Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:177–179
2:177–179Страница 27
۞ لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ١٧٧
Благочестие состоит не в том, чтобы вы обращали ваши лица на восток и запад. Но благочестив тот, кто уверовал в Аллаха, в Последний день, в ангелов, в Писание, в пророков, кто раздавал имущество, несмотря на свою любовь к нему, родственникам, сиротам, бедным, путникам и просящим, расходовал его на освобождение рабов, совершал намаз, выплачивал закят, соблюдал договора после их заключения, проявлял терпение в нужде, при болезни и во время сражения. Таковы те, которые правдивы. Таковы богобоязненные.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٨
О те, которые уверовали! Вам предписано возмездие за убитых: свободный - за свободного, раб - за раба, женщина - за женщину. Если же убийца прощен своим братом, то следует поступить по справедливости и уплатить ему выкуп надлежащим образом. Таково облегчение от вашего Господа и милость. А кто преступит границы дозволенного после этого, того постигнут мучительные страдания.
وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧٩
Возмездие спасает вам жизнь, о обладатели разума! Быть может, вы будете богобоязненны.
(...) ﴿الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة ١٧٧] في هذه الآية قراءتان: ﴿لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا﴾ و﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا﴾، فأما على قراءة الرفع فإن (البر) تكون اسم (ليس)، و(أن تولوا) خبرها، وكذلك إذا كانت (ليس البرَّ) تكون (البر) خبرها مقدمًا، و(أن تولوا) اسمها مؤخرًا، يعني تقدير الكلام على الأول: ليس البرُّ توليتَكم وجوهَكم، وتقديره على الثاني: ليس البرَّ توليتُكم، بالرفع.
يقول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ والبر هو في الأصل الخير الكثير، ومنه سمي البَرّ؛ لسعته واتساعه، ومنه اسم من أسماء الله ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور ٢٨]، المعنى: ليس الخير وكثرة الخير والبركة أن يولي الإنسان وجهه قبل المشرق، أي: جهة المشرق أو جهة المغرب، وهذا نزل عندما ساء بعضَ الناس تحويلُ النبي ﷺ من بيت المقدس إلى الكعبة، فبيّن الله عز وجل إنه ليس البر أن الإنسان يتوجه إلى هذا أو هذا، ليس هذا هو الشأن، الشأن إنما هو في الإيمان بالله إلى آخره، أما الاتجاه فإنه لا يكون خيرًا إلا إذا كان بأمر الله، ولا يكون شرًّا إلا إذا كان مخالفًا لأمر الله، فأي جهة توجهتم إليها بأمر الله فهي البر. على هذا لا نقول: إن العبرة بالعمل، العبرة بنوع العمل، ما هو نوع العمل؟ هل هو طاعة لله أو ليس بطاعة؟ إن كان طاعة فهو بر وخير، وإلا فليس ببر ولا خير، ولهذا السجود لغير الله كفر وشرك، وفي وقت من الأوقات صار السجود لغير الله عبادة وتركه كفرًا، قتل النفس بغير حق من أكبر الكبائر، وفي وقت من الأوقات صار من أفضل الطاعات، قطيعة الرحم من الكبائر، وفي وقت من الأوقات صارت خيرًا، فإن قتل الأب لابنه من أكبر القطيعة، ومع ذلك حين أمر به إبراهيم صار من أفضل القربات، فالشأن إذن في طاعة الله عز وجل، ليس في العمل الذي تفعل، وإنما المقياس هل هو من أمر الله أو ليس من أمر الله، إذن كوننا نتجه إلى المشرق أو إلى المغرب هذا ليس هو البر، إلا إذا كان اتجاهنا طاعة لله، فحينئذ يكون برًّا.
* طالب: أقول: قطيعة الرحم وأيش مثاله؟
* الشيخ: مثل ذبح الابن.
* طالب: لا غيره قبله؟
* الشيخ: قبله، ذكرنا على سبيل العموم.
* الطالب: قتل النفس؟
* الشيخ: قتل إبراهيم لابنه.
قوله: ﴿الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، إذا قال قائل: أنتم ذكرتم هذا في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وليس هذا قِبَلًا للمشرق ولا للمغرب، وإنما هو للجنوب أو الشمال، أليس كذلك؟ قلنا: بلى، لكن أظهر وأبين الجهات هي جهة المشرق وجهة المغرب؛ لأن جهة المشرق والمغرب ما تخفى على أي إنسان (...) والنصارى يستقبلون المشرق، وكل منهما يقول: إنه هو فاعل البر، فأنزل الله هذه الآية، لكن الأول أصح.
* طالب: (...) وردت..
* الشيخ: لا لا، يعني هذا باعتبار التعبد لله.
* طالب: معنى هذا يا شيخ قبلة النصارى واليهود، قبلة اليهود ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس ٨٧] أيش معنى قبلة؟
* الشيخ: يعني قبلة مستقبلة للناس، يعني افتحوها للناس.
قال: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ فيها أيضًا قراءتان، وهي: ﴿وَلَكِنِ الْبِرُّ﴾ بالرفع، وعلى هذا فتكون (لكن) عاطفة غير عاملة، والقراءة التي في المصحف ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ فتكون عاملة. قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، البر من آمن، كلنا يعرف أن البر عمل، و(من آمن) عامل، فكيف يصح أن يكون العامل خبرًا عن العمل؟ في هذا وجهان؛ الوجه الأول: أن الآية على تقدير مضاف، وتقديره: ولكن البرَّ بِرُّ من آمن بالله واليوم الآخر، ثانيًا: أن الآية على سبيل المبالغة، ولا فيها تقدير مضاف، كأنه جعل المؤمن هو نفس البر، مثلما يقال: رجل عدل، بمعنى عادل. ووجه ثالث: أن نجعل البر بمعنى البارّ: ولكن البارّ، فيكون مصدرًا بمعنى اسم الفاعل، يعني: ولكن البار حقيقة القائم بالبر من آمن بالله، وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ وأيش محلها من الإعراب (مَن)؟ محلها الرفع على كل تقدير، على قراءة التخفيف وعلى قراءة التشديد. قال: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، آمن به، تقدم أن الإيمان في اللغة بمعنى التصديق، لكنه إذا قُرِن بالباء صار تصديقًا متضمنًا للطمأنينة والثبات والقرار، فليس مجرد تصديق، لو كان بمعنى التصديق المطلق لكان يقال: آمَنَه أي صدَّقه، لكن (آمن به) مضمنة معنى الطمأنينة والاستقرار لهذا الشيء، وإذا عُدِّيت باللام مثل ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت ٢٦]، فمعناه أنها ضُمِّنت معنى الاستسلام والانقياد.
قال: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، لا بد من هذا، الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته.
أما الإيمان بوجوده فإنه كما سبق دل عليه الشرع والحس والعقل والفطرة، أو لا؟ طيب، دلالة الشرع عليه واضحة: إنزال الكتب وإرسال الرسل، كل هذه من أين جاءت؟ من الله عز وجل، ودل عليه الحس، دل على وجوده الحس - سبحانه وتعالى - فإننا نسمع ونلمس أن الله سبحانه وتعالى يُدْعَى فيجيب، وهذا دليل حسي على وجوده تبارك وتعالى، كما في سورة الأنبياء وغيرها ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء ٧٦]. ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء ٨٣، ٨٤]. إلى آخره كثير، وهذا أيضًا شيء يلمسه الإنسان بنفسه أنه يدعو الله عز وجل بجلب خير له أو دفع شر عنه، فيحس بذلك، أما دلالة العقل على وجود الله عز وجل فما هو؟ ما من حادث إلا وله محدِث كما قال الله عز وجل: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور ٣٥]، هذا الكون العظيم بما فيه من النظام والتغيرات والأحداث لا بد أن يكون له موجِد محدِث يُحدث هذه الأشياء فهو الله عز وجل، وإلى هذا الدليل أشار الله بقوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾. ودل على وجوده الفطرة، فإن الإنسان لو تُرك وفطرته لكان مؤمنًا بالله، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء ٤٤]، حتى غير الإنسان مفطور على أنه يعرف الرب عز وجل.
الثاني: الإيمان بربوبيته، وهذا فرع عن الإيمان بوجوده، يعني ليس مجرد وجود الله عز وجل، بل هو رب سبحانه وتعالى يحكم في عباده بما يشاء كونًا وشرعًا، الأحكام الكونية هي ما يتعلق بالإيجاد والخلق، والأحكام الشرعية ما يتعلق بالتنظيم والسَّنّ، يعني يسُنّ لعباده سُنَنًا ويشرع لهم شرائع، هذه أحكام شرعية، فمسألة الأحكام متعلقة بتوحيد الربوبية لا بتوحيد الألوهية؛ لأن الرب معناه هو الذي يتصرف في عباده كما يشاء خَلقًا وحكمًا، فله الخلق والأمر، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف ٥٤].
أما الإيمان بألوهيته فهو أن تعتقد أنه لا إله في الوجود يستحق أن يُعبد سوى الله عز وجل، كل الآلهة التي تُعبد من دونه من أنبياء وملائكة وأولياء وأشجار وأحجار ونجوم وشمس وقمر كلها باطلة، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان ٣٠].
* طالب: ﴿هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢].
* الشيخ: فيه آيتان.
ففيه أن الله سبحانه وتعالى هو الإله الحق، ولا يكفي كما يفعله كثير من المؤلفين المعاصرين في تقرير التوحيد، وكذلك المتقدمون، لا يكفي أن نقرر التوحيد بتوحيد الربوبية، المتكلمون يقولون: الإله هو القادر على الاختراع، ولو كان هذا معنى (لا إله إلا الله) لكان المشركون موحدين؛ لأن المشركين ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، ولكن الألوهية غير، الألوهية تتعلق بالعبادة، بمعنى أنه لا أحد يُعبد بحق سوى الله عز وجل.
أما الإيمان بأسمائه وصفاته فهو أيضًا من تمام الإيمان بالله عز وجل، تؤمن بكل اسم سمى الله به نفسه، وتؤمن بكل صفة وصف الله بها نفسه، ولا تستنكر أو تشمئز من صفة أثبتها الله لنفسه، أو أثبتها له رسوله ﷺ؛ فإنها حق، كثير من الناس إذا سمع شيئًا من آيات الصفات أو أحاديثها وقُرِّرت له يستنكر ويشمئز، ويظن أنها دالة على التشبيه والتمثيل، فيأخذ بتأويلها وتحريفها إذا لم يمكنه إنكارها، فإن أمكنه إنكارها أنكرها ولا يبالي.
فأهل البدع بالنسبة لما يتعلق بالأسماء والصفات وبغيرها مما يخالفون فيه حتى في مسائل القدر، في مسائل الإيمان، لهم مذهبان، الطريق عندهم كلهم على حد سواء إذا جاءت النصوص على خلاف ما يذهبون إليه إن تمكنوا من إبطالها قالوا: هذه باطلة، هذه ما تصح، كما يقولون: أخبار الآحاد لا تثبت بها العقائد، هذه القاعدة التي من أبطل القواعد يريدون أن يقضوا بها على كل ما جاء من أسماء الله وصفاته في أخبار الآحاد، فإذا وجدوا خبرًا يخالف مذهبهم وطريقتهم البدعية وهو من أخبار الآحاد على طول ما يحتاج لا ينظرون في رواته، ولا في تلقي الأمة له بالقبول، ولا يفكرون في هذا أبدًا، خلاص يشطب عليها، هذا خبر آحاد مخالف لما يُعلم بالضرورة من العقيدة عندهم، فيجب أن يكون باطلًا مكذوبًا.
الطريق الثاني لهم إذا عجزوا عن رد الخبر بأن كان في القرآن أو في متواتر السنة سلّطوا عليه معاول المجاز، كل واحد معه معول، هذا معول خشب، وهذا معول فولاذ، وهذا معول حديد، هذا يقول: مجاز مرسل، وهذا يقول: مجاز عقلي، وهذا يقول: إنه استعارة، وما أشبه ذلك، حتى يقضوا عليه بهذا التحريف، هذه طريقتهم، طريقة أهل البدع ما تخلو من هذا، لكن أهل السنة والجماعة يقولون: ما لنا وللأمر، الذي أخبرنا عن نفسه مَن؟ الله، وهو أعلم بنفسه وأصدق حديثًا من غيره، وهو يريد البيان لخلقه أو التعمية عليهم؟
* الطلبة: البيان.
* الشيخ: البيان، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، فكيف إذا كان الله عز وجل لا يريد إلا البيان لخلقه، وهو سبحانه وتعالى أصدق القائلين وأعلم من نطق بما نطق به، كيف نقول: هذا مجاز، هذا ليس بحق، هذا يجب أن يُصرف؟ الواجب علينا أن نؤمن به ونأخذه على ظاهره.
لكن يجب علينا كما قررناه ونقرره كثيرًا الحذر من أمرين، وهما: التمثيل والتكييف، ما نقول: هذا الظاهر مثل ما نعرفه من نفوسنا، أو كيفية هذا الشيء كذا وكذا، كل هذا أمر باطل لا يجوز اعتقاده، وهذه القاعدة يا إخواننا إذا أخذنا بها استرحنا طردًا وعكسًا؛ استرحنا طردا بحيث ما يخرج عنها شيء، كل الأحاديث أو الآيات الواردة في صفات الله نجريها على هذا، ونقول: هي ثابتة لله لكن بدون تمثيل ولا تكييف، هذا الطرد، العكس ما أحد يعترض علينا يقول: لأيش أوّلتم في كذا وتركتم التأويل في كذا؟ لأن بعض الناس قد يستوحش من بعض الصفات، يستوحش منها كثيرًا، وإن كان يثبت غيرها بنفسٍ منقادة.
كثير من الناس تأتيه مثلًا صفات المعاني يقبلها ويسلّم بها بكل سهولة، لكن تأتيه بعض الصفات التي هي من جنس الأبعاض لنا، ولا نقول: إنها بعض لله؛ لأنه حرام أن نقول هكذا، فتجده يتوقف ويقشعر ويقدم رِجلًا ويؤخر أخرى في إثباتها، والواجب علينا، أيش الواجب؟ أن نسلّم له، فنقول: لا فرق بين هذا وهذا، ونؤمن بأن هذا الذي أخبر الله به عن نفسه لا يشبه ولا يماثل صفات المخلوقين، وبهذا نستريح، والحمد لله أن الشيء الذي لا يليق بالله يبينه الله ورسوله، الشيء الذي لا يليق به يُبَيَّن ما يترك هكذا، لما قال الله لعبده: «إِنِّي اسْتَطْعَمْتُكَ وَلَمْ تُطْعِمْنِي، وَاسْتَسْقَيْتُكَ وَلَمْ تَسْقِنِي، وَمَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٦٩ / ٤٣) من حديث أبي هريرة.]]، هذا وأيش ظاهره؟ ظاهره أنه لا يليق بالله عز وجل أن يستطعم أحدًا وهو يُطعِم ولا يُطْعَم، أو أن يستسقي أحدًا، أو أن يمرض، ما هذا ظاهره؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ولهذا لما كان هذا ظاهره بيّن الله تعالى أنه ليس بمراد، إذا قال له عبده: «كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ؟ فَلَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ، كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا اسْتَطْعَمَكَ؟ فَلَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا اسْتَسْقَاكَ فَلَمْ تَسْقِهِ؟ أَمَا أَنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي». شوف الآن بيّن، الشيء الذي ما يليق بالله يبيَّن، والشيء الذي أثبته الله لنفسه يبقى على ما هو عليه.
هذه القاعدة اللي هي الحكم الرابع من الإيمان بالله اختلف فيها أهل الملة؛ فمنهم السلف، وهم فقط أهل السنة الجماعة، أثبتوها لله تعالى على ظاهرها على ما يليق بالله عز وجل، ونفوا عنها التمثيل والتكييف، وبعض الناس أنكرها، صار يؤمن بالأسماء دون الصفات، وبعضهم يؤمن بالأسماء وبعض الصفات دون بعض، وبعضهم ينكر الأسماء والصفات، وبعضهم لا يصف الله تعالى لا بالإثبات ولا بالنفي، وهذا شيء معروف عند من يتكلمون في هذه الأمور، المهم أن الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، نعم.
الثاني: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ﴿يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، اليوم الآخر هو يوم القيامة، وسُمِّي آخرًا لأنه ليس بعده يوم؛ إذ هو يوم مستمر ما فيه لا ليل ولا نهار، ولا شمس ولا قمر، ولا شيء، يوم دائم مستمر، فلذلك سمي اليوم الآخر.
الإيمان باليوم الآخر يتضمن الإيمان بكل ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام مما يكون بعد الموت كما قاله شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية ، يتضمن الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فيدخل في ذلك فتنة القبر وعذاب القبر ونعيم القبر وحشر الناس حفاة عراة غرلًا، والحساب والميزان والصراط والحوض والشفاعة، وغير ذلك مما أخبر الله به أنه يكون يوم القيامة داخل في هذا، كل ما أخبر الله به مما يكون بعد الموت فإنه داخل في الإيمان باليوم الآخر، والإيمان باليوم الآخر كما يتضمن ذلك فإن كل مَن آمن بالشيء استعد له، ولّا لا؟ فالذي يقول: إنه مؤمن باليوم الآخر لكن ما يستعد له هذه الدعوى منه ناقصة، ومقدار نقصها بمقدار ما خالف في الاستعداد له.
كما أنه لو قيل مثلًا: إنه سينزل اليوم مطر، فظلِّل الحَبّ، إنسان عنده حب قمح قيل له: سينزل اليوم مطر، فظلل الحب، معلوم أن اللي ما هو مؤمن بهذا الكلام ما هو مغطي، كذلك لو قيل: سيأتي اليوم عدو فشدِّد في الحراسة، إذا آمن بأنه سيجي عدو شدَّد في الحراسة بجميع ما يمكن، إذا لم يؤمن ما يهمه، ولا شك أن الإنسان المخالف لما أمر الله به ورسوله أن عنده نقصًا في الإيمان باليوم الآخر، ولهذا كثيرًا ما يقرن الله سبحانه وتعالى الإيمان باليوم الآخر بالإيمان به في القرآن، يقرن ذلك كثيرًا، مما يدل على أن الإيمان باليوم الآخر يستلزم الإيمان بآيات الله عز وجل.
(...) والشفاعة والصراط والجنة والنار كل هذا داخل في اليوم الآخر.
قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾، الإيمان بالملائكة، الملائكة جمع (ملَك) وأصل (ملَك) (مَلْأَك)، وأصل (مَلْأَك) (مَأْلَك)؛ لأنها مأخوذة من (الْأَلُوكة) وهي الرسالة، هكذا يقولون اللغويون، فصار فيها إعلال بالحذف وبالقلب، وجُمِعت على أيش؟ ملائكة، والملائكة هم عباد من عباد الله سبحانه وتعالى خلقهم الله سبحانه وتعالى من نور، وسخرهم لعبادته ليلًا ونهارًا، ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠]، وهم أجسام ذوو عقول، الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر ١]، والأجنحة أجسام ولّا لا؟ أجسام، جبريل عليه الصلاة والسلام رآه النبي عليه الصلاة والسلام على صورته وله ست مئة جناح سد الأفق[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٣٢)، ومسلم (١٧٤ / ٢٨٠) من حديث ابن مسعود، واللفظ للترمذي (٣٢٧٨) من حديث عائشة.]]، وجاءه على صورة رجل[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، وعلى صورة دحية الكلبي[[أخرجه أحمد في المسند (٥٨٥٧) من حديث ابن عمر.]]، وكل هذا يدل على أنهم أجسام، ولهم عقول؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ما في شك، نعم، ولهذا ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠]، ولو كان ما لهم عقول كما قاله بعض الزائغين لكان هذا أكبر قدح في رسالة الرسل كلهم؛ إذ إنه يكون الواسطة بينهم وبين الله مجنونًا لا عقل له، ولا أكبر من هذا القدح - والعياذ بالله- في الرسل وفيمن أرسلهم أيضًا، ولّا لا؟ كيف يأتمن على وحيه مَن ليس له عقل؟ فهو قدح في الله، وقدح في الملائكة، وقدح في الرسل، والعياذ بالله.
ومن الغرائب أن هذه شاعت في أوساط بعض الناس، وقالوا: إنهم ليسوا أجسامًا وليس لهم عقول، وهذا لا شك أنه قول باطل من أبطل الأقوال، والصواب بلا ريب أن لهم عقولًا، وأنهم أجسام، لكن الله سبحانه وتعالى أعطاهم قوة ونفوذًا أشد من نفوذ الجن، الجن لهم قوة ونفوذ، الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، والملَك أشد، ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل ٣٩]، و﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل ٤٠]، فجاءت به الملائكة من سبأ إلى الشام قبل أن يرتد إليه طرفه، عرش عظيم، وهذا دليل على أن الملائكة أقوى وأشد نفوذًا من الجن، على ما للجن من نفوذ، اللي يشوف سرعتهم يصعدون إلى السماء ويقعدون مقاعد للسمع، فالحاصل أن الملائكة لا شك أنها أجسام، وأن لهم عقولًا، وأنهم يأتمرون بأمر الله عز وجل، وأنهم يسجدون له، ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل ٤٩].
* طالب: لهم شهوة يا شيخ؟
* الشيخ: إي لهم شرائع.
* الطالب: لهم شهوة؟
* الشيخ: إي ما أظن.
واعلم أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام منهم مَن عُيِّن لنا وعرفناه باسمه، ومنهم من لم يُعَيَّن، فمن عُيِّن لنا وجب علينا أن نؤمن باسمه مثل؟
* طالب: جبريل عليه السلام.
* الشيخ: إي.
* طالب: إسرافيل.
* الشيخ: إسرافيل، وأيش بعد؟
* طالب: ومالك.
* الشيخ: ومالك خازن النار.
* طالب: ومنكر ونكير.
* الشيخ: ومنكر ونكير إن صح الحديث بهذا اللفظ، وفيه نظر.
* طالب: ميكال.
* الشيخ: إي، هو ميكال هو ميكائيل.
* طالب: هو نفسه مالك؟
* الشيخ: لا لا، مالك خازن النار.
* طالب: وملك الموت.
* الشيخ: وملك الموت لكن ما نعرف اسمه، بعض الناس يقول: عزرائيل ولكن ما صح هذا.
* طالب: هاروت وماروت ملكين.
* الشيخ: نعم ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة ١٠٢] صح، صحيح نعم.
* طالب: تقول: مالك يا شيخ هو خازن النار وليس هو ميكال، بس ورد في حديث أن الرسول ﷺ سأل جبريل: «مَا لِي لَا أَرَى مِيكَالَ يَضْحَكُ»[[رواه أحمد في مسنده (١٣٣٤٣) من حديث أنس بن مالك، ولفظه: «مَا لِي لَمْ أَرَ مِيكَائِيلَ ضَاحِكًا قَطّ؟». قال: «مَا ضَحِكَ مِيكَائِيلُ مُنْذُ خُلِقَتِ النَّارُ».]]؛ لأنه لم يضحك قط.
* الشيخ: إي تأكد منه، تأكد منه، مفهوم هذا؟ طيب، اللي علِمناه باسمه يجب علينا أن نؤمن به باسمه، ثم كذلك أعمالهم منهم من علمنا أعماله ومنهم من لم نعلم، لكن علينا أن نؤمن على سبيل الإطلاق بأنهم عباد مُكرَمون ممتثلون لأمر الله عز وجل، طيب هل لهم نصيب من تدبير الخلق بغير إذن الله؟ لا، لكن بإذن الله نعم، الموكَّل بالقطر والنبات، موكل بنفخ الصور، وفيه ملائكة موكلة بالأجنة، وملائكة موكلة بكتابة أعمال بني آدم، وملائكة موكلة بحفظ بني آدم ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد ١١]، لكن كل هذا بأمر الله عز وجل وبإذنه، وليس لهم أي شيء في الكون منازعة لله عز وجل ولا معاونة، ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢ ) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٢، ٢٣]، فنفى جميع ما يتعلق به المشركون، ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ انفرادًا، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ مشاركة، ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ معاونة، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ شفاعة ووساطة، ثم قال: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ ٢٣] من هم؟ الملائكة، وهم الملائكة إذا سمعوا الوحي صعقوا، فليس لهم أي شيء في التصرف في الكون، لكنهم يمتثلون أمر الله عز وجل.
* طالب: شيخ، من قال: إنه لا بد أن نؤمن أن من الملائكة من ليسوا بأجسام؟
* الشيخ: ما يجوز.
* الطالب: بأن يقول: الملك الموكل بأن يكتب عملك يقول ما نراه، والملائكة الذين..؟
* الشيخ: حتى جبريل ما نراه، وغير جبريل ما نراه، يجيء جبريل ويلقي الوحي على الرسول عليه الصلاة والسلام وهم ما يرونه، أن ما ترى، كل الذي لا ترى لا يكون جسمًا؟
* الطالب: لا، نقول: ممكن أن..
* الشيخ: لا ما نقول: ممكن، كل الملائكة كلهم أجسام.
* الطالب: ما يمكن أن يتحولوا عن صورتهم؟
* الشيخ: لا، يمكن، بإذن الله يتحولون، هذا جبريل تحوّل إلى صورة إنسان.
* طالب: يعني ممكن أن يتحولوا يقولون ليس..
* الشيخ: بإذن الله.
* الطالب: بإذن الله.
* الشيخ: ما أدري عن هذه، لكن ما أظنه يمكن.
* الطالب: لأنه الملائكة الذين يكونون معنا في المسجد ليسوا بأجسام؟
* الشيخ: إي نعم، ما هو بلازم تشاهدهم، الآن الجن أجسام يأكلون ويشربون ويبولون، ويبولون بأذن اللي ما يقوم يصلي الفجر، ومع ذلك تشوفهم؟
* الطالب: نقول: أجسام حسية؟
* الشيخ: أجسام حسية، لكن ما تشوفهم، الآن فيما بين أيدينا كما يقول الأطباء يقول: في هذا ممتلئ، الجو ممتلئ جراثيم وما جراثيم وأشياء ما عاد نصدقهم ولّا نكذبهم.
* الطالب: لا هذا نراه بأعيننا.
* الشيخ: إي لكن بس هل تراه بالعين المجردة؟
* الطالب: لو جعلت ثقب الشمس يدخل في غرفة مظلمة.
* الشيخ: لا ما هم دولا ما هذا جراثيم، هذا هباء، المهم على كل حال هم محجوبون عنا، الرسول ﷺ خرج من عند قريش وهم قريش يشوفون ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس ٩].
* الطالب: بس لا ترى يا شيخ أن الجسم لا بد أن يكون محسوسًا؟
* الشيخ: نعم نقول: هو محسوس، لكن ما يلزم من كونه محسوسًا أن نشاهده.
* طالب: إذن ما يكون جسمًا.
* الشيخ: أعوذ بالله سبحان الله، يمكن يصير جسم لكن ما نراه، الله على كل شيء قدير.
* طالب: قوله يا شيخ: ﴿قَعِيدٌ﴾ [ق ١٧] ما يدي معنى الجسم؟ قعيد يعني قاعد.
* الشيخ: ما فيه شك، الأدلة واضحة، واضحة جدًّا ما فيها إشكال، ولا أيضًا يعني ربما يشكل علينا قول الرسول ﷺ: «يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٠٣٩)، ومسلم (٢١٧٥ / ٢٤) من حديث صفية.]] أكثر من أنهم عندنا ولا نشاهدهم، وكيف يدخل في الإنسان يجري منه مجرى الدم وهو ما يحس به، ولكن يجب علينا نصدق، نقول: هذه، الآن روحك تجري منك مجرى الدم كل عظم كل عصب وكل لحم، وتُنزع منك عند الموت ومع ذلك تشوفها ولّا لا؟
* طالب: نعم نراها.
* الشيخ: ترى إذا مات الإنسان رآها، لكن قبل ما يراها ولا يحس بها إذا دخلت عند الاستيقاظ، ولا يحس بها إذا خرجت عند النوم.
* طالب: ما نعلل ذلك بأنه ضعف قوة البصر بالنسبة للمخلوق؟
* الشيخ: لا لا، يمكن ضعف، المهم أنهم محجوبون عنا وهم أجسام، المهم أنهم محجوبون عنا، لو يجيء أقوى الناس بصرًا وبأكبر مكبر ومجهر ما رآهم أبدًا.
طيب الملائكة إذن عرفنا أنهم مخلوقون من نور، وبهذا نعرف أن الشيطان ليس منهم؛ لأن الشيطان خُلق من نار لا من نور بنص القرآن والسنة وإجماع المسلمين، قال الله تعالى عن إبليس: إنه قال لربه: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف ١٢]، وقال الله عز وجل: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر ٢٧]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن «الملائكة خُلِقت من نور، وأن الجن خُلِقوا من نار، وأن آدم خُلِق مما وُصِفَ لنا »[[أخرجه مسلم (٢٩٩٦ / ٦٠) من حديث عائشة.]] من التراب.
يبقى الإشكال في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٣٤]، وقد تقدم لنا في التفسير أن هذا الاستثناء منقطع، وأن إبليس كان منهم في المجتمع، مجتمِع بهم، فوُجِّه الخطاب إلى الملائكة وهم لا يحصيهم عددًا إلا الله، والشيطان واحد منهم، والواحد قد يوجَّه الخطاب للجماعة وهو منهم وإن لم يكن من جنسهم، العرب يقولون: جاء القوم إلا حمارًا، مع أن الحمار ما هو من جنس القوم، فالمهم أنه يوجه الكلام إلى الجماعة وإن كان فيهم واحد من عدد لا يحصيه إلا الله عز وجل.
وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾، الكتاب المراد به الجنس، فيشمل كل كتاب أنزله الله عز وجل، واعلم أنه ما من رسول إلا معه كتاب، الدليل ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥]، أنزلنا معهم مع هؤلاء الرسل الذين أُرسلوا بالبينات، فما من رسول إلا معه كتاب، أما النبي فقد لا يكون معه كتاب، بل الظاهر أنه لا كتاب معه؛ لأنه يحكم بشريعة من قبله، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة ٤٤]، ﴿بِهَا﴾: بالتوراة، ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾، والكتب المعروفة لدينا هي خمسة.
* طالب: (...).
* الشيخ: أربعة؟ نعد: التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن، صحف إبراهيم، وصحف موسى، صحف موسى اختلف العلماء هل هي التوراة ولّا غيرها، فمنهم من قال: إنها غيرها، ومنهم من قال: إنها هي، على كل حال الخمسة ما فيها إشكال، والسادس؟
* طالب: الزبور.
* الشيخ: عددناه.
* الطالب: المزامير.
* الشيخ: المزامير عبارة عن فصول من الزبور.
طيب، وأما ما لم نعلم به فنؤمن به أيش؟
* الطلبة: إجمالًا.
* الشيخ: إجمالًا، فتقول بقلبك ولسانك: آمنت بكل كتاب أنزله الله على كل رسول، ثم إن المراد أن تؤمن بأن الله أنزل على موسى كتابًا يسمى التوراة، وعلى عيسى كتابًا يسمى الإنجيل، وعلى داود كتابًا يسمى الزبور، أما أن تؤمن بالموجود منها الآن فليس بواجب عليك، لماذا؟ لأنه محرَّف ومغيَّر ومبدَّل، لكن تؤمن بأن له أصلًا نزل على هؤلاء الأنبياء، وثانيًا..
* طالب: نقول: لا يجب الإيمان بها ولّا ينبغي عدم الإيمان بها؟
* الشيخ: نعم، نؤمن بالأصل.
* الطالب: لا، التي هي الآن.
* الشيخ: اللي الآن، نعم، اللي الآن ما يجب علينا أن نؤمن بها، ولكننا نؤمن بأن لها أصلًا، أما بكل ما فيها لا، فيها تحريف، ولهذا قلنا: إننا نؤمن بأن الله أنزل على موسى كتابًا يسمى التوراة، أما التوراة التي في أيدي اليهود الآن فإنها محرفة ومغيرة، وإلا أصلها لا شك أنه حق، طيب، هذا الإيمان بهذه الكتب هل يلزمنا العمل بما فيها؟ أو ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني، الثاني هو الذي يجب على المؤمن، فنحن نؤمن بأنها حق، وأن العمل بها واجب مفروض ما دامت رسالة النبي الذي أُرسل بها باقية، فإذا نُسخت بشريعة أخرى صار العمل للشريعة الثانية، ثم إذا نُسخت الثانية صارت العمل بالثالثة، وهكذا، ولهذا النصارى الآن بعضهم، بعض بسطائهم، يقولون: أيما أول؟ يعني نحن حصل لنا معهم محاضرة وأوردوا هذا السؤال، أيما أول الإنجيل أو القرآن؟ وأيش الجواب؟
* الطلبة: الإنجيل.
* الشيخ: الإنجيل، لكن وأيش الغاية من هذا السؤال؟ يقولون: إذن العمل على الأول، هذا وارد، فالعمل على الأول، نقول بكل بساطة..
* طالب: العمل بالتوراة.
* الشيخ: نعم مثل ما قلت، بكل بساطة إذا قررتم هذه القاعدة فلا عمل أيضًا بالإنجيل، العمل بالتوراة، وكذلك نرتقي إلى أن نصل إلى آدم، فالمهم على كل حال أن الأمر بالعكس في الحقيقة؛ أن المتأخر ناسخ للأول، ولا عكس، اختلف أهل العلم رحمهم الله فيما جاء في هذه الكتب من الشرائع الصحيحة إذا لم يرد شرعنا بخلافها، أما إذا ورد شرعنا بخلافها فبإجماع المسلمين أن العمل بما جاء به شرعنا، لكن إذا وُجد في التوراة أو الإنجيل شيء لم يرد شرعنا بخلافه فهل يجب علينا أن نعمل به وأنه شرع لنا أو لا يجب؟ فقال بعض أهل العلم: إنه لا يجب؛ لأن الله تعالى قال في القرآن: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة ٤٨] وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، فلسنا بحاجة إلى شرعهم ولا يلزمنا أن نعمل به ما دام ليس في القرآن ما نعمل به وإن كان لا يخالف القرآن، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١٥٠٤ / ٦)، وابن ماجه (٢٥٢١) من حديث عائشة، واللفظ له.]]، وقال بعض أهل العلم: بل يجب علينا أن نعمل بما في التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب السابقة إذا لم يرد شرعنا بخلافها، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٩٠]، فقال: إن الله أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يقتدي بهداهم، وفعلًا الرسول أشار إلى هذا، إلى شيء من ذلك، فقال: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَأَفْضَلُ الْقِيَامِ قِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٤٢٠)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨٩) من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ: «أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ... وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ...». ]]، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يفعل ذلك أكثر أحيانه، ينام في السحر ويقوم في ثلث الليل، فقالوا: الرسول عليه الصلاة والسلام أرشد إلى هذا، ثم إنه إذا لم يرد شرعنا بخلافه ما صار مخالفًا لشرعنا، وهو من عند الله، فيجب أن نعمل به، وهذا القول أصح من حيث النظر، لكنه يبقى الإشكال فيما يوجد الآن من الكتب السابقة، كيف الإشكال؟
* طالب: محرفة.
* الشيخ: إي نعم، الشك في صحته، هذا هو الذي يوجب للإنسان أن يتوقف، ومن هنا نعرف خطأ من يأتي أحيانًا بشيء من التوراة أو من الإنجيل أو من الزبور يريد أن يرغّب به الناس في العمل، فإن هذا خطأ ولا سيما في هذا الوقت الذي التبس على بعض الناس الأمر، صار بعض الناس يجيب من نصوص الإنجيل، وإذا جاء بها حجة على النصارى لا بأس، لكن أحيانًا يجيء بها ليقرر ما في القرآن، كأن القرآن في حاجة إلى أن يشهد له ما في الكتب السابقة، وليس بحاجة، لا سيما عند عامة الناس، العلماء قد ينتفعون من هذا في الحقيقة ولا سيما في المناظرات، مناظرات النصارى، لكن العامة ما ينبغي أبدًا أن نجعل في قلوبهم إلا شيئًا واحدًا، وهو القرآن، والسنة طبعًا؛ لأنها من القرآن مبينة له ومفسرة، كوننا نُدخل على العامة أشياء من هذا يلبّس عليهم الأمر ويظنون أن هذا الأمر أو أن هذا الدين ما زال قائمًا، دين غير المسلمين، وهذا خطره عظيم، وقد لمسنا خطره الآن، فأصبح بعض الناس يقولون: إن الأديان ما هي إلا أفكار كفكر أرسطوطاليس وغيرهم من هؤلاء القوم الفلاسفة، أفكار وكلٌّ له فكره وكل له رأيه، ولا ينبغي أن ننكر على أحد، وهذا تراه شيئًا علمنا به من هؤلاء الجهال الذين ما عرفوا أن الدين الإسلامي دين من الله تعبَّدَنا اللهُ به وليس لنا فيه رأي، ولّا لأ؟ هل هو فكر؟ لا، شيء أنزله الله لعباده يتعبدون له به عقيدة وقولًا وعملًا، كل العباد وليس هناك مجال لاجتهاد يخالف هذا الدين.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии