Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
Аль-Худжурат 49:6–17
49:6Страница 516
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ ٦
О те, которые уверовали! Если нечестивец принесет вам весть, то разузнайте, чтобы не поразить по незнанию невинных людей, а не то вы будете сожалеть о содеянном.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ .
نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ في الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وقَدْ أرْسَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ إلى بَنِي المُصْطَلِقِ لِيَأْتِيَهم بِصَدَقاتِ أمْوالِهِمْ فَلَمّا سَمِعُوا بِهِ تَلَقَّوْهُ فَرَحًا بِهِ، فَخافَ مِنهم وظَنَّ أنَّهم يُرِيدُونَ قَتْلَهُ، فَرَجَعَ إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ وزَعَمَ لَهُ أنَّهم مَنَعُوا الصَّدَقَةَ وأرادُوا قَتْلَهُ، فَقَدِمَ وفْدٌ مِنهم إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرُوهُ بِكَذِبِ الوَلِيدِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وهي تَدُلُّ عَلى عَدَمِ تَصْدِيقِ الفاسِقِ في خَبَرِهِ.
(p-٤١١)وَصَرَّحَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ بِالنَّهْيِ عَنْ قَبُولِ شَهادَةِ الفاسِقِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، ولا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ في رَدِّ شَهادَةِ الفاسِقِ وعَدَمِ قَبُولِ خَبَرِهِ.
وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن سُورَةِ الحُجُراتِ عَلى أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ مِنهُما: أنَّ الفاسِقَ إنْ جاءَ بِنَبَأٍ مُمْكِنٍ مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهِ، وهَلْ ما قالَهُ فِيهِ الفاسِقُ حَقٌّ أوْ كَذِبٌ - فَإنَّهُ يَجِبُ فِيهِ التَّثَبُّتُ.
والثّانِي: هو ما اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِها أهْلُ الأُصُولِ مِن قَبُولِ خَبَرِ العَدْلِ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ بَدَلٌ بِدَلِيلِ خِطابِهِ، أعْنِي مَفْهُومَ مُخالَفَتِهِ أنَّ الجائِيَ بِنَبَأٍ إنْ كانَ غَيْرَ فاسِقٍ بَلْ عَدْلًا لا يَلْزَمُ التَّبَيُّنُ في نَبَئِهِ عَلى قِراءَةِ: فَتَبَيَّنُوا. ولا التَّثَبُّتُ عَلى قِراءَةِ: فَتَثَبَّتُوا، وهو كَذَلِكَ.
وَأمّا شَهادَةُ الفاسِقِ فَهي مَرْدُودَةٌ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ النُّورِ المَذْكُورَةُ آنِفًا.
وَقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى الفِسْقِ وأنْواعِهِ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا﴾ أيْ لِئَلّا تُصِيبُوا قَوْمًا، أوْ كَراهَةَ أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ، أيْ لِظَنِّكُمُ النَّبَأ الَّذِي جاءَ بِهِ الفاسِقُ حَقًّا فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ مِن إصابَتِكم لِلْقَوْمِ المَذْكُورِينَ نادِمِينَ لِظُهُورِ كَذِبِ الفاسِقِ فِيما أنْبَأ بِهِ عَنْهم؛ لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَتَبَيَّنُوا في نَبَأِ الوَلِيدِ عَنْ بَنِي المُصْطَلِقِ لَعامَلُوهم مُعامَلَةَ المُرْتَدِّينَ ؟ ولَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَنَدِمُوا.
وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ: فَتَبَيَّنُوا بِالباءِ التَّحْتِيَّةِ المُوَحَّدَةِ بَعْدَها مُثَنّاةٌ تَحْتِيَّةٌ مُشَدَّدَةٌ ثُمَّ نُونٌ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”فَتَثَبَّتُوا“ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ بَعْدَها ياءٌ تَحْتِيَّةٌ مُوَحَّدَةٌ مُشَدَّدَةٌ، ثُمَّ تاءٌ مُثَنّاةٌ فَوْقِيَّةٌ.
والأوَّلُ مِنَ التَّبَيُّنِ، والثّانِي مِنَ التَّثَبُّتِ.
وَمَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، وهو الأمْرُ بِالتَّأنِّي وعَدَمِ العَجَلَةِ حَتّى تَظْهَرَ الحَقِيقَةُ فِيما أنْبَأ بِهِ الفاسِقُ.
49:7Страница 516
وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ ٧
Знайте, что среди вас находится Посланник Аллаха. Если бы он подчинялся вам во многих делах, то вы непременно попали бы в затруднительное положение. Но Аллах привил вам любовь к вере, и представил ее прекрасной вашим сердцам, и сделал ненавистными вам неверие, нечестие и неповиновение. Таковы идущие правым путем
(p-٤١٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ﴾ .
وَما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّهُ هو الَّذِي حَبَّبَ إلَيْهِمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِهِمْ، وكَرَّهَ إلَيْهِمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ، مُصَرَّحٌ فِيها بِأنَّهُ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ﴾ [الإسراء: ٩٧] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٨] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٧ - ٨]، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ، نَرْجُو اللَّهَ الرَّحِيمَ الكَرِيمَ أنْ يَهْدِيَنا وألّا يُضِلَّنا.
49:8Страница 516
فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٨
по милосердию и милости Аллаха. Аллах - Знающий, Мудрый.
К этому аяту нет толкования
49:9Страница 516
وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٩
Если две группы верующих сражаются между собой, то примирите их. Если же одна из них притесняет на другую, то сражайтесь против той, которая притесняет, пока она не вернется к повелению Аллаха. Когда же она вернется, то примирите их по справедливости и будьте беспристрастны. Воистину, Аллах любит беспристрастных.
К этому аяту нет толкования
49:10Страница 516
إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٠
Воистину, верующие - братья. Посему примиряйте братьев и бойтесь Аллаха, - быть может, вы будете помилованы.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ .
هَذِهِ الأُخُوَّةُ الَّتِي أثْبَتَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ هي أُخُوَّةُ الدِّينِ لا النَّسَبِ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الأُخُوَّةَ تَكُونُ في الدِّينِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ [الأحزاب: ٥] .
وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] أنَّ الأُخُوَّةَ الدِّينِيَّةَ أعْظَمُ وأقْوى مِنَ الأُخُوَّةِ النَّسَبِيَّةِ، وبَيَّنّا أدِلَّةَ ذَلِكَ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنِ إعادَتِهِ هُنا.
49:11Страница 516
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١١
О те, которые уверовали! Пусть одни люди не насмехаются над другими, ведь может быть, что те лучше них. И пусть одни женщины не насмехаются над другими женщинами, ведь может быть, что те лучше них. Не обижайте самих себя (друг друга) и не называйте друг друга оскорбительными прозвищами. Скверно называться нечестивцем после того, как уверовал. А те, которые не раскаются, окажутся беззаконниками.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم ولا نِساءٌ مِن نِساءٍ عَسى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ﴾ أيْ لا يَسْتَخِفُّوا ولا يَسْتَهْزِئُوا بِهِمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَخِرَ مِنهُ بِكَسْرِ الخاءِ، يَسْخَرُ بِفَتْحِ الخاءِ عَلى القِياسِ، إذا اسْتَهْزَأ بِهِ واسْتَخَفَّ.
(p-٤١٣)وَقَدْ نَهى اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنِ السُّخْرِيَةِ مِنَ النّاسِ، مُبَيِّنًا أنَّ المَسْخُورَ مِنهُ قَدْ يَكُونُ خَيْرًا مِنَ السّاخِرِ.
وَمِن أقْبَحِ القَبِيحِ اسْتِخْفافُ الدَّنِيءِ الأرْذَلِ بِالأكْرَمِ الأفْضَلِ، واسْتِهْزاؤُهُ بِهِ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ السُّخْرِيَةِ جاءَ ذَمُّ فاعِلِهِ وعُقُوبَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم فَيَسْخَرُونَ مِنهم سَخِرَ اللَّهُ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩] .
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الكُفّارَ المُتْرَفِينَ في الدُّنْيا كانُوا يَسْخَرُونَ مِن ضِعافِ المُؤْمِنِينَ في دارِ الدُّنْيا، وأنَّ أُولَئِكَ يَسْخَرُونَ مِنَ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [البقرة: ٢١٢]، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وَإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٦] .
فَلا يَنْبَغِي لِمَن رَأى مُسْلِمًا في حالَةٍ رَثَّةٍ تَظْهَرُ بِها عَلَيْهِ آثارُ الفَقْرِ والضَّعْفِ أنْ يَسْخَرَ مِنهُ؛ لِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي ذَكَرْنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ .
أيْ لا يَلْمِزْ أحَدُكم أخاهُ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
وَقَدْ أوْعَدَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - الَّذِينَ يَلْمِزُونَ النّاسَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١٢]، والهُمَزَةُ كَثِيرُ الهَمْزِ لِلنّاسِ، واللُّمَزَةُ كَثِيرُ اللَّمْزِ.
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الهَمْزُ يَكُونُ بِالفِعْلِ كالغَمْزِ بِالعَيْنِ احْتِقارًا وازْدِراءً، واللَّمْزُ بِاللِّسانِ، وتَدْخُلُ فِيهِ الغَيْبَةُ.
وَقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ تَعالى بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]، ونَفَّرَ عَنْهُ غايَةَ التَّنْفِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]، فَيَجِبُ عَلى المُسْلِمِ أنْ يَتَباعَدَ كُلَّ التَّباعُدِ مِنَ الوُقُوعِ في عِرْضِ أخِيهِ.
49:12Страница 517
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ ١٢
О те, которые уверовали! Избегайте многих предположений, ибо некоторые предположения являются грехом. Не следите друг за другом и не злословьте за спиной друг друга. Разве понравится кому-либо из вас есть мясо своего покойного брата, если вы чувствуете к этому отвращение? Бойтесь Аллаха! Воистину, Аллах - Принимающий покаяния, Милосердный.
К этому аяту нет толкования
49:13Страница 517
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ ١٣
О люди! Воистину, Мы создали вас из мужчины и женщины и сделали вас народами и племенами, чтобы вы узнавали друг друга, и самый почитаемый перед Аллахом среди вас - наиболее богобоязненный. Воистину, Аллах - Знающий, Ведающий.
(p-٤١٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ خَلَقَ النّاسَ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ لِلذَّكَرِ والأُنْثى المَذْكُورَيْنِ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ، فَبَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَ ذَلِكَ الذَّكَرَ الَّذِي هو آدَمُ مِن تُرابٍ، وقَدْ بَيَّنَ الأطْوارَ الَّتِي مَرَّ بِها ذَلِكَ التُّرابُ، كَصَيْرُورَتِهِ طِينًا لازِبًا وحَمَأً مَسْنُونًا وصَلْصالًا كالفَخّارِ.
وَبَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَ تِلْكَ الأُنْثى الَّتِي هي حَوّاءُ مِن ذَلِكَ الذَّكَرِ الَّذِي هو آدَمُ فَقالَ في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ [النساء: ١] وقالَ تَعالى في الأعْرافِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ [الأعراف: ١٨٩]، وقالَ تَعالى في الزُّمَرِ: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ [الزمر: ٦] .
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ خَلَقَ نَوْعَ الإنْسانِ عَلى أرْبَعَةِ أنْواعٍ مُخْتَلِفَةٍ:
الأوَّلُ مِنها: خَلَقَهُ لا مِن أُنْثى ولا مِن ذَكَرٍ وهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّانِي: خَلَقَهُ مَن ذَكَرٍ بِدُونِ أُنْثى وهو حَوّاءُ.
والثّالِثُ: خَلَقَهُ مِن أُنْثى بِدُونِ ذَكَرٍ وهو عِيسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الرّابِعُ: خَلَقَهُ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وهو سائِرُ الآدَمِيِّينَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ - جَلَّ وعَلا.
مَسْألَةٌ
قَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ المَذْكُورَةُ عَلى أنَّ المَرْأةَ الأُولى كانَ وُجُودُها الأوَّلُ مُسْتَنِدًا إلى وُجُودِ الرَّجُلِ وفَرْعًا عَنْهُ.
وَهَذا أمْرٌ كَوْنِيٌّ قَدَرِيٌّ مِنَ اللَّهِ، أنْشَأ المَرْأةَ في إيجادِها الأوَّلِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ جاءَ الشَّرْعُ الكَرِيمُ المُنَزَّلُ مِنَ اللَّهِ لِيُعْمَلَ بِهِ في أرْضِهِ بِمُراعاةِ هَذا الأمْرِ الكَوْنِيِّ القَدَرِيِّ في حَياةِ المَرْأةِ في جَمِيعِ النَّواحِي.
فَجَعَلَ الرَّجُلَ قائِمًا عَلَيْها وجَعَلَها مُسْتَنِدَةً إلَيْهِ في جَمِيعِ شُئُونِها كَما قالَ تَعالى: (p-٤١٥)﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣٤] .
فَمُحاوَلَةُ اسْتِواءِ المَرْأةِ مَعَ الرَّجُلِ في جَمِيعِ نَواحِي الحَياةِ لا يُمْكِنُ أنْ تَتَحَقَّقَ؛ لِأنَّ الفَوارِقَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ كَوْنًا وقَدَرًا أوَّلًا، وشَرْعًا مُنَزَّلًا ثانِيًا - تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ مَنعًا باتًّا.
وَلِقُوَّةِ الفَوارِقِ الكَوْنِيَّةِ والقَدَرِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ لَعَنَ المُتَشَبِّهَ مِنَ النَّوْعَيْنِ بِالآخَرِ.
وَلا شَكَّ أنَّ سَبَبَ هَذا اللَّعْنِ هو مُحاوَلَةُ مَن أرادَ التَّشَبُّهَ مِنهم بِالآخَرِ، لِتَحْطِيمِ هَذِهِ الفَوارِقِ الَّتِي لا يُمْكِنُ أنْ تَتَحَطَّمَ.
وَقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجالِ بِالنِّساءِ والمُتَشَبِّهاتِ مِنَ النِّساءِ بِالرِّجالِ» .
وَقَدْ قَدَّمْنا هَذا الحَدِيثَ بِسَنَدِهِ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وبَيَّنّا هُناكَ أنَّ مَن لَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهو مَلْعُونٌ في كِتابِ اللَّهِ، فَلَوْ كانَتِ الفَوارِقُ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى يُمْكِنُ تَحْطِيمُها وإزالَتُها لَمْ يَسْتَوْجِبْ مَن أرادَ ذَلِكَ اللَّعْنَ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ.
وَلِأجْلِ تِلْكَ الفَوارِقِ العَظِيمَةِ الكَوْنِيَّةِ القَدَرِيَّةِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، فَرَّقَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - بَيْنَهُما في الطَّلاقِ، فَجَعَلَهُ بِيَدِ الرَّجُلِ دُونَ المَرْأةِ، وفي المِيراثِ، وفي نِسْبَةِ الأوْلادِ إلَيْهِ.
وَفِي تَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ دُونَ الأزْواجِ: صَرَّحَ بِأنَّ شَهادَةَ امْرَأتَيْنِ بِمَنزِلَةِ شَهادَةِ رَجُلٍ واحِدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨٢]، فاللَّهُ الَّذِي خَلَقَهُما لا شَكَّ أنَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَتِهِما، وقَدْ صَرَّحَ في كِتابِهِ بِقِيامِ الرَّجُلِ مَقامَ امْرَأتَيْنِ في الشَّهادَةِ.
وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢]، أيْ غَيْرُ عادِلَةٍ لِعَدَمِ اسْتِواءِ النَّصِيبَيْنِ لِفَضْلِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى.
وَلِذَلِكَ وقَعَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ في مُشْكِلَةٍ لَمّا ولَدَتْ مَرْيَمَ، كَما قالَ تَعالى عَنْها: ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٣٦] فامْرَأةُ عِمْرانَ تَقُولُ: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾، وهي صادِقَةٌ في ذَلِكَ بِلا شَكٍّ.
(p-٤١٦)والكَفَرَةُ وأتْباعُهم يَقُولُونَ: إنَّ الذَّكَرَ والأُنْثى سَواءٌ.
وَلا شَكَّ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ في صِدْقِ هَذِهِ السّالِبَةِ وكَذِبِ هَذِهِ المُوجَبَةِ.
وَقَدْ أوْضَحْنا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] وجْهَ الحِكْمَةِ في جَعْلِ الطَّلاقِ بِيَدِ الرَّجُلِ وتَفْضِيلِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى في المِيراثِ وتَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ، وكَوْنِ الوَلَدِ يُنْسَبُ إلى الرَّجُلِ، وذَكَرْنا طَرَفًا مِن ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وبَيَّنّا أنَّ الفَوارِقَ الطَّبِيعِيَّةَ بَيْنَهُما كَوْنُ الذُّكُورَةِ شَرَفًا وكَمالًا وقُوَّةً طَبِيعِيَّةً خُلُقِيَّةً، وكَوْنُ الأُنُوثَةِ بِعَكْسِ ذَلِكَ.
وَبَيَّنّا أنَّ العُقَلاءَ جَمِيعًا مُطْبِقُونَ عَلى الِاعْتِرافِ بِذَلِكَ، وأنَّ مِن أوْضَحِ الأدِلَّةِ الَّتِي بَيَّنَها القُرْآنُ عَلى ذَلِكَ اتِّفاقُ العُقَلاءِ عَلى أنَّ الأُنْثى مِن حِينِ نَشْأتِها تُحَلّى بِأنْواعِ الزِّينَةِ مِن حُلِيٍّ وحُلَلٍ، وذَلِكَ لِجَبْرِ النَّقْصِ الجِبِلِّيِّ الخَلْقِيِّ الَّذِي هو الأُنُوثَةُ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وَما الحُلِيُّ إلّا زِينَةٌ مِن نَقِيصَةٍ يُتَمِّمُ مِن حُسْنٍ إذا الحُسْنُ قَصَّرا
وَقَدْ بَيَّنّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْضَحَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]، فَأنْكَرَ عَلى الكُفّارِ أنَّهم مَعَ ادِّعاءِ الوَلَدِ لَهُ تَعالى جَعَلُوا لَهُ أنْقَصَ الوَلَدَيْنِ وأضْعَفَهُما خِلْقَةً وجِبِلَّةً وهو الأُنْثى.
وَلِذَلِكَ نَشَأتْ في الحِلْيَةِ مِن صِغَرِها، لِتَغْطِيَةِ النَّقْصِ الَّذِي هو الأُنُوثَةُ وجَبْرِهِ بِالزِّينَةِ، فَهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ.
لِأنَّ الأُنْثى لِضَعْفِها الخَلْقِيِّ الطَّبِيعِيِّ لا تَقْدِرُ أنْ تُبِينَ في الخِصامِ إبانَةَ الفُحُولِ الذُّكُورِ، إذا اهْتُضِمَتْ وظُلِمَتْ لِضَعْفِها الطَّبِيعِيِّ.
وَإنْكارُ اللَّهِ تَعالى عَلى الكُفّارِ أنَّهم مَعَ ادِّعائِهِمْ لَهُ الوَلَدَ جَعَلُوا لَهُ أنْقَصَ الوَلَدَيْنِ وأضْعَفَهُما - كَثِيرٌ في القُرْآنِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٣ - ١٥٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [الزمر: ٤]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
(p-٤١٧)وَأمّا الذَّكَرُ فَإنَّهُ لا يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ، لِأنَّ كَمالَ ذُكُورَتِهِ وشَرَفَها وقُوَّتَها الطَّبِيعِيَّةَ الَّتِي لا تَحْتاجُ مَعَهُ إلى التَّزَيُّنِ بِالحِلْيَةِ الَّتِي تَحْتاجُ إلَيْهِ الأُنْثى، لِكَمالِهِ بِذُكُورَتِهِ ونَقْصِها بِأُنُوثَتِها.
وَمِمّا لا نِزاعَ فِيهِ بَيْنَ العُقَلاءِ أنَّ الذَّكَرَ والأُنْثى إذا تَعاشَرا المُعاشَرَةَ البَشَرِيَّةَ الطَّبِيعِيَّةَ الَّتِي لا بَقاءَ لِلْبَشَرِ دُونَها، فَإنَّ المَرْأةَ تَتَأثَّرُ بِذَلِكَ تَأثُّرًا طَبَعِيًّا كَوْنِيًّا قَدَرِيًّا مانِعًا لَها مِن مُزاوَلَةِ الأعْمالِ كالحَمْلِ والنِّفاسِ وما يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الضَّعْفِ والمَرَضِ والألَمِ.
بِخِلافِ الرَّجُلِ فَإنَّهُ لا يَتَأثَّرُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ومَعَ هَذِهِ الفَوارِقِ لا يَتَجَرَّأُ عَلى القَوْلِ بِمُساواتِهِما في جَمِيعِ المَيادِينِ إلّا مُكابِرٌ في المَحْسُوسِ، فَلا يَدْعُو إلى المُساواةِ بَيْنَهُما إلّا مَن أعْمى اللَّهُ بَصِيرَتَهُ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في المَوْضِعَيْنِ اللَّذَيْنِ أشَرْنا لَهُما مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ ما يَكْفِي المُنْصِفَ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا﴾ .
لَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣]، يَدُلُّ عَلى اسْتِواءِ النّاسِ في الأصْلِ؛ لِأنَّ أباهم واحِدٌ وأُمَّهم واحِدَةٌ وكانَ في ذَلِكَ أكْبَرُ زاجِرٍ عَنِ التَّفاخُرِ بِالأنْسابِ وتَطاوُلِ بَعْضِ النّاسِ عَلى بَعْضٍ، بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ جَعَلَهم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِأجْلِ أنْ يَتَعارَفُوا أيْ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَتَمَيَّزُ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ لا لِأجْلِ أنْ يَفْتَخِرَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَتَطاوَلَ عَلَيْهِ.
وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَ بَعْضِهِمْ أفْضَلَ مِن بَعْضٍ وأكْرَمَ مِنهُ إنَّما يَكُونُ بِسَبَبٍ آخَرَ غَيْرِ الأنْسابِ.
وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ١٣]، فاتَّضَحَ مِن هَذا أنَّ الفَضْلَ والكَرَمَ إنَّما هو بِتَقْوى اللَّهِ لا بِغَيْرِهِ مِنَ الِانْتِسابِ إلى القَبائِلِ، ولَقَدْ صَدَقَ مَن قالَ:
؎فَقَدْ رَفَعَ الإسْلامُ سَلْمانَ فارِسٍ وقَدْ وضَعَ الكُفْرُ الشَّرِيفَ أبا لَهَبٍ
وَقَدْ ذَكَرُوا أنَّ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ يَقُولُ:(p-٤١٨)
؎أبِي الإسْلامُ لا أبَ لِي سِواهُ ∗∗∗ إذا افْتَخَرُوا بِقَيْسٍ أوْ تَمِيمٍ
وَهَذِهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ، تَدُلُّ عَلى أنَّ دِينَ الإسْلامِ سَماوِيٌّ صَحِيحٌ، لا نَظَرَ فِيهِ إلى الألْوانِ ولا إلى العَناصِرِ، ولا إلى الجِهاتِ، وإنَّما المُعْتَبَرُ فِيهِ تَقْوى اللَّهِ - جَلَّ وعَلا - وطاعَتُهُ، فَأكْرَمُ النّاسِ وأفْضَلُهم أتْقاهم لِلَّهِ، ولا كَرَمَ ولا فَضْلَ لِغَيْرِ المُتَّقِي، ولَوْ كانَ رَفِيعَ النَّسَبِ.
والشُّعُوبُ جَمْعُ شَعْبٍ، وهو الطَّبَقَةُ الأُولى مِنَ الطَّبَقاتِ السِّتِّ الَّتِي عَلَيْها العَرَبُ وهي: الشَّعْبُ، والقَبِيلَةُ، والعِمارَةُ، والبَطْنُ، والفَخْذُ، والفَصِيلَةُ.
فالشَّعْبُ يَجْمَعُ القَبائِلَ، والقَبِيلَةُ تَجْمَعُ العَمائِرَ، والعِمارَةُ تَجْمَعُ البُطُونَ، والبَطْنُ يَجْمَعُ الأفْخاذَ، والفَخْذُ يَجْمَعُ الفَصائِلَ.
خُزَيْمَةُ شَعْبٌ، وكِنانَةُ قَبِيلَةٌ، وقُرَيْشٌ عِمارَةٌ، وقُصَيٌّ بَطْنٌ، وهاشِمٌ فَخْذٌ، والعَبّاسُ فَصِيلَةٌ.
وَسُمِّيَتِ الشُّعُوبُ، لِأنَّ القَبائِلَ تَتَشَعَّبُ مِنها. ا هـ.
وَلَمْ يُذْكَرْ مِن هَذِهِ السِّتِّ في القُرْآنِ إلّا ثَلاثٌ: الشُّعُوبُ، والقَبائِلُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، والفَصِيلَةُ في المَعارِجِ في قَوْلِهِ: ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ [المعارج: ١٣]، وقَدْ قَدَّمْنا ما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآياتُ مُوَضَّحًا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
واعْلَمْ أنَّ العَرَبَ قَدْ تُطْلِقُ بَعْضَ هَذِهِ السِّتِّ عَلى بَعْضٍ كَإطْلاقِ البَطْنِ عَلى القَبِيلَةِ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وَإنَّ كِلابًا هَذِهِ عَشْرُ أبْطُنٍ ∗∗∗ وأنْتَ بَرِيءٌ مِن قَبائِلِها العَشْرِ
كَما قَدَّمْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٩٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الحُجُراتِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ خَلْقَ النّاسِ ابْتِداؤُهُ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى.
وَقَدْ دَلَّتْ آياتٌ أُخَرُ عَلى خَلْقِهِمْ مِن غَيْرِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ [غافر: ٦٧]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ [الحج: ٥] .
والجَوابُ واضِحٌ، وهو أنَّ التُّرابَ هو الطَّوْرُ الأوَّلُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ [نوح: ١٤] .
وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ أطْوارَ خَلْقِ الإنْسانِ مِن مَبْدَئِهِ إلى مُنْتَهاهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٣]، إلى آخِرِهِ.
49:14Страница 517
۞ قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٤
Бедуины сказали: «Мы уверовали». Скажи: «Вы не уверовали. Посему говорите: «Мы покорились». Вера еще не вошла в ваши сердца. Если вы подчинитесь Аллаху и Его Посланнику, Он нисколько не умалит ваших деяний. Воистину, Аллах - Прощающий, Милосердный».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ هَؤُلاءِ الأعْرابَ وهم أهْلُ البادِيَةِ مِنَ العَرَبِ (p-٤١٩)قالُوا آمَنّا، وأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾، وهَذا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الإيمانِ عَنْهم وثُبُوتِ الإسْلامِ لَهم.
وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنَّ الإيمانَ أخَصُّ مِنَ الإسْلامِ لِأنَّ نَفْيَ الأخَصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الأعَمِّ.
وَقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ مُسَمّى الإيمانِ الشَّرْعِيِّ الصَّحِيحِ والإسْلامِ الشَّرْعِيِّ الصَّحِيحِ - هو اسْتِسْلامُ القَلْبِ بِالِاعْتِقادِ واللِّسانِ بِالإقْرارِ، والجَوارِحِ بِالعَمَلِ، فَمُؤَدّاهُما واحِدٌ كَما يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦] .
وَإذا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يُحْتاجُ إلى بَيانِ وجْهِ الفِرَقِ بَيْنَ الإيمانِ والإسْلامِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، لِأنَّ اللَّهَ نَفى عَنْهُمُ الإيمانَ دُونَ الإسْلامِ، ولِذَلِكَ وجْهانِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ العُلَماءِ أظْهَرُهُما عِنْدِي أنَّ الإيمانَ المَنفِيَّ عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ هو مُسَمّاهُ الشَّرْعِيُّ الصَّحِيحُ، والإسْلامُ المُثْبَتُ لَهم فِيها هو الإسْلامُ اللُّغَوِيُّ الَّذِي هو الِاسْتِسْلامُ والِانْقِيادُ بِالجَوارِحِ دُونَ القَلْبِ.
وَإنَّما ساغَ إطْلاقُ الحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ هَنا عَلى الإسْلامِ مَعَ أنَّ الحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى اللُّغَوِيَّةِ عَلى الصَّحِيحِ، لِأنَّ الشَّرْعَ الكَرِيمَ جاءَ بِاعْتِبارِ الظّاهِرِ. وأنْ تُوكَلَ كُلُّ السَّرائِرِ إلى اللَّهِ.
فانْقِيادُ الجَوارِحِ في الظّاهِرِ بِالعَمَلِ واللِّسانِ بِالإقْرارِ يُكْتَفى بِهِ شَرْعًا، وإنْ كانَ القَلْبُ مُنْطَوِيًا عَلى الكُفْرِ.
وَلِهَذا ساغَ إرادَةُ الحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾؛ لِأنَّ انْقِيادَ اللِّسانِ والجَوارِحِ في الظّاهِرِ إسْلامٌ لُغَوِيٌّ مُكْتَفًى بِهِ شَرْعًا عَنِ التَّنْقِيبِ عَنِ القَلْبِ.
وَكُلُّ انْقِيادٍ واسْتِسْلامٍ وإذْعانٍ يُسَمّى إسْلامًا لُغَةً. ومِنهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ العَدَوِيِّ مُسْلِمِ الجاهِلِيَّةِ:
؎وَأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ لَهُ الأرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقالًا
؎دَحاها فَلِما اسْتَوَتْ شَدَّها ∗∗∗ جَمِيعًا وأرْسى عَلَيْها الجِبالا
؎وَأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ ∗∗∗ لَهُ المُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلالًا
؎إذا هي سِيقَتْ إلى بَلْدَةٍ ∗∗∗ أطاعَتْ فَصَبَّتْ عَلَيْها سِجالًا
؎(p-٤٢٠)وَأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ ∗∗∗ لَهُ الرِّيحُ تُصْرَفُ حالًا فَحالا
فالمُرادُ بِالإسْلامِ في هَذِهِ الأبْياتِ: الِاسْتِسْلامُ والِانْقِيادُ، وإذا حُمِلَ الإسْلامُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ انْقَدْنا واسْتَسْلَمْنا بِالألْسِنَةِ والجَوارِحِ. فَلا إشْكالَ في الآيَةِ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ فالأعْرابُ المَذْكُورُونَ مُنافِقُونَ، لِأنَّهم مُسْلِمُونَ في الظّاهِرِ، وهم كُفّارٌ في الباطِنِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِنَفْيِ الإيمانِ في قَوْلِهِ: لَمْ تُؤْمِنُوا نَفْيُ كَمالِ الإيمانِ، لا نَفْيُهُ مِن أصْلِهِ.
وَعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ أيْضًا، لِأنَّهم مُسْلِمُونَ مَعَ أنَّ إيمانَهم غَيْرُ تامٍّ، وهَذا لا إشْكالَ فِيهِ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ القائِلِينَ بِأنَّ الإيمانَ يَزِيدُ ويَنْقُصُ.
وَإنَّما اسْتَظْهَرْنا الوَجْهَ الأوَّلَ، وهو أنَّ المُرادَ بِالإسْلامِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ دُونَ الشَّرْعِيِّ، وأنَّ الأعْرابَ المَذْكُورِينَ كُفّارٌ في الباطِنِ وإنْ أسْلَمُوا في الظّاهِرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ - جَلَّ وعَلا: ﴿وَلَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ دَلالَةً كَما تَرى، لِأنَّ قَوْلَهُ: يَدْخُلِ فِعْلٌ في سِياقِ النَّفْيِ وهو مِن صِيَغِ العُمُومِ كَما أوْضَحْناهُ مِرارًا، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ مَراقِي السُّعُودِ:
؎وَنَحْوُ لا شَرِبْتُ أوْ إنْ شَرِبا ∗∗∗ واتَّفَقُوا إنْ مَصْدَرٌ قَدْ جَلَبا
فَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾: في مَعْنى لا دُخُولَ لِلْإيمانِ في قُلُوبِكم.
والَّذِينَ قالُوا بِالثّانِي. قالُوا: إنَّ المُرادَ بِنَفْيِ دُخُولِهِ نَفْيُ كَمالِهِ، والأوَّلُ أظْهَرُ كَما تَرى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿قالَتِ الأعْرابُ﴾: المُرادُ بِهِ بَعْضُ الأعْرابِ، وقَدِ اسْتَظْهَرْنا أنَّهم مُنافِقُونَ لِدَلالَةِ القُرْآنِ عَلى ذَلِكَ، وهم مِن جِنْسِ الأعْرابِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وَمِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨]، وإنَّما قُلْنا: إنَّ المُرادَ بَعْضُ الأعْرابِ في هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّ اللَّهَ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ مِنهم مَن لَيْسَ كَذَلِكَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٢١)﴿وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وصَلَواتِ الرَّسُولِ ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهم سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩] .
49:15Страница 517
إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ١٥
Верующими являются только те, которые уверовали в Аллаха и Его Посланника, а потом не испытывали сомнений и сражались на пути Аллаха своим имуществом и своими душами. Именно они являются правдивыми.
К этому аяту нет толкования
49:16Страница 517
قُلۡ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٦
Скажи: «Неужели вы хотите уведомить Аллаха о вашей вере, тогда как Аллах знает то, что на небесах, и то, что на земле? Аллах знает о всякой вещи».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكم واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ . لَمّا قالَ هَؤُلاءِ الأعْرابُ: آمَنّا، وأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُكَذِّبَهم في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وَلَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أمَرَ نَبِيَّهم أنْ يَقُولَ لَهم بِصِيغَةِ الإنْكارِ: ﴿أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ وذَلِكَ بِادِّعائِكم أنَّكم مُؤْمِنُونَ واللَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن حالِكم، وهو عالِمٌ بِأنَّكم لَمْ تُؤْمِنُوا وعالِمٌ بِكُلِّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، وعالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن تَقْبِيحِ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ بِالكَذِبِ جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
49:17Страница 517
يَمُنُّونَ عَلَيۡكَ أَنۡ أَسۡلَمُواْۖ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسۡلَٰمَكُمۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٧
Они попрекают тебя тем, что обратились в ислам. Скажи: «Не попрекайте меня вашим обращением в ислам. Это Аллах оказал вам милость тем, что привел вас к вере, если вы вообще говорите правду».
К этому аяту нет толкования
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии