Аш-ШинкитиМухаммад · 47:24–30

Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском

Мухаммад 47:24–30, продолжение

إنْ قالَ قائِلٌ: ما تَقُولُونَ في الِاسْتِواءِ ؟ قِيلَ لَهُ: نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ كَما قالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ . وقَدْ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقَدْ قالَ: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقالَ حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦] .

فَكَذَّبَ فِرْعَوْنُ نَبِيَّ اللَّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: (إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَوْقَ السَّماواتِ) . وقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ .

فالسَّماواتُ فَوْقَها العَرْشُ، فَلَمّا كانَ العَرْشُ فَوْقَ السَّماواتِ قالَ: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ لِأنَّهُ مُسْتَوٍ عَلى العَرْشِ الَّذِي فَوْقَ السَّماواتِ، وكُلُّ ما عَلا فَهو سَماءٌ، فالعَرْشُ أعْلى السَّماواتِ. هَذا لَفْظُ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِ الإبانَةِ المَذْكُورِ.

وَقَدْ أطالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في الكَلامِ بِذِكْرِ الأدِلَّةِ القُرْآنِيَّةِ في إثْباتِ صِفَةِ الِاسْتِواءِ، وصِفَةِ العُلُوِّ لِلَّهِ - جَلَّ وعَلا.

وَمِن جُمْلَةِ كَلامِهِ المُشارِ إلَيْهِ ما نَصُّهُ:

(p-٢٨٣)وَقَدْ قالَ قائِلُونَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ والجَهْمِيَّةِ والحَرُورِيَّةِ: إنَّ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ أنَّهُ اسْتَوْلى ومَلَكَ وقَهَرَ، وأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ في كُلِّ مَكانٍ. وجَحَدُوا أنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى عَرْشِهِ كَما قالَ أهْلُ الحَقِّ، وذَهَبُوا في الِاسْتِواءِ إلى القُدْرَةِ.

وَلَوْ كانَ هَذا كَما ذَكَرُوهُ كانَ لا فَرْقَ بَيْنَ العَرْشِ والأرْضِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلَيْها وعَلى الحُشُوشِ، وعَلى كُلِّ ما في العالَمِ.

فَلَوْ كانَ اللَّهُ مُسْتَوِيًا عَلى العَرْشِ بِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ وهو عَزَّ وجَلَّ مُسْتَوْلٍ عَلى الأشْياءِ كُلِّها لَكانَ مُسْتَوِيًا عَلى العَرْشِ وعَلى الأرْضِ وعَلى السَّماءِ وعَلى الحُشُوشِ والأفْرادِ، لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى الأشْياءِ مُسْتَوْلٍ عَلَيْها.

وَإذا كانَ قادِرًا عَلى الأشْياءِ كُلِّها ولَمْ يَجُزْ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَقُولَ:

إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مُسْتَوٍ عَلى الحُشُوشِ والأخْلِيَةِ، لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ الِاسْتِواءُ عَلى العَرْشِ الِاسْتِيلاءَ الَّذِي هو عامٌّ في الأشْياءِ كُلِّها.

وَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ اسْتِواءً يَخْتَصُّ العَرْشَ دُونَ الأشْياءِ كُلِّها.

وَزَعَمَتِ المُعْتَزِلَةُ والحَرُورِيَّةُ والجَهْمِيَّةُ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ في كُلِّ مَكانٍ فَلَزِمَهم أنَّهُ في بَطْنِ مَرْيَمَ وفي الحُشُوشِ والأخْلِيَةِ.

وَهَذا خِلافُ الدِّينِ - تَعالى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ. ا هـ.

هَذا لَفْظُ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في آخِرِ مُصَنَّفاتِهِ، وهو كِتابُ الإبانَةِ عَنْ أُصُولِ الدِّيانَةِ.

وَتَراهُ صَرَّحَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّ تَأْوِيلَ الِاسْتِواءِ بِالِاسْتِيلاءِ هو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ والجَهْمِيَّةِ والحَرُورِيَّةِ لا قَوْلُ أحَدٍ مِن أهْلِ السُّنَّةِ وأقامَ البَراهِينَ الواضِحَةَ عَلى بُطْلانِ ذَلِكَ.

فَلْيَعْلَمْ مُئَوِّلُو الِاسْتِواءِ بِالِاسْتِيلاءِ أنَّ سَلَفَهُ في ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ والجَهْمِيَّةُ والحَرُورِيَّةُ، لا أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ولا أحَدٌ مِنَ السَّلَفِ.

وَقَدْ أوْضَحْنا في سُورَةِ الأنْعامِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٣] أنَّ قَوْلَ الجَهْمِيَّةِ ومَن تَبِعَهم: إنَّ اللَّهَ في كُلِّ مَكانٍ - قَوْلٌ باطِلٌ.

(p-٢٨٤)لِأنَّ جَمِيعَ الأمْكِنَةِ المَوْجُودَةِ أحْقَرُ وأقَلُّ وأصْغَرُ، مِن أنْ يَسَعَ شَيْءٌ مِنها خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ، الَّذِي هو أعْظَمُ وأكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وهو مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، ولا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ.

فانْظُرْ إيضاحَ ذَلِكَ في الأنْعامِ.

واعْلَمْ أنَّ ما يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنَ الجَهَلَةِ، مِن أنَّ ما في القُرْآنِ العَظِيمِ مِن صِفَةِ الِاسْتِواءِ والعُلُوِّ والفَوْقِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ الجِهَةَ، وأنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَلى اللَّهِ، وأنَّهُ يَجِبُ نَفْيُ الِاسْتِواءِ والعُلُوِّ والفَوْقِيَّةِ، وتَأْوِيلُها بِما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي كُلُّهُ باطِلٌ.

وَسَبَبُهُ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ وبِكِتابِهِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَمُدَّعِي لُزُومِ الجِهَةِ لِظَواهِرِ نُصُوصِ القُرْآنِ العَظِيمِ. واسْتِلْزامُ ذَلِكَ لِلنَّقْصِ المُوجِبِ لِلتَّأْوِيلِ يُقالُ لَهُ:

ما مُرادُكَ بِالجِهَةِ ؟

إنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِالجِهَةِ مَكانًا مَوْجُودًا انْحَصَرَ فِيهِ اللَّهُ، فَهَذا لَيْسَ بِظاهِرِ القُرْآنِ، ولَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ.

وَإنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِالجِهَةِ العَدَمَ المَحْضَ.

فالعَدَمُ عِبارَةٌ عَنْ لا شَيْءٍ.

فَمَيِّزْ أوَّلًا بَيْنَ الشَّيْءِ المَوْجُودِ، وبَيْنَ لا شَيْءٍ.

وَقَدْ قالَ أيْضًا أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِ الإبانَةِ أيْضًا ما نَصُّهُ:

فَإنْ سُئِلْنا: أتَقُولُونَ: إنَّ لِلَّهِ يَدَيْنِ ؟ قِيلَ: نَقُولُ ذَلِكَ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] .

وَأطالَ رَحِمَهُ اللَّهُ الكَلامَ في ذِكْرِ الأدِلَّةِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى إثْباتِ صِفَةِ اليَدَيْنِ لِلَّهِ.

وَمِن جُمْلَةِ ما قالَ ما نَصُّهُ:

وَيُقالُ لَهم: لِمَ أنْكَرْتُمْ أنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنى بِقَوْلِهِ: يَدَيَّ يَدَيْنِ لَيْسَتا نِعْمَتَيْنِ.

فَإنْ قالُوا: لِأنَّ اليَدَ إذا لَمْ تَكُنْ نِعْمَةً لَمْ تَكُنْ إلّا جارِحَةً.

(p-٢٨٥)قِيلَ لَهم: ولِمَ قَضَيْتُمْ أنَّ اليَدَ إذا لَمْ تَكُنْ نِعْمَةً لَمْ تَكُنْ إلّا جارِحَةً ؟

فَإنَّ رُجُوعَنا إلى شاهِدِنا، وإلى ما نَجِدُهُ فِيما بَيْنَنا مِنَ الخَلْقِ ؟

فَقالُوا: اليَدُ إذا لَمْ تَكُنْ نِعْمَةً في الشّاهِدِ لَمْ تَكُنْ إلّا جارِحَةً.

قِيلَ لَهم: إنْ عَمِلْتُمْ عَلى الشّاهِدِ وقَضَيْتُمْ بِهِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَكَذَلِكَ لَمْ نَجِدْ حَيًّا مِنَ الخَلْقِ إلّا جِسْمًا لَحْمًا ودَمًا، فاقْضُوا بِذَلِكَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وَإلّا فَأنْتُمْ لِقَوْلِكم مُتَأوِّلُونَ ولِاعْتِلالِكم ناقِضُونَ.

وَإنْ أثْبَتُّمْ حَيًّا لا كالأحْياءِ مِنّا.

فَلِمَ أنْكَرْتُمْ أنْ تَكُونَ اليَدانِ اللَّتانِ أخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْهُما، يَدَيْنِ لَيْسَتا نِعْمَتَيْنِ، ولا جارِحَتَيْنِ، ولا كالأيْدِي ؟

وَكَذَلِكَ يُقالُ لَهم:

لَمْ تَجِدُوا مُدَبِّرًا حَكِيمًا إلّا إنْسانًا، ثُمَّ أثْبَتُّمْ أنَّ لِلدُّنْيا مُدَبِّرًا حَكِيمًا، لَيْسَ كالإنْسانِ، وخالَفْتُمُ الشّاهِدَ ونَقَضْتُمُ اعْتِلالَكم.

فَلا تَمْنَعُوا مِن إثْباتِ يَدَيْنِ لَيْسَتا نِعْمَتَيْنِ ولا جارِحَتَيْنِ، مِن أجْلِ أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الشّاهِدِ انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.

وَبِهِ تَعْلَمُ أنَّ الأشْعَرِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَعْتَقِدُ أنَّ الصِّفاتِ الَّتِي أنْكَرَها المُئَوِّلُونَ كَصِفَةِ اليَدِ، مِن جُمْلَةِ صِفاتِ المَعانِي كالحَياةِ ونَحْوِها، وأنَّهُ لا فَرْقَ البَتَّةَ بَيْنَ صِفَةِ اليَدِ وصِفَةِ الحَياةِ فَما اتَّصَفَ اللَّهُ بِهِ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ فَهو مُنَزَّهٌ عَنْ مُشابَهَةِ ما اتَّصَفَ بِهِ الخَلْقُ مِنهُ.

واللّازِمُ لِمَن شَبَّهَ في بَعْضِ الصِّفاتِ ونَزَّهَ في بَعْضِها أنْ يُشْبِّهَ في جَمِيعِها أوْ يُنَزِّهَ في جَمِيعِها، كَما قالَهُ الأشْعَرِيُّ.

أمّا ادِّعاءُ ظُهُورِ التَّشْبِيهِ في بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ، فَلا وجْهَ لَهُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، لِأنَّ المَوْصُوفَ بِها واحِدٌ، وهو مُنَزَّهٌ عَنْ مُشابَهَةِ صِفاتِ خَلْقِهِ.

وَمِن جُمْلَةِ كَلامِ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ المُشارِ إلَيْها آنِفًا في إثْباتِ الصِّفاتِ ما نَصُّهُ:

(p-٢٨٦)فَإنْ قالَ قائِلٌ: لِمَ أنْكَرْتُمْ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١]، وقَوْلُهُ: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] عَلى المَجازِ ؟ .

قِيلَ لَهُ: حُكْمُ كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَكُونَ عَلى ظاهِرِهِ وحَقِيقَتِهِ، ولا يَخْرُجُ الشَّيْءُ عَنْ ظاهِرِهِ إلى المَجازِ إلّا لِحُجَّةٍ.

ألا تَرَوْنَ أنَّهُ إذا كانَ ظاهِرُ الكَلامِ العُمُومَ، فَإذا ورَدَ بِلَفْظِ العُمُومِ والمُرادُ بِهِ الخُصُوصُ، فَلَيْسَ هو عَلى حَقِيقَةِ الظّاهِرِ ؟

وَلَيْسَ يَجُوزُ أنْ يُعْدَلَ بِما ظاهِرُهُ العُمُومُ عَنِ العُمُومِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ ؟

كَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ عَلى ظاهِرِهِ وحَقِيقَتِهِ مِن إثْباتِ اليَدَيْنِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُعْدَلَ بِهِ عَنْ ظاهِرِ اليَدَيْنِ إلى ما ادَّعاهُ خُصُومُنا إلّا بِحُجَّةٍ.

وَلَوْ جازَ ذَلِكَ لِمُدَّعٍ أنْ يَدَّعِيَ أنَّ ما ظاهِرُهُ العُمُومُ، فَهو عَلى الخُصُوصِ، وما ظاهَرُهُ الخُصُوصُ فَهو عَلى العُمُومِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ.

وَإذا لَمْ يَجُزْ هَذا لِمُدَّعِيهِ بِغَيْرِ بُرْهانٍ لَمْ يَجُزْ لَكم ما ادَّعَيْتُمُوهُ أنَّهُ مَجازٌ بِغَيْرِ حُجَّةٍ.

بَلْ واجِبٌ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ إثْباتُ يَدَيْنِ لِلَّهِ تَعالى في الحَقِيقَةِ غَيْرَ نِعْمَتَيْنِ إذا كانَتِ النِّعْمَتانِ لا يَجُوزُ عِنْدَ أهْلِ اللِّسانِ أنْ يَقُولَ قائِلُهم: فَعَلْتُ بِيَدِيَّ وهو يَعْنِي النِّعْمَتَيْنِ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.

وَفِيهِ تَصْرِيحُ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، بِأنَّ صِفاتِ اللَّهِ كَصِفَةِ اليَدِ ثابِتَةٌ لَهُ حَقِيقَةً لا مَجازًا، وأنَّ المُدَّعِينَ أنَّها مَجازٌ هم خُصُومُهُ وهو خَصْمُهم كَما تَرى.

وَإنَّما قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّهُ تَعالى مُتَّصِفٌ بِها حَقِيقَةً لا مَجازًا، لِأنَّهُ لا يَشُكُّ في أنَّ ظاهِرَ صِفَةِ اللَّهِ هو مُخالَفَةُ صِفَةِ الخَلْقِ، وتَنْزِيهُها عَنْ مُشابَهَتِها كَما هو شَأْنُ السَّلَفِ الصّالِحِ كُلِّهِمْ.

فَإثْباتُ الحَقِيقَةِ ونَفْيُ المَجازِ في صِفاتِ اللَّهِ هو اعْتِقادُ كُلِّ مُسْلِمٍ طاهِرِ القَلْبِ مِن أقْذارِ التَّشْبِيهِ، لِأنَّهُ لا يَسْبِقُ إلى ذِهْنِهِ مِنَ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى الصِّفَةِ كَصِفَةِ اليَدِ والوَجْهِ إلّا أنَّها صِفَةُ كَمالٍ مُنَزَّهَةٌ عَنْ مُشابَهَةِ صِفاتِ الخَلْقِ.

(p-٢٨٧)فَلا يَخْطُرُ في ذِهْنِهِ التَّشْبِيهُ الَّذِي هو سَبَبُ نَفْيِ الصِّفَةِ وتَأْوِيلِها بِمَعْنًى لا أصْلَ لَهُ.

[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

47:25Страница 509

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَى ٱلشَّيۡطَٰنُ سَوَّلَ لَهُمۡ وَأَمۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٥

Воистину, тех, которые обратились вспять после того, как им стал ясен прямой путь, дьявол обольстил и обещал им долгую жизнь.

(p-٣٧٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهم وأمْلى لَهُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾

الظّاهِرُ أنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى، قَوْمٌ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَمّا بُعِثَ وتَحَقَّقُوا أنَّهُ هو النَّبِيُّ المَوْصُوفُ في كُتُبِهِمْ كَفَرُوا بِهِ.

وَعَلى هَذا القَوْلِ فارْتِدادُهم عَلى أدْبارِهِمْ هو كُفْرُهم بِهِ بَعْدَ أنْ عَرَفُوهُ وتَيَقَّنُوهُ، وعَلى هَذا فالهُدى الَّذِي تَبَيَّنَ لَهم هو صِحَّةُ نُبُوَّتِهِ ﷺ ومَعْرِفَتِهِ بِالعَلاماتِ المَوْجُودَةِ في كُتُبِهِمْ.

وَعَلى هَذا القَوْلِ فَهَذِهِ الآيَةُ يُوَضِّحُها قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وَلَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا﴾ مُبَيِّنٌ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾، وقَوْلُهُ: ﴿كَفَرُوا وصَدُّوكُمْ﴾ مُبَيِّنٌ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ .

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: نَزَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ في المُنافِقِينَ.

وَقَدْ بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ سَبَبَ ارْتِدادِ هَؤُلاءِ القَوْمِ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى، هو إغْواءُ الشَّيْطانِ لَهم كَما قالَ تَعالى مُشِيرًا إلى عِلَّةِ ذَلِكَ: ﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أيْ زَيَّنَ لَهُمُ الكُفْرَ والِارْتِدادَ عَنِ الدِّينِ، ﴿وَأمْلى لَهُمْ﴾ أيْ مَدَّ لَهم في الأمَلِ ووَعَدَهم طُولَ العُمُرِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَوَّلَ سَهَّلَ لَهم رُكُوبَ العَظائِمِ مِنَ السَّوْلِ، وهو الِاسْتِرْخاءُ، وقَدِ اشْتَقَّهُ مِنَ السُّؤْلِ مَن لا عِلْمَ لَهُ بِالتَّصْرِيفِ والِاشْتِقاقِ جَمِيعًا، ﴿وَأمْلى لَهُمْ﴾ ومَدَّ لَهم في الآمالِ والأمانِي. انْتَهى.

(p-٣٨٠)وَإيضاحُ هَذا أنَّ هَؤُلاءِ المُرْتَدِّينَ عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى وقَعَ لَهم ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ الشَّيْطانَ سَوَّلَ لَهم ذَلِكَ أيْ سَهَّلَهُ لَهم وزَيَّنَهُ لَهم وحَسَّنَهُ لَهم ومَنّاهم بِطُولِ الأعْمارِ؛ لِأنَّ طُولَ الأمَلِ مِن أعْظَمِ أسْبابِ ارْتِكابِ الكُفْرِ والمَعاصِي.

وَفِي هَذا الحَرْفِ قِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ: قَرَأهُ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ أبِي عَمْرٍو ﴿وَأمْلى لَهُمْ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ بَعْدَها ألِفٌ وهو فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ لِلْفاعِلِ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الشَّيْطانِ.

وَأصْلُ الإمْلاءِ الإمْهالُ والمَدُّ في الأجَلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] .

وَمَعْنى إمْلاءِ الشَّيْطانِ لَهم وعْدُهُ إيّاهم بِطُولِ الأعْمارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠] .

وَقالَ تَعالى: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤] .

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ضَمِيرُ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: ﴿وَأمْلى لَهُمْ﴾ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ راجِعٌ إلى اللَّهِ تَعالى.

والمَعْنى: ﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أيْ سَهَّلَ لَهُمُ الكُفْرَ والمَعاصِيَ، وزَيَّنَ ذَلِكَ وحَسَّنَهُ لَهم، واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - أمْلى لَهم: أيْ أمْهَلَهم إمْهالَ اسْتِدْراجٍ.

وَكَوْنُ التَّسْوِيلِ مِنَ الشَّيْطانِ والإمْهالِ مِنَ اللَّهِ، قَدْ تَشْهَدُ لَهم آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ

• كَقَوْلِهِ تَعالى في تَزْيِينِ الشَّيْطانِ لَهم: ﴿وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَهو ولِيُّهُمُ اليَوْمَ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النحل: ٦٣]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَ

• كَقَوْلِهِ تَعالى في إمْلاءِ اللَّهِ لَهُمُ اسْتِدْراجًا: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم: ٤٤]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: (p-٣٨١)﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٥]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]،

والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.

وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ مِنَ السَّبْعَةِ ”وَأُمْلِيَ لَهم“ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ، بَعْدَها ياءٌ مَفْتُوحَةٌ بِصِيغَةِ الماضِي المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ والفاعِلِ المَحْذُوفِ، فِيهِ الوَجْهانِ المَذْكُورانِ آنِفًا في فاعِلِ: ﴿وَأمْلى لَهُمْ﴾ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ.

وَقَدْ ذَكَرْنا قَرِيبًا ما يَشْهَدُ لِكُلٍّ مِنهُما مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى في إمْلاءِ الشَّيْطانِ لَهم: ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠]، وقَوْلِهِ في إمْلاءِ اللَّهِ لَهم: ﴿وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم: ٤٥]، كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا.

والإشارَةُ في قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ راجِعَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهم وأمْلى لَهُمْ﴾ .

أيْ ذَلِكَ التَّسْوِيلُ والإمْلاءُ المُفْضِي إلى الكُفْرِ بِسَبَبِ أنَّهم: ﴿قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ .

وَظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ الأمْرِ الَّذِي قالُوا لَهم سَنُطِيعُكم فِيهِ مِمّا نَزَّلَ اللَّهُ وكَرِهَهُ أُولَئِكَ المُطاعُونَ.

والآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن أطاعَ مَن كَرِهَ ما نَزَّلَ اللَّهُ في مُعاوَنَتِهِ لَهُ عَلى كَراهَتِهِ ومُؤازَرَتِهِ لَهُ عَلى ذَلِكَ الباطِلِ، أنَّهُ كافِرٌ بِاللَّهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى فِيمَن كانَ كَذَلِكَ: ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧ - ٢٨] .

وَقَدْ قَدَّمْنا ما يُوَضِّحُ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ في سُورَةِ الشُّورى في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ (p-٣٨٢)تَعالى: ﴿وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، وفي مَواضِعَ عَدِيدَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.

وَبَيَّنّا في سُورَةِ الشُّورى أيْضًا شِدَّةَ كَراهَةِ الكُفّارِ لِما نَزَّلَ اللَّهُ، وبَيَّنّا ذَلِكَ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ الألْفاظِ لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ ”أسْرارَهم“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، جَمْعُ سِرٍّ.

وَقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿إسْرارَهُمْ﴾ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مَصْدَرُ أسَرَّ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ [نوح: ٩]، وقَدْ قالُوا لَهم ذَلِكَ سِرًّا فَأفْشاهُ اللَّهُ العالِمُ بِكُلِّ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ هَؤُلاءِ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ ؟ أيْ قَبَضَ مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ أرْواحَهم في حالِ كَوْنِهِمْ ضارِبِينَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم.

وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ المَلائِكَةِ يَتَوَفَّوْنَ الكُفّارَ وهم يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى في الأنْفالِ: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠]، وقَوْلِهِ في الأنْعامِ: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] .

فَقَوْلُهُ: ﴿باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ أيْ بِالضَّرْبِ المَذْكُورِ.

والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ﴾ راجِعَةٌ إلى المَصْدَرِ الكامِنِ في الفِعْلِ الصِّناعِيِّ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾، أيْ ذَلِكَ بِضَرْبِ وقْتِ المَوْتِ واقِعٌ بِسَبَبٍ ﴿بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ﴾ أيْ أغْضَبَهُ مِنَ الكُفْرِ بِهِ، وطاعَةِ الكُفّارِ الكارِهِينَ لِما نَزَّلَهُ.

والإسْخاطُ اسْتِجْلابُ السُّخْطِ، وهو الغَضَبُ هُنا.

(p-٣٨٣)وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾ لِأنَّ مَن أطاعَ مَن كَرِهَ ما نَزَّلَ اللَّهُ فَقَدْ كَرِهَ رِضْوانَ اللَّهِ؛ لِأنَّ رِضْوانَهُ تَعالى لَيْسَ إلّا في العَمَلِ بِما نَزَّلَ، فاسْتَلْزَمَتْ كَراهَةُ ما نَزَّلَ كَراهَةَ رِضْوانِهِ لِأنَّ رِضْوانَهُ فِيما نَزَّلَ، ومَن أطاعَ كارِهَهُ، فَهو كَكارِهِهِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَها، لِأنَّ الكُفْرَ سَيِّئَةٌ لا تَنْفَعُ مَعَها حَسَنَةٌ، وقَدْ أوْضَحْنا المَقامَ في ذَلِكَ إيضاحًا تامًّا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] .

وَفِي سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] .

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ، قَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ.

وَقالَ بَعْضُهم: إنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وإنَّ المُنافِقِينَ أوِ اليَهُودَ قالُوا لِلْكُفّارِ الَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ، وهو عَداوَةُ النَّبِيِّ ﷺ والتَّعْوِيقُ عَنِ الجِهادِ ونَحْوُ ذَلِكَ.

وَبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ هُمُ اليَهُودُ حِينَ كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ لَمّا عَرَفُوهُ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ، وهو الإيمانُ بِهِ - ﷺ .

والتَّحْقِيقُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ أنَّ هَذِهِ الآياتِ عامَّةٌ في كُلِّ ما يَتَناوَلُهُ لَفْظُها، وأنَّ كُلَّ ما فِيها مِنَ الوَعِيدِ عامٌّ لِمَنِ أطاعَ مَن كَرِهَ ما نَزَّلَ اللَّهُ.

مَسْألَةٌ

اعْلَمْ أنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ، يَجِبُ عَلَيْهِ في هَذا الزَّمانِ تَأمُّلُ هَذِهِ الآياتِ، مِن سُورَةِ مُحَمَّدٍ وتَدَبُّرِها، والحَذَرُ التّامُّ مِمّا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَنْتَسِبُونَ لِلْمُسْلِمِينَ داخِلُونَ بِلا شَكٍّ فِيما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ.

لِأنَّ عامَّةَ الكُفّارِ مِن شَرْقِيِّينَ وغَرْبِيِّينَ كارِهُونَ لِما نَزَّلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو هَذا القُرْآنُ وما يُبَيِّنُهُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ السُّنَنِ.

(p-٣٨٤)فَكُلُّ مَن قالَ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الكارِهِينَ لِما نَزَّلَهُ اللَّهُ: ﴿سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾، فَهو داخِلٌ في وعِيدِ الآيَةِ.

وَأحْرى مِن ذَلِكَ مِن يَقُولُ لَهم: سَنُطِيعُكم في الأمْرِ كالَّذِينِ يَتَّبِعُونَ القَوانِينَ الوَضْعِيَّةَ مُطِيعِينَ بِذَلِكَ لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ، فَإنَّ هَؤُلاءِ لا شَكَّ أنَّهم مِمَّنْ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم.

وَأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ، وأنَّهُ مُحْبِطٌ أعْمالَهم.

فاحْذَرْ كُلَّ الحَذَرِ مِنَ الدُّخُولِ في الَّذِينَ قالُوا: ﴿سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ .

47:26Страница 509

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِۖ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ ٢٦

Это потому, что они сказали тем, которые возненавидели ниспосланное Аллахом: «Мы будем повиноваться вам в некоторых делах». Аллах знает то, что они скрывают.

К этому аяту нет толкования

47:27Страница 509

فَكَيۡفَ إِذَا تَوَفَّتۡهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ ٢٧

Но что же будет, когда ангелы станут умерщвлять их, ударяя по их лицам и спинам?

К этому аяту нет толкования

47:28Страница 509

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسۡخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضۡوَٰنَهُۥ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٢٨

Это - за то, что они последовали за тем, что вызвало ярость Аллаха, и возненавидели то, чем Он доволен, и поэтому Он сделал тщетными их деяния.

К этому аяту нет толкования

47:29Страница 509

أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخۡرِجَ ٱللَّهُ أَضۡغَٰنَهُمۡ ٢٩

Неужели те, чьи сердца поражены недугом, полагали, что Аллах не выведет наружу их злобу (или зависть)?

К этому аяту нет толкования

47:30Страница 510

وَلَوۡ نَشَآءُ لَأَرَيۡنَٰكَهُمۡ فَلَعَرَفۡتَهُم بِسِيمَٰهُمۡۚ وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٠

Если бы Мы пожелали, то показали бы их тебе, и тогда ты узнавал бы их по их приметам. Но ты непременно узнаешь их по оговоркам. Аллах знает о ваших деяниях.

К этому аяту нет толкования

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English