Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
Аль-Анам 6:145
6:145Страница 147
قُل لَّآ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٖ يَطۡعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيۡتَةً أَوۡ دَمٗا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِيرٖ فَإِنَّهُۥ رِجۡسٌ أَوۡ فِسۡقًا أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٤٥
Скажи: «Из того, что дано мне в откровении, я нахожу запрещенным употреблять в пищу только мертвечину, пролитую кровь и мясо свиньи, которое (или которая) является скверной, а также недозволенное мясо животных, заколотых не ради Аллаха». Если же кто-либо вынужден пойти на это, не домогаясь запретного и не преступая пределы необходимого, то ведь Аллах - Прощающий, Милосердный.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتُلِفَ في وقْتِ وُجُوبِ الزَّكاةِ فِيما تُنْبِتُهُ الأرْضُ مِن ثَمَرٍ وحَبٍّ، فَقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: تَجِبُ في الحَبِّ إذا اشْتَدَّ، وفي الثَّمَرِ إذا بَدا صَلاحُهُ، فَتَعَلَّقَ الوُجُوبُ عِنْدَ طِيبِ التَّمْرِ، ووُجُوبُ الإخْراجِ بَعْدَ الجِذاذِ.
وَفائِدَةُ الخِلافِ أنَّهُ لَوْ تَصَرَّفَ في الثَّمَرِ والحَبِّ قَبْلَ الوُجُوبِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وإنْ تَصَرَّفَ في ذَلِكَ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكاةِ لَمْ تُسْقَطِ الزَّكاةُ عَنْهُ.
وَمِن فَوائِدِهِ أيْضًا: أنَّهُ إذا ماتَ بَعْدَ وقْتِ الوُجُوبِ زُكِّيَتْ عَلى مِلْكِهِ، وإنْ ماتَ قَبْلَ الوُجُوبِ زُكِّيَتْ عَلى مِلْكِ الوَرَثَةِ، وقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: واخْتَلَفَ العُلَماءُ في وقْتِ الوُجُوبِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ وقْتُ الجِذاذِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ حَصادِهِ﴾ .
الثّانِي: يَوْمَ الطِّيبِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ الطِّيبِ يَكُونُ عَلَفًا، لا قُوتًا ولا طَعامًا، فَإذا طابَ وحانَ الأكْلُ الَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ، وجَبَ الحَقُّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، إذْ بِتَمامِ النِّعْمَةِ يَجِبُ شُكْرُ النِّعْمَةِ، ويَكُونُ الإيتاءُ وقْتَ الحَصادِ لِما قَدْ وجَبَ يَوْمَ الطِّيبِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ تَمامِ الخَرْصِ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ الواجِبُ فِيهِ مِنَ الزَّكاةِ، فَيَكُونُ شَرْطًا لِوُجُوبِها، كَمَجِيءِ السّاعِي في الغَنَمِ، وبِهِ قالَ المُغِيرَةُ، والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِنَصِّ التَّنْزِيلِ، والمَشْهُورِ في المَذْهَبِ الثّانِي، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ. اهـ مِنهُ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ مالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: بِأنَّ كُلَّ ما أكَلَهُ المالِكُ أوْ تَصَدَّقَ بِهِ يَحْسَبُ عَلَيْهِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ يُخالِفُونَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ذَلِكَ، واحْتَجُّوا لِأنَّ ما يَأْكُلُهُ لا يُحْسَبُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ . وبِالحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ: أنَّ عَلى الخارِصِ أنْ يَدَعَ الثُّلُثَ أوِ الرُّبْعَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ حَصادِهِ﴾، قَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ بِفَتْحِ الحاءِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ مَشْهُورَتانِ (p-٥٢٠)كالصَّرّامِ والصِّرّامِ، والجَذاذِ والجِذاذِ، والقَطافِ والقِطافِ.
فائِدَةٌ: يَنْبَغِي لِصاحِبِ الحائِطِ إذا أرادَ الجِذاذَ ألّا يَمْنَعَ المَساكِينَ مِنَ الدُّخُولِ، وأنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى في ذَمِّ أصْحابِ الجَنَّةِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ القَلَمِ: ﴿إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ الآياتِ [ \ ١٧ ]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٥] . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ صَرِيحَةٌ في أنَّهُ لَمْ يَحْرُمْ مِنَ المَطْعُوماتِ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةُ المَذْكُورَةُ فِيها، الَّتِي هي: المَيْتَةُ، والدَّمُ، ولَحْمُ الخِنْزِيرِ، وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، ولَكِنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في بَعْضِ المَواضِعِ تَحْرِيمَ غَيْرِ المَذْكُوراتِ، كَتَصْرِيحِهِ بِتَحْرِيمِ الخَمْرِ في سُورَةِ المائِدَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ لا يَحْرُمُ مَطْعُومٌ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةُ المَذْكُورَةُ، وهو قَوْلٌ يُرْوى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعائِشَةَ، قالَ القُرْطُبِيُّ: ويُرْوى عَنْهم أيْضًا خِلافُهُ، وقالَ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، قالَ عَمْرٌو: قُلْتُ لِجابِرِ بْنِ زَيْدٍ: «يَزْعُمُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ ”نَهى عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ“، فَقالَ: " قَدْ كانَ يَقُولُ ذَلِكَ الحُكْمَ ابْنُ عَمْرٍو الغِفارِيُّ عِنْدَنا بِالبَصْرَةِ، ولَكِنْ أبى ذَلِكَ البَحْرُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَرَأ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ .» اهـ. وقالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ مِنَ المالِكِيَّةِ: تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَحْلِيلَ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ، إلّا ما اسْتُثْنِيَ في الآيَةِ مِنَ المَيْتَةِ، والدَّمِ، ولَحْمِ الخِنْزِيرِ.
وَلِهَذا قُلْنا: إنَّ لُحُومَ السِّباعِ وسائِرِ الحَيَوانِ ما سِوى الإنْسانِ، والخِنْزِيرِ مُباحَةٌ.
وَقالَ القُرْطُبِيُّ: رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ إباحَةُ أكْلِ لُحُومِ السِّباعِ، والحُمُرِ، والبِغالِ، وذَكَرَ حَدِيثَ البُخارِيِّ الَّذِي قَدَّمْنا آنِفًا.
ثُمَّ قالَ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ لُحُومِ السِّباعِ، فَقالَ: لا بَأْسَ بِها، فَقِيلَ لَهُ حَدِيثُ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ، فَقالَ: لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا لِحَدِيثِ أعْرابِيٍّ يَبُولُ عَلى ساقَيْهِ.
وَسُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ لَحْمِ الفِيلِ، والأسَدِ، فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وَقالَ القاسِمُ: كانَتْ عائِشَةُ تَقُولُ - لَمّا سَمِعَتِ النّاسَ يَقُولُونَ: حُرِّمَ كُلُّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ - ذَلِكَ حَلالٌ، وتَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ﴾ الآيَةَ.
(p-٥٢١)قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: اعْلَمْ أنّا نُرِيدُ في هَذا المَبْحَثِ أنْ نُبَيِّنَ حُجَّةَ مَن قالَ بِعَدَمِ تَحْرِيمِ لُحُومِ السِّباعِ، والحَمِيرِ، ونَحْوِها، وحُجَّةَ مَن قالَ بِمَنعِها، ثُمَّ نَذْكُرَ الرّاجِحَ بِدَلِيلِهِ.
واعْلَمْ أوَّلًا: أنَّ دَعْوى أنَّهُ لا يَحْرُمُ مَطْعُومٌ غَيْرُ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ باطِلَةٌ، بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ؛ لِإجْماعِ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ؛ ودَلالَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ، فَهو دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى تَحْرِيمِ غَيْرِ الأرْبَعَةِ.
وَمَن زَعَمَ أنَّ الخَمْرَ حَلالٌ لِهَذِهِ الآيَةِ، فَهو كافِرٌ بِلا نِزاعٍ بَيْنَ العُلَماءِ، وإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى عَدَمِ تَحْرِيمِ ما ذُكِرَ، قالُوا: إنَّ اللَّهَ حَصَرَ المُحَرَّماتِ فِيها في الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، وحَصَرَها أيْضًا في النَّحْلِ فِيها في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]؛ لِأنَّ إنَّما أداةُ حَصْرٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، والنَّحْلُ بَعْدَ الأنْعامِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في النَّحْلِ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ الآيَةَ [النحل: ١١٨]، والمَقْصُوصُ المُحالُ عَلَيْهِ هو المَذْكُورُ في الأنْعامِ، في قَوْلِهِ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٦]؛ ولِأنَّهُ تَعالى قالَ في الأنْعامِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٨]، ثُمَّ صَرَّحَ في النَّحْلِ بِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ بِالفِعْلِ، في قَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٣٥]؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ النَّحْلَ بَعْدَ الأنْعامِ، وحَصَرَ التَّحْرِيمَ أيْضًا في الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾، فَقالُوا: هَذا الحَصْرُ السَّماوِيُّ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ في مَكَّةَ في الأنْعامِ، والنَّحْلِ، وفي المَدِينَةِ عِنْدَ تَشْرِيعِ الأحْكامِ في البَقَرَةِ لا يُمْكِنُنا مُعارَضَتُهُ، ولا إخْراجُ شَيْءٍ مِنهُ إلّا بِدَلِيلٍ قَطْعِيِّ المَتْنِ، مُتَواتِرٍ كَتَواتُرِ القُرْآنِ العَظِيمِ.
فالخَمْرُ مَثَلًا دَلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّها مُحَرَّمَةٌ فَحَرَّمْناها؛ لِأنَّ دَلِيلَها قَطْعِيٌّ، أمّا غَيْرُها كالسِّباعِ، والحُمُرِ، والبِغالِ: فَأدِلَّةُ تَحْرِيمِها أخْبارُ آحادٍ يُقَدَّمُ عَلَيْها القاطِعُ، وهى الآياتُ المَذْكُورَةُ آنِفًا.
* *
تَنْبِيهٌ
اعْلَمْ أنَّ ما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّ زِيادَةَ تَحْرِيمِ السِّباعِ والحُمُرِ مَثَلًا بِالسُّنَّةِ عَلى (p-٥٢٢)الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ في الآياتِ، كَزِيادَةِ التَّغْرِيبِ بِالسُّنَّةِ عَلى جَلْدِ الزّانِي مِائَةً الثّابِتِ بِالقُرْآنِ، أوْ زِيادَةِ الحُكْمِ بِالشّاهِدِ واليَمِينِ في الأمْوالِ الثّابِتِ بِالسُّنَّةِ عَلى الشّاهِدَيْنِ، أوِ الشّاهِدِ والمَرْأتَيْنِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨٢]، غَيْرُ ظاهِرٍ عِنْدِي؛ لِوُضُوحِ الفَرْقِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّ زِيادَةَ التَّغْرِيبِ والحُكْمِ بِالشّاهِدِ واليَمِينِ عَلى آيَةِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما﴾ الآيَةَ [النور: ٢]، في الأوَّلِ، وآيَةِ: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ الآيَةَ، في الثّانِي زِيادَةُ شَيْءٍ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ القُرْآنُ بِنَفْيٍ ولا إثْباتٍ، ومِثْلُ هَذِهِ الزِّيادَةِ لا مانِعَ مِنهُ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ؛ لِأنَّ الزِّيادَةَ عَلى النَّصِّ لَيْسَتْ نَسْخًا لَهُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَبِناءً عَلى ذَلِكَ مَنَعَ التَّغْرِيبَ والحُكْمَ بِالشّاهِدِ واليَمِينِ؛ لِأنَّ الزِّيادَةَ عِنْدَهُ نَسْخٌ، والقُرْآنُ لا يُنْسَخُ بِأخْبارِ الآحادِ؛ لِأنَّهُ قَطْعِيُّ المَتْنِ ولَيْسَتْ كَذَلِكَ، أمّا زِيادَةُ مُحَرَّمٍ آخَرَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ﴾ الآيَةَ، فَلَيْسَتْ زِيادَةَ شَيْءٍ سَكَتَ عَنْهُ القُرْآنُ كالأوَّلِ، وإنَّما هي زِيادَةُ شَيْءٍ نَفاهُ القُرْآنُ؛ لِدَلالَةِ الحَصْرِ القُرْآنِيِّ عَلى نَفْيِ التَّحْرِيمِ عَنْ غَيْرِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، وبَيْنَ الأمْرَيْنِ فَرْقٌ واضِحٌ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ مالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَيْسَ مِمَّنْ يَقُولُ: بِأنَّ الزِّيادَةَ عَلى النَّصِّ نَسْخٌ، اللَّهُمَّ إلّا إذا كانَتِ الزِّيادَةُ أثْبَتَتْ ما كانَ مَنفِيًّا بِالنَّصِّ قَبْلَها، فَكَوْنُها إذَنْ ناسِخَةً واضِحٌ، وهُناكَ نَظَرٌ آخَرُ، قالَ بِهِ بَعْضُ العُلَماءِ: وهو أنَّ إباحَةَ غَيْرِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ مِنَ الإباحَةِ العَقْلِيَّةِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ أهْلِ الأُصُولِ بِالبَراءَةِ الأصْلِيَّةِ، وهي اسْتِصْحابُ العَدَمِ الأصْلِيِّ؛ لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُ تَحْرِيمِ شَيْءٍ إلّا بِدَلِيلٍ، كَما قالَهُ جَمْعٌ مِن أهْلِ الأُصُولِ.
وَإذا كانَتْ إباحَتُهُ عَقْلِيَّةً: فَرَفْعُها لَيْسَ بِنَسْخٍ حَتّى يُشْتَرَطَ في ناسِخِها التَّواتُرُ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ في ”تَفْسِيرِهِ“ هَذا القَوْلَ بِعَدَمِ النَّسْخِ لِلْأكْثَرِينَ مِنَ المُتَأخِّرِينَ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وكَوْنُهُ نَسْخًا أظْهَرُ عِنْدِي؛ لِأنَّ الحَصْرَ في الآيَةِ يُفْهَمُ مِنهُ إباحَةُ ما سِوى الأرْبَعَةِ شَرْعًا، فَتَكُونُ إباحَةً شَرْعِيَّةً؛ لِدَلالَةِ القُرْآنِ عَلَيْها، ورَفْعُ الإباحَةِ الشَّرْعِيَّةِ نَسْخٌ بِلا خِلافٍ، وأشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ إلى أنَّ الزِّيادَةَ الَّتِي لا تُناقِضُ الحُكْمَ الأوَّلَ لَيْسَتْ نَسْخًا بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]
وَلَيْسَ نَسْخًا كُلُّ ما أفادا فِيما رَسا بِالنَّصِّ الِازْدِيادا
وَهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ، ووَجَّهُوهُ بِعَدَمِ مُنافاةِ الزِّيادَةِ لِلْمَزِيدِ، وما لا يُنافِي لا يَكُونُ (p-٥٢٣)ناسِخًا، وهو ظاهِرٌ.
واعْلَمْ أنَّ مالِكَ بْنَ أنَسٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اخْتَلَفَتْ عَنْهُ الرِّوايَةُ في لُحُومِ السِّباعِ، فَرُوِيَ عَنْهُ أنَّها حَرامٌ، وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ في ”المُوَطَّأِ“؛ لِأنَّهُ تَرْجَمَ فِيهِ بِتَحْرِيمِ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ، ثُمَّ ساقَ حَدِيثَ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِإسْنادِهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ: «أنَّهُ نَهى عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ»، ثُمَّ ساقَ بِإسْنادِهِ حَدِيثَ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «أكْلُ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ حَرامٌ»، ثُمَّ قالَ: وهو الأمْرُ عِنْدَنا، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَهُ تَحْرِيمُها، وجَزَمَ القُرْطُبِيُّ بِأنَّ هَذا هو الصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِهِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّها مَكْرُوهَةٌ، وهو ظاهِرُ ”المُدَوَّنَةِ“، وهو المَشْهُورُ عِنْدَ أهْلِ مَذْهَبِهِ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ هو الآياتُ الَّتِي ذَكَرْنا، ومِن جُمْلَتِها الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها.
وَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وعائِشَةَ مِن إباحَتِها، وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ رُجْحانُهُ بِالدَّلِيلِ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ: مِن أنَّ كُلَّ ما ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِطَرِيقٍ صَحِيحَةٍ مِن كِتابٍ أوْ سُّنَّةٍ فَهو حَرامٌ، ويُزادُ عَلى الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ في الآياتِ، ولا يَكُونُ في ذَلِكَ أيُّ مُناقَضَةٍ لِلْقُرْآنِ؛ لِأنَّ المُحَرَّماتِ المَزِيدَةَ عَلَيْها حُرِّمَتْ بَعْدَها.
وَقَدْ قَرَّرَ العُلَماءُ: أنَّهُ لا تَناقُضَ يَثْبُتُ بَيْنَ القَضِيَّتَيْنِ إذا اخْتَلَفَ زَمَنُهُما؛ لِاحْتِمالِ صِدْقِ كُلٍّ مِنهُما في وقْتِها، وقَدِ اشْتَرَطَ عامَّةُ النُّظّارِ في التَّناقُضِ اتِّحادَ الزَّمانِ؛ لِأنَّهُ إنِ اخْتَلَفَ جازَ صِدْقُ كُلٍّ مِنهُما في وقْتِها، كَما لَوْ قُلْتَ: لَمْ يُسْتَقْبَلْ بَيْتُ المَقْدِسِ، قَدِ اسْتُقْبِلَ بَيْتُ المَقْدِسِ، وعَنَيْتَ بِالأُولى ما بَعْدَ النَّسْخِ، وبِالثّانِيَةِ ما قَبْلَهُ، فَكِلْتاهُما تَكُونُ صادِقَةً، وقَدْ أشَرْتُ في أُرْجُوزَتِي في فَنِّ المَنطِقِ إلى أنَّهُ: يُشْتَرَطُ في تَناقُضِ القَضِيَّتَيْنِ اتِّحادُهُما فِيما سِوى الكَيْفِ، أعْنِي الإيجابَ والسَّلْبَ، مِن زَمانٍ، ومَكانٍ، وشَرْطٍ، وإضافَةٍ، وقُوَّةٍ، وفِعْلٍ، وتَحْصِيلٍ، وعُدُولٍ، ومَوْضُوعٍ، ومَحْمُولٍ، وجُزْءٍ، وكُلٍّ، بِقَوْلِي: [ الرَّجَزُ ]
والِاتِّحادُ لازِمٌ بَيْنَهُما فِيما سِوى الكَيْفِ كَشَرْطٍ عُلِما والجُزْءِ والكُلِّ مَعَ المَكانِ والفِعْلِ والقُوَّةِ والزَّمانِ إضافَةُ تَحْصِيلٍ أوْ عُدُولِ ووَحْدَةِ المَوْضُوعِ والمَحْمُولِ
فَوَقْتُ نُزُولِ الآياتِ المَذْكُورَةِ لَمْ يَكُنْ حَرامًا غَيْرَ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، فَحَصْرُها صادِقٌ قَبْلَ تَحْرِيمِ غَيْرِها بِلا شَكٍّ، فَإذا طَرَأ تَحْرِيمُ شَيْءٍ آخَرَ بِأمْرٍ جَدِيدٍ، فَذَلِكَ لا يُنافِي الحَصْرَ (p-٥٢٤)الأوَّلَ لِتَجَدُّدِهِ بَعْدَهُ، وهَذا هو التَّحْقِيقُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وبِهِ يَتَّضِحُ أنَّ الحَقَّ جَوازُ نَسْخِ المُتَواتِرِ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الثّابِتِ تَأخُّرُها عَنْهُ، وإنْ مَنَعَهُ أكْثَرُ أهْلِ الأُصُولِ.
وَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ: فَسَنُفَصِّلُ لَكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى المُحَرَّماتِ الَّتِي حُرِّمَتْ بَعْدَ هَذا، وأقْوالَ العُلَماءِ فِيها.
فَمِن ذَلِكَ كُلُّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ، فالتَّحْقِيقُ تَحْرِيمُهُ لِما قَدَّمْنا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ مِنَ النَّهْيِ عَنْها، وتَحْرِيمِها، أمّا حَدِيثُ أبِي ثَعْلَبَةَ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وأمّا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ فَقَدْ أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِلَفْظِ: «كُلُّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ، فَأكْلُهُ حَرامٌ» .
والأحادِيثُ في البابِ كَثِيرَةٌ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ التَّحْقِيقَ: هو تَحْرِيمُ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ.
والتَّحْقِيقُ أنَّ أكْلَ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ مَنهِيٌّ عَنْهُ، ولا عِبْرَةَ بِقَوْلِ مَن قالَ مِنَ المالِكِيَّةِ وغَيْرِهِمْ: أنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ النَّهْيُ عَنْهُ ﷺ لِما ثَبَتَ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ - ﷺ: «نَهى عَنْ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ، وذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ» . اهـ.
فَقَرَنَ في الصَّحِيحِ بِما صَرَّحَ بِأنَّهُ حَرامٌ مَعَ أنَّ كُلًّا مِنهُما ذُو عَداءٍ وافْتِراسٍ، فَدَلَّ كُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ.
والأصْلُ في النَّهْيِ التَّحْرِيمُ، وبِتَحْرِيمِ ذِي النّابِ مِنَ السِّباعِ، وذِي المِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ، قالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ مِنهُمُ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ وداوُدُ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ الصَّحِيحُ عَنْ مالِكٍ في السِّباعِ، وأنَّ مَشْهُورَ مَذْهَبِهِ الكَراهَةُ، وعَنْهُ قَوْلٌ بِالجَوازِ وهو أضْعَفُها، والحَقُّ التَّحْرِيمُ لِما ذَكَرْنا.
وَمِن ذَلِكَ الحُمُرُ الأهْلِيَّةُ، فالتَّحْقِيقُ أيْضًا أنَّها حَرامٌ، وتَحْرِيمُها لا يَنْبَغِي أنْ يَشُكَّ فِيهِ مُنْصِفٌ؛ لِكَثْرَةِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الوارِدَةِ بِتَحْرِيمِها، وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ تَحْرِيمَها مِن حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وسَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، والبَراءِ بْنِ عازِبٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى، وأنَسٍ، وأبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وأحادِيثُهم دالَّةٌ دَلالَةً صَرِيحَةً عَلى التَّحْرِيمِ، فَلَفْظُ حَدِيثِ أبِي ثَعْلَبَةَ عِنْدَ البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ»، وهَذا صَرِيحٌ صَراحَةً (p-٥٢٥)تامَّةً في التَّحْرِيمِ، ولَفْظُ حَدِيثِ أنَسٍ عِنْدَهُما أيْضًا: «إنِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يَنْهَيانِكم عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ فَإنَّها رِجْسٌ»، وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «فَإنَّها رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ»، وفي رِوايَةٍ لَهُ أيْضًا: ”فَإنَّها رِجْسٌ“ أوْ ”نَجَسٌ“ .
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: حَدِيثُ أنَسٍ هَذا المُتَّفَقُ عَلَيْهِ الَّذِي صَرَّحَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنَّ لُحُومَ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ رِجْسٌ، صَرِيحٌ في تَحْرِيمِ أكْلِها، ونَجاسَةِ لَحْمِها، وأنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِها لَيْسَتْ لِأنَّها لَمْ يُخْرَجْ خُمُسُها، ولا أنَّها حَمُولَةٌ كَما زَعَمَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَلا تُعارِضُ هَذِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ المُتَّفَقُ عَلَيْها بِما رَواهُ أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ غالِبِ بْنِ أبْجَرَ المُزَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أصابَتْنا السَّنَةُ، ولَمْ يَكُنْ في مالِي ما أُطْعِمُ أهْلِي إلّا سِمانُ حُمُرٍ، وإنَّكَ حَرَّمْتَ الحُمُرَ الأهْلِيَّةَ، فَقالَ: أطْعِمْ أهْلَكَ مِن سَمِينِ حُمُرِكَ، فَإنَّما حَرَّمْتُها مِن أجْلِ جَوّالِ القَرْيَةِ» . اهـ.
والجَوّالُ: جُمَعُ جالَّةٍ، وهي الَّتِي تَأْكُلُ الجِلَّةَ، وهي في الأصْلِ البَعْرُ، والمُرادُ بِهِ هُنا أكْلُ النَّجاساتِ كالعَذِرَةِ.
قالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: اتَّفَقَ الحُفّاظُ عَلى تَضْعِيفِ هَذا الحَدِيثِ.
قالَ الخَطّابِيُّ، والبَيْهَقِيُّ: هو حَدِيثٌ يُخْتَلَفُ في إسْنادِهِ، يَعْنُونَ مُضْطَرِبًا، وما كانَ كَذَلِكَ لا تُعارَضُ بِهِ الأحادِيثُ المُتَّفَقُ عَلَيْها.
وَأمّا البِغالُ فَلا يَجُوزُ أكْلُها أيْضًا؛ لِما رَواهُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ جابِرٍ، قالَ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ، لُحُومَ الحُمُرِ الإنْسِيَّةِ، ولُحُومَ البِغالِ، وكُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ، وكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ»، أصْلُ حَدِيثِ جابِرٍ هَذا في ”الصَّحِيحَيْنِ“ كَما تَقَدَّمَ، وهو بِهَذا اللَّفْظِ، بِسَنَدٍ لا بَأْسَ بِهِ. قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ والشَّوْكانِيُّ.
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ ”في تَفْسِيرِهِ“: ورَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ بِإسْنادَيْنِ كُلٌّ مِنهُما عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «ذَبَحْنا يَوْمَ خَيْبَرَ الخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ، فَنَهانا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ البِغالِ والحُمُرِ، ولَمْ يَنْهَنا عَنِ الخَيْلِ»، وهو دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى تَحْرِيمِ البِغالِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّها مُتَوَلَّدَةٌ عَنِ الحَمِيرِ وهي حَرامٌ قَطْعًا؛ لِصِحَّةِ النُّصُوصِ بِتَحْرِيمِها.
* *
وَأمّا الخَيْلُ فَقَدِ اخْتَلَفَ في جَوازِ أكْلِها العُلَماءُ:
(p-٥٢٦)فَمَنَعَها مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أحَدِ القَوْلَيْنِ، وعَنْهُ أنَّها مَكْرُوهَةٌ، وكُلٌّ مِنَ القَوْلَيْنِ صَحَّحَهُ بَعْضُ المالِكِيَّةِ، والتَّحْرِيمُ أشْهَرُ عِنْدَهم.
وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ: أكْرَهُ لَحْمَ الخَيْلِ، وحَمَلَهُ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَلى التَّنْزِيهِ، وقالَ: لَمْ يُطْلِقْ أبُو حَنِيفَةَ فِيها التَّحْرِيمَ، ولَيْسَتْ عِنْدَهُ كالحِمارِ الأهْلِيِّ.
وَصَحَّحَ عَنْهُ صاحِبُ ”المُحِيطِ“، وصاحِبُ ”الهِدايَةِ“، وصاحِبُ ”الذَّخِيرَةِ“ التَّحْرِيمَ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ الحَنَفِيَّةِ.
وَمِمَّنْ رَوَيْتُ عَنْهُ كَراهَةَ لُحُومِ الخَيْلِ: الأوْزاعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وخالِدُ بْنُ الوَلِيدِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وابْنُ عَبّاسٍ، والحَكَمُ.
وَمَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ - رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى - جَوازُ أكْلِ الخَيْلِ، وبِهِ قالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ.
وَمِمَّنْ قالَ بِهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وفَضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ، وسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ، وعَلْقَمَةُ، والأسْودُ، وعَطاءٌ، وشُرَيْحٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ، وإسْحاقُ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، وداوُدُ، وغَيْرُهم.
كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ النَّوَوِيُّ، في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“، وسَنُبَيِّنُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - حُجَجَ الجَمِيعِ، وما يَقْتَضِي الدَّلِيلُ رُجْحانَهُ.
اعْلَمْ أنَّ مَن مَنَعَ أكْلَ لَحْمِ الخَيْلِ احْتَجَّ بِآيَةٍ وحَدِيثٍ:
أمّا الآيَةُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ الآيَةَ [النحل: ٨]، فَقالَ: قَدْ قالَ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥]، فَهَذِهِ لِلْأكْلِ، وقالَ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾، فَهَذِهِ لِلرُّكُوبِ لا لِلْأكْلِ، وهَذا تَفْصِيلُ مَن خَلَقَها وامْتَنَّ بِها، وأكَّدَ ذَلِكَ بِأُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّ اللّامَ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ خَلَقَها لَكم لِعِلَّةِ الرُّكُوبِ والزِّينَةِ، لِأنَّ العِلَّةَ المَنصُوصَةَ تُفِيدُ الحَصْرَ، فَإباحَةُ أكْلِها تَقْتَضِي خِلافَ ظاهِرِ الآيَةِ.
ثانِيها: عَطَفَ البِغالَ والحَمِيرَ عَلَيْها، فَدَلَّ عَلى اشْتِراكِها مَعَهُما في حُكْمِ التَّحْرِيمِ.
ثالِثُها: أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ سِيقَتْ لِلِامْتِنانِ، وسُورَةُ النَّحْلِ تُسَمّى سُورَةَ الِامْتِنانِ.
(p-٥٢٧)والحَكِيمُ لا يَمْتَنُّ بِأدْنى النِّعَمِ، ويَتْرُكُ أعْلاها، لا سِيَّما وقَدْ وقَعَ الِامْتِنانُ بِالأكْلِ في المَذْكُوراتِ قَبْلَها.
رابِعُها: لَوْ أُبِيحَ أكْلُها لَفاتَتِ المَنفَعَةُ بِها فِيما وقَعَ بِهِ الِامْتِنانُ مِنَ الرُّكُوبِ والزِّينَةِ.
وَأمّا الحَدِيثُ: فَهو ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أكْلِ لُحُومِ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ» .
وَرَدَّ الجُمْهُورُ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ الكَرِيمَةِ، بِأنَّ آيَةَ النَّحْلِ نَزَلَتْ في مَكَّةَ اتِّفاقًا، والإذْنُ في أكْلِ الخَيْلِ يَوْمَ خَيْبَرَ كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ بِأكْثَرَ مِن سِتِّ سِنِينَ، فَلَوْ فَهِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَنعَ مِنَ الآيَةِ لَما أذِنَ في الأكْلِ، وأيْضًا آيَةُ النَّحْلِ لَيْسَتْ صَرِيحَةً في مَنعِ أكْلِ الخَيْلِ، بَلْ فُهِمَ مِنَ التَّعْلِيلِ، وحَدِيثِ جابِرٍ، وحَدِيثِ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ المُتَّفَقِ عَلَيْهِما، كِلاهُما صَرِيحٌ في جَوازِ أكْلِ الخَيْلِ، والمَنطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلى المَفْهُومِ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ.
وَأيْضًا فالآيَةُ عَلى تَسْلِيمِ صِحَّةِ دَلالَتِها المَذْكُورَةِ، فَهي إنَّما تَدُلُّ عَلى تَرْكِ الأكْلِ، والتَّرْكُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ لِلتَّحْرِيمِ أوْ لِلتَّنْزِيهِ، أوْ خِلافِ الأوْلى، وإذا لَمْ يَتَعَيَّنْ واحِدٌ مِنها بَقِيَ التَّمَسُّكُ بِالأدِلَّةِ المُصَرِّحَةِ بِالجَوازِ.
وَأيْضًا فَلَوْ سَلَّمْنا أنَّ اللّامَ لِلتَّعْلِيلِ، لَمْ نُسَلِّمْ إفادَةَ الحَصْرِ في الرُّكُوبِ والزِّينَةِ. فَإنَّهُ يَنْتَفِعُ بِالخَيْلِ في غَيْرِهِما، وفي غَيْرِ الأكْلِ اتِّفاقًا، وإنَّما ذَكَرَ الرُّكُوبَ والزِّينَةَ؛ لِكَوْنِهِما أغْلَبَ ما تُطْلَبُ لَهُ الخَيْلُ.
وَنَظِيرُهُ حَدِيثُ البَقَرَةِ المَذْكُورُ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ حِينَ خاطَبَتْ راكِبَها فَقالَتْ: ”إنّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذا، إنّا خُلِقْنا لِلْحَرْثِ“، فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ أصْرَحَ في الحَصْرِ، لَمْ يُقْصَدْ بِهِ إلّا الأغْلَبُ، وإلّا فَهي تُؤْكَلُ ويُنْتَفَعُ بِها في أشْياءَ غَيْرِ الحَرْثِ اتِّفاقًا.
وَأيْضًا فَلَوْ سُلِّمَ الِاسْتِدْلالُ المَذْكُورُ لَلَزِمَ مَنعُ حَمْلِ الأثْقالِ عَلى الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ لِلْحَصْرِ المَزْعُومِ في الرُّكُوبِ والزِّينَةِ، ولا قائِلَ بِذَلِكَ.
وَأمّا الِاسْتِدْلالُ بِعَطْفِ الحَمِيرِ والبِغالِ عَلَيْها، فَهو اسْتِدْلالٌ بِدَلالَةِ الِاقْتِرانِ، وقَدْ ضَعَّفَها أكْثَرُ العُلَماءِ مِن أهْلِ الأُصُولِ، كَما أشارَ لَهُ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]
أمّا قِرانُ اللَّفْظِ في المَشْهُورِ فَلا يُساوِي في سِوى المَذْكُورِ
(p-٥٢٨)وَأمّا الِاسْتِدْلالُ بِأنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ سِيقَتْ لِلِامْتِنانِ: فَيُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ قَصَدَ بِهِ ما كانَ الِانْتِفاعُ بِهِ أغْلَبَ عِنْدَ العَرَبِ، فَخُوطِبُوا بِما عَرَفُوا وألِفُوا، ولَمْ يَكُونُوا يَأْلَفُونَ أكْلَ الخَيْلِ لِعِزَّتِها في بِلادِهِمْ، وشَدَّةِ الحاجَةِ إلَيْها في القِتالِ، بِخِلافِ الأنْعامِ: فَأكْثَرُ انْتِفاعِهِمْ بِها كانَ لِحَمْلِ الأثْقالِ، ولِلْأكْلِ؛ فاقْتُصِرَ في كُلٍّ مِنَ الصِّنْفَيْنِ عَلى الِامْتِنانِ بِأغْلَبِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ فِيهِ.
فَلَوْ لَزِمَ مِن ذَلِكَ الحَصْرُ في هَذا الشِّقِّ لَلَزِمَ مِثْلُهُ في الشِّقِّ الآخَرِ كَما قَدَّمْنا.
وَأمّا الِاسْتِدْلالُ بِأنَّ الإذْنَ في أكْلِها، سَبَبٌ لِفَنائِها وانْقِراضِها:
فَيُجابُ عَنْهُ: بِأنَّهُ أذِنَ في أكْلِ الأنْعامِ ولَمْ تَنْقَرِضْ، ولَوْ كانَ الخَوْفُ عَنْ ذَلِكَ عِلَّةً لِمَنعٍ في الأنْعامِ لِئَلّا تَنْقَرِضَ، فَيَتَعَطَّلُ الِانْتِفاعُ بِها في غَيْرِ الأكْلِ، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
وَأمّا الِاسْتِدْلالُ بِحَدِيثِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَهو مَرْدُودٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ضَعَّفَهُ عُلَماءُ الحَدِيثِ، فَقَدْ قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ في بابِ ”لُحُومِ الخَيْلِ“ ما نَصُّهُ: " وقَدْ ضَعَّفَ حَدِيثَ خالِدٍ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُوسى بْنُ هارُونَ، والدّارَقُطْنِيُّ، والخَطّابِيُّ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ، وعَبْدُ الحَقِّ، وآخَرُونَ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: واتَّفَقَ العُلَماءُ مِن أئِمَّةِ الحَدِيثِ وغَيْرِهِمْ، عَلى أنَّ حَدِيثَ خالِدٍ المَذْكُورَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وذَكَرَ أسانِيدَ بَعْضِهِمْ بِذَلِكَ، وحَدِيثُ خالِدٍ المَذْكُورُ مَعَ أنَّهُ مُضْطَرِبٌ، في إسْنادِهِ صالِحُ بْنُ يَحْيى بْنِ المِقْدامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، ضَعَّفَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: لَيِّنٌ، وفِيهِ أيْضًا: والِدُهُ يَحْيى المَذْكُورُ، الَّذِي هو شَيْخُهُ في هَذا الحَدِيثِ، قالَ فِيهِ في ”التَّقْرِيبِ“: مَسْتُورٌ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنّا لَوْ سَلَّمْنا عَدَمَ ضَعْفِ حَدِيثِ خالِدٍ، فَإنَّهُ مُعارَضٌ بِما هو أقْوى مِنهُ، كَحَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «نَهى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ، ورَخَّصَ في لُحُومِ الخَيْلِ»، وفي لَفْظٍ في ”الصَّحِيحِ“: ”وَأذِنَ في لُحُومِ الخَيْلِ“، وكَحَدِيثِ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: «نَحَرْنا فَرَسًا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأكَلْناهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما.
وَلا شَكَّ في أنَّهُما أقْوى مِن حَدِيثِ خالِدٍ، وبِهَذا كُلِّهِ تَعْلَمُ أنَّ الَّذِي يَقْتَضِي الدَّلِيلَ الصَّرِيحَ رُجْحانُهُ إباحَةُ أكْلِ لَحْمِ الخَيْلِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّ الخُرُوجَ مِنَ الخِلافِ أحْوَطُ، كَما قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: [ الرَّجَزُ ]
(p-٥٢٩)وَإنَّ الأوْرَعَ الَّذِي يَخْرُجُ مِن خِلافِهِمْ ولَوْ ضَعِيفًا فاسْتَبِنْ
وَمِن ذَلِكَ الكَلْبُ: فَإنَّ أكْلَهُ حَرامٌ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ، وعَنْ مالِكٍ قَوْلٌ ضَعِيفٌ جِدًّا بِالكَراهَةِ.
وَلِتَحْرِيمِهِ أدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ، مِنها: ما تَقَدَّمَ في ذِي النّابِ مِنَ السِّباعِ؛ لِأنَّ الكَلْبَ سَبُعٌ ذُو نابٍ، ومِنها أنَّهُ لَوْ جازَ أكْلُهُ لَجازَ بَيْعُهُ، وقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ ثَمَنِهِ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ مِن حَدِيثِ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ، مَقْرُونًا بِحُلْوانِ الكاهِنِ، ومَهْرِ البَغِيِّ، وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي جُحَيْفَةَ، وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِلَفْظِ: «ثَمَنُ الكَلْبِ خَبِيثٌ»، الحَدِيثَ، وذَلِكَ نَصٌّ في التَّحْرِيمِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٥٧] .
فَإنْ قِيلَ: ما كَلُّ خَبِيثٍ يُحَرَّمُ؛ لِما ورَدَ في الثُّومِ أنَّهُ خَبِيثٌ، وفي كَسْبِ الحَجّامِ أنَّهُ خَبِيثٌ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَحْرُمْ واحِدٌ مِنهُما.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии