Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
Аль-Баййина 98:7–8
98:7Страница 598
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ خَيۡرُ ٱلۡبَرِيَّةِ ٧
Воистину, те, которые уверовали и совершали праведные деяния, являются наилучшими из тварей.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ .
الحُكْمُ هُنا بِالعُمُومِ، كالحُكْمِ هُناكَ، ولَكِنَّهُ هُنا بِالخَيْرِيَّةِ والتَّفْضِيلِ.
أمّا مِن حَيْثُ الجِنْسِ فَلا إشْكالَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ أفْضَلُ الأجْناسِ ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] .
وَأمّا مِن حَيْثُ العُمُومِ، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ فِيها ما يَدُلُّ عَلى أنَّ صالِحَ المُؤْمِنِينَ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ.
وَلَعَلَّ مِمّا يُقَوِّي هَذا الِاسْتِدْلالَ، هو أنَّ بَعْضَ أفْرادِ جِنْسِ الإنْسانِ أفْضَلُ مِن عُمُومِ أفْرادِ جِنْسِ المَلائِكَةِ، وهو الرَّسُولُ ﷺ، وإذا فُضِّلَ بَعْضُ أفْرادِ الجِنْسِ لا يُمْنَعُ في البَعْضِ الآخَرِ، ولَكِنْ هَلْ بَعْضُ أفْرادِ الأُمَّةِ بَعْدَهُ أفْضَلُ مِن عُمُومِ أوْ بَعْضِ أفْرادِ المَلائِكَةِ ؟ هَذا هو مَحَلَّ الخِلافِ.
وَلِلْقُرْطُبِيِّ مَبْحَثٌ في ذَلِكَ: مَبْناهُ عَلى أصْلِ المادَّةِ ووُرُودِ النُّصُوصِ مِن جِهَةِ أصْلِ المادَّةِ إنْ كانَتِ البَرِيَّةُ مَأْخُوذَةً مِنَ البَرْيِ وهو التُّرابُ، فَلا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ تَحْتَ هَذا التَّفْضِيلِ وإلّا فَتَدْخُلُ.
وَأمّا مِن جِهَةِ النُّصُوصِ، فَقالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ ياآدَمُ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣]، قالَ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذا البابِ أيُّهُما أفْضَلُ، المَلائِكَةُ أوْ بَنُو آدَمَ ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: فَذَهَبَ قَوْلٌ إلى أنَّ الرُّسُلَ مِنَ البَشَرِ أفْضَلُ مِنَ الرُّسُلِ مِنَ المَلائِكَةِ، والأوْلِياءَ مِنَ البَشَرِ أفْضَلُ مِنَ الأوْلِياءِ مِنَ المَلائِكَةِ.
(p-٥١)وَذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ المَلَأ الأعْلى أفْضَلُ، واحْتَجَّ مَن فَضَّلَ المَلائِكَةَ بِأنَّهم عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ.
وَقَوْلِهِ: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] . وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠] .
وَبِما في البُخارِيِّ يَقُولُ اللَّهُ: «مَن ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهُ» وهَذا نَصٌّ عَلى أنَّ المَلَأ الأعْلى خَيْرٌ مِن مَلَأِ الأرْضِ.
واحْتَجَّ مَن فَضَّلَ بَنِي آدَمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧]، بِالهَمْزِ مِن بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، وقَوْلِهِ ﷺ: «إنَّ المَلائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَها رِضًا لِطالِبِ العِلْمِ» أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ.
وَبِأنَّ اللَّهَ يُباهِي بِأهْلِ عَرَفاتٍ المَلائِكَةَ، ولا يُباهِي إلّا بِالأفْضَلِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولا طَرِيقَ إلى القَطْعِ بِأنَّ المَلائِكَةَ خَيْرٌ مِنهم؛ لِأنَّ طَرِيقَ ذَلِكَ خَبَرُ اللَّهِ، وخَبَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ إجْماعُ الأُمَّةِ.
وَلَيْسَ هاهُنا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ خِلافًا لِلْقَدَرِيَّةِ والقاضِي أبِي بَكْرٍ، حَيْثُ قالُوا: المَلائِكَةُ أفْضَلُ. قالَ: وأمّا مَن قالَ مِن أصْحابِنا والشِّيعَةِ: إنَّ الأنْبِياءَ أفْضَلُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المَلائِكَةِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، إلى آخِرِهِ.
ثُمَّ رَدَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ.
وَقَدْ سُقْنا هَذا البَحْثَ لِبَيانِ الخِلافِ في هَذِهِ المَسْألَةِ المُشْتَمِلِ عَلَيْها لَفْظُ البَرِيَّةِ، وأعْتَقِدُ أنَّ المُفاضَلَةَ جُزْئِيَّةٌ لا كُلِّيَّةٌ، وذَلِكَ أنَّ جِنْسَ البَشَرِ خِلافُ جِنْسِ المَلائِكَةِ، والمَلائِكَةُ فِيهِمُ النَّصُّ بِأنَّهم: ﴿عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، والبَشَرُ فِيهِمُ النَّصُّ ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، والفَرْقُ بَيْنَهُما كالفَرْقِ بَيْنَ الِاسْمِ والفِعْلِ في الدَّلالَةِ.
فَفِي المَلائِكَةِ بِالِاسْمِ: مُكْرَمُونَ، وهو يَدُلُّ عَلى الدَّوامِ والثُّبُوتِ، وفي بَنِي آدَمَ كَرَّمْنا، وهو يَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ والحُدُوثِ.
وَهَذا هو الواقِعُ، فالتَّكْرِيمُ ثابِتٌ ولازِمٌ ودائِمٌ لِلْمَلائِكَةِ بِخِلافِهِ في بَنِي آدَمَ إذْ فِيهِمْ (p-٥٢)وَفِيهِمْ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّفْضِيلَ في الأعْمالِ مِن حَيْثُ صُدُورِها مِن بَنِي آدَمَ ومِنَ المَلائِكَةِ، إذِ المَلائِكَةُ تَصْدُرُ عَنْهم أعْمالُ الخَيْرِ جِبِلَّةً أوْ بِدُونِ نَوازِعِ شَرٍّ، بِخِلافِ بَنِي آدَمَ، وإنَّ أعْمالَ الخَيْرِ تَصْدُرُ عَنْها بِمَجْهُودٍ مُزْدَوَجٍ، حَيْثُ رُكِّبَتْ فِيهِمُ النَّفْسُ اللَّوّامَةُ والأمّارَةُ بِالسُّوءِ. ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الجانِبِ الحَيَوانِيِّ.
وازْدِواجِيَّةُ المَجْهُودِ، هو أنَّهُ يُنازِعُ عَوامِلَ الشَّرِّ حَتّى يَتَغَلَّبَ عَلَيْها، ويَبْذُلَ الجُهْدَ في فِعْلِ الخَيْرِ، فَهو يُجاهِدُ لِلتَّخْلِيصِ مِن نَوازِعِ الشَّرِّ، ثُمَّ هو يُجاهِدُ لِلْقِيامِ بِفِعْلِ الخَيْرِ، وهَذا مَجْهُودٌ يَقْتَضِي التَّفْضِيلَ عَلى المَجْهُودِ مِن جانِبٍ واحِدٍ.
وَقَدْ جاءَ في السُّنَّةِ ما يَشْهَدُ لِذَلِكَ، لَمّا ذَكَرَ ﷺ لِأصْحابِهِ في حَقِّ مَن يَأْتِي بَعْدَهم مِن أنَّ العامِلَ مِنهم لَهُ أجْرُ خَمْسِينَ، فَقالُوا: خَمْسِينَ مِنّا أوْ مِنهم يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: «بَلْ خَمْسِينَ مِنكم، لِأنَّكم تَجِدُونَ أعْوانًا عَلى الخَيْرِ وهم لا يَجِدُونَ» .
وَحَدِيثُ: «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ ألْفِ دِرْهَمٍ» وبَيَّنَ ﷺ، أنَّ الدِّرْهَمَ سَبَقَ الأضْعافَ المُضاعَفَةَ؛ لِأنَّهُ ثانِي اثْنَيْنِ فَقَطْ، والمِائَةَ ألْفٍ جُزْءٌ مِن مَجْمُوعٍ كَثِيرٍ.
فالنَّفْسُ الَّتِي تَجُودُ بِنِصْفِ ما تَمْلِكُ، ولا يَتَبَقّى لَها إلّا دِرْهَمٌ، خَيْرٌ بِكَثِيرٍ مِمَّنْ تُنْفِقُ جُزْءًا ضَئِيلًا مِمّا تَمْلِكُ ويَتَبَقّى لَها المالُ الكَثِيرُ، فَكانَتْ عَوامِلُ التَّصَدُّقِ ودَوافِعُهُ مُخْتَلِفَةً مُنَزَّلَةً في النَّفْسِ مُتَضادَّةً؛ فالدِّرْهَمُ في ذاتِهِ وماهِيَّتِهِ مِن جِنْسِ الدَّراهِمِ الأُخْرى، لَمْ تَتَفاوَتِ الماهِيَّةُ ولا الجِنْسُ، ولَكِنْ تَفاوَتَتِ الدَّوافِعُ والعَوامِلُ لِإنْفاقِهِ، ولَعَلَّ المُفاضَلَةَ المَقْصُودَةَ تَكُونُ مِن هَذا القَبِيلِ أوْلى. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
98:8Страница 599
جَزَآؤُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ رَبَّهُۥ ٨
Их воздаянием у их Господа будут сады Эдема, в которых текут реки. Они пребудут в них вечно. Аллах доволен ими, и они довольны Им. Это уготовано для тех, кто боится своего Господа.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ .
فِيهِ أرْبَعُ مَسائِلَ؛ ثَلاثَةٌ مُجْمَلَةٌ جاءَ بَيانُها في القُرْآنِ. والرّابِعَةُ مُفَصَّلَةٌ ولَها شَواهِدُ.
وَأمّا الثَّلاثَةُ المُجْمَلَةُ فَأوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، إذِ الجَزاءُ في مُقابِلِ شَيْءٍ يَسْتَوْجِبُهُ، وعِنْدَ رَبِّهِمْ تُشْعِرُ بِأنَّهُ تَفَضُّلٌ مِنهُ، وإلّا لَقالَ: جَزاؤُهم عَلى رَبِّهِمْ.
وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ صَرِيحُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا﴾ ﴿حَدائِقَ وأعْنابًا﴾ ﴿وَكَواعِبَ أتْرابًا﴾ ﴿وَكَأْسًا دِهاقًا﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ ﴿جَزاءً مِن رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا﴾ [النبإ: ٣١ - ٣٦]، فَنَصَّ عَلى أنَّ هَذا الجَزاءَ كُلَّهُ مِن رَبِّهِمْ عَطاءٌ لَهم مِن عِنْدِهِ.
(p-٥٣)الثّانِيَةُ والثّالِثَةُ قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾، فَأجْمَلَ ما في الجَنّاتِ، ونَصَّ عَلى أنَّها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، مَعَ إجْمالِ تِلْكَ الأنْهارِ، وقَدْ فَصَّلَتْ آيَةُ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] ما أُعِدَّ لَهم في الجَنَّةِ مِن حَدائِقَ وأعْنابٍ وكَواعِبَ وشَرابٍ وطُمَأْنِينَةٍ، وعَدَمِ سَماعِ اللَّغْوِ إلى آخِرِهِ. كَما جاءَ تَفْصِيلُ الأنْهارِ في سُورَةِ القِتالِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى ولَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ١٥]، والخُلُودُ في هَذا النَّعِيمِ هو تَمامُ النَّعِيمِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ .
يُعْتَبَرُ هَذا الإخْبارُ مِن حَيْثُ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى عَلى العِبادِ في الجَنَّةِ، مِن بابِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ اللَّيْلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ١٧ - ٢١]، واتَّفَقُوا عَلى أنَّها في الصِّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَما تَقَدَّمَ، وجاءَ في الَّتِي بَعْدَها سُورَةِ والضُّحى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥]، أيْ: لِلرَّسُولِ ﷺ .
وَهُنا في عُمُومٍ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾، فَهي عامَّةٌ في جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هَذِهِ صِفاتُهم، ثُمَّ قالَ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾، وقَدْ جاءَ ما يُبَيِّنُ سَبَبَ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وهو بِسَبَبِ أعْمالِهِمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١] فَكانَتِ المُبايَعَةُ سَبَبًا لِلرِّضْوانِ.
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الإخْبارُ بِأنَّ اللَّهَ رَضِيَ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ، ولَمْ يُبَيِّنْ زَمَنَ هَذا الرِّضْوانِ أهْوَ سابِقٌ في الدُّنْيا أمْ حاصِلٌ في الجَنَّةِ، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ تُبَيِّنُ أنَّهُ سابِقٌ في الدُّنْيا، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَها: ﴿وَأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ﴾ .
(p-٥٤)فَهُوَ في قُوَّةِ الوَعْدِ في المُسْتَقْبَلِ، فَيَكُونُ الإخْبارُ بِالرِّضى مُسْبَقًا عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ آيَةُ سُورَةِ الفَتْحِ في البَيْعَةِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ إذْ فِيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨]، وهو إخْبارٌ بِصِيغَةِ الماضِي، وقَدْ سُمِّيَتْ ”بَيْعَةُ الرِّضْوانِ“ .
تَنْبِيهٌ
فِي هَذا الأُسْلُوبِ الكَرِيمِ سُؤالٌ، وهو أنَّ العَبْدَ حَقًّا في حاجَةٍ إلى أنْ يَعْلَمَ رِضْوانَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ غايَةُ أمانِيهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .
أمّا الإخْبارُ عَنْ رِضى العَبْدِ عَنِ اللَّهِ، فَهَلْ مِن حَقِّ العَبْدِ أنْ يُسْألَ عَمّا إذا كانَ هو راضِيًا عَنِ اللَّهِ أمْ لا ؟ إنَّهُ لَيْسَ مِن حَقِّهِ ذَلِكَ قَطْعًا، فَيَكُونُ الإخْبارُ عَنْ ذَلِكَ بِلازِمِ الفائِدَةِ، وهي أنَّهم في غايَةٍ مِنَ السَّعادَةِ والرِّضى فِيما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ إلى الحَدِّ الَّذِي رَضُوا وتَجاوَزَ رِضاهم حَدَّ النَّعِيمِ إلى الرِّضى عَنِ المُنْعِمِ.
كَما يُشِيرُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ آخِرَ آيَةِ النَّبَأِ: ﴿عَطاءً حِسابًا﴾ [النبإ: ٣٦]، قالُوا: إنَّهم يُعْطَوْنَ حَتّى يَقُولُوا: حَسْبُنا حَسْبُنا، أيْ: كافِينا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ .
اسْمُ الإشارَةِ مُنْصَبٌّ عَلى مَجْمُوعِ الجَزاءِ المُتَقَدِّمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ لِلَّذِينِ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وهُنا يَقُولُ: إنَّهُ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ، مِمّا يُفِيدُ أنَّ تِلْكَ الأعْمالَ تَصْدُرُ مِنهم عَنْ رَغْبَةٍ ورَهْبَةٍ. رَغْبَةٍ فِيما عِنْدَ اللَّهِ، ورَهْبَةٍ مِنَ اللَّهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقَوْلُهُ: ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١].
والواقِعُ أنَّ صِفَةَ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعالى هي أجْمَعُ صِفاتِ الخَيْرِ في الإنْسانِ؛ لِأنَّها صِفَةٌ لِلْمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ.
كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] .
(p-٥٥)وَقَدْ عَمَّ الحُكْمُ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢] .
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ السِّرُّ الأعْظَمُ، وهو كَوْنُ الخَشْيَةِ في الغَيْبَةِ عَنِ النّاسِ، وهَذا أعْلى مَراتِبِ المُراقَبَةِ لِلَّهِ، والخَشْيَةُ أشَدُّ الخَوْفِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии