Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:186–188, продолжение
* طالب: يا شيخ، (...) كل الأمرين يصير إلى الإباحة؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: إعادة إلقاء الله على..
* الشيخ: إيه؛ لأن الصيد في الأصل مباح، لكن إذا كان الشيء مما يطلب مثل أنا لو قلت لك: لا تزر فلانًا، وهو قريب لك مثلًا، ثم قلت لك: إذا طلعت الشمس فزره، هذا الأمر ما هو معناه الإباحة، إذا قلنا: بأنه رفع للنهي، صار عادت الزيارة مستحبة، وإذا قلنا: إنه للإباحة، بقيت الزيارة مباحة، هذا المعنى.
* طالب: قوله: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (...)؟
* الشيخ: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ قلت: المراد به الجماع، وما دونه من باب أولى ليس محرمًا.
﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ﴿ابْتَغُوا﴾: اطلبوا، ﴿مَا﴾: الذي، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ كتب لكم كتابة الكونية أو كتابة الشرعية، يعني: بمعنى ما قدر الله لكم، أو ما شرع الله لكم؟ نقول: تحتمل المعنيين، وشمولها لهما أولى، فالمعنى: ابتغوا ما شرع الله لكم، أي: اطلبوا ما شرع لكم من الاستمتاع بالنساء وإباحته، أو ما شرع لكم من التهجد في ليالي رمضان، أو ما شرع لكم من السحور، كل هذا داخل، أو ابتغوا ما كتب الله لكم تقديرًا كتابة قدرية من طلب الولد بهذا الجماع، كما قاله بعض المفسرين قال: ابتغوا الولد، يعني لا يكن مباشرتكم من أجل نيل الشهوة فقط، ولكن من أجل حصول الولد والذرية، فأقول: إن الآية تشمل الأمرين ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، والفوائد إن شاء الله تأتينا.
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ معطوفة على ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ على الأول على ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾، ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ ما معنى الأكل والشرب؟ ويش في الأكل والشرب؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: ولكن ما يتبين لنا، وهو كذلك، أول ما يظهر الفجر لا شك أنه ما هو على طول بيتبين، بيظهر شيئًا فشيئًا، ولكننا نحن مكلفون بما نستطيع حتى يتبين لنا ويتضح.
وقوله: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ﴾ عرفنا لما قال سبحانه وتعالى: ﴿مِنَ الْخَيْطِ﴾ أن ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ بمعنى يتميز، يتميز هذا من هذا، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران ١٧٩]، فـ(مِن) ما تدخل على ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ من هذا إلا إذا قصد به التمييز، يعني: حتى يتميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بينت المراد بالخيط، خيط أيش؟ بياض النهار، والخيط الأسود؟ سواد الليل، وفي التعبير بكونهما خيطين دليل على أنهما يتعاقبان، وأن هذا قد يكون في جهة، وهذا قد يكون في جهة؛ لأنهما خيطان، والخيطان لا بد أن يتعاقبان، وإلا لكانا خيطًا واحدًا فقط.
وقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ بين الرسول ﷺ أن الفجر فجران: صادق وكاذب، وبين أن الصادق هو الذي يكون معترضًا في الأفق، مستطيرًا كالطير أو كجناح الطير من الشمال إلى الجنوب، وأما الكاذب فهو الذي يكون مستطيلًا -باللام- في الأفق كذنب السرحان، يعني: كذنب الذئب.
وذكر أهل العلم أن بينهما ثلاثة فروق، الفرق الأول: أن الصادق هو مستطير معترض وأما ذاك فهو مستطيل، والثاني: أن الصادق لا ظلمة بعده وذاك يظلم، والثالث: أن الصادق متصل بالأفق وهذا بينه وبين الأفق ظلمة (...).
﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ قلنا: إن ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ بمعنى يظهر، ولكنه مضمن معنى الظهور والتمييز منين؟ من قوله: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ﴾ يعني: يتميز هذا من هذا.
وقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ هذه بيان لقوله: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾، ولم يقل: في الخيط الأسود من الليل، اكتفاء بالأول، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١] يعني: والبرد؛ لأن السرابيل تقي الحر والبرد ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل ٨١] كالدروع، فالمهم أن هذا من باب الاكتفاء بذكر أحد المتقابلين عن المقابل الآخر، يعني: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر من الخيط الأسود من الليل، فهمتم؟ لكن حذف (من الليل) اكتفاءً بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾؛ لأن الشيء يتبين بذكر مقابله، ونظير ذلك؟ ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ يعني: والبرد.
وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾: ثم إذا تبين، وهذه من سعة رحمة الله عز وجل أنه أتى بـ(ثم) بعد التبين للتوسعة على العباد؛ ولهذا روى الإمام أحمد بسند لا بأس به «أنه إذا أذن الفجر والإناء في يدك، فإنك لا تضعه من يدك حتى تقضي حاجتك[[أخرجه أحمد في المسند (١٠٦٢٩)، من مسند أبي هريرة رضي الله عنه.]] »، تيسيرًا على المكلفين؛ ولهذا «كان ابن أم مكتوم لا يُؤذّن حتى يطلعَ الفجر ويُقال له: أصبحتَ أصبحتَ[[متفق عليه؛ البخاري (٦١٧)، ومسلم (١٠٩٢ / ٣٦)، من حديث عبد الله بن عمر، واللفظ للبخاري.]] ».
وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ﴿أَتِمُّوا﴾ بمعنى أنهوا، أنهوه على وجه التمام، وقوله: ﴿الصِّيَامَ﴾ تقدم أنه في اللغة؟ الإمساك، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم ٢٦] أي: إمساكًا عن الكلام بدليل قوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. والمراد بالصيام شرعًا: هو التعبد لله سبحانه وتعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ ما المراد بالليل؟ غسقه؟ الجواب: لا، ولكن أوله، وقد بين ذلك رسول الله ﷺ حين قال: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا» وأشار إلى المشرق، «وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا» وأشار إلى المغرب، «وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٩٤١)، ومسلم (١١٠٠ / ٥١)، من حديث عمر بن الخطاب، وعبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما.]]. وبمجرد غروب الشمس -أي: غروب قرصها- يكون الإفطار، وليس بشرط أن تزول الحمرة كما يظنه بعض العوام.
﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ إذن الصوم محدد (من) و(إلى)، فلا تزيد فيه ولا تنقص، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد حكم الوصال.
وقوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ لما قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ استثنى من هذا حالة واحدة وهي: إذا كان الإنسان عاكفًا في المساجد وهو صائم، فإنه لا يباشر الزوجة؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فالضمير في قوله: (هن) يعود على النساء، وجملة: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ حال من الواو في قوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾، وقوله: ﴿عَاكِفُونَ﴾ اسم فاعل من: عَكَفَ يَعْكُف، والعكوف على الشيء: ملازمته والمداومة عليه، ومنه قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء ٥٢] أي: مديمون ملازمون؛ ولهذا نقول: الاعتكاف في اللغة: لزوم الشيء، وأما في الشرع فهو: التعبد لله سبحانه وتعالى بلزوم المساجد طاعة له، بلزوم المساجد لطاعة الله، هذا هو الاعتكاف.
والاعتكاف معروف في الجاهلية ومعروف في الإسلام، قال عمر للنبي ﷺ:« إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٣٢)، ومسلم (١٦٥٦ / ٢٧)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ]]، وهو مشروع في رمضان، وكان الرسول ﷺ يعتكف طلبًا لليلة القدر؛ ولهذا اعتكف في العشر الأول، ثم قيل له: ليست الليلة في هذا العشر، فاعتكف في الأوسط، ثم أريها في العشر الأواخر، حتى خرج إلى الناس وقال: «إِنِّي أُرِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَمَنْ كَانَ مُعْتَكِفًا، فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠١٦)، ومسلم (١١٦٧ / ٢١٦)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، فكان الاعتكاف في رمضان طلبًا لليلة القدر، ثم إنه سيأتينا إن شاء الله في الفوائد حكم الاعتكاف هل هو سنة؟ هل هو يشترط له الصوم أو لا يشترط؟
وفي ذكر الاعتكاف بعد آيات الصوم استنبط بعض العلماء أن الاعتكاف لا يكون إلا في رمضان وفي آخره؛ لأن الله ذكره تابعًا لآيات الصوم بعد أن ختم الكلام على الصوم، والله أعلم هل يستقيم هذا الاستدلال أولا يستقيم.
ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ (تلك) ويش (تي)؟ ويش معناها؟ (تي) تلك؟
* طالب: اسم إشارة.
* الشيخ: (تي) اسم إشارة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، وقد تقدم أن الكاف هذه تكون باعتبار المخاطب، واسم الإشارة باعتبار المشار إليه، وأن الأفصح فيها أن تكون الكاف حسب المخاطب فيقال في المذكر المفرد: ذلكَ، وفي المؤنث: ذلكِ، وفي المثنى: ذلكما، وفي جماعة الذكور: ذلكم، وفي جماعة الإناث: ذلكن، قال الله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ [فصلت ٢٣]، ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الأعراف ٤٣]، وقال تعالى: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف ٣٢]، وفي المثنى قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾، وفي المفرد: (ذلك)، وهو كثير، وهذه اللغة المشهورة الفصحى، وفيها لغة ثانية: أنها -أي الكاف- تكون مفردة مفتوحة دائمًا، على تأويل المخاطب بالمفرد، وفيها لغة ثالثة: فتحها للمذكر مطلقًا، وكسرها للمؤنث مطلقًا.
وهنا (تلك) للمفرد المذكر، أو لا؟ فالمعنى: تلك أيها المخاطب وإن كان يخاطب جميع الناس؛ لأن الناس جنس، فيصح أن يعبر عنها بالمخاطب.
* طالب: شيخ، في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ﴾ [آل عمران ١٤٠] مع مراعاة المخاطب في الكاف يعني ما جمع الضمير؟
* الشيخ: إيه، كثيرًا ما يترك الجمع، في القرآن الأغلب الإفراد، كأنه يخاطب الإنسان عمومًا بالقرآن، يخاطب الإنسان، يعني: تلك أيها الإنسان حدود الله، وهذا كثير حتى الخطابات بغير الكاف في اسم الإشارة تجدها في المفرد.
قال: و﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ حدود الله جمع حد، (حدود) جمع (حد).
* طالب: قلت: بالواو.
* الشيخ: إي نعم، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ ما فيها واو، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ الحدود جمع حد، والحد في اللغة: المنع، ومنه: حدود الدار؛ لأنها تمنع من دخول غيرها فيها، فمعنى ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: موانعه.
واعلم أن حدود الله نوعان: حدود موانع، أي: تمنع من كان خارجها من الدخول فيها، وهذه موانع الدخول، وهي في المحرمات، وموانع أخرى تمنع من فيها من الخروج منها، وهذه حدود الأوامر، حدود الله تعالى نواهٍ وأوامر، النواهي ما شأنها؟ تمنع من كان خارجها من الدخول فيها، والأوامر تمنع من كان فيها من الخروج منها؛ ولهذا إذا جاءت الأوامر قال الله فيها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة ٢٢٩] يعني: لا تخرجوا منها، وإذا جاءت النواهي قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة ١٨٧]. فهذا هو الفرق، والكل منها يسمى حدودًا؛ لأن الأوامر لها حد لا تخرج منها، والنواهي لها حد لا تدخل فيها.
وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ من باب إضافة المشروع إلى مشرِّعه، ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ الفاء للتفريع، و(لا) ناهية، الدليل؟
* طالب: حذف النون.
* الشيخ: مجزومة بحذف النون، ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ ما قال: فلا تفعلوها، وإنما نهى عن قربانها، حتى نبعد عن المحرم وعن وسائل المحرم؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، وكم من إنسان حام حول الحمى فوقع فيه؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، فالمحرمات ينبغي البعد عنها وعدم قربها.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ هذا ترد في القرآن كثيرًا، وقد أشرنا فيما مضى إلى إعرابها، وقلنا: إن الكاف اسم بمعنى مثل، وإنها منصوبة على المفعولية المطلقة، أي: مثل ذلك البيان يبين الله، وهي في القرآن كثيرًا، وهذا إعرابها: أن نقول: إن الكاف اسم بمعنى (مثل)، وهي منصوبة على أنها مفعول مطلق، وعاملها ما بعدها، وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ المشار إليه ما سبق من البيان، وأظنه كثير البيان في هذه الآيات، أو لا؟ البيان كثير: فبين الله سبحانه وتعالى حكم الأكل والشرب في الليل، حكم مباشرة النساء، حكم الاعتكاف، موضعه، ما يحرم فيه، إلى آخره المهم أنها عدة أحكام بينها الله.
وقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾ آيات جمع آية، وهي في اللغة: العلامة، والمراد بها في الشرع: البراهين الدالة على ما تقتضيه من صفات الله سبحانه وتعالى، فمنها ما يقتضي الحكمة، ومنها ما يقتضي الرحمة، ومنها ما يقتضي العلم، ومنها ما يقتضي الإحاطة، المهم أنها متنوعة، الآيات جمع آية، وهي في اللغة: العلامة، والمراد بها هنا شرعًا: البراهين التي تدل على ما تقتضيه من صفات الله.
وذكر أهل العلم أن الآيات تنقسم إلى قسمين: كونية، وشرعية، وأن الآيات الكونية هي المخلوقات، كل المخلوقات ذواتها وصفاتها وأحوالها من الآيات الكونية، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الشورى ٢٩]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم ٢١]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم ٢٠]، إلى آخره، فكل المخلوقات ذواتها وصفاتها وأحوالها كلها من آيات الله الكونية، وكانت آية لله؛ لأنه لا أحد من المخلوق يصنع مثلها، وآية الشيء هي: العلامة عليه، فلا أحد من المخلوقين يصنع مثل هذه الآيات أبدا، أو لا؟
القسم الثاني من الآيات: الآيات الشرعية، وهي: ما أنزله الله تعالى على رسله وأنبيائه من الوحي، فإنها آيات شرعية تدل على منزلها سبحانه وتعالى، وجه ذلك؟ أنك إذا تأملت أخبارها وجدتها في غاية الصدق والبيان والمصلحة ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف ٣]، فأحسن الأخبار أخبار القرآن، أخبار الوحي: القرآن وغيره، إذا تأملت أحكامها وجدتها أحسن الأحكام، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، لو اجتمع الخلق على أن يأتوا بمثل الأحكام التي أنزلها الله على رسله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، بهذا تكون آية ولَّا لا؟ تكون آية على ما تقتضيه من صفات الله سبحانه وتعالى، وقولنا: على ما تقتضيه؛ لأن الآيات تختلف بعضها تقتضي العظمة، تدل على العظمة بعضها، تدل على الرحمة، وبعضها تدل على العلم، وبعضها تدل على الكبرياء، المهم تختلف.
وقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ هذه (لعل) للتعليل، يتقون من؟ يتقون الله عز وجل، وتقوى الله سبحانه وتعالى هي: اتخاذ الوقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذه التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا أجمع ما قيل في التقوى، وبعضهم يقول: إن التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله، وبعضهم يقول: إن التقوى ترك المعاصي، ولكن أجمع ما قيل فيها ما ذكرناه في الأول وهي: اتخاذ وقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، صحيح أنها إذا قرنت بالبر مثل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢] صار المراد بالتقوى: اتقاء المعاصي، والمراد بالبر: فعل الطاعات، يقول الشاعر:
خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَـا ذَاكَ التُّقَــى
هذا التقوى
وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ∗∗∗ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى
اللي يمشي على أرض الشوك ويش يسوي؟ يخبط برجله ولا يهمه؟ لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم
لا تَحْـقِـرَنَّ صَـغِيرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى
هذا صحيح، والنبي عليه الصلاة والسلام شبه المحقرات من الذنوب بجماعة نزلوا أرضًا، وأرادوا أن يوقدوا نارًا، فذهبوا فجاء واحد بعود، وواحد بعود، وواحد بعود، حتى جمعوا حطبًا كثيرًا، وأضرموا نارًا كثيرة، وهم أي شيء يجيبون؟ على عود عود، ما هو بشيء، إي نعم، إذن نقول التقوى أجمع ما قيل فيها: اتخاذ وقاية من عذاب الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
* طالب: قد تكون هذه درجة قريبة من التقوى يعني ما تكون التقوى شيئًا أعلى من فعل الأوامر بل فعل المستحبات؟
* الشيخ: الأوامر مستحبات، المستحب أمر؛ لأن الأمر قد يكون للوجوب، وقد يكون للاستحباب، والنهي قد يكون للكراهة، وقد يكون للتحريم.
* طالب: ما نقول: إن الآية: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ تشمل من أول السورة وليس مختص بأحكام الصيام؟
* الشيخ: لا، ما هو بالظاهر؛ لأنك تعرف الآيات مقطعات.
* الطالب: إي بس السورة متصلة؟
* الشيخ: لا، ولو كانت متصلة، ما يمكن إلا أنها تكون في الموضوع الذي فيه البحث، وأيضًا فيما سبق فيه كذلك (...) آيات فيه من قبل.
* طالب: (...) الصيام يا شيخ؟
* الشيخ: يشمل -والله أعلم- هم بعض العلماء قال: يشمل الأحكام الأربعة التي تلي هذا من قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ إلى آخره بس، ولو قيل: إنه من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣] لكان طيب، ثم اعلم أن قوله: ﴿آياته﴾ جمع مضاف، فيعم، يعني أن مثل هذا البيان الذي بيناه لكم في هذه الآيات تكون بيان جميع الآيات.
* طالب: عرفت الحد لغةً ما عرفته شرعًا؟
* الشيخ: إي عرفته.
* الطالب: لا.
* الشيخ: قلنا: الحدود شرعًا هي: أوامر الله ونواهيه، أما الحد عند المنطقيين غير هذا، الحد عند المنطقيين تقدمنا في شرح العقيدة السفارينية.
* الطالب: يعني يختلف ما كان عند..
* الشيخ: إيه يختلف، بحسب الاصطلاحات.
* طالب: شيخ، لو قال قائل: يعني تبيين الآيات كأنه يتراءى للإنسان أن فائدته الإيمان؟
* الشيخ: الإيمان؟
* الطالب: الإيمان، لعلكم مثلًا تؤمنون؛ لأن ثم إذا آمن يتقي.
* الشيخ: لا، أصله ما فيه تقوى إلا بعد الإيمان، فالإنسان إذا تبينت له الآيات اتقى الله عز وجل فحصل أولًا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما فيه تقوى يا أخي إلا بعد الإيمان، وهل الإنسان بيتقي شيئًا لا يؤمن به؟ ما يكون.
ثم قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ مناسبة هذه الآية لما سبق مناسبة واضحة؛ لأن ما سبق في آيات الصيام تحريم لأشياء خاصة في زمان خاص، الآية اللي بعدها ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ هذا تحريم عام، عام في ما يحكم، وفي زمانه، وفي مكانه، هذا وجه المناسبة أنه لما ذكر التحريم الخاص الذي يحصل بالصيام بيَّن التحريم العام الذي يحصل في الصيام وفي غير الصيام، فقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ المراد بالأكل ما هو أعم منه، لكنه خص الأكل؛ لأنه أقوى وجوه الانتفاع، أقوى وجوه الانتفاع هو الأكل، الإنسان ينتفع في المال ببناء مسكن له، بناء المسكن متصل به ولَّا لا؟ لكن ما هو مثل اتصال الثوب أولا؟ أيهما ألصق به؟
* الطلبة: الثوب.
* الشيخ: الثوب، كذلك أيضًا يصرف المال في الثياب، قبل يصرفها في الفرش، والفراش أخص من البيت أو لا؟ لأن الفراش هو الذي يليه عند النوم وعند الجلوس وما أشبه ذلك، يصرفها في اللباس وهو أخص من الفراش، يصرفها في الأكل والشرب وهو أخص الأشياء ما عاد بعده شيء؛ ولهذا ذكر بعض أهل العلم رحمهم الله أن الإنسان إذا كان عنده مال مشتبه ينبغي أن يصرفه في الوقود، ما يصرفه في الأكل والشرب؛ لأن الأكل والشرب يتغذى بهما البدن، وهما أخص انتفاع بالمال.
فإذا كان الله يقول: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ وهو أخص الانتفاع والذي قد يكون الإنسان لو لم يفعل لهلك، لو لم يأكل لمات، فكيف عاد بغيره؟
وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ كيف يقول: ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾ ﴿أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ (...)، فنقول: عندنا آكلٌ ومأكولٌ منه، فإذا كنت أنت أيها الآكل لا ترضى أن يؤكل مالك، فكيف ترضى أن تأكل مال غيرك؟! فاعتبر مال غيرك بمنزلة مالك، ويش هو لأجل؟ لأجل أن لا تأكله، كما لا ترضى أن أحدًا يظلمك ويأكل مالك، فإن هذا يجب أن تنزل مال أخيك بمنزلة مالك. فعليه نقول: فائدة إضافة الأموال المأكولة للغير إلى آكلها هو: أن يعتبر بأن مال غيره يجب أن يحميه كما يحمي مال نفسه.
وقوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أي: في العقود من إجارات وبيوع ورهون وغيرها؛ لأن هذه تقع بين اثنين، ومن باب أولى أن تأكلها بالانتهاب والاغتصاب اللي ما هناك بينية بينك وبين شخص آخر، يعني: فإذا نهيت أن تأكلها في العقود، فمن باب أولى أن تأكلها في الغصب والإكراه وما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ كلمة ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ الباء هذه حرف جر، ولكن ما معناها؟ هل معناها المصاحبة يعني: أكلًا مصحوبًا بالباطل؟ أو معناها التعدية بأن يجعل الباطل كالآلة يأكل بها يعني: كما تقول ذبحت بالسكين مثلًا، ورميته بالحجر؟ نقول: إن الباء صالحة لهما جميعًا، فلا يجوز أن تتناول غيرك بالباطل بأن تجعل الباطل وسيلة لأخذ المال، ولا أن تأكل المال أكلًا مصحوبًا بالباطل، فيشمل ما كان محرمًا لذاته وما كان محرمًا لوصفه.
وقوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ ﴿تُدْلُوا بِهَا﴾ الضمير يعود إما على الأموال، وإما أن يعود على المحاكمة، والإدلاء أصلها مأخوذة من: أَدْلَى دَلْوَهُ، ومعلوم أن الذي يدلي دلوه يريد التوصل إلى الماء، فمعنى ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ أي: تتوصلوا بها إلى الحكام لتجعلوا الحكام وسيلة لأكلها، كيف يكون وسيلة لأكلها؟ تجحد الحق الذي عليك وليس به بينة، ثم تخاصمه عند القاضي، ماذا يقول القاضي للمدعي عليك؟ يقول: هات بينة، إذا لم يكن لك بينة، إذا لم يكن للمدعي بينة توجهت عليك اليمين، فإذا حلفت برئت، أفهمتم؟ الآن أنا أدليت بها إلى الحكام، بمعنى أني جعلت الحاكم وسيلة لأكل المال، هذا قول في المسألة، والقول الثاني: أن معنى ﴿تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ أي: توصلوها إليهم بأن ترشوا الحكام ليحكموا لكم، فمعنى ﴿تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ توصلوها إليهم لأجل، ويش لأجله؟ أن يحكموا لكم، وكلا المعنيين صحيح.
* طالب: ألا يدخل فيها يا شيخ الفلاسة؟
* الشيخ: الفلاسة؟
* الطالب: إيه، يفلس الحكام علشان يأخد المال هذا بغير حق.
* الشيخ: إيه، ما تكون أنت الذي أكلتها.
* الطالب: إيه، لكن أدليت بها إلى الحكام؟
* الشيخ: إيه، بس الآية تقول: ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ ﴿وَتُدْلُوا﴾، أما إن جعلنا الجملتين منفصلًا بعضها عن بعض، فهي نعم، تدخل مثل ما قلت أنت، ويصير النهي عن شيئين: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ هذه جملة مستقلة، ولا تدلوا بها إلى الحكام هذه جملة مستقلة، لكن ظاهر النظم -يعني ظاهر الكلام- أن الجملتين واحدة؛ ولهذا قال: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا﴾ ولم يقل: ولا تدلوا بها، فجعلها معطوفة على قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ فهي مبنية عليها.
* طالب: وين يعود الضمير؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: على القول الثاني، ترشون؟
* الشيخ: إيه، يعود على الأموال.
* الطالب: المال اللي أرشي به القاضي غير المال الذي..؟
* الشيخ: إيه، ما خالف، لكن معناه يكون معناه: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بأموالكم لتأكلوا هذه.
* الطالب: يعني أموال ثانية؟
* الشيخ: أموال ثانية لأجل أن تأكلوا بها أموال الغير يحكمون لكم بها.
* طالب: شيخ، هذه الفلاسة اللي ذكرناها ما تدخل في الرشوة؟
* الشيخ: لا لا، الفلاسة ما هي بهذا، الفلاسة يخبر الحاكم بأن فلان عنده مال لأجل يأخذه منه.
* الطالب: عندنا في (...) نقول: عليها (...) يعني يرشي، فالتبس عليه الأمر؟
* الشيخ: لا، يدل الحكام على أموال الناس ليأكلوها.
* طالب: الحكام القضاة ولَّا الحكام..؟
* الشيخ: الحكام الأمراء، إذا قلنا: إن المراد مثل ما قال غانم، أما إذا قلنا: إن المعنى عند المحاكمة فهو يشمل الأمراء ويشمل الحكام القضاة.
قال: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ قوله: ﴿لِتَأْكُلُوا﴾ قد يقول قائل: إن فيها إشكالًا؛ لأن قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ ثم قال: ﴿لِتَأْكُلُوا﴾، كيف يعلل الحكم بنفس الحكم؟ فنقول: إن اللام هنا ليست للتعليل، بل اللام هنا للعاقبة، يعني: أنكم إذا فعلتم حصل لكم الأكل، أكل فريق من أموال الناس، فاللام هنا للعاقبة، وتأتي اللام للعاقبة كما في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، هل آل فرعون التقطوه لهذه العلة، أو كانت العاقبة كذلك؟ كانت العاقبة كذلك، فاللام في قوله: ﴿لِتَأْكُلُوا﴾ اللام لام العاقبة.
وقوله: ﴿لِتَأْكُلُوا﴾ لماذا حذفت النون؟
* طالب: منصوب.
* الشيخ: منصوب بأن المضمرة بعد اللام على قول، أو باللام نفسها على قول من؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، صح، ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ ﴿فَرِيقًا﴾ الفريق بمعنى الطائفة، وسمي فريقًا؛ لأنه يفرق عن غيره، فهذا فريق من الناس، يعني: طائفة منهم افترقت وانفصلت.
وقوله: ﴿فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ لو قال قائل: قد يأكل كل مال المدعى عليه؟
* طالب: من باب أولى.
* الشيخ: من باب أولى؟ نعم، من باب أولى، أو نقول: إن مال المدعى عليه فريق من أموال الناس على سبيل العموم؛ لأن الإنسان مهما بلغ عنده من الملايين، فإن غيره عنده مال، إي نعم.
﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ الباء هنا للمصاحبة، يعني: أكلًا مصحوبًا بالإثم وهو الذنب؛ وذلك لأنه باطل، ومن هنا نعلم أن الباطل يعني: الإثم، ولكن هل هو في كل مكان الباطل هو الإثم؟ لا، قد يراد بالباطل ما لا منفعة فيه، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ بَاطِلٌ إِلَّا لَعِبَهُ بِقَوْسِهِ أَوْ مُدَاعَبَتَهُ أَهْلَهُ أَوْ تَأْدِبيَهُ لِفَرَسِهِ»[[أخرجه الترمذي (١٦٣٧)، وأحمد في المسند (١٧٣٠٠)، من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.]].
* * *
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية فوائد، أولًا: أن الصيام مظنة إجابة الدعاء؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر هذه الآية في أثناء آيات الصيام، ولا سيما أنه ذكرها في آخر الكلام على آيات الصيام، قال بعض أهل العلم: فيستفاد منها فائدة أخرى: أنه ينبغي الدعاء في آخر يوم الصيام.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم؛ لأنها ذكرت بعدما تكلمنا عن الصيام والإمساك.
* الطالب: قد يقال: هي في العيد أولى؟
* الشيخ: لا، لكن كل يوم يعتبر عبادة واحدة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى عنده علم الغيب؛ لأن قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾ في المستقبل.
* ومن فوائد الآية: رأفة الله عز وجل في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي﴾ حيث أضافهم إلى نفسه تشريفًا وتعطفًا عليهم.
* ومن فوائد الآية: إثبات قرب الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، والضمائر كلها تعود إلى الله: ﴿إِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ﴾ ﴿إِذَا دَعَانِ﴾ ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ ست ضمائر كلها تعود إلى الله عز وجل، فيستفاد من هذه الآية الكريمة: قربه سبحانه وتعالى.
هل قرب الله تعالى عام أو خاص؟ تقدم لنا الكلام في هذه المسألة، وبيَّنا أن قرب الله تعالى لا يكون إلا خاصًّا، وأن قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق ١٦] المراد: بملائكتنا، وكذلك قوله: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ [الواقعة ٨٣ - ٨٥]، المراد أيضًا: بملائكتنا.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: ولم يرد القرب عامًّا كما ورد في المعية، المعية وردت عامة وخاصة، وأما القرب فذكره شيخ الإسلام أنه لم يرد إلا خاصًّا، خاصًّا بمن يدعوه أو بمن يعبده، فمن يدعوه كما في هذه الآية: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، وكما في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَإِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ»[[سبق تخريجه.]] وأما قربه من العابد فمثل قوله ﷺ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢ / ٢١٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]؛ لأن هذا عبادة، وسبق لنا أيضًا أن قربه من عباده لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في جميع صفاته، المخلوق لا يكون قريبًا مع بعده، لكن الخالق يكون قريبًا مع بعده، وعلى هذا فلا تدل هذه الآية على أن الله سبحانه وتعالى ليس في العلو؛ لأنه لا تناقض بينهما في حق الخالق.
* طالب: المعية (...) أخص من القرب أو القرب أخص (...)؟
* الشيخ: لا، الظاهر أن القرب أخص، أخص منها؛ ولهذا ما جاء عامًّا بخلاف المعية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات سمع الله، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أُجِيبُ﴾؛ لأنه لا يجاب إلا بعد أن يسمع ما دعا به.
* ومنها: قدرة الله، إثبات القدرة؛ لأن إجابة الداعي تحتاج إلى قدرة.
* ومنها: إثبات كرم الله؛ لقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أن من شرط إجابة الدعاء أن يكون الداعي صادق الدعوة في دعوة الله عز وجل، بحيث يكون مخلصًا مشعرًا نفسه بالافتقار إلى ربه، ومشعرًا نفسه بكرم الله وجوده، من أين تؤخذ؟ من أين تؤخذ هذه الفائدة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: من قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، أو لا؟ نبغي الكلمة المعينة الخاصة؟
* طالب: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾.
* الشيخ: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾؛ لأن نحن نبهنا على هذا في التفسير، فإذن يشترط لإجابة الدعوة أيش؟ أن يكون صادقًا في دعوته، بحيث يكون مخلصًا لله، وأن يكون عنده شعور بافتقاره إلى الله عز وجل؛ لأن الإنسان ما يدعو إلا وهو يشعر بالافتقار، وأن يكون لديه شعور بأيش؟ بغنى الله عز وجل وإجابته؛ لقوله: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنابة إلى الله عز وجل والقيام بطاعته سبب للرشد؛ لقوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الاستجابة لا بد أن يصحبها إيمان؛ لأن الله قرن بينهما، فمن تعبد لله وهو ضعيف الإيمان، يعني: بأن يكون عنده تردد -والعياذ بالله- أو شك، فإنه لا ينفعه، أو يكون عنده أيضًا إنكار كما يفعل المنافقون فإنهم يتعبدون لله عز وجل ظاهرًا لكنهم ما عندهم إيمان فلا ينفعهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب والعلل.
الجهمية جبرية، وعلى الأشاعرة أيضًا، يعني سبق لنا أن الأشاعرة ما يثبتون الأسباب إلا أسبابًا صورية، حيث يقولون: إن الأسباب لا تؤثر بنفسها، لكن يكون الفعل عندها.
ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة ١٨٧] إلى آخره.
إذا عرفنا سبب النزول استفدنا من هذه الآية الكريمة، استفدنا رحمة الله تعالى بعباده، كيف ذلك؟
* طالب: بالنسخ، يعني نسخ الحكم الأول.
* الشيخ: بالنسخ، الحكم الأول بالتخفيف، حيث كانوا بالأول إذا ناموا أو صلوا العشاء حرمت عليهم النساء والطعام والشراب.
* ويستفاد من هذه الآية: جواز الكلام بين الزوج وزوجته فيما يستحيا منه، من أين يؤخذ؟
* طالب: من ﴿الرَّفَثُ﴾.
* الشيخ: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾؛ لأنه متضمن لمعنى الإفضاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز استمتاع الرجل بزوجته من حين العقد، من أين تؤخذ؟
* طلبة: ﴿إِلَى نِسَائِكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿إِلَى نِسَائِكُمْ﴾.
وقد سئلت عدة مرات عن الإنسان يعقد على امرأة ولكن يكون الدخول بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة فهل يجوز أن يستمتع بها ولّا ما يجوز؟
* طلبة: يجوز.
* الشيخ: يجوز، لكن عند الناس، يعني بعض الناس الجهال أنه ما يجوز حتى يعلن النكاح، حتى يعلن، يكون ليلة الزواج، لكن هنا شيء يخشى منه، وهو أنه ربما يحصل حمل، وإذا حصل حمل، ولا سيما إن تأخر الدخول، ربما يحصل في ذلك ريبة، فإذا خشي الإنسان من هذا الأمر فالحمد لله يملك نفسه، يستمتع بدون الجماع؛ لئلا يحصل ريبة عند العامة، وأما طلبة العلم ما يحصل عندهم ريبة؛ لأن الإنسان بمجرد العقد تكون المرأة فراشًا له ويلحقه الولد على المذهب، حتى وإن لم يجتمع بها، مع إمكان الاجتماع، لا ما علمنا أنه اجتمع، فالولد ولده وهذا أظن مرت علينا: بماذا تكون المرأة فراشًا. فالمسألة ما فيها إشكال عند طلبة العلم، لكن عند العامة فيها إشكال، لكنه من الناحية الشرعية لا بأس تكون امرأته من يوم يعقد عليها.
* طالب: بناء على وجوب إعلان النكاح.
* الشيخ: لا، ما هم يقصدون هذا، لكن يقصدون العادة فقط وإلا ما يعرفون وجوب النكاح ولا عدم وجوب النكاح.
* طالب: (...) الحياء عند المرأة؟
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии