Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
Ан-Намль 27:80
27:80Страница 384
إِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ ٨٠
Ты не заставишь слышать мертвецов и не заставишь глухих услышать твой призыв, когда они обращаются вспять.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ القَرائِنُ القُرْآنِيَّةُ واسْتِقْراءُ القُرْآنِ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، لا يَصِحُّ فِيهِ مِن أقْوالِ العُلَماءِ، إلّا تَفْسِيرانِ: الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، أيْ: لا تُسْمِعُ الكُفّارَ الَّذِينَ أماتَ اللَّهُ قُلُوبَهم، وكَتَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقاءَ في سابِقِ عِلْمِهِ إسْماعَ هُدًى وانْتِفاعٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقاءَ، فَخَتَمَ عَلى قُلُوبِهِمْ، وعَلى سَمْعِهِمْ، وجَعَلَ عَلى قُلُوبِهِمُ الأكِنَّةَ، وفي آذانِهِمُ الوَقْرَ، (p-١٢٥)وَعَلى أبْصارِهِمُ الغِشاوَةَ، فَلا يَسْمَعُونَ الحَقَّ سَماعَ اهْتِداءٍ وانْتِفاعٍ. ومِنَ القَرائِنِ القُرْآنِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى ما ذَكَرْنا، أنَّهُ جَلَّ وعَلا قالَ بَعْدَهُ: ﴿وَما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ﴾ [النمل: ٨١] .
فاتَّضَحَ بِهَذِهِ القَرِينَةِ أنَّ المَعْنى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، أيِ: الكُفّارَ الَّذِينَ هم أشْقِياءُ في عِلْمِ اللَّهِ إسْماعَ هُدًى وقَبُولٍ لِلْحَقِّ، ما تُسْمِعُ ذَلِكَ الإسْماعَ ﴿وَما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾، فَمُقابَلَتُهُ جَلَّ وعَلا بِالإسْماعِ المَنفِيِّ في الآيَةِ عَنِ المَوْتى بِالإسْماعِ المُثْبَتِ فِيها لِمَن يُؤْمِنُ بِآياتِهِ، فَهو مُسَلَّمٌ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَوْتِ في الآيَةِ مَوْتُ الكُفْرِ والشَّقاءِ، لا مَوْتُ مُفارَقَةِ الرُّوحِ لِلْبَدَنِ، ولَوْ كانَ المُرادُ بِالمَوْتِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، مُفارَقَةَ الرُّوحِ لِلْبَدَنِ لَما قابَلَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ بَلْ لَقابَلَهُ بِما يُناسِبُهُ، كَأنْ يُقالَ: إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن لَمْ يَمُتْ، أيْ: يُفارِقْ رُوحُهُ بَدَنَهُ، كَما هو واضِحٌ.
وَإذا عَلِمْتَ أنَّ هَذِهِ القَرِينَةَ القُرْآنِيَّةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَوْتى هُنا الأشْقِياءُ، الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ الحَقَّ سَماعَ هُدًى وقَبُولٍ.
فاعْلَمْ أنَّ اسْتِقْراءَ القُرْآنِ العَظِيمِ يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] وقَدْ أجْمَعَ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ المُرادَ بِالمَوْتى في قَوْلِهِ: ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾: الكُفّارُ، ويَدُلُّ لَهُ مُقابَلَةُ المَوْتى في قَوْلِهِ: ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ بِالَّذِينِ يَسْمَعُونَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾، ويُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى قَبْلَهُ: ﴿وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥] أيْ: فافْعَلْ، ثُمَّ قالَ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٣٥ - ٣٦] وهَذا واضِحٌ فِيما ذَكَرْنا. ولَوْ كانَ يُرادُ بِالمَوْتى مَن فارَقَتْ أرْواحُهم أبْدانَهم لَقابَلَ المَوْتى بِما يُناسِبُهم؛ كَأنْ يُقالَ: إنَّما يَسْتَجِيبُ الأحْياءُ، أيِ: الَّذِينَ لَمْ تُفارِقْ أرْواحُهم أبْدانَهم، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢] .
(p-١٢٦)فَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا﴾، أيْ: كافِرًا فَأحْيَيْناهُ، أيْ: بِالإيمانِ والهُدى، وهَذا لا نِزاعَ فِيهِ، وفِيهِ إطْلاقُ المَوْتِ وإرادَةُ الكُفْرِ بِلا خِلافٍ؛ وكَقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ [فاطر: ٢٢] أيْ: لا يَسْتَوِي المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ.
وَمِن أوْضَحِ الأدِلَّةِ عَلى هَذا المَعْنى، أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ الآيَةَ، وما في مَعْناها مِنَ الآياتِ كُلِّها، تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ لِأنَّهُ يُحْزِنُهُ عَدَمُ إيمانِهِمْ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٩٧]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٢٧]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨]
• وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٨]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. ولَمّا كانَ يُحْزِنُهُ كُفْرُهم وعَدَمُ إيمانِهِمْ، أنْزَلَ اللَّهُ آياتٍ كَثِيرَةً تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ بَيَّنَ لَهُ فِيها أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ ﷺ عَلى هُدى مَن أضَلَّهُ اللَّهُ، فَإنَّ الهُدى والإضْلالَ بِيَدِهِ جَلَّ وعَلا وحْدَهُ، وأوْضَحَ لَهُ أنَّهُ نَذِيرٌ، وقَدْ أتى بِما عَلَيْهِ فَأنْذَرَهم عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأبْلَغِها، وأنَّ هُداهم وإضْلالَهم بِيَدِ مَن خَلَقَهم.
وَمِنَ الآياتِ النّازِلَةِ تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ، قَوْلُهُ هُنا: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، أيْ: لا تُسْمِعُ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ إسْماعَ هُدًى وقَبُولٍ، ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾، يَعْنِي: ما تُسْمِعُ إسْماعَ هُدًى وقَبُولٍ إلّا مَن هَدَيْناهم لِلْإيمانِ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ.
والآياتُ الدّالَّةُ عَلى هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ الآيَةَ [النحل: ٣٧]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ الآيَةَ [القصص: ٥٦]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٩٩]
إلى غَيْرِ (p-١٢٧)ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. ولَوْ كانَ مَعْنى الآيَةِ وما شابَهَها: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، أيِ: الَّذِينَ فارَقَتْ أرْواحُهم أبْدانَهم لَما كانَ في ذَلِكَ تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ كَما تَرى.
واعْلَمْ: أنَّ آيَةَ ”النَّمْلِ“ هَذِهِ جاءَتْ آيَتانِ أُخْرَيانِ بِمَعْناها: الأُولى مِنهُما: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”الرُّومِ“: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وَما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٢ - ٥٣] ولَفْظُ آيَةِ ”الرُّومِ“ هَذِهِ كَلَفْظِ آيَةِ ”النَّمْلِ“ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها، فَيَكْفِي في بَيانِ آيَةِ ”الرُّومِ“، ما ذَكَرْنا في آيَةِ ”النَّمْلِ“ .
والثّانِيَةُ مِنهُما: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”فاطِرٍ“: ﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] وآيَةُ ”فاطِرٍ“ هَذِهِ كَآيَةِ ”النَّمْلِ“ و ”الرُّومِ“ المُتَقَدِّمَتَيْنِ، لِأنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ فِيها: ﴿مَن في القُبُورِ﴾ المَوْتى، فَلا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾؛ لِأنَّ المُرادَ بِالمَوْتى ومَن في القُبُورِ واحِدٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ [الحج: ٧] أيْ: يَبْعَثُ جَمِيعَ المَوْتى مَن قُبِرَ مِنهم ومَن لَمْ يُقْبَرْ، وقَدْ دَلَّتْ قَرائِنُ قُرْآنِيَّةٌ أيْضًا عَلى أنَّ مَعْنى آيَةِ ”فاطِرٍ“ هَذِهِ كَمَعْنى آيَةِ ”الرُّومِ“، مِنها قَوْلُهُ تَعالى قَبْلَها: ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ [فاطر: ١٨] لِأنَّ مَعْناها: لا يَنْفَعُ إنْذارُكَ إلّا مَن هُداهُ اللَّهُ ووَفَّقَهُ فَصارَ مِمَّنْ يَخْشى رَبَّهُ بِالغَيْبِ ويُقِيمُ الصَّلاةَ، ﴿وَما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾، أيِ: المَوْتى، أيِ: الكُفّارَ الَّذِينَ سَبَقَ لَهُمُ الشَّقاءُ كَما تَقَدَّمَ. ومِنها قَوْلُهُ تَعالى أيْضًا: ﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩] أيِ: المُؤْمِنُ والكافِرُ. وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَها: ﴿وَما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ [فاطر: ٢٢] أيِ: المُؤْمِنُونَ والكُفّارُ. ومِنها قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ [الطور: ٢٣] أيْ: لَيْسَ الإضْلالُ والهُدى بِيَدِكَ ما أنْتَ إلّا نَذِيرٌ، أيْ: وقَدْ بَلَّغْتَ.
التَّفْسِيرُ الثّانِي: هو أنَّ المُرادَ بِالمَوْتى الَّذِينَ ماتُوا بِالفِعْلِ، ولَكِنَّ المُرادَ بِالسَّماعِ المَنفِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ خُصُوصُ السَّماعِ المُعْتادِ الَّذِي يَنْتَفِعُ صاحِبُهُ بِهِ، وأنَّ هَذا مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْكُفّارِ، والكُفّارُ يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ، لَكِنْ لا يَسْمَعُونَ سَماعَ قَبُولٍ بِفِقْهٍ واتِّباعٍ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً (p-١٢٨)وَنِداءً﴾ [البقرة: ١٧١] فَهَكَذا المَوْتى الَّذِينَ ضُرِبَ بِهِمُ المَثَلُ لا يَجِبُ أنْ يُنْفى عَنْهم جَمِيعُ أنْواعِ السَّماعِ، كَما لَمْ يُنْفَ ذَلِكَ عَنِ الكُفّارِ، بَلْ قَدِ انْتَفى عَنْهُمُ السَّماعُ المُعْتادُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وأمّا سَماعٌ آخَرُ فَلا، وهَذا التَّفْسِيرُ الثّانِي جَزَمَ بِهِ واقْتَصَرَ عَلَيْهِ أبُو العَبّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، كَما سَيَأْتِي إيضاحُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ في هَذا المَبْحَثِ.
وَهَذا التَّفْسِيرُ الأخِيرُ دَلَّتْ عَلَيْهِ أيْضًا آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، جاءَ فِيها التَّصْرِيحُ بِالبَكَمِ والصَّمَمِ والعَمى مُسْنَدًا إلى قَوْمٍ يَتَكَلَّمُونَ ويَسْمَعُونَ ويُبْصِرُونَ، والمُرادُ بِصَمَمِهِمْ صَمَمُهم عَنْ سَماعِ ما يَنْفَعُهم دُونَ غَيْرِهِ، فَهم يَسْمَعُونَ غَيْرَهُ، وكَذَلِكَ في البَصَرِ والكَلامِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى في المُنافِقِينَ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨] فَقَدْ قالَ فِيهِمْ: صُمٌّ بُكْمٌ مَعَ شِدَّةِ فَصاحَتِهِمْ وحَلاوَةِ ألْسِنَتِهِمْ، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى فِيهِمْ: ﴿وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: ٤] أيْ: لِفَصاحَتِهِمْ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ إنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ، وإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوا المُسْلِمِينَ بِألْسِنَةٍ حِدادٍ، هُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾، وما ذَلِكَ إلّا أنَّ صَمَمَهم وبَكَمَهم وعَماهم بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ خاصٍّ، وهو ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ الحَقِّ، فَهَذا وحْدَهُ هو الَّذِي صُمُّوا عَنْهُ فَلَمْ يَسْمَعُوهُ، وبُكِمُوا عَنْهُ فَلَمْ يَنْطِقُوا بِهِ، وعُمُوا عَنْهُ فَلَمْ يَرَوْهُ مَعَ أنَّهم يَسْمَعُونَ غَيْرَهُ ويُبْصِرُونَهُ، ويَنْطِقُونَ بِهِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٢٦] وهَذا واضِحٌ كَما تَرى.
وَقَدْ أوْضَحْنا هَذا غايَةَ الإيضاحِ مَعَ شَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ في الكَلامِ عَلى وجْهِ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ في المُنافِقِينَ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] مَعَ قَوْلِهِ فِيهِمْ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠]
• وقَوْلِهِ فِيهِمْ: ﴿سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]
• وقَوْلِهِ فِيهِمْ أيْضًا: ﴿وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ
• لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: ٤]
وقَدْ أوْضَحْنا هُناكَ أنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ الصَّمَمَ وعَدَمَ السَّماعِ عَلى السَّماعِ، الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ، وذَكَرْنا بَعْضَ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ عَلى ذَلِكَ.
* *
مَسْألَةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
اعْلَمْ أنَّ الَّذِي يَقْتَضِي الدَّلِيلُ رُجْحانَهُ هو أنَّ المَوْتى في قُبُورِهِمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ مَن (p-١٢٩)كَلَّمَهم، وأنَّ قَوْلَ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - ومَن تَبِعَها: إنَّهم لا يَسْمَعُونَ، اسْتِدْلالًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، وما جاءَ بِمَعْناها مِنَ الآياتِ غَلَطٌ مِنها رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، ومِمَّنْ تَبِعَها.
وَإيضاحُ كَوْنِ الدَّلِيلِ يَقْتَضِي رُجْحانَ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى مُقَدِّمَتَيْنِ:
الأُولى مِنهُما: أنَّ سَماعَ المَوْتى ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في أحادِيثَ مُتَعَدِّدَةٍ ثُبُوتًا لا مَطْعَنَ فِيهِ، ولَمْ يَذْكُرْ ﷺ أنَّ ذَلِكَ خاصٌّ بِإنْسانٍ ولا بِوَقْتٍ.
والمُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: هي أنَّ النُّصُوصَ الصَّحِيحَةَ عَنْهُ ﷺ في سَماعِ المَوْتى لَمْ يَثْبُتْ في الكِتابِ ولا في السُّنَّةِ شَيْءٌ يُخالِفُها، وتَأْوِيلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بَعْضَ الآياتِ عَلى مَعْنًى يُخالِفُ الأحادِيثَ المَذْكُورَةَ، لا يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ في مَعْنى الآياتِ أوْلى بِالصَّوابِ مِنهُ، فَلا تُرَدُّ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِتَأوُّلِ بَعْضِ الصَّحابَةِ بَعْضَ الآياتِ، وسَنُوَضِّحُ هُنا إنْ شاءَ اللَّهُ صِحَّةَ المُقْدِمَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وإذا ثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ سَماعَ المَوْتى ثابِتٌ عَنْهُ ﷺ مِن غَيْرِ مُعارِضٍ صَرِيحٍ، عُلِمَ بِذَلِكَ رُجْحانُ ما ذَكَرْنا، أنَّ الدَّلِيلَ يَقْتَضِي رُجْحانَهُ.
أمّا المُقَدِّمَةُ الأُولى، وهي ثُبُوتُ سَماعِ المَوْتى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَدْ قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، سَمِعَ رَوْحَ بْنَ عُبادَةَ، حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ أبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتادَةَ، قالَ: ذَكَرَ لَنا أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنْ أبِي طَلْحَةَ أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ «أمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ رَجُلًا مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، فَقُذِفُوا في طُوًى مِن أطْواءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وكانَ إذا ظَهَرَ عَلى قَوْمٍ أقامَ بِالعَرْصَةِ ثَلاثَ لَيالٍ، فَلَمّا كانَ بِبَدْرٍ اليَوْمَ الثّالِثَ أمَرَ بِراحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْها رَحْلُها، ثُمَّ مَشى واتَّبَعَهُ أصْحابُهُ، وقالُوا: ما نَرى يَنْطَلِقُ إلّا لِبَعْضِ حاجَتِهِ، حَتّى قامَ عَلى شَفَةِ الرَّكِيِّ، فَجَعَلَ يُنادِيهِمْ بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ: ”يا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، ويا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، أيَسُرُّكم أنَّكم أطَعْتُمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَإنّا قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًا، فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًا“ ؟ قالَ: فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما تُكَلِّمُ مِن أجْسادٍ لا أرْواحَ لَها ؟ ! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم“»، قالَ قَتادَةُ: أحْياهُمُ اللَّهُ لَهُ حَتّى أسْمَعَهم تَوْبِيخًا وتَصْغِيرًا ونِقْمَةً وحَسْرَةً ونَدَمًا.
فَهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ أقْسَمَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ الأحْياءَ الحاضِرِينَ لَيْسُوا بِأسْمَعَ لِما يَقُولُ ﷺ مِن أُولَئِكَ المَوْتى بَعْدَ ثَلاثٍ، وهو نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ في سَماعِ المَوْتى، ولَمْ يَذْكُرْ ﷺ في ذَلِكَ (p-١٣٠)تَخْصِيصًا، وكَلامُ قَتادَةَ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْهُ البُخارِيُّ اجْتِهادٌ مِنهُ، فِيما يَظْهَرُ.
وَقالَ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“ أيْضًا: حَدَّثَنِي عُثْمانُ، حَدَّثَنِي عَبْدَةُ عَنْ هُشامٍ عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى قَلِيبِ بَدْرٍ، فَقالَ: ”هَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا“ ؟ ثُمَّ قالَ: ”إنَّهُمُ الآنَ يَسْمَعُونَ ما أقُولُ“، فَذُكِرَ لِعائِشَةَ، فَقالَتْ: إنَّما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنَّهُمُ الآنَ لَيَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِي كُنْتُ أقُولُ لَهم هو الحَقُّ“»، ثُمَّ قَرَأتْ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، حَتّى قَرَأتِ الآيَةَ، انْتَهى مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ.
وَقَدْ رَأيْتُهُ أخْرَجَ عَنْ صَحابِيَّيْنِ جَلِيلَيْنِ هُما: ابْنُ عُمَرَ، وأبُو طَلْحَةَ، تَصْرِيحَ النَّبِيِّ ﷺ بِأنَّ أُولَئِكَ المَوْتى يَسْمَعُونَ ما يَقُولُ لَهم، ورَدُّ عائِشَةَ لِرِوايَةِ ابْنِ عُمَرَ بِما فَهِمَتْ مِنَ القُرْآنِ مَرْدُودٌ، كَما سَتَرى إيضاحَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وَقَدْ أوْضَحْنا في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الإسراء: ١٥]، أنَّ رَدَّها عَلى ابْنِ عُمَرَ أيْضًا رِوايَتَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ أهْلِهِ» بِما فَهِمَتْ مِنَ الآيَةِ - مَرْدُودٌ أيْضًا، وأوْضَحْنا أنَّ الحَقَّ مَعَ ابْنِ عُمَرَ في رِوايَتِهِ لا مَعَها فِيما فَهِمَتْ مِنَ القُرْآنِ.
وَقالَ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“ أيْضًا: حَدَّثَنا عَيّاشٌ، حَدَّثَنا عَبْدُ الأعْلى، حَدَّثَنا سَعِيدٌ، قالَ: وقالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنا ابْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ العَبْدَ إذا وُضِعَ في قَبْرِهِ وتَوَلّى عَنْهُ أصْحابُهُ، وإنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِهِمْ، أتاهُ مَلَكانِ فَيُقْعِدانِهِ فَيَقُولانِ: ما كُنْتَ تَقُولُ في هَذا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ فَيَقُولُ: أشْهَدُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، فَيُقالُ: انْظُرْ إلى مَقْعَدِكَ مِنَ النّارِ أبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا في الجَنَّةِ» الحَدِيثَ، وقَدْ رَأيْتُ في هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ تَصْرِيحَ النَّبِيِّ ﷺ بِأنَّ المَيِّتَ في قَبْرِهِ، يَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِ مَن دَفَنُوهُ إذا رَجَعُوا، وهو نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ في سَماعِ المَوْتى، ولَمْ يَذْكُرْ ﷺ فِيهِ تَخْصِيصًا.
وَقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ”صَحِيحِهِ“: حَدَّثَنِي إسْحاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ الهُذَلِيُّ، حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ المُغِيرَةِ، عَنْ ثابِتٍ، قالَ: قالَ أنَسٌ: كُنْتُ مَعَ عُمَرَ [ ح ]، وحَدَّثَنا شَيْبانُ بْنُ فَرُّوخٍ، واللَّفْظُ لَهُ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ المُغِيرَةِ بْنِ ثابِتٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: كُنّا مَعَ عُمَرَ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ فَتَراءَيْنا الهِلالَ، الحَدِيثَ. وفِيهِ: فَقالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُرِينا مُصارِعَ أهْلِ بَدْرٍ» بِالأمْسِ، يَقُولُ: ”هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ غَدًا إنْ شاءَ اللَّهُ“، قالَ: فَقالَ عُمَرُ: فَوالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ ما أخْطَئُوا الحُدُودَ الَّتِي حَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجُعِلُوا في بِئْرٍ (p-١٣١)بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى انْتَهى إلَيْهِمْ فَقالَ: ”يا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، ويا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، هَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ حَقًّا ؟ فَإنِّي قَدْ وجَدْتُ ما وعَدَنِي اللَّهُ حَقًّا“، قالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ تُكَلِّمُ أجْسادًا لا أرْواحَ فِيها ؟ قالَ: ”ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم، غَيْرَ أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرُدُّوا عَلَيَّ شَيْئًا“ .
حَدَّثَنا هَدّابُ بْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ قَتْلى بَدْرٍ ثَلاثًا ثُمَّ أتاهم، فَقامَ عَلَيْهِمْ فَناداهم، فَقالَ: ”يا أبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ، يا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، يا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، ألَيْسَ قَدْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكُمُ اللَّهُ حَقًّا، فَإنِّي قَدْ وجَدْتُ ما وعَدَنِي رَبِّي حَقًّا“، فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَسْمَعُوا وأنّى يُجِيبُوا وقَدْ جَيَّفُوا ؟ قالَ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم، ولَكِنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يُجِيبُوا“، ثُمَّ أمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا، فَأُلْقُوا في قَلِيبِ بَدْرٍ» .
ثُمَّ ذَكَرَ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذا رِوايَةَ أنَسٍ عَنْ أبِي طَلْحَةَ، الَّتِي ذَكَرْناها عَنِ البُخارِيِّ، فَتَرى هَذِهِ الأحادِيثَ الثّابِتَةَ في الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ وابْنِهِ، وأنَسٍ، وأبِي طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، فِيها التَّصْرِيحُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِأنَّ الأحْياءَ الحاضِرِينَ لَيْسُوا بِأسْمَعَ مِن أُولَئِكَ المَوْتى لِما يَقُولُهُ ﷺ، وقَدْ أقْسَمَ ﷺ عَلى ذَلِكَ ولَمْ يَذْكُرْ تَخْصِيصًا، وقالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ في ”صَحِيحِهِ“ أيْضًا: حَدَّثَنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنا شَيْبانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِمَنِ، عَنْ قَتادَةَ، حَدَّثَنا أنَسُ بْنُ مالِكٍ، قالَ: قالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ العَبْدَ إذا وُضِعَ في قَبْرِهِ وتَوَلّى عَنْهُ أصْحابُهُ إنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِهِمْ ”، قالَ:“ يَأْتِيهِ مَلَكانِ فَيُعْقِدانِهِ» الحَدِيثَ، وفِيهِ تَصْرِيحُ النَّبِيِّ ﷺ بِسَماعِ المَيِّتِ في قَبْرِهِ قَرْعَ النِّعالِ، وهو نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ في سَماعِ المَوْتى، وظاهِرُهُ العُمُومُ في كُلِّ مَن دُفِنَ وتَوَلّى عَنْهُ قَوْمُهُ، كَما تَرى.
وَمِنَ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى عُمُومِ سَماعِ المَوْتى ما رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ يَحْيى التَّمِيمِيُّ، ويَحْيى بْنُ أيُّوبَ، وقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قالَ يَحْيى بْنُ يَحْيى: أخْبَرَنا، وقالَ الآخَرانِ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شَرِيكٍ، وهو ابْنُ أبِي نَمِرٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، أنَّها قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّما كانَ لَيْلَتُها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ مِن آخِرِ اللَّيْلِ إلى البَقِيعِ، فَيَقُولُ: ”السَّلامُ عَلَيْكم دارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وأتاكم ما تُوعَدُونَ غَدًا مُؤَجَّلُونَ، وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكم لاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأهْلِ بَقِيعِ الغَرْقَدِ“، ولَمْ يُقِمْ قُتَيْبَةُ قَوْلَهُ: ”وَأتاكم ما تُوعِدُونَ“»، وفي رِوايَةٍ في صَحِيحٍ مُسْلِمٍ عَنْها، قالَتْ: «كَيْفَ أقُولُ لَهم يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَ: ”قُولِي: السَّلامُ عَلى أهْلِ (p-١٣٢)الدِّيارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُسْلِمِينَ ويَرْحَمُ اللَّهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنّا والمُسْتَأْخِرِينَ، وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكم لَلاحِقُونَ“»، ثُمَّ قالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، وزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قالا: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأسَدِيُّ عَنْ سُفْيانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أبِيهِ، قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهم إذا خَرَجُوا إلى المَقابِرِ، فَكانَ قائِلُهم يَقُولُ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: «السَّلامُ عَلى أهْلِ الدِّيارِ»، وفي رِوايَةِ زُهَيْرٍ: «السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ الدِّيارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُسْلِمِينَ، وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكم لَلاحِقُونَ، نَسْألُ اللَّهَ لَنا ولَكُمُ العافِيَةَ»، انْتَهى مِن ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ .
وَخِطابُهُ ﷺ لِأهْلِ القُبُورِ بِقَوْلِهِ: «السَّلامُ عَلَيْكم»، وقَوْلُهُ: «وَإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكم»، ونَحْوُ ذَلِكَ يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّهم يَسْمَعُونَ سَلامَهُ لِأنَّهم لَوْ كانُوا لا يَسْمَعُونَ سَلامَهُ وكَلامَهُ لَكانَ خِطابُهُ لَهم مِن جِنْسِ خِطابِ المَعْدُومِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن شَأْنِ العُقَلاءِ، فَمِنَ البَعِيدِ جَدًّا صُدُورُهُ مِنهُ ﷺ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ ذِكْرُ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ العاصِ الدّالِّ عَلى أنَّ المَيِّتَ في قَبْرِهِ يَسْتَأْنِسُ بِوُجُودِ الحَيِّ عِنْدَهُ.
وَإذا رَأيْتَ هَذِهِ الأدِلَّةَ الصَّحِيحَةَ الدّالَّةَ عَلى سَماعِ المَوْتى، فاعْلَمْ أنَّ الآياتِ القُرْآنِيَّةَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وَما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] لا تُخالِفُها، وقَدْ أوْضَحْنا الصَّحِيحَ مِن أوْجُهِ تَفْسِيرِها، وذَكَرْنا دَلالَةَ القَرائِنِ القُرْآنِيَّةِ عَلَيْهِ، وأنَّ اسْتِقْراءَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَمِمَّنْ جَزَمَ بِأنَّ الآياتِ المَذْكُورَةَ لا تُنافِي الأحادِيثَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي ذَكَرْنا أبُو العَبّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، فَقَدْ قالَ في الجُزْءِ الرّابِعِ مِن ”مَجْمُوعِ الفَتاوِي“ مِن صَحِيفَةِ خَمْسٍ وتِسْعِينَ ومِائَتَيْنِ، إلى صَحِيفَةِ تِسْعٍ وتِسْعِينَ ومِائَتَيْنِ، ما نَصُّهُ: وقَدْ تُعادُ الرُّوحُ إلى البَدَنِ في غَيْرِ وقْتِ المَسْألَةِ، كَما في الحَدِيثِ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: «ما مِن رَجُلٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ الرَّجُلِ الَّذِي كانَ يَعْرِفُهُ في الدُّنْيا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ، إلّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ» ”. وفي سُنَنِ أبِي داوُدَ وغَيْرِهِ عَنْ أوْسِ بْنِ أبِي أوْسٍ الثَّقَفِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «“ إنَّ خَيْرَ أيّامِكم يَوْمُ الجُمُعَةِ، فَأكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ولَيْلَةَ الجُمُعَةِ، فَإنَّ صَلاتَكم مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ ”، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهَ كَيْفَ تُعْرَضُ صَلاتُنا عَلَيْكَ وقَدْ أرِمْتَ ؟ فَقالَ:“ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلى الأرْضِ أنْ تَأْكُلَ أجْسادَ الأنْبِياءِ»، وهَذا البابُ فِيهِ مِنَ الأحادِيثِ والآثارِ، ما يَضِيقُ هَذا الوَقْتُ عَنِ اسْتِقْصائِهِ، مِمّا يُبَيِّنُ أنَّ الأبْدانَ الَّتِي في القُبُورِ تَنْعَمُ وتُعَذَّبُ إذا شاءَ اللَّهُ ذَلِكَ كَما يَشاءُ، وأنَّ الأرْواحَ باقِيَةٌ بَعْدَ مُفارَقَةِ البَدَنِ ومُنْعِمَةٌ أوْ مُعَذَّبَةٌ، ولِذا أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالسَّلامِ عَلى المَوْتى، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ والسُّنَنِ أنَّهُ كانَ يُعَلِّمُ (p-١٣٣)أصْحابَهُ إذا زارُوا القُبُورَ أنْ يَقُولُوا: «السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ الدِّيارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكم لاحِقُونَ، يَرْحَمُ اللَّهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنّا ومِنكم والمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْألُ اللَّهَ لَنا ولَكُمُ العافِيَةَ، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنا أجْرَهم ولا تَفْتِنّا بَعْدَهم، واغْفِرْ لَنا ولَهم» . وقَدِ انْكَشَفَ لِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ ذَلِكَ حَتّى سَمِعُوا صَوْتَ المُعَذَّبِينَ في قُبُورِهِمْ، ورَأوْهم بِعُيُونِهِمْ يُعَذَّبُونَ في قُبُورِهِمْ في آثارٍ كَثِيرَةٍ مَعْرُوفَةٍ، ولَكِنْ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ دائِمًا عَلى البَدَنِ في كُلِّ وقْتٍ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في حالٍ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَرَكَ قَتْلى بَدْرٍ ثَلاثًا ثُمَّ أتاهم فَقامَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ”يا أبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ، يا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، يا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ألَيْسَ قَدْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم حَقًّا ؟ فَإنِّي وجَدْتُ ما وعَدَنِي رَبِّي حَقًّا“، فَسَمَعَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَسْمَعُونَ وقَدْ جَيَّفُوا ؟ فَقالَ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم ولَكِنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يُجِيبُوا“، ثُمَّ أمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا في قَلِيبِ بَدْرٍ»، وقَدْ أخْرَجاهُ في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وقَفَ عَلى قَلِيبِ بَدْرٍ، فَقالَ: ”هَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم حَقًّا“ ؟ وقالَ: ”إنَّهم لَيَسْمَعُونَ الآنَ ما أقُولُ»“، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعائِشَةَ فَقالَتْ: وهِمَ ابْنُ عُمَرَ، إنَّما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّهم لَيَعْلَمُونَ الآنَ أنَّ الَّذِي قُلْتُ لَهم هو الحَقُّ“، ثُمَّ قَرَأتْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، حَتّى قَرَأتِ الآيَةَ.
وَأهْلُ العِلْمِ بِالحَدِيثِ اتَّفَقُوا عَلى صِحَّةِ ما رَواهُ أنَسٌ وابْنُ عُمَرَ، وإنْ كانا لَمْ يَشْهَدا بَدْرًا، فَإنَّ أنَسًا رَوى ذَلِكَ عَنْ أبِي طَلْحَةَ، وأبُو طَلْحَةَ شَهِدَ بَدْرًا كَما رَوى أبُو حاتِمٍ في صَحِيحِهِ، عَنْ أنَسٍ، عَنْ أبِي طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ رَجُلًا مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، فَقُذِفُوا في طُوًى مِن أطْواءِ بَدْرٍ، وكانَ إذا ظَهَرَ عَلى قَوْمٍ أحَبَّ أنْ يُقِيمَ في عَرْصَتِهِمْ ثَلاثَ لَيالٍ، فَلَمّا كانَ اليَوْمُ الثّالِثُ أمَرَ بِراحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْها فَحَرَّكَها، ثُمَّ مَشى وتَبِعَهُ أصْحابُهُ، وقالُوا: ما نَراهُ يَنْطَلِقُ إلّا لِبَعْضِ حاجَتِهِ، حَتّى قامَ عَلى شِفاءِ الرَّكِيِّ، فَجَعَلَ يُنادِيهِمْ بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ: ”يا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، أيَسُرُّكم أنَّكم أطَعْتُمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَإنّا قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا، فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم حَقًّا“، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما تُكَلِّمُ مِن أجْسادٍ ولا أرْواحَ فِيها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم»“، قالَ قَتادَةُ: أحْياهُمُ اللَّهُ (p-١٣٤)حَتّى أسْمَعَهم تَوْبِيخًا، وتَصْغِيرًا، ونِقْمَةً، وحَسْرَةً، وتَنْدِيمًا، وعائِشَةُ قالَتْ فِيما ذَكَرَتْهُ كَما تَأوَّلَتْ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии