: أصَحُّهُما وبِهِ قَطَعَ العِراقِيُّونَ وغَيْرُهم: أنَّهُ يَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ وأيّامِ التَّشْرِيقِ، والثّانِي: فِيهِ وجْهانِ أصَحُّهُما: هَذا، والثّانِي: لا يَخْتَصُّ بِزَمانٍ كَدِماءِ الجُبْرانِ. فَعَلى الصَّحِيحِ لَوْ أخَّرَ الذَّبْحَ، حَتّى مَضَتْ هَذِهِ الأيّامُ، فَإنْ كانَ الهَدْيُ واجِبًا: لَزِمَهُ ذَبْحُهُ، ويَكُونُ قَضاءً، وإنْ كانَ تَطَوُّعًا فَقَدْ فاتَ الهَدْيُ.

قالَ الشّافِعِيُّ والأصْحابُ: فَإنْ ذَبَحَهُ كانَ شاةَ لَحْمٍ لا نُسُكًا. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ.

وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ عَنِ الرّافِعِيِّ: أنَّهُ في بَعْضِ المَواضِعِ مِن كِتابِهِ في بابِ صِفَةِ الحَجِّ، جَزَمَ بِأنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ، وأيّامِ التَّشْرِيقِ، وأنَّهُ ذَكَرَ المَسْألَةَ عَلى الصَّوابِ في بابِ الهَدْيِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: القَوْلُ بِعَدَمِ الِاخْتِصاصِ بِيَوْمِ النَّحْرِ ويَوْمَيْنِ أوْ ثَلاثَةٍ بَعْدَهُ ظاهِرُ البُطْلانِ؛ لِأنَّ عَدَمَ الِاخْتِصاصِ يَجْعَلُ زَمَنَ النَّحْرِ مُطْلَقًا، لَيْسَ مُقَيَّدًا بِزَمانٍ، وهَذا يَرُدُّهُ صَرِيحُ قَوْلِهِ: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾، فَجَعْلُ ظَرْفِهِ أيّامًا مَعْلُوماتٍ يَرُدُّ الإطْلاقَ في الزَّمَنِ رَدًّا لا يَنْبَغِي أنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ كَما تَرى.

وَقالَ النَّوَوِيُّ أيْضًا في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ هي: أيّامُ التَّشْرِيقِ، وهي ثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، ا هـ.

وَلا وجْهَ لِلْخِلافِ في ذَلِكَ، مَعَ أنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى مُتَّصِلًا بِهِ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ، والمُرادُ بِذَلِكَ: أيّامُ الرَّمْيِ الَّتِي هي أيّامُ التَّشْرِيقِ كَما تَرى، ثُمَّ قالَ النَّوَوِيُّ: وأمّا الأيّامُ المَعْلُوماتُ فَمَذْهَبُنا: أنَّها العَشْرُ الأوائِلُ مِن ذِي الحِجَّةِ إلى آخَرِ يَوْمِ النَّحْرِ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. وعَزا ابْنُ كَثِيرٍ هَذا القَوْلَ لِابْنِ عَبّاسٍ قالَ: وعَلَّقَهُ عَنْهُ البُخارِيُّ بِصِيغَةِ الجَزْمِ، ونَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، (p-١١٧)وَعَطاءٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والحَسَنِ، والضَّحّاكِ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ، وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، قالَ: وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، والمَشْهُورُ عَنْ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، ثُمَّ شَرَعَ يَذْكُرُ الأحادِيثَ الدّالَّةَ عَلى فَضْلِ الأيّامِ العَشَرَةِ الأُوَلِ مِن ذِي الحِجَّةِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: تَفْسِيرُ الأيّامِ المَعْلُوماتِ في آيَةِ الحَجِّ هَذِهِ: بِأنَّها العَشْرُ الأُوَلُ مِن ذِي الحِجَّةِ إلى آخِرِ يَوْمِ النَّحْرِ، لا شَكَّ في عَدَمِ صِحَّتِهِ، وإنْ قالَ بِهِ مِن أجِلّاءِ العُلَماءِ، وبَعْضِ أجِلّاءِ الصَّحابَةِ مَن ذَكَرْنا.

والدَّلِيلُ الواضِحُ عَلى بُطْلانِهِ أنَّ اللَّهَ بَيَّنَ أنَّها أيّامُ النَّحْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ وهو ذِكْرُهُ بِالتَّسْمِيَةِ عَلَيْها عِنْدَ ذَبْحِها تَقَرُّبًا إلَيْهِ كَما لا يَخْفى، والقَوْلُ بِأنَّها العَشَرَةُ المَذْكُورَةُ، يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ العَشَرَةُ كُلُّها أيّامَ نَحْرٍ، وأنَّهُ لا نَحْرَ بَعْدَها، وكِلا الأمْرَيْنِ باطِلٌ كَما تَرى؛ لِأنَّ النَّحْرَ في التِّسْعَةِ الَّتِي قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لا يَجُوزُ والنَّحْرُ في اليَوْمَيْنِ بَعْدَهُ جائِزٌ. وكَذَلِكَ الثّالِثُ عِنْدَ مَن ذَكَرْنا، فَبُطْلانُ هَذا القَوْلِ واضِحٌ كَما تَرى. ثُمَّ قالَ النَّوَوِيُّ مُتَّصِلًا بِكَلامِهِ الأوَّلِ، وقالَ مالِكٌ: هي ثَلاثَةُ أيّامٍ: يَوْمُ النَّحْرِ، ويَوْمانِ بَعْدَهُ فالحادِيَ عَشَرَ، والثّانِيَ عَشَرَ عِنْدَهُ مِنَ المَعْلُوماتِ، والمَعْدُوداتِ.

وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: المَعْلُوماتُ ثَلاثَةُ أيّامٍ: يَوْمُ عَرَفَةَ والنَّحْرِ والحادِيَ عَشَرَ. وقالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: المَعْلُوماتُ أرْبَعَةٌ: يَوْمُ عَرَفَةَ والنَّحْرِ ويَوْمانِ بَعْدَهُ.

وَفائِدَةُ الخِلافِ: أنَّ عِنْدَنا يَجُوزُ ذَبْحُ الهَدايا والضَّحايا في أيّامِ التَّشْرِيقِ كُلِّها، وعِنْدَ مالِكٍ لا يَجُوزُ في اليَوْمِ الثّالِثِ. هَذا كَلامُ صاحِبِ البَيانِ، انْتَهى مِنَ النَّوَوِيِّ. وقَدْ سَكَتَ عَلى كَلامِ صاحِبِ ”البَيانِ“: وهو باطِلٌ بُطْلانًا واضِحًا؛ لِأنَّ القَوْلَ بِأنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ هي العَشَرَةُ الأُوَلُ، لا يَدُلُّ عَلى جَوازِ الذَّبْحِ فِيما بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ لِأنَّهُ آخِرُها، وقَدْ يَدُلُّ عَلى جَوازِ الذَّبْحِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ في جَمِيعِ التِّسْعَةِ الأُوَلِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ، هي ظَرْفُ الذَّبْحِ؛ كَما بَيَّنّا مِرارًا فَإنْ كانَتْ هي العَشَرَةُ كانَتِ العَشَرَةُ هي ظَرْفُ الذَّبْحِ. فَلا يَجُوزُ فِيما قَبْلَها ولا ما بَعْدَها، ولَكِنَّهُ يَجُوزُ في جَمِيعِها، وبُطْلانُ هَذا واضِحٌ كَما تَرى، ثُمَّ قالَ النَّوَوِيُّ مُتَّصِلًا بِكَلامِهِ السّابِقِ.

وَقالَ العَبْدَرِيُّ: فائِدَةُ وصْفِهِ بِأنَّهُ مَعْلُومٌ جَوازُ النَّحْرِ فِيهِ، وفائِدَةُ وصْفِهِ بِأنَّهُ مَعْدُودٌ انْقِطاعُ الرَّمْيِ فِيهِ. وقالَ: وبِمَذْهَبِنا قالَ أحْمَدُ، وداوُدُ، وقالَ الإمامُ أبُو إسْحاقَ الثَّعْلَبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ. قالَ: وإنَّما قِيلَ (p-١١٨)لَها مَعْلُوماتٌ لِلْحِرْصِ عَلى عِلْمِها مِن أجْلِ أنَّ وقْتَ الحَجِّ في آخِرِها.

قالَ: وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْلُوماتُ أيّامُ التَّشْرِيقِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: المَعْلُوماتُ والمَعْدُوداتُ واحِدٌ.

قُلْتُ: وكَذا نَقَلَ القاضِي أبُو الطَّيْبِ والعَبْدَرِيُّ، وخَلائِقُ - إجْماعَ العُلَماءِ عَلى أنَّ المَعْدُوداتِ هي أيّامُ التَّشْرِيقِ. وأمّا ما نَقَلَهُ صاحِبُ البَيانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَخِلافُ المَشْهُورِ عَنْهُ.

فالصَّحِيحُ المَعْرُوفُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المَعْلُوماتِ أيّامُ العَشْرِ كُلِّها كَمَذْهَبِنا، وهو مِمّا احْتَجَّ بِهِ أصْحابُنا، كَما سَأذْكُرُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ. واحْتَجَّ لِأبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾، وأرادَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ في الأيّامِ المَعْلُوماتِ: تَسْمِيَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى الذَّبْحِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعالى في جَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وعَلى قَوْلِ الشّافِعِيِّ: لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا في يَوْمٍ واحِدٍ مِنها، وهو يَوْمُ النَّحْرِ. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِما رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ أيّامُ العَشْرِ، والمَعْدُوداتُ أيّامُ التَّشْرِيقِ. رَواهُ البَيْهَقِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ.

واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِما اسْتَدَلَّ بِهِ المُزَنِيُّ في مُخْتَصَرِهِ: وهو أنَّ اخْتِلافَ الأسْماءِ يَدُلُّ عَلى اخْتِلافِ المُسَمَّياتِ، فَلَمّا خُولِفَ بَيْنَ المَعْدُوداتِ والمَعْلُوماتِ في الِاسْمِ دَلَّ عَلى اخْتِلافِهِما، وعَلى ما يَقُولُ المُخالِفُونَ يَتَداخَلانِ في بَعْضِ الأيّامِ، والجَوابُ عَنِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: جَوابُ المُزَنِيِّ: أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن سِياقِ الآيَةِ: وُجُودُ الذَّبْحِ في الأيّامِ المَعْلُوماتِ، بَلْ يَكْفِي وُجُودُهُ في آخِرِها وهو يَوْمُ النَّحْرِ.

قالَ المُزَنِيُّ والأصْحابُ: ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، ولَيْسَ هو نُورًا في جَمِيعِها، بَلْ في بَعْضِها.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ في الآيَةِ الذِّكْرُ عَلى الهَدايا، ونَحْنُ نَسْتَحِبُّ لِمَن رَأى هَدْيًا أوْ شَيْئًا مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ في العَشْرِ أنْ يُكَبِّرَ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُ النَّوَوِيِّ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيَّةِ في الأيّامِ المَعْلُوماتِ خِلافُ الصَّوابِ، وإنْ قالَ بِهِ مَن قالَ مِن أجِلّاءِ العُلَماءِ، (p-١١٩)وَأنَّ الأجْوِبَةَ الَّتِي أجابُوا بِها عَنِ الِاعْتِراضاتِ الوارِدَةِ عَلَيْهِ، لا يَنْهَضُ شَيْءٌ مِنها لِما قَدَّمْنا مِن أنَّ اللَّهَ بَيَّنَ في كِتابِهِ، أنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ هي ظَرْفُ الذَّبْحِ والنَّحْرِ، فَتَفْسِيرُها بِأنَّها العَشَرَةُ الأُوَلُ، يَلْزَمُهُ جَوازُ الذَّبْحِ في جَمِيعِها، وعَدَمُ جَوازِهِ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ اليَوْمِ العاشِرِ، وهَذا كُلُّهُ باطِلٌ كَما تَرى.

وَزَعْمُ المُزَنِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أنَّ الآيَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ - ظاهِرُ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ كَوْنَ القَمَرِ كَوْكَبًا واحِدًا والسَّماواتِ سَبْعًا طِباقًا - قَرِينَةٌ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ في واحِدَةٍ مِنها دُونَ السِّتِّ الأُخْرى.

وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾، فَظاهِرُهُ المُتَبادِرُ مِنهُ أنَّ جَمِيعَ الأيّامِ المَعْلُوماتِ ظَرْفٌ لِذِكْرِ اللَّهِ عَلى الذَّبائِحِ، ولَيْسَ هُنا قَرِينَةٌ تُخَصِّصُهُ بِبَعْضِها دُونَ بَعْضٍ. فَلا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِبَعْضِها، إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، ولَيْسَ مَوْجُودًا هُنا. وتَفْسِيرُهم ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْها، بِأنَّ مَعْناهُ: أنَّ مَن رَأى هَدْيًا أوْ شَيْئًا مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ في العَشْرِ اسْتُحِبَّ لَهُ أنْ يُكَبِّرَ، وأنَّ ذَلِكَ التَّكْبِيرَ هو ذِكْرُ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ - ظاهِرُ السُّقُوطِ كَما تَرى؛ لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِتَفْسِيرِ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ لِلْآيَةِ الكَرِيمَةِ، والتَّحْقِيقُ في تَفْسِيرِها ما هو مَشْهُورٌ عِنْدَ عامَّةِ أهْلِ التَّفْسِيرِ، وهو ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْها عِنْدَ التَّذْكِيَةِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ مُقْتَرِنًا بِهِ: ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾ الآيَةَ [الحج: ٢٨] . وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٢١] .

وَقَوْلُهُ: ﴿وَما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٠٩]، وتَداخُلُ الأيّامِ لا يَمْنَعُ مِن مُغايَرَتِها؛ لِأنَّ الأعَمَّيْنِ مِن وجْهٍ مُتَغايِرانِ إجْماعًا مَعَ تَداخُلِهِما في بَعْضِ الصُّوَرِ.

وَمِمّا يُبْطِلُ القَوْلَ بِأنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ هي العَشَرَةُ المَذْكُورَةُ: أنَّ كَوْنَها العَشَرَةَ المَذْكُورَةَ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ جَوازِ الذَّبْحِ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ اليَوْمِ العاشِرِ، وهو خِلافُ الواقِعِ لِجَوازِ الذَّبْحِ في الحادِيَ عَشَرَ والثّانِيَ عَشَرَ، بَلْ والثّالِثَ عَشَرَ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ. والتَّحْقِيقُ إنْ شاءَ اللَّهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ: أنَّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ هي أيّامُ التَّشْرِيقِ الَّتِي هي أيّامُ رَمْيِ الجَمَراتِ. وحَكى عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ الإجْماعَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى مُتَّصِلًا بِهِ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٠٣]، وأنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ هي أيّامُ النَّحْرِ، فَيَدْخُلُ فِيها يَوْمُ النَّحْرِ واليَوْمانِ بَعْدَهُ، والخِلافُ في الثّالِثَ عَشَرَ، هَلْ هو مِنها كَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ، وقَدْ رَجَّحَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ الثّالِثَ عَشَرَ مِنها. ورَجَّحَ بَعْضُهم: أنَّهُ لَيْسَ مِنها.

(p-١٢٠)وَقَدْ قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ في تَرْجِيحِ القَوْلِ بِأنَّهُ لَيْسَ مِنها ما نَصُّهُ: ولَنا «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنِ الأكْلِ مِنَ النُّسُكِ، فَوْقَ ثَلاثٍ» وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ الذَّبْحُ مَشْرُوعًا في وقْتٍ يَحْرُمُ فِيهِ الأكْلُ، ثُمَّ نُسِخَ تَحْرِيمُ الأكْلِ، وبَقِيَ وقْتُ الذَّبْحِ بِحالِهِ، ولِأنَّ اليَوْمَ الرّابِعَ لا يَجِبُ فِيهِ الرَّمْيُ، فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ الذَّبْحُ كالَّذِي بَعْدَهُ.

وَمِمّا رَجَّحَ بِهِ بَعْضُهم أنَّ اليَوْمَ الرّابِعَ مِنها: أنَّهُ يُؤَدِّي فِيهِ بَعْضَ المَناسِكِ: وهو الرَّمْيُ، إذا لَمْ يَتَعَجَّلْ فَهو كَسابِقِيهِ مِن أيّامِ التَّشْرِيقِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

وَمِمّا يُوَضِّحُ أنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ هي أيّامُ النَّحْرِ، سَواءٌ قُلْنا إنَّها ثَلاثَةٌ، أوْ أرْبَعَةٌ: أنَّ اللَّهَ نَصَّ عَلى أنَّها هي الَّتِي يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ: أيْ عِنْدَ التَّذْكِيَةِ، عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ.

* *

وَإذا عَرَفْتَ كَلامَ أهْلِ العِلْمِ في الأيّامِ المَعْلُوماتِ، الَّتِي هي زَمَنُ الذَّبْحِ.

فاعْلَمْ: أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في لَيالِيها، هَلْ يَجُوزُ فِيها الذَّبْحُ ؟ فَذَهَبَ مالِكٌ، وأصْحابُهُ: إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ ذَبْحُ النُّسُكِ لَيْلًا، فَإنْ ذَبَحَهُ لَيْلًا لَمْ يُجْزِ، وتَصِيرُ شاةَ لَحْمٍ لا نُسُكٍ، وهو رِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ، وهي ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ. وذَهَبَ الشّافِعِيُّ، وأصْحابُهُ: إلى جَوازِ الذَّبْحِ لَيْلًا قالَ النَّوَوِيُّ: وبِهِ قالَ: أبُو حَنِيفَةَ، وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ والجُمْهُورُ وهو الأصَحُّ عَنْ أحْمَدَ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English