Аш-ШинкитиАль‑Маида · 5:96–104

Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском

Аль-Маида 5:96–104, продолжение

وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: ولا بَأْسَ بِالِانْتِفاعِ بِما انْكَسَرَ مِنَ الأغْصانِ، وانْقَلَعَ مِنَ الشَّجَرِ بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ، ولا ما سَقَطَ مِنَ الوَرَقِ، نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ، ولا نَعْلَمُ فِيهِ خِلافًا؛ لِأنَّ الخَبَرَ إنَّما ورَدَ في القَطْعِ، وهَذا لَمْ يَقْطَعْ، فَأمّا إنْ قَطَعَهُ آدَمِيٌّ، فَقالَ أحْمَدُ: لَمْ أسْمَعْ إذا قَطَعَ أنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ، وقالَ في الدَّوْحَةِ تُقْطَعُ مِن شَبَهِهِ بِالصَّيْدِ لَمْ يُنْتَفَعْ بِحَطَبِها؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ مَمْنُوعٌ مِن إتْلافِهِ لِحُرْمَةِ الحَرَمِ، فَإذا قَطَعَهُ مَن يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَطْعُهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ، كالصَّيْدِ يَذْبَحُهُ المُحْرِمُ.

وَيُحْتَمَلُ أنْ يُباحَ لِغَيْرِ القاطِعِ الِانْتِفاعُ بِهِ؛ لِأنَّهُ انْقَطَعَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، فَأُبِيحَ لَهُ الِانْتِفاعُ بِهِ، كَما لَوْ قَطَعَهُ حَيَوانٌ بَهِيمِيٌّ، ويُفارِقُ الصَّيْدَ الَّذِي ذَبَحَهُ؛ لَأنَّ الذَّكاةَ تُعْتَبَرُ لَها الأهْلِيَّةُ، ولِهَذا لا تَحْصُلُ بِفِعْلِ بَهِيَمَةٍ بِخِلافِ هَذا. اهـ.

(p-٤٥١)وَقالَ في المُغْنِي أيْضًا: ويُباحُ أخْذُ الكُمْأةِ مِنَ الحَرَمِ، وكَذَلِكَ الفَقْعُ؛ لِأنَّهُ لا أصْلَ لَهُ، فَأشْبَهَ الثَّمَرَةَ، ورَوى حَنْبَلٌ قالَ: يُؤْكَلُ مِن شَجَرِ الحَرَمِ الضَّغابِيسُ والعِشْرِقُ، وما سَقَطَ مِنَ الشَّجَرِ، وما أنَبْتَ النّاسُ.

واخْتُلِفَ في عُشْبِ الحَرَمِ المَكِّيِّ، هَلْ يَجُوزُ أخْذُهُ لِعَلَفِ البَهائِمِ ؟ والأصَحُّ المَنعُ لِعُمُومِ الأدِلَّةِ.

فَإذا عَرَفْتَ هَذا، فاعْلَمْ أنَّ الحَلالَ إذا قَتَلَ صَيْدًا في الحَرَمِ المَكِّيِّ، فَجُمْهُورُ العُلَماءِ مِنهُمُ الأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ، وعامَّةُ فُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى أنَّ عَلَيْهِ الجَزاءَ، وهو كَجَزاءِ المُحْرِمِ المُتَقَدِّمِ، إلّا أنَّ أبا حَنِيفَةَ قالَ: لَيْسَ فِيهِ الصَّوْمُ؛ لِأنَّهُ إتْلافٌ مَحْضٌ مِن غَيْرِ مُحَرَّمٍ.

وَخالَفَ في ذَلِكَ داوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظّاهِرِيُّ، مُحْتَجًّا بِأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، ولَمْ يَرِدْ في جَزاءِ صَيْدِ الحَرَمِ نَصٌّ، فَيَبْقى عَلى الأصْلِ الَّذِي هو بَراءَةُ الذِّمَّةِ، وقَوْلُهُ هَذا قَوِيٌّ جِدًّا.

واحْتَجَّ الجُمْهُورُ: بِأنَّ الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - قَضَوْا في حَمامِ الحَرَمِ المَكِّيِّ بِشاةٍ شاةٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيٍّ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، ولَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلافُهم؛ فَيَكُونُ إجْماعًا سُكُوتِيًّا، واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِقِياسِهِ عَلى صَيْدِ المُحْرِمِ، بِجامِعِ أنَّ الكُلَّ صَيْدٌ مَمْنُوعٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعالى، وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا عَنْ جُمْهُورِ العُلَماءِ مِن أنَّ كُلَّ ما يَضْمَنُهُ المُحْرِمُ يَضْمَنُهُ مَن في الحَرَمِ يُسْتَثْنى مِنهُ شَيْئانِ:

الأوَّلُ: مِنهُما القَمْلُ، فَإنَّهُ مُخْتَلَفٌ في قَتْلِهِ في الإحْرامِ، وهو مُباحٌ في الحَرَمِ بِلا خِلافٍ.

والثّانِي: الصَّيْدُ المائِيُّ مُباحٌ في الإحْرامِ بِلا خِلافٍ، واخْتُلِفَ في اصْطِيادِهِ مِن آبارِ الحَرَمِ وعُيُونِهِ، وكَرِهَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا يُنَفَّرُ صَيْدُها»؛ فَيَثْبُتُ حُرْمَةُ الصَّيْدِ لِحُرْمَةِ المَكانِ، وظاهِرُ النَّصِّ شُمُولُ كُلِّ صَيْدٍ، ولِأنَّهُ صَيْدٌ غَيْرُ مُؤْذٍ فَأشْبَهَ الظِّباءَ، وأجازَهُ بَعْضُ العُلَماءِ؛ مُحْتَجًّا بِأنَّ الإحْرامَ لَمْ يُحَرِّمْهُ، فَكَذَلِكَ الحَرَمُ، وعَنِ الإمامِ أحْمَدَ رِوايَتانِ في ذَلِكَ بِالمَنعِ والجَوازِ.

وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ العُلَماءُ أيْضًا في شَجَرِ الحَرَمِ المَكِّيِّ وخَلاهُ، هَلْ يَجِبُ عَلى مَن قَطَعَهُما ضَمانٌ ؟ .

(p-٤٥٢)فَقالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، مِنهم مالِكٌ، وأبُو ثَوْرٍ، وداوُدُ: لا ضَمانَ في شَجَرِهِ ونَباتِهِ، وقالَ ابْنُ المُنْذِرِ: لا أجِدُ دَلِيلًا أُوجِبُ بِهِ في شَجَرِ الحَرَمِ فَرْضًا مِن كِتابٍ، ولا سُنَّةٍ، ولا إجْماعٍ، وأقُولُ كَما قالَ مالِكٌ: نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى.

والَّذِينَ قالُوا بِضَمانِهِ، مِنهُمُ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وأبُو حَنِيفَةَ، إلّا أنَّ أبا حَنِيفَةَ قالَ: يَضْمَنُ كُلَّهُ بِالقِيمَةِ، وقالَ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ: يَضْمَنُ الشَّجَرَةَ الكَبِيرَةَ بِبَقَرَةٍ، والصَّغِيرَةَ بِشاةٍ، والخَلا بِقِيمَتِهِ، والغُصْنَ بِما نَقَصَ، فَإنْ نَبْتَ ما قَطَعَ مِنهُ، فَقالَ بَعْضُهم: يَسْقُطُ الضَّمانُ، وقالَ بَعْضُهم بِعَدَمِ سُقُوطِهِ.

واسْتَدَلَّ مَن قالَ: في الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ، وفي الشَّجَرَةِ الجَزْلَةِ شاةٌ، بِآثارٍ رُوِيَتْ في ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ كَعُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، والدَّوْحَةُ: هي الشَّجَرَةُ الكَبِيرَةُ، والجَزْلَةُ: الصَّغِيرَةُ.

* *

المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: حَرَمُ المَدِينَةِ، اعْلَمْ أنَّ جَماهِيرَ العُلَماءِ عَلى أنَّ المَدِينَةَ حَرَمٌ أيْضًا لا يُنَفَّرُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها، وخالَفَ أبُو حَنِيفَةَ الجُمْهُورَ، فَقالَ: إنَّ حَرَمَ المَدِينَةِ لَيْسَ بِحَرَمٍ عَلى الحَقِيقَةِ، ولا تَثْبُتُ لَهُ أحْكامُ الحَرَمِ مِن تَحْرِيمِ قَتْلِ الصَّيْدِ، وقَطْعِ الشَّجَرِ، والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ تَرُدُّ هَذا القَوْلَ، وتَقْضِي بِأنَّ ما بَيْنَ لابَتَيِ المَدِينَةِ حَرَمٌ، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، ولا يُخْتَلى خَلاهُ إلّا لِعَلَفٍ، فَمِن ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عاصِمٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ كَما حَرَمَ إبْراهِيمُ مَكَّةَ»، الحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما بَيْنَ لابَتَيِ المَدِينَةِ، وجَعَلَ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حَوْلَ المَدِينَةِ حِمًى»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أيْضًا، وكانَ أبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ”لَوْ رَأيْتُ الظِّباءَ تَرْتَعُ في المَدِينَةِ ما ذَعَرْتُها“، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا في المَدِينَةِ، قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّمُ شَجَرَها أنْ يَخْبِطَ أوْ يُعْضَدَ»، رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ. وعَنْ أنَسٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أشْرَفَ عَلى المَدِينَةِ، فَقالَ: ”اللَّهُمَّ إنِّي أُحَرِّمُ ما بَيْنَ جَبَلَيْها مِثْلَ ما حَرَّمَ إبْراهِيمُ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بارِكْ لَهم في مُدِّهِمْ وصاعِهِمْ“»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَلِلْبُخارِيِّ عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «المَدِينَةُ حَرامٌ مِن كَذا إلى كَذا، لا يُقْطَعُ شَجَرُها، ولا يُحْدَثُ فِيها حَدَثٌ، مَن أحْدَثَ فِيها فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ (p-٤٥٣)أجْمَعِينَ»، ولِمُسْلِمٍ، عَنْ عاصِمٍ الأحْوَلِ قالَ: «سَألْتُ أنَسًا، أحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ ؟ فَقالَ: نَعَمْ هي حَرامٌ، لا يُخْتَلى خَلاها» "، الحَدِيثَ.

وَعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ، حَرامٌ ما بَيْنَ مَأْزِمَيْها ألّا يُهْراقَ فِيها دَمٌ، ولا يُحْمَلَ فِيها سِلاحٌ ولا يُخْبَطَ فِيها شَجَرٌ إلّا لِعَلَفٍ»، رَواهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لابَتَيْها، لا يُقْطَعُ عِضاهُهُا، ولا يُصادُ صَيْدُها»، رَواهُ مُسْلِمٌ أيْضًا.

وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «المَدِينَةُ حَرامٌ ما بَيْنَ عَيْرٍ إلى ثَوْرٍ»، الحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في المَدِينَةِ «لا يُخْتَلى خَلاها ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها، ولا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُها إلّا لِمَن أشادَ بِها، ولا يَصْلُحُ لِرَجُلٍ أنْ يَحْمِلَ فِيها السِّلاحَ لِقِتالٍ، ولا يَصِحُّ أنْ تُقْطَعَ فِيها شَجَرَةٌ، إلّا أنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ»، رَواهُ أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ.

وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «إنِّي أُحَرِّمُ ما بَيْنَ لابَتَيِ المَدِينَةِ أنْ يُقْطَعَ عِضاهُهُا، أوْ يُقْتَلَ صَيْدُها» .

وَقالَ: «المَدِينَةُ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ، لا يَخْرُجُ عَنْها أحَدٌ رَغْبَةً إلّا أبْدَلَ اللَّهُ فِيها مَن هو خَيْرٌ مِنهُ، ولا يَثْبُتُ أحَدٌ عَلى لَأْوائِها وجَهْدِها إلّا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا، أوْ شَفِيعًا يَوْمَ القِيامَةِ»، رَواهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وإنِّي أُحَرِّمُ ما بَيْنَ لابَتَيْها» رَواهُ مُسْلِمٌ أيْضًا.

وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «أهْوى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إلى المَدِينَةِ، فَقالَ: ”إنَّها حَرَمٌ آمِنٌ»“، رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ أيْضًا.

وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنْ أبِيهِ أبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إنِّي حَرَّمْتُ ما بَيْنَ لابَتَيِ المَدِينَةِ، كَما حَرَّمَ إبْراهِيمُ مَكَّةَ» .

قالَ: وكانَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ يَجِدُ في يَدِ أحَدِنا الطَّيْرَ، فَيَأْخُذُهُ فَيَفُكُّهُ مِن يَدِهِ، ثُمَّ (p-٤٥٤)يُرْسِلُهُ، رَواهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ أيْضًا“، «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبادَةَ الزُّرَقِيِّ: أنَّهُ كانَ يَصِيدُ العَصافِيرَ في بِئْرِ إهابٍ، وكانَتْ لَهم، قالَ: فَرَآنِي عُبادَةُ، وقَدْ أخَذْتُ عُصْفُورًا، فانْتَزَعَهُ مِنِّي فَأرْسَلَهُ، وقالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: ”حَرَّمَ ما بَيْنَ لابَتَيْها كَما حَرَّمَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَكَّةَ“»، وكانَ عُبادَةُ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ، رَواهُ البَيْهَقِيُّ.

وَعَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «اصْطَدْتُ طَيْرًا بِالقُنْبُلَةِ، فَخَرَجْتُ بِهِ في يَدِي، فَلَقِيَنِي أبِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَقالَ: ما هَذا في يَدِكَ ؟، فَقُلْتُ: طَيْرٌ اصْطَدْتُهُ بِالقُنْبُلَةِ، فَعَرَكَ أُذُنِي عَرْكًا شَدِيدًا، وانْتَزَعَهُ مِن يَدِي، فَأرْسَلَهُ، فَقالَ: ”حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَيْدَ ما بَيْنَ لابَتَيْها“»، رَواهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا، والقُنْبُلَةُ: آلَةٌ يُصادُ بِها النُّهَسُ وهو طائِرٌ.

وَعَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ وجَدَ غِلْمانًا قَدْ ألْجَؤُوا ثَعْلَبًا إلى زاوِيَةٍ فَطَرَدَهم عَنْهُ، قالَ مالِكٌ: ولا أعْلَمُ إلّا أنَّهُ قالَ: ”أفِي حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصْنَعُ هَذا“، رَواهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا.

وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّهُ وجَدَ رَجُلًا بِالأسْوافِ - وهو مَوْضِعٌ بِالمَدِينَةِ - وقَدِ اصْطادَ نُهَسًا، فَأخَذَهُ زَيْدٌ مِن يَدِهِ فَأرْسَلَهُ، ثُمَّ قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّمَ صَيْدَ ما بَيْنَ لابَتَيْها»، رَواهُ البَيْهَقِيُّ، والرَّجُلُ الَّذِي اصْطادَ النُّهَسَ هو شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ، والنُّهَسُ بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِ الهاءِ بَعْدَهُما سِينٌ مُهْمَلَةٌ، طَيْرٌ صَغِيرٌ فَوْقَ العُصْفُورِ شَبِيهٌ بِالقُنْبُرَةِ.

والأحادِيثُ في البابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، ولا شَكَّ في أنَّ النُّصُوصَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ الَّتِي أوْرَدْنا في حَرَمِ المَدِينَةِ لا شَكَّ مَعَها، ولا لَبْسَ في أنَّها حَرامٌ، لا يُنَفَّرُ صَيْدُها، لا يُقْطَعُ شَجَرُها، ولا يُخْتَلى خَلاها إلّا لِعَلَفٍ، وما احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّها غَيْرُ حَرامٍ مِن قَوْلِهِ - ﷺ: «ما فَعَلَ النُّغَيْرُ يا أبا عُمَيْرٍ ؟»، لا دَلِيلَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ مُحْتَمَلٌ لِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ المَدِينَةِ، ومُحْتَمَلٌ لِأنْ يَكُونَ صِيدَ في الحِلِّ، ثُمَّ أُدْخِلَ المَدِينَةَ.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ العُلَماءِ عَلى جَوازِ إمْساكِ الصَّيْدِ الَّذِي صِيدَ في الحِلِّ وإدْخالِهِ المَدِينَةَ، وما كانَ مُحْتَمَلًا لِهَذِهِ الِاحْتِمالاتِ لا تُعارَضُ بِهِ النُّصُوصُ الصَّرِيحَةُ الصَّحِيحَةُ الكَثِيرَةُ الَّتِي لا لَبْسَ فِيها ولا احْتِمالَ، فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ القائِلِينَ بِحُرْمَةِ المَدِينَةِ، وهم جُمْهُورُ عُلَماءِ الأُمَّةِ اخْتَلَفُوا في صَيْدِ حَرَمِ المَدِينَةِ، هَلْ يَضْمَنُهُ قاتِلُهُ أوْ لا ؟ (p-٤٥٥)وَكَذَلِكَ شَجَرُها، فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، مِنهم مالِكٌ، والشّافِعِيُّ في الجَدِيدِ، وأصْحابُهُما، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ مَوْضِعٌ يَجُوزُ دُخُولُهُ بِغَيْرِ إحْرامٍ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ جَزاءٌ كَصَيْدِ وجٍّ.

واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ - ﷺ: «المَدِينَةُ حَرَمٌ ما بَيْنَ عَيْرٍ وثَوْرٍ، فَمَن أحْدَثَ فِيها حَدَثًا، أوْ آوى فِيها مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ صَرْفًا ولا عَدْلًا»، فَذِكْرُهُ ﷺ لِهَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ في الآخِرَةِ، ولَمْ يَذْكُرْ كَفّارَةً في الدُّنْيا، دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا كَفّارَةَ تَجِبُ فِيهِ في الدُّنْيا، وهو ظاهِرٌ.

وَقالَ ابْنُ أبِي ذِئْبٍ، وابْنُ المُنْذِرِ: يَجِبُ في صَيْدِ الحَرَمِ المَدَنِيِّ الجَزاءُ الواجِبُ في صَيْدِ الحَرَمِ المَكِّيِّ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ في القَدِيمِ، واسْتَدَلَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِأنَّهُ ﷺ صَرَّحَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِأنَّهُ حَرَّمَ المَدِينَةَ مِثْلَ تَحْرِيمِ إبْراهِيمَ لِمَكَّةَ، ومُماثَلَةُ تَحْرِيمِها تَقْتَضِي اسْتِواءَهُما في جَزاءِ مَنِ انْتَهَكَ الحُرْمَةَ فِيهِما.

قالَ القُرْطُبِيُّ، قالَ القاضِي عَبْدُ الوَهّابِ: وهَذا القَوْلُ أقْيَسُ عِنْدِي عَلى أُصُولِنا؛ لاسِيَّما أنَّ المَدِينَةَ عِنْدَ أصْحابِنا أفْضَلُ مِن مَكَّةَ، وأنَّ الصَّلاةَ فِيها أفْضَلُ مِنَ الصَّلاةِ في المَسْجِدِ الحَرامِ. اهـ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ومَذْهَبُ الجُمْهُورِ في تَفْضِيلِ مَكَّةَ، وكَثْرَةِ مُضاعَفَةِ الصَّلاةِ فِيها زِيادَةً عَلى المَدِينَةِ بِمِائَةِ ضِعْفٍ أظْهَرُ لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وَذَهَبَ بَعْضُ مَن قالَ بِوُجُوبِ الجَزاءِ في الحَرَمِ المَدَنِيِّ إلى أنَّ الجَزاءَ فِيهِ هو أخْذُ سَلَبِ قاتِلِ الصَّيْدِ، أوْ قاطِعِ الشَّجَرِ فِيهِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا القَوْلُ هو أقْوى الأقْوالِ دَلِيلًا؛ لِما رَواهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”أنَّهُ رَكِبَ إلى قَصْرِهِ بِالعَقِيقِ فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا، أوْ يَخْبِطُهُ، فَسَلَبَهُ، فَلَمّا رَجَعَ سَعْدٌ جاءَهُ أهْلُ العَبْدِ فَكَلَّمُوهُ أنْ يَرُدَّ عَلى غُلامِهِمْ أوْ عَلَيْهِمْ ما أخَذَ مِن غُلامِهِمْ، فَقالَ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ أرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبى أنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ“»، رَواهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“، وأحْمَدُ.

وَما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِن أنَّ هَذا الحُكْمَ خاصٌّ بِسَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُسْتَدِلًّا بِأنَّ قَوْلَهُ: ”نَفَّلَنِيهِ“ أيْ أعْطانِيهِ، ظاهِرٌ في الخُصُوصِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، فِيهِ عِنْدِي أمْرانِ:

(p-٤٥٦)الأوَّلُ: أنَّ هَذا لا يَكْفِي في الدَّلالَةِ عَلى الخُصُوصِ؛ لِأنَّ الأصْلَ اسْتِواءُ النّاسِ في الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ إلّا بِدَلِيلٍ، وقَوْلُهُ ”نَفَّلَنِيهِ“ لَيْسَ بِدَلِيلٍ؛ لِاحْتِمالِ أنَّهُ نَفَّلَ كُلَّ مَن وجَدَ قاطِعَ شَجَرٍ، أوْ قاتِلَ صَيْدٍ بِالمَدِينَةِ ثِيابَهُ، كَما نَفَّلَ سَعْدًا، وهَذا هو الظّاهِرُ.

الثّانِي: أنَّ سَعْدًا نَفْسَهُ رُوِيَ عَنْهُ تَعْمِيمُ الحُكْمِ، وشُمُولُهُ لِغَيْرِهِ، فَقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «رَأيْتُ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ أخَذَ رَجُلًا يَصِيدُ في حَرَمِ المَدِينَةِ الَّذِي حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَبَهُ ثِيابَهُ، فَجاءَ مَوالِيهِ، فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّمَ هَذا الحَرَمَ، وقالَ: ”مَن رَأيْتُمُوهُ يَصِيدُ فِيهِ شَيْئًا فَلَكم سَلَبُهُ“؛ فَلا أرُدُّ عَلَيْكم طُعْمَةً أطْعَمَنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَكِنْ إنْ شِئْتُمْ أنْ أُعْطِيَكم ثَمَنَهُ أعْطَيْتُكم»، وفي لَفْظٍ: «مَن أخَذَ أحَدًا يَصِيدُ فِيهِ فَلْيَسْلُبْهُ ثِيابَهُ»، ورَوى هَذا الحَدِيثَ أيْضًا الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وهو صَرِيحٌ في العُمُومِ وعَدَمِ الخُصُوصِ بِسَعْدٍ كَما تَرى، وفِيهِ تَفْسِيرُ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ”نَفَّلَنِيهِ“ وأنَّهُ عامٌّ لِكُلِّ مَن وجَدَ أحَدًا يَفْعَلُ فِيها ذَلِكَ.

وَتَضْعِيفُ بَعْضِهِمْ لِهَذا الحَدِيثِ بِأنَّ في إسْنادِهِ سُلَيْمانَ بْنَ أبِي عَبْدِ اللَّهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ لِأنَّ سُلَيْمانَ بْنَ أبِي عَبْدِ اللَّهِ مَقْبُولٌ، قالَ فِيهِ الذَّهَبِيُّ: تابِعِيٌّ مُوَثَّقٌ، وقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: مَقْبُولٌ.

والمَقْبُولُ عِنْدَهُ كَما بَيَّنَهُ في مُقَدِّمَةِ تَقْرِيبِهِ: هو مَن لَيْسَ لَهُ مِنَ الحَدِيثِ إلّا القَلِيلُ، ولَمْ يَثْبُتْ فِيهِ ما يُتْرَكُ حَدِيثُهُ مِن أجْلِهِ، فَهو مَقْبُولٌ حَيْثُ يُتابَعُ، وإلّا فَلَيِّنُ الحَدِيثِ، وقالَ فِيهِ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: لَيْسَ بِمَشْهُورٍ، ولَكِنْ يُعْتَبَرُ بِحَدِيثِهِ. اهـ.

وَقَدْ تابَعَ سُلَيْمانُ بْنُ أبِي عَبْدِ اللَّهِ في هَذا الحَدِيثِ عامِرَ بْنَ سَعْدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وأحْمَدَ، ومَوْلًى لِسَعْدٍ، عِنْدَ أبِي داوُدَ، كُلُّهم عَنْ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فاتَّضَحَ رَدُّ تَضْعِيفِهِ مَعَ ما قَدَّمْنا مِن أنَّ الحاكِمَ صَحَّحَهُ، وأنَّ الذَّهَبِيَّ قالَ فِيهِ: تابِعِيٌّ مُوَثَّقٌ.

والمُرادُ بِسَلَبِ قاطِعِ الشَّجَرِ أوْ قاتِلِ الصَّيْدِ في المَدِينَةِ أخَذُ ثِيابِهِ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: حَتّى سَراوِيلَهُ.

والظّاهِرُ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن وُجُوبِ تَرْكِ ما يَسْتُرُ العَوْرَةَ المُغَلَّظَةَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: السَّلَبُ هُنا سَلَبُ القاتِلِ، وفي مَصْرِفِ هَذا السَّلَبِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

(p-٤٥٧)أصَحُّها: أنَّهُ لِلسّالِبِ كالقَتِيلِ، ودَلِيلُهُ حَدِيثُ سَعْدٍ المَذْكُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ لِفُقَراءِ المَدِينَةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لِبَيْتِ المالِ، والحَقُّ الأوَّلُ.

وَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ حِمى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي تَقَدَّمَ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، أنَّ قَدْرَهُ اثْنا عَشَرَ مِيلًا مِن جِهاتِ المَدِينَةِ لا يَجُوزُ قَطْعُ شَجَرِهِ، ولا خَلاهُ، كَما رَواهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «لا يُخْبَطُ ولا يُعْضَدُ حِمى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَكِنْ يُهَشُّ هَشًّا رَفِيقًا» أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ، ولَمْ يُضَعِّفْهُ أبُو داوُدَ، والمَعْرُوفُ عَنْ أبِي داوُدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهُ إنْ سَكَتَ عَنِ الكَلامِ في حَدِيثٍ فَأقَلُّ دَرَجاتِهِ عِنْدَهُ الحُسْنُ.

وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ جابِرٍ المَذْكُورَ: رَواهُ أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ غَيْرِ قَوِيٍّ لَكِنَّهُ لَمْ يُضَعِّفْهُ. اهـ، ويُعْتَضَدُ هَذا الحَدِيثُ بِما رَواهُ البَيْهَقِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ قالَ: ”كانَ جَدِّي مَوْلًى لِعُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وكانَ يَلِي أرْضًا لِعُثْمانَ فِيها بَقْلٌ وقِثّاءٌ، قالَ: فَرُبَّما أتانِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نِصْفَ النَّهارِ، واضِعًا ثَوْبَهُ عَلى رَأْسِهِ يَتَعاهَدُ الحِمى، ألّا يُعْضَدَ شَجَرُهُ، ولا يُخْبَطَ، قالَ: فَيَجْلِسُ إلَيَّ فَيُحَدِّثُنِي، وأُطْعِمُهُ مِنَ القِثّاءِ والبَقْلِ، فَقالَ لَهُ يَوْمًا: أراكَ لا تَخْرُجُ مِن هاهُنا، قالَ: قُلْتُ: أجَلْ، قالَ: إنِّي أسْتَعْمِلُكَ عَلى ما هاهُنا فَمَن رَأيْتَ يَعْضَدُ شَجَرًا أوْ يَخْبِطُ فَخُذْ فَأْسَهُ وحَبْلَهُ، قالَ: قُلْتُ: آخُذُ رِداءَهُ، قالَ: لا“ وعامَّةُ العُلَماءِ عَلى أنَّ صَيْدَ الحِمى المَذْكُورَ غَيْرُ حَرامٍ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِحَرَمٍ، وإنَّما هو حِمًى حَماهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْخَيْلِ وإبِلِ الصَّدَقَةِ والجِزْيَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.

واخْتُلِفَ في شَجَرِ الحِمى؛ هَلْ يَضْمَنُهُ قاطِعُهُ ؟ والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لا ضَمانَ فِيهِ، وأصَحُّ القَوْلَيْنِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ وُجُوبُ الضَّمانِ فِيهِ بِالقِيمَةِ، ولا يُسْلَبُ قاطِعُهُ، وتُصْرَفُ القِيمَةُ في مَصْرِفِ نَعَمِ الزَّكاةِ والجِزْيَةِ.

* *

المَسْألَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ جَماهِيرَ العُلَماءِ عَلى إباحَةِ صَيْدِ وجٍّ، وقِطَعِ شَجَرِهِ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: أكْرَهُ صَيْدَ وجٍّ، وحَمَلَهُ المُحَقِّقُونَ مِن أصْحابِهِ عَلى كَراهَةِ التَّحْرِيمِ.

(p-٤٥٨)واخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى القَوْلِ بِحُرْمَتِهِ، هَلْ فِيهِ جَزاءٌ كَحَرَمِ المَدِينَةِ أوْ لا شَيْءَ فِيهِ ؟ ولَكِنْ يُؤَدَّبُ قاتِلُهُ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ الشّافِعِيَّةِ.

وَحُجَّةُ مَن قالَ بِحُرْمَةِ صَيْدِ وجٍّ ما رَواهُ أبُو داوُدَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «صَيْدُ وجٍّ مُحَرَّمٌ» الحَدِيثَ.

قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“: سَكَتَ عَلَيْهِ أبُو داوُدَ، وحَسَّنَهُ المُنْذِرِيُّ، وسَكَتَ عَلَيْهِ عَبْدُ الحَقِّ، فَتَعَقَّبَهُ ابْنُ القَطّانِ بِما نَقَلَ عَنِ البُخارِيِّ، أنَّهُ لَمْ يَصِحَّ، وكَذا قالَ الأزْدِيُّ.

وَذَكَرَ الذَّهَبِيُّ، أنَّ الشّافِعِيَّ صَحَّحَهُ، وذَكَرَ الخَلّالُ أنَّ أحْمَدَ ضَعَّفَهُ، وقالَ ابْنُ حِبّانَ في رِوايَةِ المُنْفَرِدِ بِهِ، وهو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إنْسانٍ الطّائِفِيُّ، كانَ يُخْطِئُ، ومُقْتَضاهُ تَضْعِيفُ الحَدِيثِ فَإنَّهُ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ، فَإنْ كانَ أخْطَأ فِيهِ فَهو ضَعِيفٌ، وقالَ العُقَيْلِيُّ: لا يُتابَعُ إلّا مِن جِهَةٍ تُقارِبُهُ في الضَّعْفِ، وقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: إسْنادُهُ ضَعِيفٌ.

وَذَكَرَ البُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“ في تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إنْسانٍ: أنَّهُ لا يَصِحُّ.

وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“ في مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إنْسانٍ الثَّقَفِيِّ الطّائِفِيِّ المَذْكُورِ: لَيِّنُ الحَدِيثِ، وكَذَلِكَ أبَوْهُ عَبْدُ اللَّهِ الَّذِي هو شَيْخُهُ في هَذا الحَدِيثِ قالَ فِيهِ أيْضًا: لَيِّنُ الحَدِيثِ، وقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ في هَذا الحَدِيثِ في صَيْدِ وجٍّ: ضَعَّفَهُ أحْمَدُ، ذَكَرَهُ الخَلّالُ في كِتابِ ”العِلَلِ“، فَإذا عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ لَكَ أنَّ حُجَّةَ الجُمْهُورِ في إباحَةِ صَيْدِ وجٍّ وشَجَرِهِ، كَوْنُ الحَدِيثِ لَمْ يَثْبُتْ، والأصْلُ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، ووَجٌّ: بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ، أرْضٌ بِالطّائِفِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو وادٍ بِصَحْراءِ الطّائِفِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ نَفْسَ بَلْدَةِ الطّائِفِ، وقِيلَ: هو كُلُّ أرْضِ الطّائِفِ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِحُصُونِ الطّائِفِ، وقِيلَ: لِواحِدٍ مِنها، ورُبَّما التَبَسَ وجٌّ المَذْكُورُ بِوَحٍّ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ وهي ناحِيَةُ نُعْمانَ.

فَإذا عَرَفْتَ حُكْمَ صَيْدِ المُحْرِمِ، وحُكْمَ صَيْدِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ ووَجٍّ مِمّا ذَكَرْنا، فاعْلَمْ أنَّ الصَّيْدَ المُحَرَّمَ، إذا كانَ بَعْضُ قَوائِمِهِ في الحِلِّ وبَعْضُها في الحَرَمِ، أوْ كانَ عَلى غُصْنٍ مُمْتَدٍّ في الحِلِّ، وأصْلُ شَجَرَتِهِ في الحَرَمِ، فاصْطِيادُهُ حَرامٌ عَلى التَّحْقِيقِ تَغْلِيبًا (p-٤٥٩)لِجانِبِ حُرْمَةِ الحَرَمِ فِيهِما.

أمّا إذا كانَ أصْلُ الشَّجَرَةِ في الحِلِّ، وأغْصانُها مُمْتَدَّةً في الحَرَمِ، فاصْطادَ طَيْرًا واقِعًا عَلى الأغْصانِ المُمْتَدَّةِ في الحَرَمِ، فَلا إشْكالَ في أنَّهُ مُصْطادٌ في الحَرَمِ؛ لِكَوْنِ الطَّيْرِ في هَواءِ الحَرَمِ.

واعْلَمْ أنَّ ما ادَّعاهُ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ، مِن أنَّ أحادِيثَ تَحْدِيدِ حَرَمِ المَدِينَةِ مُضْطَرِبَةٌ؛ لِأنَّهُ وقَعَ في بَعْضِ الرِّواياتِ بِاللّابَتَيْنِ، وفي بَعْضِها بِالحَرَّتَيْنِ، وفي بَعْضِها بِالجَبَلَيْنِ، وفي بَعْضِها بِالمَأْزِمَيْنِ، وفي بَعْضِها بِعَيْرٍ وثَوْرٍ، غَيْرُ صَحِيحٍ لِظُهُورِ الجَمْعِ بِكُلِّ وُضُوحٍ؛ لِأنَّ اللّابَتَيْنِ هُما الحَرَّتانِ المَعْرُوفَتانِ، وهُما حِجارَةٌ سُودٌ عَلى جَوانِبِ المَدِينَةِ، والجَبَلانِ هُما المَأزِمانِ، وهُما عَيْرٌ وثَوْرٌ والمَدِينَةُ بَيْنَ الحَرَّتَيْنِ، كَما أنَّها أيْضًا بَيْنَ ثَوْرٍ وعَيْرٍ، كَما يُشاهِدُهُ مَن نَظَرَها، وثَوْرٌ جُبَيْلٌ صَغِيرٌ يَمِيلُ إلى الحُمْرَةِ بِتَدْوِيرٍ خَلْفَ أُحُدٍ مِن جِهَةِ الشَّمالِ.

فَمَنِ ادَّعى مِنَ العُلَماءِ أنَّهُ لَيْسَ في المَدِينَةِ جَبَلٌ يُسَمّى ثَوْرًا، فَغَلَطٌ مِنهُ؛ لِأنَّهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النّاسِ إلى اليَوْمِ، مَعَ أنَّهُ ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.

واعْلَمْ أنَّهُ عَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ: فَجَزاءٌ مِثْلُ الآيَةَ، بِتَنْوِينِ ”جَزاءٌ“ ورَفْعِ مِثَلُ فالأمْرُ واضِحٌ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَجَزاءٌ مِثْلُ بِالإضافَةِ، فَأظْهَرُ الأقْوالِ أنَّ الإضافَةَ بَيانِيَّةٌ، أيْ جَزاءٌ هو مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ، فَيَرْجِعُ مَعْناهُ إلى الأوَّلِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

5:97Страница 124

۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِيَٰمٗا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَٱلۡهَدۡيَ وَٱلۡقَلَٰٓئِدَۚ ذَٰلِكَ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٩٧

Аллах сделал Каабу, Заповедный дом, а также запретный месяц, жертвенных животных и животных (или людей) с ожерельями опорой для людей. Это - для того, чтобы вы знали, что Аллаху известно о том, что на небесах, и том, что на земле, и что Аллах ведает о всякой вещи.

К этому аяту нет толкования

5:98Страница 124

ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩٨

Знайте, что Аллах суров в наказании и что Аллах - Прощающий, Милосердный.

К этому аяту нет толкования

5:99Страница 124

مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٩٩

На Пророка не возложено ничего, кроме передачи откровения. Аллах знает о том, что вы обнаруживаете, и том, что вы скрываете.

К этому аяту нет толкования

5:100Страница 124

قُل لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٠٠

Скажи: «Скверное и благое не равны, даже если изобилие скверного понравилось тебе (или удивило тебя)». Бойтесь же Аллаха, обладатели разума, - быть может, вы преуспеете.

К этому аяту нет толкования

5:101Страница 124

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٠١

О те, которые уверовали! Не спрашивайте о вещах, которые огорчат вас, если станут вам известны. А ведь они станут вам известны, если вы спросите о них, когда ниспосылается Коран. Аллах простил вам это, ибо Аллах - Прощающий, Выдержанный.

К этому аяту нет толкования

5:102Страница 124

قَدۡ سَأَلَهَا قَوۡمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ ثُمَّ أَصۡبَحُواْ بِهَا كَٰفِرِينَ ١٠٢

Люди до вас спрашивали о них и по этой причине стали неверующими (или затем стали неверующими в них).

К этому аяту нет толкования

5:103Страница 124

مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٖ وَلَا سَآئِبَةٖ وَلَا وَصِيلَةٖ وَلَا حَامٖ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَأَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٠٣

Аллах не распоряжался относительно бахиры, саибы, васыли и хами. Но неверующие возводят навет на Аллаха, и большая часть их не разумеет.

К этому аяту нет толкования

5:104Страница 125

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٠٤

Когда им говорят: «Придите к тому, что ниспослал Аллах, и к Посланнику», - они отвечают: «Нам достаточно того, на чем мы застали наших отцов». Неужели они поступят так, даже если их отцы ничего не знали и не следовали прямым путем?

К этому аяту нет толкования

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English