Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
الأعلى
Аль-Аля
Всевышний · Мекканская · 19 аятов
(p-٤٩٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
سُورَةُ الأعْلى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾
تَقَدَّمَ مَعْنى التَّسْبِيحِ، وهو التَّنْزِيهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ، والأمْرُ بِالتَّسْبِيحِ هُنا مُنْصَبٌّ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، وفي آياتٍ أُخَرَ جاءَ الأمْرُ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦] . ومِثْلِ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] .
وَتَسْبِيحُ الرَّبِّ سُبْحانَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠]، فاخْتُلِفَ في هَذِهِ الآيَةِ، هَلِ المُرادُ تَسْبِيحُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، أوِ المُرادُ تَسْبِيحُ اسْمِهِ تَعالى، كَما هو هُنا ؟ ثُمَّ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِتَسْبِيحِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وجاءَتْ مَسْألَةُ الِاسْمِ والمُسَمّى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ ”الواقِعَةِ“، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦]، قَوْلُهُ: إنَّ الباءَ هُناكَ داخِلَةٌ عَلى المَفْعُولِ كَدُخُولِها عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥]، وأحالَ عَلى مُتَقَدِّمٍ في ذَلِكَ، وحَكى كَلامَ القُرْطُبِيِّ أنَّ الِاسْمَ بِمَعْنى المُسَمّى، واسْتَشْهَدَ لَهُ مِن كَلامِ العَرَبِ بِقَوْلِ لَبِيدٍ:
؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
وَقالَ: لا يَلْزَمُ في نَظَرِي أنَّ الِاسْمَ بِمَعْنى المُسَمّى هُنا؛ لِإمْكانِ كَوْنِ المُرادِ نَفْسُ الِاسْمِ؛ لِأنَّ أسْماءَ اللَّهِ ألْحَدَ فِيها قَوْمٌ ونَزَّهَها آخَرُونَ، ووَصَفَها اللَّهُ بِأنَّها بالِغَةُ غايَةِ الحُسْنِ؛ لِاشْتِمالِها عَلى صِفاتِهِ الكَرِيمَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] . (p-٤٩٩)وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الإسراء: ١١٠] . ثُمَّ قالَ: ولَسْنا نُرِيدُ أنْ نَذْكُرَ كَلامَ المُتَكَلِّمِينَ في الِاسْمِ والمُسَمّى: هَلِ الِاسْمُ هو المُسَمّى أوْ لا ؟ لِأنَّ مُرادَنا هُنا بَيانُ مَعْنى الآيَةِ. اهـ.
فَتَضَمَّنَ كَلامُهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - احْتِمالَ كَوْنِ المُرادِ: تَنْزِيهُ اسْمِ اللَّهِ عَمّا ألْحَدَ فِيهِ المُلْحِدُونَ، كاحْتِمالِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ، كَما تَضَمَّنَ عَدَمَ لُزُومِ كَوْنِ الِاسْمِ هُنا بِمَعْنى المُسَمّى، ولَعَلَّنا نُورِدُ مُجْمَلَ بَيانِ تِلْكَ النِّقاطِ. إنْ شاءَ اللَّهُ.
أمّا تَنْزِيهُ أسْماءِ اللَّهِ فَهو عَلى عِدَّةِ مَعانٍ، مِنها: تَنْزِيهُها عَنْ إطْلاقِها عَلى الأصْنامِ: كاللّاتَ، والعُزّى، واسْمِ الآلِهَةِ.
وَمِنها: تَنْزِيهُها عَنِ اللَّهْوِ بِها واللَّعِبِ، كالتَّلَفُّظِ بِها في حالَةٍ تُنافِي الخُشُوعَ والإجْلالَ: كَمَن يَعْبَثُ بِها ويَلْهُو، ونَظِيرُهُ مَن يَلْهُو ويَسْهُو عَنْ صَلاتِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥]، أوْ وضْعِها في غَيْرِ مَواضِعِها: كَنَقْشِ الثَّوْبِ، أوِ الفِراشِ المُمْتَهَنِ.
وَمِنها: تَنْزِيهُها عَنِ المَواطِنِ غَيْرِ الطّاهِرَةِ، وقَدْ كانَ ﷺ إذا دَخَلَ الخَلاءَ نَزَعَ خاتَمَهُ؛ لِما فِيهِ مِن نَقْشِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَمِنهُ: صِيانَةُ الأوْراقِ المَكْتُوبَةِ مِنَ الِابْتِذالِ صَوْنًا لِاسْمِ اللَّهِ.
وَعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مُوَضِّحَةً لِآيَةِ ”الواقِعَةِ“، وأنَّ اسْمَ رَبِّكَ واقِعٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ بِهِ، وهو المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ، وعَلى أنَّ المُرادَ تَسْبِيحُ اللَّهِ تَعالى،، فَقالُوا: إنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى، كَما قالَ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ، وقالُوا: الِاسْمُ صِلَةٌ، كَما في بَيْتِ لَبِيدٍ المُتَقَدِّمِ.
أمّا مَسْألَةُ الِاسْمِ: هَلْ هو عَيْنُ المُسَمّى أمْ لا ؟ فَقَدْ أشارَ إلَيْها الفَخْرُ الرّازِيُّ، وقالَ: إنَّهُ وصْفٌ رَكِيكٌ.
أمّا قَوْلُ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -: ولا يَلْزَمُ في نَظَرِي كَوْنُ الِاسْمِ بِمَعْنى المُسَمّى هُنا، فَإنَّهُ بِلازِمٍ إلى بَسْطٍ قَلِيلٍ؛ لِيُظْهِرَ صِحَّةَ ما قالَهُ.
(p-٥٠٠)وَقَدْ ناقَشَها الرّازِيُّ بَعْدَ مُقَدِّمَةٍ، قالَ فِيها: مِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، في أنَّ الِاسْمَ نَفْسُ المُسَمّى.
فَأقُولُ: إنَّ الخَوْضَ في الِاسْتِدْلالِ لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ تَلْخِيصِ مَحَلِّ النِّزاعِ، فَلا بُدَّ ها هُنا مِن بَيانِ أنَّ الِاسْمَ ما هو ؟ والمُسَمّى ما هو ؟
فَنَقُولُ: إنْ كانَ المُرادُ مِنَ الِاسْمِ هو هَذا اللَّفْظُ، وبِالمُسَمّى تِلْكَ الذّاتُ، فالعاقِلُ لا يُمْكِنُ أنْ يَقُولَ: الِاسْمُ هو المُسَمّى، وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الِاسْمِ هو تِلْكَ الذّاتُ، وبِالمُسَمّى أيْضًا تِلْكَ الذّاتُ. كانَ قَوْلُنا: الِاسْمُ نَفْسُ المُسَمّى؛ هو أنَّ تِلْكَ الذّاتَ هي تِلْكَ الذّاتُ. وهَذا لا يُمْكِنُ أنْ يُنازِعَ فِيهِ عاقِلٌ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ في وصْفِها رَكِيكَةٌ، وذَكَرَ الِاشْتِباهَ عَلى المُتَأخِّرِينَ؛ بِسَبَبِ لَفْظِ الِاسْمِ الَّذِي هو قَسِيمُ الفِعْلِ والحَرْفِ، إذْ هو مُرادُ المُتَقَدِّمِينَ في إطْلاقِهِ وإرادَةِ مُسَمّاهُ.
وَمِن هُنا تَعْلَمُ لِماذا أعْرَضَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عَنْ بَيانِها ؟ وقَدْ أوْرَدْنا هَذا البَيانَ المُجْمَلَ؛ لِنُطْلِعَ القارِئَ إلَيْهِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ أوِ المُتَأخِّرِينَ؛ فَإنَّهُ إنْ وقَعَ الِاحْتِمالُ في الذَّواتِ الأُخْرى، فَلا يَقَعُ في ذاتِ اللَّهِ وأسْمائِهِ؛ لِأنَّ لِأسْماءِ اللَّهِ أحْكامًا لا لِأسْماءِ الآخَرِينَ، ولِأسْمائِهِ سُبْحانَهُ حَقُّ التَّسْبِيحِ والتَّنْزِيهِ، والدُّعاءِ بِها. كَما تَقَدَّمَ.
وَهُنا وُجْهَةُ نَظَرٍ لَمْ أرَ مَن صَرَّحَ بِها، ولَكِنْ قَدْ تُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ، وتُشِيرُ إلَيْها السُّنَّةُ. وهي: أنْ يَكُونَ التَّسْبِيحُ هُنا بِمَعْنى الذِّكْرِ والتَّعَبُّدِ: كالتَّحْمِيدِ، والتَّهْلِيلِ، والتَّكْبِيرِ.
وَقَدْ جاءَ في كَلامِ الرّازِيِّ قَوْلُهُ: ويَكُونُ المَعْنى سَبِّحْ رَبَّكَ بِذِكْرِ أسْمائِهِ، ونَحْوُهُ في بَعْضِ نُقُولِ الطَّبَرِيِّ.
أمّا إشارَةُ السُّنَّةِ إلى ذَلِكَ، فَقَدْ رَوى الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ «عَنْهُ ﷺ: أنَّها لَمّا نَزَلَتْ، قالَ ﷺ بَعْدَ أنْ قَرَأها: ”سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى“» .
وَكَذَلِكَ ما رُوِيَ: «أنَّهُ ﷺ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]، قالَ: ”اجْعَلُوها في رُكُوعِكم“ ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ، قالَ: ”اجْعَلُوها في سُجُودِكم“ .»
(p-٥٠١)وَساقَ القُرْطُبِيُّ أثَرًا طَوِيلًا في فَضْلِها في الصَّلاةِ وخارِجِ الصَّلاةِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
وَجاءَ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ: «وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، وتُكَبِّرُونَ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، وتَخْتِمُونَ المِائَةَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ» .
وَقَدْ صَحَّ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّها قالَتْ: «”ما صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةً، بَعْدَ أنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١]، إلّا يَقُولُ:“ سُبْحانَكَ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي "، وقالَتْ: يَتَأوَّلُ القُرْآنَ» .
وَقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: «”إنَّهُ كانَ يَقُولُها في قِيامِهِ وقُعُودِهِ، ومَجِيئِهِ وذَهابِهِ ﷺ فَيَكُونُ:“ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ ": أيِ: اذْكُرْ رَبَّكَ» .
وَهَذا ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ الأُخْرى في هَذِهِ السُّورَةِ نَفْسِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾
[الأعلى: ١٤ - ١٥]، فَصَرَّحَ بِذِكْرِ اسْمِ رَبِّكَ، كَما جاءَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، فَوَضَعَ الذِّكْرَ مَوْضِعَ التَّسْبِيحِ، وهو ما أشَرْنا إلَيْهِ. وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾
أطْلَقَ الخَلْقَ؛ لِيَعُمَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ كَما تَقَدَّمَ في ”السَّجْدَةِ“، ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]، والتَّسْوِيَةُ: التَّقْوِيمُ والتَّعْدِيلُ، وقَدْ خَلَقَ اللَّهُ كُلَّ مَخْلُوقٍ مُسْتَوٍ عَلى أحْسَنِ ما يَتَناسَبُ لِخِلْقَتِهِ وما خُلِقَ لَهُ، فَخَلَقَ السَّمَواتِ فَسَوّاها في أقْوى بِناءٍ، وأعْلى سُمْكٍ، وأشَدِّ تَماسُكٍ، لا تَرى فِيها مِن تَشَقُّقٍ ولا فُطُورٍ، وزَيَّنَها بِالنُّجُومِ، وخَلَقَ الأرْضَ ودَحاها، وأخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها، والجِبالَ أرْساها وجَعَلَها فِراشًا ومِهادًا، وخَلَقَ الأشْجارَ فَسَوّاها عَلى ما تَصْلُحُ لَهُ مِن ذَواتِ الثِّمارِ، ووَقُودِ النّارِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
وَهَذِهِ الحَيَواناتُ في خِلْقَتِها وتَسْوِيَتِها آيَةٌ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠] .
أمّا الإنْسانُ فَهو في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، كُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَسْتَوْجِبُ حَقًّا لَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُسَبَّحَ (p-٥٠٢)اسْمُهُ في ذاتِهِ، وجَمِيعِ صِفاتِهِ، حَيْثُ جَمَعَ بَيْنَ الخَلْقِ والتَّسْوِيَةِ، فَلِكَمالِ القُدْرَةِ والتَّنْزِيهِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾
أطْلَقَ هُنا التَّقْدِيرَ؛ لِيَعُمَّ كُلَّ مَقْدُورٍ، وهو عائِدٌ عَلى كُلِّ مَخْلُوقٍ؛ لِأنَّ مِن لَوازِمِ الخَلْقَ التَّقْدِيرَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]، وهَذِهِ الآيَةُ ومَثِيلاتُها مِن أعْظَمِ آياتِ القُدْرَةِ، وقَدْ جَمَعَها تَعالى عِنْدَ التَّعْرِيفِ التّامِّ لِلَّهِ تَعالى، لَمّا سَألَ فِرْعَوْنُ نَبِيَّ اللَّهِ مُوسى عَنْ رَبِّهِ، قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٤٩ - ٥٠] .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢]، وهُنا قَدَّرَ كُلَّ ما خَلَقَ، وهَدى كُلَّ مَخْلُوقٍ إلى ما قَدَّرَهُ لَهُ، فَفي العالَمِ العُلْوِيِّ قَدَّرَ مَقادِيرَ الأُمُورِ، وهَدى المَلائِكَةَ لِتَنْفِيذِها، وقَدَّرَ مَسِيرَ الأفْلاكِ، وهَداها إلى ما قُدِّرَ لَها: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] .
وَفِي الأشْجارِ والنَّباتاتِ؛ قَدَّرَ لَها أزْمِنَةً مُعَيَّنَةً في إيتائِها وهِدايَتِها إلى ما قُدِّرَ لَها، فالجِذْرُ يَنْزِلُ إلى أسْفَلَ والنَّبْتَةُ تَنْمُو إلى أعْلى، وهَكَذا الحَيَواناتُ في تَلْقِيحِها، ونِتاجِها، وإرْضاعِها. كُلٌّ قَدْ هَداهُ إلى ما قُدِّرَ لَهُ، وهَكَذا الإنْسانُ.
وَقَدْ قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: إنَّ العالَمَ كُلَّهُ داخِلٌ تَحْتَ مَنطُوقِ هَذِهِ الآيَةِ.
أمّا مَعْناها بِالتَّفْصِيلِ، فَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ ”طه“ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] .
К этому аяту нет толкования
К этому аяту нет толкования
87:6Страница 591
سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ ٦
Мы позволим тебе прочесть Коран, и ты не забудешь ничего,
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - مَعْنى: نُقْرِئُكَ في سُورَةِ ”طه“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]، وبَيَّنَهُ بِآيَةِ ”القِيامَةِ“: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦] .
(p-٥٠٣)وَقَوْلُهُ: ”فَلا تَنْسى“: بَحَثَهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ مَعَ ما يُنْسَخُ مِنَ الآياتِ فَيَنْساهُ.
وَسَيُطْبَعُ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - مَعَ هَذِهِ التَّتِمَّةِ، تَتِمَّةً لِلْفائِدَةِ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٤٣٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأعْلى
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَنْسى مِنَ القُرْءانِ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْساهُ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلى حِفْظِ القُرْءانِ مِنَ الضَّياعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧]، وقَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
والجَوابُ أنَّ القُرْءانِ وإنْ كانَ مَحْفُوظًا مِنَ الضَّياعِ فَإنَّ بَعْضَهُ يَنْسَخُ بَعْضًا، وإنْساءُ اللَّهِ نَبِيَّهُ بَعْضَ القُرْءانِ في حُكْمِ النَّسْخِ، فَإذا أنْساهُ آيَةً فَكَأنَّهُ نَسَخَها، ولا بُدَّ أنْ يَأْتِيَ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها، كَما صَرَّحَ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ [البقرة: ١٠٦] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٠١] .
وَأشارَ هُنا لِعِلْمِهِ بِحِكْمَةِ النَّسْخِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يُفْهَمُ مِنها أنَّ التَّذْكِيرَ، لا يُطْلَبُ إلّا عِنْدَ مَظِنَّةِ نَفْعِهِ، بِدَلِيلِ أنِ الشَّرْطِيَّةِ.
وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِالتَّذْكِيرِ مُطْلَقًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١] وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] .
وَأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأجْوِبَةٍ كَثِيرَةٍ:
(p-٤٣٩)مِنها أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا أيْ: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى، وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أيْ والبَرْدَ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والنَّحّاسِ والجُرْجانِيِّ وغَيْرِهِمْ.
وَمِنها أنَّها بِمَعْنى: إذْ، وإتْيانُ: ”إنْ“ بِمَعْنى: إذْ مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ خِلافًا لِلْبَصْرِيِّينَ.
وَجَعَلَ مِنهُ الكُوفِيُّونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢] .
وَقَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، وقَوْلَهُ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] .
وَقَوْلَهُ ﷺ: «وَإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكم لاحِقُونَ» .
وَقَوْلَ الفَرَزْدَقِ:
؎أتَغْضَبُ إنْ أُذْنا قُتَيْبَةَ حَزَّتا جِهارًا ولَمْ تَغْضَبْ لِقَتْلِ ابْنِ حازِمِ
وَأجابَ البَصْرِيُّونَ عَنْ آياتِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، بِأنَّ فِيها مَعْنى الشَّرْطِ، جِيءَ بِهِ لِلتَّهْيِيجِ، وعَنْ آيَةِ ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾، والحَدِيثُ بِأنَّهُما تَعْلِيمٌ لِلْعِبادِ كَيْفَ يَتَكَلَّمُونَ، إذا أخْبَرُوا عَنِ المُسْتَقْبَلِ، وعَنِ البَيْتِ بِجَوابَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مِن إقامَةِ السَّبَبِ مَقامَ المُسَبِّبِ، والأصْلُ: أتَغْضَبُ إنِ افْتَخَرَ مُفْتَخِرٌ بِحَزِّ أُذُنَيْ قُتَيْبَةَ، إذِ الِافْتِخارُ بِذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِلْغَضَبِ، ومُسَبِّبًا عَنِ الحَزِّ.
الثّانِي: تَغْضَبُ إنَّ تَبَيَّنَ في المُسْتَقْبَلِ، أنَّ أُذُنَيْ قُتَيْبَةَ حُزَّتا.
وَمِنها أنَّ مَعْنى ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ الإرْشادُ إلى التَّذْكِيرِ بِالأهَمِّ، أيْ ذَكِّرْ بِالمُهِمِّ الَّذِي فِيهِ النَّفْعُ دُونَ ما لا نَفْعَ فِيهِ، فَيَكُونُ المَعْنى ذَكِّرِ الكُفّارَ مَثَلًا بِالأُصُولِ الَّتِي هي التَّوْحِيدُ، لا بِالفُرُوعِ، لِأنَّها لا تَنْفَعُ دُونَ الأُصُولِ، وذَكِّرِ المُؤْمِنَ التّارِكَ لِفَرْضٍ مَثَلًا بِذَلِكَ الفَرْضِ المَتْرُوكِ لا بِالعَقائِدِ ونَحْوِ ذَلِكَ لِأنَّهُ أنْفَعُ.
وَمِنها أنَّ ”إنْ“، بِمَعْنى: قَدْ وهو قَوْلُ قُطْرُبٍ.
(p-٤٤٠)وَمِنها أنَّها صِيغَةُ شَرْطٍ أُرِيدَ بِها ذَمُّ الكُفّارِ واسْتِبْعادُ تَذَكُّرِهِمْ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نادَيْتَ حَيًّا ∗∗∗ ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
وَمِنها غَيْرُ ذَلِكَ.
والَّذِي يَظْهَرُ لِمُقَيِّدِ هَذِهِ الحُرُوفِ عَفا اللَّهُ عَنْهُ، هو بَقاءُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى ظاهِرِها، وأنَّهُ ﷺ بَعْدَ أنْ يُكَرِّرَ لِذِكْرِي تَكْرِيرًا تَقُومُ بِهِ حُجَّةُ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ مَأْمُورٌ بِالتَّذْكِيرِ عِنْدَ ظَنِّ الفائِدَةِ، أمّا إذا عَلِمَ الفائِدَةَ فَلا يُؤْمَرُ بِشَيْءٍ هو عالِمٌ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ، لِأنَّ العاقِلَ لا يَسْعى إلى ما لا فائِدَةَ فِيهِ.
وَقَدْ قالَ الشّاعِرُ:
؎لِما نافِعٌ يَسْعى اللَّبِيبُ فَلا تَكُنْ ∗∗∗ لِشَيْءٍ بَعِيدٍ نَفْعُهُ الدَّهْرَ ساعِيًا
وَهَذا ظاهِرٌ ولَكِنَّ الخَفاءَ في تَحْقِيقِ المَناطِ، وإيضاحُهُ أنْ يُقالَ: بِأيِّ وجْهٍ يُتَيَقَّنُ عَدَمُ إفادَةِ الذِّكْرى، حَتّى يُباحَ تَرْكُها.
وَبَيانُ ذَلِكَ أنَّهُ تارَةً يَعْلَمُهُ بِإعْلامِ اللَّهِ بِهِ، كَما وقَعَ في أبِي لَهَبٍ، حَيْثُ قالَ تَعالى فِيهِ: ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ وامْرَأتُهُ الآيَةَ [المسد: ٣ - ٤] .
فَأبُو لَهَبٍ هَذا وامْرَأتُهُ لا تَنْفَعُ فِيهِما الذِّكْرى، لِأنَّ القُرْءانِ نَزَلَ بِأنَّهُما مِن أهْلِ النّارِ بَعْدَ تَكْرارِ التَّذْكِيرِ لَهُما تَكْرارًا تَقُومُ عَلَيْهِما بِهِ الحُجَّةُ، فَلا يَلْزَمُ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ أنْ يُذَكِّرَهُما بِشَيْءٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ .
وَتارَةً يَعْلَمُ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ الحالِ، بِحَيْثُ يُبْلِغُ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ، ويَأْتِي بِالمُعْجِزاتِ الواضِحَةِ، فَيَعْلَمُ أنَّ بَعْضَ الأشْخاصِ عالِمٌ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وأنَّهُ مُصِرٌّ عَلى الكُفْرِ عِنادًا ولَجاجًا، فَمِثْلُ هَذا لا يَجِبُ تَكْرِيرُ الذِّكْرى لَهُ دائِمًا، بَعْدَ أنْ تُكَرَّرَ عَلَيْهِ تَكْرِيرًا تَلْزَمُهُ بِهِ الحُجَّةُ.
وَحاصِلُ إيضاحِ هَذا الجَوابِ أنَّ الذِّكْرى تَشْتَمِلُ عَلى ثَلاثِ حِكَمٍ:
الأُولى: خُرُوجُ فاعِلِها مِن عُهْدَةِ الأمْرِ بِها.
الثّانِيَةُ: رَجاءُ النَّفْعِ لِمَن يُوعَظُ بِها، وبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هاتَيْنِ الحِكْمَتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٤١)﴿قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤]، وبَيَّنَ الأوْلى مِنهُما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ. وبَيَّنَ الثّانِيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [ ٥١ ] .
الثّالِثَةُ: إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى الخَلْقِ، وبَيَّنَها تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وبِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا﴾ الآيَةَ [طه: ١٣٤]، فالنَّبِيُّ ﷺ إذا كَرَّرَ الذِّكْرى حَصَلَتِ الحِكْمَةُ الأُولى والثّالِثَةُ، فَإنْ كانَ في الثّانِيَةِ طَمَعٌ اسْتَمَرَّ عَلى التَّذْكِيرِ وإلّا لَمْ يُكَلَّفْ بِالدَّوامِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَإنَّما اخْتَرْنا بَقاءَ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مَعَ أنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ عَلى صَرْفِها عَنْ ظاهِرِها المُتَبادِرِ مِنها، وأنَّ مَعْناها: فَذَكِّرْ مُطْلَقًا إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى، وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، لِأنَّنا نَرى أنَّهُ لا يَجُوزُ صَرْفُ كِتابِ اللَّهِ عَنْ ظَواهِرِهِ المُتَبادِرَةِ مِنهُ ؟ إلّا لِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ لَهُ، وإلى بَقاءِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها.
جَنَحَ ابْنُ كَثِيرٍ حَيْثُ قالَ في تَفْسِيرِها: أيْ ذَكِّرْ حَيْثُ تَنْفَعُ التَّذْكِرَةُ، ومِن هُنا يُؤْخَذُ الأدَبُ في نَشْرِ العِلْمِ، فَلا يَضَعُهُ في غَيْرِ أهْلِهِ، كَما قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما أنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لا تُبَلِّغُهُ عُقُولَهم، إلّا كانَ فِتْنَةً لِبَعْضِهِمْ، وقالَ: حَدَّثَ اللَّهُ النّاسَ بِما يَعْرِفُونَ، أتُرِيدُونَ أنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ ورَسُولُهُ.
تَنْبِيهٌ
هَذا الإشْكالُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ، إنَّما هو عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ بِاعْتِبارِ دَلِيلِ الخِطابِ الَّذِي هو مَفْهُومُ المُخالَفَةِ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن لا يَعْتَبِرُ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ شَرْطًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، كَأبِي حَنِيفَةَ ؟ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ، وكَذَلِكَ لا إشْكالَ فِيها عَلى قَوْلِ مَن لا يَعْتَبِرُ مَفْهُومَ الشَّرْطِ كالباقِلّانِيِّ، فَتَكُونُ الآيَةُ نَصَّتْ عَلى الأمْرِ بِالتَّذْكِيرِ عِنْدَ مَظِنَّةِ النَّفْعِ، وسَكَتَتْ عَنْ حُكْمِهِ عِنْدَ عَدَمِ مَظِنَّةِ النَّفْعِ فَيُطْلَبُ مِن دَلِيلٍ آخَرَ، فَلا تُعارِضُ الآيَةُ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى التَّذْكِيرِ مُطْلَقًا.
87:7Страница 591
إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ ٧
кроме того, что пожелает Аллах. Он знает явное и то, что сокрыто.
К этому аяту нет толкования
К этому аяту нет толкования
87:9Страница 591
فَذَكِّرۡ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ ٩
Наставляй же людей, если напоминание принесет пользу.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾
هَلْ: إنْ هُنا بِمَعْنى إذْ أوْ أنَّها شَرْطِيَّةٌ ؟ وهَلْ لِلشَّرْطِ مَفْهُومُ مُخالَفَةٍ أمْ لا ؟ كُلُّ ذَلِكَ بَحَثَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بِتَوَسُّعٍ في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ، ورَجَّحَ أنَّها شَرْطِيَّةٌ، وقَسَّمَ المَدْعُوَّ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مَقْطُوعٌ بِنَفْعِهِ، ومَقْطُوعٌ بِعَدَمِ نَفْعِهِ، ومُحْتَمَلٌ، وقالَ: مَحَلُّ التَّذْكِيرِ ما لَمْ يَكُنْ مَقْطُوعًا بِعَدَمِ نَفْعِهِ، كَمَن بَيَّنَ لَهُ مِرارًا فَأعْرَضَ، كَأبِي لَهَبٍ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَآلِهِ فَلا نَفْعَ في تَذْكِيرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ الحِكْمَةِ مِنَ الذِّكْرى.
وَمِنها تَذْكِيرُ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، في سُورَةِ ”الذّارِياتِ“ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾
أيْ: بِسَبَبِ شَقائِهِمُ السّابِقِ أزَلًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] .
К этому аяту нет толкования
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾
نَفى عَنْهُ الضِّدَّيْنِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ بِالذّاتِ إمّا حَيٌّ وإمّا مَيِّتٌ، ولا واسِطَةَ بَيْنَهُما، ولَكِنْ في يَوْمِ القِيامَةِ تَتَغَيَّرُ المَوازِينُ والمَعايِيرُ، وهَذا أبْلَغُ في التَّعْذِيبِ، إذْ لَوْ ماتَ لاسْتَراحَ، ومَعَ أنَّهُ يَتَلَقّى مِنَ العَذابِ ما لا حَياةَ مَعَهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾ وقَوْلُهُ ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ [فاطر: ٣٦] . وتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ بَيانُ مَعْنى ذَلِكَ في سُورَةِ ”طَهَ“ عِنْدَ الكَلامِ (p-٥٠٤)عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [طه: ٧٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ أسْنَدَ الفَلاحَ هُنا إلى: ﴿مَن تَزَكّى﴾ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ وفي غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ أسْنَدَ التَّزْكِيَةَ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾
[النور: ٢١]، وفي آيَةٍ أُخْرى، نَهى عَنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ ”النُّورِ“ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ﴾ عَلى أنْ ”زَكا“ بِمَعْنى تَطَهَّرَ مِنَ الشُّكْرِ والمَعاصِي، لا عَلى أنَّهُ أخْرَجَ الزَّكاةَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ آيَةَ ”النَّجْمِ“ إنَّما نَهى فِيها عَنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ؛ لِما فِيهِ مِنِ امْتِداحِها، وقَدْ لا يَكُونُ صَحِيحًا كَما في سُورَةِ ”الحُجُراتِ“: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ [الحجرات: ١٤] واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
К этому аяту нет толкования
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии