Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
Аль-Ахкаф 46:17–28
46:17Страница 504
وَٱلَّذِي قَالَ لِوَٰلِدَيۡهِ أُفّٖ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيٓ أَنۡ أُخۡرَجَ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلۡقُرُونُ مِن قَبۡلِي وَهُمَا يَسۡتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيۡلَكَ ءَامِنۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ فَيَقُولُ مَا هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٧
А есть такой, который говорит своим родителям: «Тьфу вам! Неужели вы угрожаете мне тем, что меня вытащат из могилы, в то время как до меня уже прошло много поколений?». Они просят Аллаха о помощи: «Горе тебе! Уверуй, ведь обещание Аллаха истинно!». Он же говорит: «Это - всего лишь легенды древних народов».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ .
التَّحْقِيقُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - أنَّ الَّذِي في قَوْلِهِ: والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ بِمَعْنى الَّذِينَ، وأنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في كُلِّ عاقٍّ لِوالِدَيْهِ مُكَذِّبٍ بِالبَعْثِ.
والدَّلِيلُ مِنَ القُرْآنِ عَلى أنَّ (الَّذِي) بِمَعْنى الَّذِينَ، وأنَّ المُرادَ بِهِ العُمُومُ - أنَّ الَّذِي في قَوْلِهِ: والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ الآيَةَ.
والإخْبارُ عَنْ لَفْظَةِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ بِصِيغَةِ الجَمْعِ - صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ بِالَّذِي العُمُومُ لا الإفْرادُ. وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ.
وَبِهَذا الدَّلِيلِ القُرْآنِيِّ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّها نازِلَةٌ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - لَيْسَ بِصَحِيحٍ، كَما جَزَمَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - بِبُطْلانِهِ.
وَفِي نَفْسِ آيَةِ ”الأحْقافِ“ هَذِهِ دَلِيلٌ آخَرُ واضِحٌ عَلى بُطْلانِهِ، وهو أنَّ اللَّهَ صَرَّحَ بِأنَّ الَّذِينَ قالُوا تِلْكَ المَقالَةَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] .
(p-٢٢٥)وَمَعْلُومٌ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ، وهو مِن خِيارِ المُسْلِمِينَ وأفاضِلِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - .
وَغايَةُ ما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ هو إطْلاقُ (الَّذِي) وإرادَةُ (الَّذِينَ)، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ؛ لِأنَّ لَفْظَ الَّذِي مُفْرَدٌ ومَعْناها عامٌّ لِكُلِّ ما تَشْمَلُهُ صِلَتُها، وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ أنَّ المَوْصُولاتِ كالَّذِي والَّتِي وفُرُوعِهِما مِن صِيَغِ العُمُومِ، كَما أشارَ لَهُ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:
؎صِيغَةُ كُلٍّ أوِ الجَمِيعُ وقَدْ تَلا الَّذِي الَّتِي الفُرُوعُ
فَمِن إطْلاقِ الَّذِي وإرادَةِ الَّذِينَ في القُرْآنِ - هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن سُورَةِ ”الأحْقافِ“ . وقَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٧] . أيْ كَمَثَلِ الَّذِينَ اسْتَوْقَدُوا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] بِصِيغَةِ الجَمْعِ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ الَّتِي هي بِنُورِهِمْ و تَرَكَهم، والواوُ في لا يُبْصِرُونَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في ”البَقَرَةِ“ أيْضًا: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] أيْ كالَّذِينِ يُنْفِقُونَ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤] .
• وقَوْلِهِ في ”الزُّمَرِ“: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] .
• وقَوْلِهِ في ”التَّوْبَةِ“: ﴿وَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩]
أيْ كالَّذِينِ خاضُوا بِناءً عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ لا مَصْدَرِيَّةٌ، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ أشْهَبِ بْنِ رُمَيْلَةَ:
؎فَإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهم ∗∗∗ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدٍ
وَقَوْلُ عُدَيْلِ بْنِ الفَرْخِ العِجْلِيِّ:
؎وَبِتُّ أُساقِي القَوْمَ إخْوَتِي الَّذِي ∗∗∗ غَوايَتُهم غَيِّي ورُشْدُهُمُ رُشْدِي
وَقَوْلُ الرّاجِزِ:
؎يا رَبِّ عَبْسٌ لا تُبارِكُ في أحَدْ
؎فِي قائِمٍ مِنهم ولا في مَن قَعَدْ ∗∗∗ إلّا الَّذِي قامُوا بِإطْرافِ المَسَدْ
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أُفٍّ لَكُما كَلِمَةُ تَضَجُّرٍ. وقائِلُ ذَلِكَ عاقٌّ (p-٢٢٦)لِوالِدَيْهِ غَيْرُ مُجْتَنِبٍ نَهْيَ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٢٣] . وقَوْلُهُ: أتَعِدانِنِي فِعْلٌ، مُضارِعُ وعَدَ، وحَذْفُ واوِهِ في المُضارِعِ مُطَّرِدٌ، كَما ذَكَرَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎فا أمْرٍ أوْ مُضارِعٍ مِن كَوَعَدْ ∗∗∗ احْذِفْ وفي كَعِدَةٍ ذاكَ اطَّرَدْ
والنُّونُ الأُولى نُونُ الرَّفْعِ، والثّانِيَةُ نُونُ الوِقايَةِ، كَما لا يَخْفى.
وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ وعاصِمٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ: أتَعِدانِنِي، بِنُونَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ وياءٍ ساكِنَةٍ.
وَقَرَأهُ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وبِياءٍ ساكِنَةٍ.
وَقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ بِنُونَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ وياءٍ مَفْتُوحَةٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ.
وَقَوْلُهُ: أنْ أُخْرَجَ أيْ أُبْعَثَ مِن قَبْرِي حَيًّا بَعْدَ المَوْتِ.
والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن أنْ وصِلَتِها هو المَفْعُولُ الثّانِي لِتَعِدانِنِي، يَعْنِي أتَعِدانِنِي الخُرُوجَ مِن قَبْرِي حَيًّا بَعْدَ المَوْتِ، والحالُ قَدْ مَضَتِ القُرُونُ، أيْ هَلَكَتِ الأُمَمُ الأُولى، ولَمْ يَحْيَ مِنهم أحَدٌ، ولَمْ يَرْجِعْ بَعْدَ أنْ ماتَ.
وَهُما، أيْ والِداهُ، يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ، أيْ يَطْلُبانِهِ أنْ يُغِيثَهُما بِأنْ يَهْدِيَ ولَدَهُما إلى الحَقِّ والإقْرارِ بِالبَعْثِ، ويَقُولانِ لِوَلَدِهِما: ويْلَكَ آمِن، أيْ بِاللَّهِ وبِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِما: ويْلَكَ - حَثُّهُ عَلى الإيمانِ. إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، أيْ وعْدَهُ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ حَقٌّ لا شَكَّ فِيهِ، فَيَقُولُ ذَلِكَ الوَلَدُ العاقُّ المُنْكِرُ لِلْبَعْثِ: ما هَذا إنَّ الَّذِي تَعِدانِنِي إيّاهُ مِنَ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ.
والأساطِيرُ جَمْعُ أُسْطُورَةٍ. وقِيلَ: جَمْعُ إسْطارَةٍ، ومُرادُهُ بِها ما سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ، أيْ كَتَبُوهُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لا حَقِيقَةَ لَها.
وَقَوْلُهُ: أُولَئِكَ تَرْجِعُ الإشارَةُ فِيهِ إلى العاقِّينَ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ الآيَةَ.
(p-٢٢٧)وَقَوْلُهُ: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ وجَبَتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ في سُورَةِ ”يس“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] .
وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ مُنْكِرِي البَعْثِ يَحِقُّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ لِكُفْرِهِمْ - قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١] .
46:18Страница 504
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَٰسِرِينَ ١٨
Сбылось Слово относительно них и живших до них народов из числа джиннов и людей. Воистину, они были потерпевшими убыток.
К этому аяту нет толкования
46:19Страница 504
وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۖ وَلِيُوَفِّيَهُمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٩
Для всех будут ступени, соответствующие тому, что они совершили, дабы Аллах воздал им сполна за их деяния, и с ними не поступят несправедливо.
К этому аяту нет толкования
46:20Страница 504
وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا فَٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَفۡسُقُونَ ٢٠
В тот день, когда неверующих представят Огню, им скажут: «Вы растратили свои блага в свой мирской жизни и попользовались ими. Сегодня вашим воздаянием будут унизительные мучения за то, что вы превозносились на земле без всякого права, и за то, что вы были нечестивцами».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ .
مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يُقالُ لِلْكُفّارِ يَوْمَ يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ﴾ .
فَقَوْلُ: يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ - قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْناهُ يُباشِرُونَ حَرَّها، كَقَوْلِ العَرَبِ: عَرَضَهُمُ عَلى السَّيْفِ إذا قَتَلَهم بِهِ، وهو مَعْنًى مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ.
وَقَدْ ذَكَرَ تَعالى مِثْلَ ما ذَكَرَ هُنا في قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣٤] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَرْضِ مُباشَرَةُ العَذابِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [ ٦ ] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦]؛ لِأنَّهُ عَرْضُ عَذابٍ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْنى عَرْضِهِمْ عَلى النّارِ هو تَقْرِيبُهم مِنها، والكَشْفُ لَهم عَنْها حَتّى يَرَوْها، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٥٣] . وقالَ تَعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣] .
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ في الكَلامِ قَلْبٌ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ. قالُوا: والمَعْنى: ويَوْمَ تُعْرَضُ النّارُ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا. قالُوا: وهو كَقَوْلِ العَرَبِ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ. يَعْنُونَ عَرَضْتُ الحَوْضَ عَلى النّاقَةِ، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف: ١٠٠] .
(p-٢٢٨)قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: هَذا النَّوْعُ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِنَ القَلْبِ في الآيَةِ، كَقَلْبِ الفاعِلِ مَفْعُولًا، والمَفْعُولِ فاعِلًا، ونَحْوِ ذَلِكَ - اخْتَلَفَ فِيهِ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ، فَمَنَعَهُ البَلاغِيُّونَ إلّا في التَّشْبِيهِ، فَأجازُوا قَلْبَ المُشَبَّهِ مُشَبَّهًا بِهِ والمُشَبَّهِ بِهِ مُشَبَّهًا بِشَرْطِ أنْ يَتَضَمَّنَ ذَلِكَ نُكْتَةً وسِرًّا لَطِيفًا، كَما هو المَعْرُوفُ عِنْدَهم في مَبْحَثِ التَّشْبِيهِ المَقْلُوبِ.
وَأجازَهُ كَثِيرٌ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ.
والَّذِي يَظْهَرُ لَنا أنَّهُ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ نَطَقَتْ بِهِ العَرَبُ في لُغَتِها، إلّا أنَّهُ يُحْفَظُ ما سَمِعَ مِنهُ، ولا يُقاسُ عَلَيْهِ، ومِن أمْثِلَتِهِ في التَّشْبِيهِ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎وَمَنهَلٌ مُغْبَرَّةٌ أرْجاؤُهُ كَأنَّ لَوْنَ أرْضِهِ سَماؤُهُ
أيْ كَأنَّ سَماءَهُ لَوْنُ أرْضِهِ، وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وَبَدا الصَّباحُ كَأنَّ غُرَّتَهُ ∗∗∗ وجْهُ الخَلِيفَةِ حِينَ يُمْتَدَحَ
لِأنَّ أصْلَ المُرادِ تَشْبِيهُ وجْهِ الخَلِيفَةِ بِغُرَّةِ الصَّباحِ، فَقَلَبَ التَّشْبِيهَ لِيُوهِمَ أنَّ الفَرْعَ أقْوى مِنَ الأصْلِ في وجْهِ الشَّبَهِ.
قالُوا: ومِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ ﴿وَآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦]؛ لِأنَّ العُصْبَةَ مِنَ الرِّجالِ هي الَّتِي تَنُوءُ بِالمَفاتِيحِ، أيْ تَنْهَضُ بِها بِمَشَقَّةٍ وجُهْدٍ لِكَثْرَتِها وثِقَلِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ [القصص: ٦٦] . أيْ عَمُوا عَنْها. ومِن أمْثِلَتِهِ في كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
؎كَأنَّ أوْبَ ذِراعَيْها إذا عَرِقَتْ ∗∗∗ وقَدْ تَلَفَّعَ بِالقَوْرِ العَساقِيلِ
لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: تَلَفَّعَ لَبِسَ اللِّفاعَ وهو اللِّحافُ، والقَوْرُ: الحِجارَةُ العِظامُ، والعَساقِيلُ: السَّرابُ.
والكَلامُ مَقْلُوبٌ؛ لِأنَّ القَوْرَ هي الَّتِي تَلْتَحِفُ بِالعَساقِيلِ لا العَكْسُ، كَما أوْضَحَهُ لَبِيدٌ في مُعَلَّقَتِهِ بِقَوْلِهِ:
؎فَبِتِلْكَ إذْ رَقَصَ اللَّوامِعُ بِالضُّحى ∗∗∗ واجْتابَ أرْدِيَةَ السَّرابِ إكامُها
فَصَرَّحَ بِأنَّ الإكامَ الَّتِي هي الحِجارَةُ اجْتابَتْ، أيْ لَبِسَتْ، أرْدِيَةَ السَّرابِ.
والأرْدِيَةُ جَمْعُ رِداءٍ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ القَلْبِ وإنْ أجازَهُ بَعْضُهم فَلا يَنْبَغِي حَمْلُ الآيَةِ (p-٢٢٩)عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ.
وَظاهِرُ الآيَةِ جارٍ عَلى الأُسْلُوبِ العَرَبِيِّ الفَصِيحِ، كَما أوْضَحَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ قَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: أأذْهَبْتُمْ بِهَمْزَتَيْنِ، وهُما عَلى أُصُولِهِما في ذَلِكَ.
فابْنُ كَثِيرٍ يُسَهِّلُ الثّانِيَةَ بِدُونِ ألْفِ إدْخالٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ.
وَهِشامٌ يُحَقِّقُها ويُسَهِّلُها مَعَ ألْفِ الإدْخالِ. وابْنُ ذَكْوانَ يُحَقِّقُها مِن غَيْرِ إدْخالٍ.
وَقَرَأهُ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى الخَبَرِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ.
واعْلَمْ أنَّ لِلْعُلَماءِ كَلامًا كَثِيرًا في هَذِهِ الآيَةِ قائِلِينَ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي التَّقَشُّفُ والإقْلالُ مِنَ التَّمَتُّعِ بِالمَآكِلِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَإنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ خَوْفًا مِنهُ أنْ يَدْخُلَ في عُمُومِ مَن يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ الآيَةَ. والمُفَسِّرُونَ يَذْكُرُونَ هُنا آثارًا كَثِيرَةً في ذَلِكَ، وأحْوالِ أهْلِ الصُّفَّةِ وما لاقَوْهُ مِن شِدَّةِ العَيْشِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: التَّحْقِيقُ: إنْ شاءَ اللَّهُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ هو أنَّها في الكُفّارِ، ولَيْسَتْ في المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتَمَتَّعُونَ بِاللَّذّاتِ الَّتِي أباحَها اللَّهُ لَهم؛ لِأنَّهُ تَعالى ما أباحَها لَهم لِيُذْهِبَ بِها حَسَناتِهِمْ.
وَإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذا هو التَّحْقِيقُ؛ لِأنَّ الكِتابَ والسُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ دالّانِ عَلَيْهِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٥٩] .
أمّا كَوْنُ الآيَةِ في الكُفّارِ فَقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ تَعالى بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ﴾ الآيَةَ.
والقُرْآنُ والسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ قَدْ دَلّا عَلى أنَّ الكافِرَ إنْ عَمِلَ عَمَلًا صالِحًا مُطابِقًا لِلشَّرْعِ، مُخْلِصًا فِيهِ لِلَّهِ، كالكافِرِ الَّذِي يَبَرُّ والِدَيْهِ، ويَصِلُ الرَّحِمَ ويَقْرِي الضَّيْفَ، ويُنَفِّسُ عَنِ المَكْرُوبِ، ويُعِينُ المَظْلُومَ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ - يُثابُ بِعَمَلِهِ في دارِ الدُّنْيا خاصَّةً بِالرِّزْقِ (p-٢٣٠)والعافِيَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، ولا نَصِيبَ لَهُ في الآخِرَةِ.
فَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] .
وَقَدْ قَيَّدَ تَعالى هَذا الثَّوابَ الدُّنْيَوِيَّ المَذْكُورَ في الآياتِ بِمَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] .
وَقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً؛ يُعْطى بِها في الدُّنْيا ويُجْزى بِها في الآخِرَةِ، وأمّا الكافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَناتِهِ ما عَمِلَ بِها لِلَّهِ في الدُّنْيا، حَتّى إذا أفْضى إلى الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يَجْزِي بِها» . هَذا لَفَظُ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ.
وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الكافِرَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِها طُعْمَةً في الدُّنْيا، وأمّا المُؤْمِنُ فَإنَّ اللَّهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَناتِهِ في الآخِرَةِ، ويُعْقِبُهُ رِزْقًا في الدُّنْيا عَلى طاعَتِهِ» ا هـ.
فَهَذا الحَدِيثُ الثّابِتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ الكافِرَ يُجازى بِحَسَناتِهِ في الدُّنْيا فَقَطْ، وأنَّ المُؤْمِنُ يُجازى بِحَسَناتِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَعًا، وبِمُقْتَضى ذَلِكَ يَتَعَيَّنُ تَعْيِينًا لا مَحِيصَ عَنْهُ أنَّ الَّذِي أذْهَبَ طَيِّباتِهِ في الدُّنْيا واسْتَمْتَعَ بِها هو الكافِرُ؛ لِأنَّهُ لا يُجْزى بِحَسَناتِهِ إلّا في الدُّنْيا خاصَّةً.
وَأمّا المُؤْمِنُ الَّذِي يُجْزى بِحَسَناتِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَعًا - فَلَمْ يُذْهِبْ طَيِّباتِهِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ حَسَناتِهِ مُدَّخَرَةٌ لَهُ في الآخِرَةِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُثِيبُهُ بِها في الدُّنْيا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] فَجَعَلَ المَخْرَجَ مِنَ الضِّيقِ لَهُ ورَزَقَهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ - ثَوابًا في الدُّنْيا، ولَيْسَ يَنْقُصُ أجْرَ تَقْواهُ في الآخِرَةِ.
والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ، وعَلى كُلِّ حالٍ فاللَّهُ - جَلَّ وعَلا - أباحَ لِعِبادِهِ عَلى (p-٢٣١)لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ الطَّيِّباتِ في الحَياةِ الدُّنْيا، وأجازَ لَهُمُ التَّمَتُّعَ بِها، ومَعَ ذَلِكَ جَعَلَها خاصَّةً بِهِمْ في الآخِرَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] .
فَدَلَّ هَذا النَّصُّ القُرْآنِيُّ أنَّ تَمَتُّعَ المُؤْمِنِينَ بِالزِّينَةِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ في الحَياةِ الدُّنْيا لَمْ يَمْنَعْهم مِنِ اخْتِصاصِهِمْ بِالتَّنَعُّمِ بِذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو صَرِيحٌ في أنَّهم لَمْ يُذْهِبُوا طَيِّباتِهِمْ في حَياتِهِمُ الدُّنْيا.
وَلا يُنافِي هَذا أنَّ مَن كانَ يُعانِي شِدَّةَ الفَقْرِ في الدُّنْيا كَأصْحابِ الصُّفَّةِ، يَكُونُ لَهم أجْرٌ زائِدٌ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ يُؤْجَرُونَ بِما يُصِيبُهم في الدُّنْيا مِنَ المَصائِبِ والشَّدائِدِ، كَما هو مَعْلُومٌ.
والنُّصُوصُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ الكافِرَ هو الَّذِي يُذْهِبُ طَيِّباتِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ يُجْزى في الدُّنْيا فَقَطْ كالآياتِ المَذْكُورَةِ، وحَدِيثُ أنَسٍ المَذْكُورُ عِنْدَ مُسْلِمٍ - قَدْ قَدَّمْناها مُوَضَّحَةً في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ وذَكَرْنا هُناكَ أسانِيدَ الحَدِيثِ المَذْكُورِ وألْفاظَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ أيْ عَذابَ الهَوانِ، وهو الذُّلُّ والصَّغارُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾، الباءُ في قَوْلِهِ: بِما كُنْتُمْ - سَبَبِيَّةٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ تُجْزُونَ عَذابَ الهُونِ بِسَبَبِ كَوْنِكم مُسْتَكْبِرِينَ في الأرْضِ، وكَوْنِكم فاسِقِينَ.
وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ الِاسْتِكْبارِ في الأرْضِ والفِسْقِ مِن أسْبابِ عَذابِ الهُونِ، وهو عَذابُ النّارِ - جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ﴾ الآيَةَ [السجدة: ٢٠] .
وَقَدْ قَدَّمْنا النَّتائِجَ الوَخِيمَةَ النّاشِئَةَ عَنِ التَّكَبُّرِ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٣] .
(p-٢٣٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ مَعَ أنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ إلّا اسْتِكْبارًا مُتَلَبِّسًا بِغَيْرِ الحَقِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَطِيرُ إلّا بِجَناحَيْهِ، وقَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] . ومَعْلُومٌ أنَّهم لا يَكْتُبُونَهُ إلّا بِأيْدِيهِمْ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وهو أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ نَزَلَ بِهِ القُرْآنُ.
46:21Страница 505
۞ وَٱذۡكُرۡ أَخَا عَادٍ إِذۡ أَنذَرَ قَوۡمَهُۥ بِٱلۡأَحۡقَافِ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦٓ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ٢١
Помяни брата адитов. Вот он предостерег свой народ среди барханов, хотя перед ним и позади него уже были предостережения: «Не поклоняйтесь никому, кроме Аллаха! Воистину, я боюсь, что вас постигнут мучения в Великий день».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ﴾ .
أبْهَمَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أخا عادٍ ولَمْ يُعَيِّنْهُ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في آياتٍ أُخْرى أنَّهُ هُودٌ - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ [الأعراف: ٦٥] . وسُورَةِ ”هُودٍ“ [هود: ٥٠] . وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ النَّبِيَّ هُودًا نَهى قَوْمَهُ أنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ، وأمَرَهم بِعِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، وأنَّهُ خَوَّفَهم مِن عَذابِ اللَّهِ، إنْ تَمادَوْا في شِرْكِهِمْ بِهِ.
وَهَذانِ الأمْرانِ اللَّذانِ تَضَمَّنَتْهُما هَذِهِ الآيَةُ جاءا مُوَضَّحَيْنِ في آياتٍ أُخَرَ.
أمّا الأوَّلُ مِنهُما فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ [الأعراف: ٦٥] . وسُورَةِ ”هُودٍ“ [هود: ٥٠] . ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَأمّا خَوْفُهُ عَلَيْهِمُ العَذابَ العَظِيمَ فَقَدْ ذَكَرَهُ في ”الشُّعَراءِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وَجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٢ - ١٣٥] . وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
46:22Страница 505
قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَأۡفِكَنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٢
Они сказали: «Неужели ты пришел для того, чтобы отвратить нас от наших богов? Яви же нам то, чем ты нам угрожаешь, если ты - один из тех, кто говорит правду».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أجِئْتِنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ .
وَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾، أيْ لِتَصْرِفَنا عَنْ عِبادَتِها إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ.
وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أمْرَيْنِ: (p-٢٣٣)أحَدُهُما: إنْكارُ عادٍ عَلى هُودٍ أنَّهُ جاءَهم، لِيَتْرُكُوا عِبادَةَ الأوْثانِ، ويَعْبُدُوا اللَّهَ وحْدَهُ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوا لَهُ: ائْتِنا بِما تَعِدُنا مِنَ العَذابِ وعَجِّلْهُ لَنا إنْ كُنْتَ صادِقًا فِيما تَقُولُ، عِنادًا مِنهم وعُتُوًّا.
وَهَذانِ الأمْرانِ جاءا مُوَضَّحَيْنِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في ”الأعْرافِ“: ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠] .
46:23Страница 505
قَالَ إِنَّمَا ٱلۡعِلۡمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ ٢٣
Он сказал: «Знание - у Аллаха, а я лишь довожу до вашего сведения то, с чем я послан. Но я вижу, что вы являетесь невежественными людьми».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ هُودًا قالَ لِقَوْمِهِ إنَّهُ يُبَلِّغُهم ما أُرْسِلَ بِهِ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ، وهَذا المَعْنى جاءَ مَذْكُورًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في ”الأعْرافِ“: ﴿قالَ ياقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٧ - ٦٨] . وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”هُودٍ“: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ [هود: ٥٧] .
46:24Страница 505
فَلَمَّا رَأَوۡهُ عَارِضٗا مُّسۡتَقۡبِلَ أَوۡدِيَتِهِمۡ قَالُواْ هَٰذَا عَارِضٞ مُّمۡطِرُنَاۚ بَلۡ هُوَ مَا ٱسۡتَعۡجَلۡتُم بِهِۦۖ رِيحٞ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٤
Когда же они увидели его (наказание) в виде тучи, надвигающейся на их долины, они сказали: «Это - туча, которая прольет на нас дождь». О нет! Вот то, что вы торопили, - ветер, несущий с собой мучительные страдания.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”فُصِّلَتْ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] .
46:25Страница 505
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيۡءِۭ بِأَمۡرِ رَبِّهَا فَأَصۡبَحُواْ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَٰكِنُهُمۡۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٥
Он уничтожает всякую вещь по велению своего Господа. А на утро от них остались видны только их жилища. Так Мы воздаем грешным людям.
К этому аяту нет толкования
46:26Страница 505
وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰهُمۡ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّٰكُمۡ فِيهِ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ سَمۡعٗا وَأَبۡصَٰرٗا وَأَفۡـِٔدَةٗ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُمۡ سَمۡعُهُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُهُمۡ وَلَآ أَفۡـِٔدَتُهُم مِّن شَيۡءٍ إِذۡ كَانُواْ يَجۡحَدُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٢٦
Мы укрепили их в том, в чем не укрепляли вас, и даровали им слух, зрение и сердца. Но ни их слух, ни их зрение, ни их сердца нисколько не помогли им, поскольку они отвергали знамения Аллаха, и их окружило (или поразило) то, над чем они насмехались.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنَّ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ .
لَفْظَةُ إنْ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فِيها لِلْمُفَسِّرِينَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، يَدُلُّ اسْتِقْراءُ القُرْآنِ عَلى أنَّ واحِدًا مِنها هو الحَقُّ، دُونَ الِاثْنَيْنِ الآخَرَيْنِ.
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنْ شَرْطِيَّةٌ، وجَزاءُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ طَغَيْتُمْ وبَغَيْتُمْ.
وَقالَ بَعْضُهم: إنْ زائِدَةٌ بَعْدَ ما المَوْصُولَةِ حَمْلًا لِـ ما المَوْصُولَةِ عَلى ما النّافِيَةِ؛ لِأنَّ ما النّافِيَةَ تُزادُ بَعْدَها لَفْظَةُ إنْ كَما هو مَعْلُومٌ.
(p-٢٣٤)كَقَوْلِ قُتَيْلَةَ بِنْتِ الحارِثِ أوِ النَّضْرِ العَبْدَرِيَّةِ:
؎أبْلِغْ بِها مَيْتًا بِأنَّ تَحِيَّةً ما إنْ نَزِلَّ بِها النَّجائِبَ تُخْفِقُوا
وَقَوْلِ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ في الخَنْساءِ:
؎ما إنْ رَأيْتُ ولا سَمِعْتُ بِهِ ∗∗∗ كاليَوْمِ طالِي أيَنُقٍ جُرْبِ
فَـ (إنْ) زائِدَةٌ بَعْدَ (ما) النّافِيَةِ في البَيْتَيْنِ، وهو كَثِيرٌ، وقَدْ حَمَلُوا عَلى ذَلِكَ (ما) المَوْصُولَةَ، فَقالُوا: تُزادُ بَعْدَها (إنْ) كَآيَةِ ”الأحْقافِ“ هَذِهِ. وأنْشَدَ لِذَلِكَ الأخْفَشُ: يُرَجِّي المَرْءُ ما إنْ لا يَراهُ وتَعْرِضُ دُونَ أدْناهُ الخُطُوبُ
أيْ يُرْجِّي المَرْءُ الشَّيْءَ الَّذِي لا يَراهُ، وإنْ زائِدَةٌ، وهَذانِ هُما الوَجْهانِ اللَّذانِ لا تَظْهَرُ صِحَّةُ واحِدٍ مِنهُما.
لِأنَّ الأوَّلَ مِنهُما فِيهِ حَذْفٌ وتَقْدِيرٌ.
والثّانِي مِنهُما فِيهِ زِيادَةُ كَلِمَةٍ.
وَكُلُّ ذَلِكَ لا يُصارُ إلَيْهِ إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ.
أمّا الوَجْهُ الثّالِثُ الَّذِي هو الصَّوابُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - فَهو أنَّ لَفْظَةَ (إنْ) نافِيَةٌ بَعْدَ (ما) المَوْصُولَةِ، أيْ ولَقَدْ مَكَّنّاهم في الَّذِي ما مَكَّنّاكم فِيهِ مِنَ القُوَّةِ في الأجْسامِ، وكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ والعَدَدِ.
وَإنَّما قُلْنا: إنَّ القُرْآنَ يَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ لِكَثْرَةِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ، فَإنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ يُهَدِّدُ كُفّارَ مَكَّةَ بِأنَّ الأُمَمَ الماضِيَةَ كانَتْ أشَدَّ مِنهم بَطْشًا وقُوَّةً، وأكْثَرَ مِنهم عَدَدًا وأمْوالًا وأوْلادًا، فَلَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ لِيَخافُوا مِن تَكْذِيبِ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِهِ، كَما أهْلَكَ الأُمَمَ الَّتِي هي أقْوى مِنهم، كَقَوْلِهِ تَعالى في ”المُؤْمِنِ“: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: ٨٢] .
وَقَوْلُهُ فِيها أيْضًا: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآيَةَ [غافر: ٢١] .
(p-٢٣٥)وَقَوْلُهُ تَعالى في ”الرُّومِ“: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ الآيَةَ [الروم: ٩] .
وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ ”الزُّخْرُفِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ١٠] .
46:27Страница 505
وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا مَا حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡقُرَىٰ وَصَرَّفۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢٧
Мы уже погубили селения, которые были вокруг вас, и разъяснили знамения, чтобы они могли вернуться на прямой путь.
К этому аяту нет толкования
46:28Страница 505
فَلَوۡلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرۡبَانًا ءَالِهَةَۢۖ بَلۡ ضَلُّواْ عَنۡهُمۡۚ وَذَٰلِكَ إِفۡكُهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٨
Почему же им не помогли, те божества, которым они поклонялись вместо Аллаха для того, чтобы приблизиться к Нему? Напротив, они скрылись от них. Вот их ложь и то, что они измышляли!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الجاثِيَةِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [ الآيَةَ \ ١٠ ] .
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии