Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
Аль-Фуркан 25:21–26
25:21Страница 362
۞ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا ٢١
Те, которые не надеются на встречу с Нами, говорят: «Почему к нам не ниспосланы ангелы? И почему мы не видим нашего Господа?». Они надменно возгордились в душе собой и проявили великое неповиновение.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ .
(p-٣٧)ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَ اللَّهِ قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾، ولَوْلا في هَذِهِ الآيَةِ لِلتَّحْضِيضِ.
والمَعْنى أنَّهم طَلَبُوا بِحَثٍّ وشِدَّةٍ أنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أوْ يَرَوْنَ رَبَّهم، وهَذا التَّعَنُّتُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهم هُنا مِن طَلَبِهِمْ إنْزالَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، أوْ رُؤْيَتَهم رَبَّهم ذَكَرَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى:﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] وقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ قِيلَ: فَتُوحى إلَيْنا كَما أُوحَتْ إلَيْكَ، وهَذا القَوْلُ يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٢٤] وقِيلَ: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ فَنَراهم عِيانًا، وهَذا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] أيْ مُعايَنَةً عَلى القَوْلِ بِذَلِكَ، وقَدْ قَدَّمْنا الأقْوالَ في ذَلِكَ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: (لا يَرْجُونَ) قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا يَرْجُونَ أيْ لا يَخافُونَ لِقاءَنا لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِالبَعْثِ. والرَّجاءُ يُطْلَقُ عَلى الخَوْفِ كَما يُطْلَقُ عَلى الطَّمَعِ. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ قالَ أيْ لا تَخافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها وخالَفَها في بَيْتِ نَوْبِ عَواسِلَ
فَقَوْلُهُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها: أيْ لَمْ يَخَفْ لَسْعَها، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إطْلاقُ الرَّجاءِ عَلى الخَوْفِ لُغَةُ تِهامَةَ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ لا يَأْمُلُونَ، وعَزاهُ القُرْطُبِيُّ لِابْنِ شَجَرَةَ وقالَ: ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أتَرْجُو أُمَّةٌ قَتَلَتْ حُسَيْنًا ∗∗∗ شَفاعَةَ جَدِّهِ يَوْمَ الحِسابِ
أيْ أتَأْمُلُ أُمَّةٌ إلَخْ. والَّذِي لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ لا يَخافُ لِقاءَ اللَّهِ، لِأنَّهُ لا يُصَدِّقُ بِالعَذابِ، ولا يَأْمُلُ الخَيْرَ مِن تِلْقائِهِ، لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالثَّوابِ.
وَقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ أضْمَرُوا التَّكَبُّرَ عَنِ الحَقِّ في قُلُوبِهِمْ، واعْتَقَدُوهُ عِنادًا وكُفْرًا، ويُوَضِّحُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ أيْ تَجاوَزُوا الحَدَّ (p-٣٨)فِي الظُّلْمِ والطُّغْيانِ يُقالُ: عَتا عَلَيْنا فُلانٌ: أيْ تَجاوَزَ الحَدَّ في ظُلْمِنا، ووَصْفُهُ تَعالى عُتُوَّهُمُ المَذْكُورَ بِالكِبْرِ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بالَغَ في إفْراطِهِ، وأنَّهم بَلَغُوا غايَةَ الِاسْتِكْبارِ، وأقْصى العُتُوِّ، وهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تَكْذِيبَ الرُّسُلِ بَعْدَ دَلالَةِ المُعْجِزاتِ، ووُضُوحِ الحَقِّ وعِنادِهِمْ والتَّعَنُّتِ عَلَيْهِمْ بِطَلَبِ إنْزالِ المَلائِكَةِ، أوْ رُؤْيَةِ اسْتِكْبارٍ عَنِ الحَقِّ عَظِيمٌ وعُتُوٌّ كَبِيرٌ يَسْتَحِقُّ صاحِبُهُ النَّكالَ، والتَّقْرِيعَ، ولِذا شَدَّدَ اللَّهُ النَّكِيرَ عَلى مَن تَعَنَّتَ ذَلِكَ التَّعَنُّتَ واسْتَكْبَرَ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ١٠٨]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٥٣]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْتُمْ يامُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥]
واسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأمْثالِها عَلى أنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ مُسْتَحِيلَةٌ اسْتِدْلالٌ باطِلٌ ومَذْهَبُهم والعِياذُ بِاللَّهِ مِن أكْبَرِ الضَّلالِ، وأعْظَمِ الباطِلِ، وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ في كَلامِهِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ لا يُرى، قَوْلٌ باطِلٌ، وكَلامٌ فاسِدٌ.
والحُقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ: أنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللَّهَ بِأبْصارِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ كَما تَواتَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ عَنِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ ﷺ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ مَنطُوقًا ومَفْهُومًا. كَما أوْضَحْناهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى أنَّ اللَّهَ لَوْ فَعَلَ لَهم كُلَّ ما اقْتَرَحُوا لَما آمَنُوا، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
25:22Страница 362
يَوۡمَ يَرَوۡنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ لَا بُشۡرَىٰ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُجۡرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٢٢
В тот день, когда они увидят ангелов, для грешников не будет никакой благой вести, и они (ангелы) скажут: «Вот преграда непреодолимая!».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ طَلَبُوا إنْزالَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، أنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى لَهم، أيْ لا تَسُرُّهم رُؤْيَتُهم ولا تَكُونُ لَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ بِشارَةً بِخَيْرٍ، ورُؤْيَتُهم لِلْمَلائِكَةِ تَكُونُ عِنْدَ احْتِضارِهِمْ، وتَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا بُشْرى لَهم في رُؤْيَتِهِمْ في كِلا الوَقْتَيْنِ.
أمّا رُؤْيَتُهُمُ المَلائِكَةَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ فَقَدْ دَلَّتْ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ أنَّهم لا بِشارَةَ لَهم فِيها لِما يُلاقُونَ مِنَ العَذابِ مِنَ المَلائِكَةِ عِنْدَ المَوْتِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٣٩)﴿وَلَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٥٠]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ وكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧ - ٢٨] وأمّا رُؤْيَتُهُمُ المَلائِكَةَ يَوْمَ القِيامَةِ فَلا بُشْرى لَهم فِيها أيْضًا، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢] يَدُلُّ بِدَلِيلِ خِطابِهِ: أيْ مَفْهُومِ مُخالَفَتِهِ، أنَّ غَيْرَ المُجْرِمِينَ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ تَكُونُ لَهُمُ البُشْرى، وهَذا المَفْهُومُ مِن هَذِهِ الآيَةِ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أظْهَرُ القَوْلَيْنِ فِيهِ عِنْدِي أنَّهُ مِن كَلامِ الكُفّارِ، يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ. لا مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، وإيضاحُهُ: أنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا إنْزالَ المَلائِكَةِ إذا رَأوُا المَلائِكَةَ تَوَقَّعُوا العَذابَ مِن قِبَلِهِمْ، فَيَقُولُونَ حِينَئِذٍ لِلْمَلائِكَةِ: حِجْرًا مَحْجُورًا: أيْ حَرامًا مُحَرَّمًا عَلَيْكم أنْ تَمَسُّونا بِسُوءٍ أيْ لِأنَّنا لَمْ نَرْتَكِبْ ذَنْبًا نَسْتَوْجِبُ بِهِ العَذابَ، كَما أوْضَحَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٢٨] فَقَوْلُهم: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾: أيْ لَمْ نَسْتَوْجِبْ عَذابًا، فَتَعْذِيبُنا حَرامٌ مُحَرَّمٌ، وقَدْ كَذَّبَهُمُ اللَّهُ في دَعْواهم هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وعادَةُ العَرَبِ الَّذِينَ نَزَلَ القُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ، أنَّهم يَقُولُونَ هَذا الكَلامَ، أيْ حِجْرًا مَحْجُورًا عِنْدَ لِقاءِ عَدُوٍّ مَوْتُورٍ أوْ هُجُومِ نازِلَةٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ هَذِهِ الكَلِمَةَ أعْنِي: حِجْرًا مَحْجُورًا في بابِ المَصادِرِ غَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ المَنصُوبَةِ بِأفْعالٍ مَتْرُوكٍ إظْهارُها نَحْوَ: مَعاذَ اللَّهِ، وعَمْرَكَ اللَّهَ، ونَحْوَ ذَلِكَ.
(p-٤٠)وَقَوْلُهُ: حِجْرًا مَحْجُورًا، أصْلُهُ مِن حَجَرَهُ بِمَعْنى مَنَعَهُ، والحِجْرُ: الحَرامُ، لِأنَّهُ مَمْنُوعٌ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وَقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ أيْ حَرامٌ ﴿لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٨] ومِنهُ قَوْلُ المُتَلَمِّسِ:
؎حَنَّتْ إلى النَّخْلَةِ القُصْوى فَقُلْتُ لَها حَجْرٌ حَرامٌ ألا تِلْكَ الدَّهارِيسُ
فَقَوْلُهُ حَرامٌ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ حَجْرٌ لِأنَّ مَعْناهُ حَرامٌ وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ألا أصْبَحَتْ أسْماءُ حِجْرًا مُحَرَّما ∗∗∗ وأصْبَحَتْ مِن أدْنى حَمْوَتِها حَما
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎قَــــالَتْ وفِيها حَـيْرَةٌ وذُعْـرُ ∗∗∗ عَـوْذٌ بِرَبِّي مِنكم وحِجْرُ
وَقَوْلُهُ: مَحْجُورًا تَوْكِيدٌ لِمَعْنى الحِجْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِ العَرَبِ: ذَيْلٌ ذائِلٌ. والذَّيْلُ الهَوانُ، ومَوْتٌ مائِتٌ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ حِجْرًا مَحْجُورًا مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، فَمَعْناهُ: أنَّهم يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ حِجْرًا مَحْجُورًا. أيْ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ تَكُونَ لِلْكُفّارِ اليَوْمَ بُشْرى، أوْ أنْ يُغْفَرَ لَهم، أوْ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وهَذا القَوْلُ اخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُ واحِدٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”يَوْمَ“ مَنصُوبٌ بِأحَدِ شَيْئَيْنِ، إمّا بِما دَلَّ عَلَيْهِ بِلا بُشْرى أيْ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ يُمْنَعُونَ البُشْرى، أوْ يُعْدَمُونَها، ويَوْمَئِذٍ لِلتَّكْرِيرِ، وإمّا بِإضْمارِ اذْكُرْ: أيِ اذْكُرْ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ، ثُمَّ قالَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ.
25:23Страница 362
وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا ٢٣
Мы займемся деяниями, которые они совершили, и обратим их в развеянный прах.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٩] . وفي سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٧] . وغَيْرِ ذَلِكَ فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
25:24Страница 362
أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ يَوۡمَئِذٍ خَيۡرٞ مُّسۡتَقَرّٗا وَأَحۡسَنُ مَقِيلٗا ٢٤
У обитателей Рая в тот день будет более хорошая обитель и более прекрасное место отдыха.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
(p-٤١)اسْتَنْبَطَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ حِسابَ أهْلِ الجَنَّةِ يَسِيرٌ، وأنَّهُ يَنْتَهِي في نِصْفِ نَهارٍ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: مَقِيلًا: أيْ مَكانَ قَيْلُولَةٍ وهي الِاسْتِراحَةُ في نِصْفِ النَّهارِ، قالُوا: وهَذا الَّذِي فُهِمَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، جاءَ بَيانُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ٧ - ٩] .
وَيُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ الآيَةَ، أنَّ أصْحابَ النّارِ لَيْسُوا كَذَلِكَ وأنَّ حِسابَهم غَيْرُ يَسِيرٍ.
وَهَذا المَفْهُومُ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ كَقَوْلِهِ تَعالى قَرِيبًا مِن هَذِهِ الآيَةِ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] فَقَوْلُهُ: ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ غَيْرُ عَسِيرٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ١٠٣] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨] وإذا عَلِمْتَ مِمّا ذَكَرْنا ما جاءَ مِنَ الآياتِ فِيهِ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾، فَهَذِهِ أقْوالُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ في المَعْنى الَّذِي ذَكَرْنا في الآيَةِ.
قالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ: وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ قالَ في الغُرَفِ مِنَ الجَنَّةِ، وكانَ حِسابُهم أنْ عُرِضُوا عَلى رَبِّهِمْ عَرْضَةً واحِدَةً، وذَلِكَ الحِسابُ اليَسِيرُ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ٧ - ٩] وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قالَ: لا يَنْتَصِفُ النَّهارُ مِن يَوْمِ القِيامَةِ حَتّى يَقِيلَ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ ثُمَّ قَرَأ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ وقَرَأ: ثُمَّ إنَّ مَقِيلَهم لَإلى الجَحِيمِ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما هي ضَحْوَةٌ. فَيَقِيلُ أوْلِياءُ اللَّهِ عَلى الأسِرَّةِ مَعَ الحُورِ العِينِ، ويَقِيلُ أعْداءُ اللَّهِ مَعَ الشَّياطِينِ مُقَرَّنِينَ.
وَأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو نُعَيْمٍ في (p-٤٢)الحِلْيَةِ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ: كانُوا يَرَوْنَ أنَّهُ يُفْرَغُ مِن حِسابِ النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، نِصْفَ النَّهارِ. فَيَقِيلُ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ في النّارِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الصَّوّافِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَقْصُرُ عَلى المُؤْمِنِ، حَتّى يَكُونَ كَما بَيْنَ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وإنَّهم لَيَقِيلُونِ في رِياضِ الجَنَّةِ، حِينَ يَفْرَغُ النّاسُ مِنَ الحِسابِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ إلى أنْ قالَ: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: إنِّي لَأعْرِفُ السّاعَةَ الَّتِي يَدْخُلُ فِيها أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، السّاعَةَ الَّتِي يَكُونُ فِيها ارْتِفاعُ الضُّحى الأكْبَرُ، إذا انْقَلَبَ النّاسُ إلى أهْلِيهِمْ لِلْقَيْلُولَةِ، فَيَنْصَرِفُ أهْلُ النّارِ إلى النّارِ، وأمّا أهْلُ الجَنَّةِ فَيُنْطَلَقُ بِهِمْ إلى الجَنَّةِ، فَكانَتْ قَيْلُولَتُهم في الجَنَّةِ، وأُطْعِمُوا كَبِدَ الحُوتِ فَأشْبَعَهم كُلَّهم فَذَلِكَ قَوْلُهُ. ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
وَذَكَرَ نَحْوَهُ القُرْطُبِيُّ مَرْفُوعًا وقالَ: ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ. والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَصِحُّ مَرْفُوعًا، وقالَ القُرْطُبِيُّ أيْضًا: ”وَذَكَرَ قاسِمُ بْنُ أصْبَغَ «مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] فَقُلْتُ ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمُ. فَقالَ ﷺ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةِ المَكْتُوبَةِ“» وهو ضَعِيفٌ أيْضًا، وما ذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِن أنَّهُ قَرَأ ثُمَّ إنَّ مَقِيلَهم لَإلى الجَحِيمِ مَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ شاذٌّ لا تَجُوزُ القِراءَةُ بِهِ، وأنَّ القِراءَةَ الحَقَّ ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨] .
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ قَتادَةَ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ، وعَلَيْهِ فَلا دَلِيلَ في الآيَةِ لِما ذَكَرْنا، وقَوْلُ قَتادَةَ هو أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ أيْ مَنزِلًا ومَأْوًى، وهَذا التَّفْسِيرُ لا دَلِيلَ فِيهِ عَلى القَيْلُولَةِ في نِصْفِ النَّهارِ كَما تَرى.
وَقَدْ بَيَّنّا في كِتابِنا (دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) وجْهَ الجَمْعِ بَيَنْ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ هُنا ﴿وَأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ مِنِ انْقِضاءِ الحِسابِ في نِصْفِ نَهارٍ، وبَيْنَ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ وذَكَرْنا الآياتِ المُشِيرَةَ إلى الجَمْعِ، وبَعْضَ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ.
(p-٤٣)واعْلَمْ أنَّ المَشْهُورَ في كَلامِ العَرَبِ أنَّ المَقِيلَ القَيْلُولَةُ أوْ مَكانُها، وهي الِاسْتِراحَةُ نِصْفَ النَّهارِ زَمَنَ الحَرِّ مَثَلًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَها نَوْمٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ:
؎جَزى اللَّهُ خَيْرَ النّاسِ خَيْرَ جَزائِهِ رَفِيقَيْنِ قالا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ
أيْ نَزَلا فِيها وقْتَ القائِلَةِ، كَما قالَهُ صاحِبُ اللِّسانِ، وما فَسَّرَ بِهِ قَتادَةُ الآيَةَ، مِن أنَّ المَقِيلَ المَنزِلُ والمَأْوى، مَعْرُوفٌ أيْضًا في كَلامِ العَرَبِ. ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ رَواحَةَ:
؎اليَوْمَ نَضْرِبُكم عَلى تَنْزِيلِهِ ∗∗∗ ضَرْبًا يُزِيلُ الهامَ عَنْ مَقِيلِهِ
فَقَوْلُهُ: يُزِيلُ الهامَ عَنْ مَقِيلِهِ، يَعْنِي: يُزِيلُ الرُّءُوسَ عَنْ مَواضِعِها مِنَ الأعْناقِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المَقِيلَ فِيهِ المَحَلُّ الَّذِي تَسْكُنُ فِيهِ الرُّءُوسُ، والظّاهِرُ أنَّ مِن هَذا القَبِيلِ قَوْلَ أُحَيْحَةَ بْنِ الجُلاحِ الأنْصارِيِّ:
؎وَما تَدْرِي وإنْ أجْمَعْتَ أمْرًا ∗∗∗ بِأيِّ الأرْضِ يُدْرِكُكَ المَقِيلُ
وَعَلَيْهِ فالمَعْنى: بِأيِّ الأرْضِ يُدْرِكُكَ الثَّوابُ والإقامَةُ بِسَبَبِ المَوْتِ أوْ غَيْرِهِ مِنَ الأسْبابِ، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ في قَوْلِهِ هُنا: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ تَكَلَّمْنا عَلى مِثْلِها قَرِيبًا في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ١٥] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٥٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الفُرْقانِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى انْقِضاءِ الحِسابِ في نِصْفِ نَهارٍ، لِأنَّ المَقِيلَ لِلْقَيْلُولَةِ أوْ مَكانِها، وهي الِاسْتِراحَةُ نِصْفَ النَّهارِ في الحَرِّ.
وَمِمَّنْ قالَ بِانْقِضاءِ الحِسابِ في نِصْفِ نَهارٍ: ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ لِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ.
وَفِي تَفْسِيرِ الجَلالَيْنَ ما نَصُّهُ: وأُخِذَ مِن ذَلِكَ انْقِضاءُ الحِسابِ في نِصْفِ نَهارٍ، كَما ورَدَ في حَدِيثٍ، انْتَهى مِنهُ، مَعَ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ مِقْدارَ يَوْمِ القِيامَةِ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] .
والظّاهِرُ في الجَوابِ: أنْ يَوْمَ القِيامَةِ يَطُولُ عَلى الكُفّارِ ويَقْصُرُ عَلى المُؤْمِنِينَ، ويُشِيرُ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذا بِقَلِيلٍ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] فَتَخْصِيصُهُ عُسْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِالكافِرِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٩ - ١٠]، يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أيْضًا عَلى أنَّهُ يَسِيرٌ عَلى المُؤْمِنِينَ غَيْرُ عَسِيرٍ.
كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاع يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨]، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنِي يُونُسُ أنْبَأنا ابْنُ وهْبٍ أنْبَأنا عَمْرُو بْنُ الحارِثِ أنَّ سَعِيدًا الصَّوّافَ حَدَّثَهُ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَقْصُرُ عَلى المُؤْمِنِينَ حَتّى يَكُونَ كَما بَيْنَ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وأنَّهم يَتَقَلَّبُونَ في رِياضِ الجَنَّةِ حَتّى يُفْرَغَ مِنَ النّاسِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ ونَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ السُّرُورَ يَقْصُرُ بِهِ الزَّمَنُ، والكُرُوبَ والهُمُومَ سَبَبٌ لِطُولِهِ، كَما قالَ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ يَرْثِي النَّبِيَّ ﷺ [ الوافِرِ ]:(p-٣٥٧)
؎أرِقْتُ فَباتَ لَيْلِي لا يَزُولُ ولَيْلُ أخِي المُصِيبَةِ فِيهِ طُولُ
وَقالَ الآخَرُ:
؎فَقِصارُهُنَّ مَعَ الهُمُومِ طَوِيلَةٌ ∗∗∗ وطِوالُهُنَّ مَعَ السُّرُورِ قِصارُ
وَلَقَدْ أجادَ مَن قالَ:
؎لَيْلِي ولَيْلى نَفى نَوْمِي اخْتِلافُهُما ∗∗∗ في الطُّولِ والطُّولُ طُوبى لِي لَوِ اعْتَدَلا
؎يَجُودُ بِالطُّولِ لَيْلِي كُلَّما بَخِلَتْ ∗∗∗ بِالطُّولِ لَيْلى وإنْ جادَتْ بِهِ بَخِلا
وَمِثْلُ هَذا كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ جِدًّا، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَ المَقِيلَ بِأنَّهُ المَأْوى والمَنزِلُ، كَقَتادَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَلا تَعارُضَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ أصْلًا، لِأنَّ المَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ: أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًا وأحْسَنُ مَأْوًى ومَنزِلًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
25:25Страница 362
وَيَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلۡغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥
В тот день небо разверзнется и покроется облаками, и будут низведены ангелы.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ السَّماءَ تَتَشَقَّقُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالغَمامِ، وأنَّ المَلائِكَةَ تُنَزَّلُ تَنْزِيلًا. وقالَ القُرْطُبِيُّ: تَتَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ أيْ عَنِ الغَمامِ. قالَ: والباءُ وعَنْ يَتَعاقَبانِ كَقَوْلِكَ: رُمِيتُ بِالقَوْسِ، وعَنِ القَوْسِ انْتَهى. ويُسْتَأْنَسُ لِمَعْنى عَنْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم سِراعًا﴾ الآيَةَ [ق: ٤٤] .
وَهَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن تَشَقُّقِ السَّماءِ يَوْمَ القِيامَةِ ووُجُودِ الغَمامِ، وتَنْزِيلِ المَلائِكَةِ كُلُّها جاءَتْ مُوَضَّحَةً في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
أمّا تَشَقُّقُ السَّماءِ يَوْمَ القِيامَةِ فَقَدْ بَيَّنَهُ جَلَّ وعَلا في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٥ - ١٦]
• وقَوْلِهِ: (p-٤٤)﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ الآيَةَ [الإنشقاق: ١]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ ﴿وَإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ الآيَةَ [المرسلات: ٨ - ٩] فَقَوْلُهُ: فُرِجَتْ: أيْ شُقَّتْ، فَكانَ فِيها فُرُوجٌ أيْ شُقُوقٌ
• كَقَوْلِهِ، ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبإ: ١٩] وأمّا الغَمامُ ونُزُولُ المَلائِكَةِ، فَقَدْ ذَكَرَهُما مَعًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٠] . وقَدْ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا نُزُولَ المَلائِكَةِ في آياتٍ أُخْرى
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٥٨]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨] .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى: أنَّ السَّماءَ تَنْفَتِحُ بِغَمامٍ يَخْرُجُ مِنها، وفي الغَمامِ المَلائِكَةُ يَنْزِلُونَ، وفي أيْدِيهِمْ صُحُفُ أعْمالِ العِبادِ. انْتَهى مِنهُ.
وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: (تَشَّقَّقَ) بِتَشْدِيدِ الشِّينِ، والباقُونَ بِتَخْفِيفِها بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (ونُنْزِلُ المَلائِكَةَ) بِنُونَيْنِ الأُولى مَضْمُومَةٌ، والثّانِيَةُ ساكِنَةٌ مَعَ تَخْفِيفِ الزّايِ، وضَمِّ اللّامِ، مُضارِعُ أنْزَلَ، والمَلائِكَةَ بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ بِهِ، والباقُونَ بِنُونٍ واحِدَةٍ وكَسْرِ الزّايِ المُشَدَّدَةِ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَلائِكَةُ مَرْفُوعًا نائِبُ فاعِلِ نُزِّلَ، والأظْهَرُ أنَّ يَوْمَ مَنصُوبٌ بِـ اذْكُرْ مُقَدَّرًا، كَما قالَهُ القُرْطُبِيُّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
25:26Страница 362
ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِۚ وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا ٢٦
В тот день власть будет истинной и будет принадлежать Милостивому, и день тот будет тяжким для неверующих.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُلْكَ الحَقَّ يَوْمَ القِيامَةِ لَهُ جَلَّ وعَلا دُونَ غَيْرِهِ، وأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ كانَ عَسِيرًا عَلى الكافِرِينَ.
وَهَذانِ الأمْرانِ المَذْكُورانِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ جاءا مُوَضَّحَيْنِ في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، أمّا كَوْنُ المُلْكِ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَقَدْ ذَكَرَهُ تَعالى في آياتٍ مِن كِتابِهِ
• كَقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]
• وقَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٧٣]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
(p-٤٥)وَأمّا كَوْنُ يَوْمِ القِيامَةِ عَسِيرًا عَلى الكافِرِينَ، فَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلَيْهِ قَرِيبًا في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ الآيَةَ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии