Ибн УсейминАль‑Бакара · 2:219–221

Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:219–221, продолжение

(...) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ شوف كلها معطوفة بالواو، كأنها أسئلة متتابعة، سألوا أولًا عن الخمر والميسر، ثم سألوا ماذا ينفقون، وجه الارتباط بين السؤالين واضح جدًّا؛ لأن في الخمر والميسر إتلاف المال بدون فائدة، وفي الإنفاق إتلاف المال بفائدة. ثم قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾؛ لأنك إذا عرفت السبب عرفت وجه ارتباط السؤال الثالث بالسؤالين قبله.

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ اليتامى جمع يتيم، وهو: الذي مات أبوه ولم يبلغ، مشتق من: اليُتْم، وهو الانفراد، واليتيم بما أن أباه قد توفي يحتاج إلى عناية ورعاية أكثر؛ ولهذا جاء في القرآن الكريم جاءت الوصاية بهم كثيرًا، فقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ سبب ذلك: أن الله عز وجل لما أنزل ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء ١٠]، وأنزل ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام ١٥٢] آيتين، أشكل على الصحابة رضي الله عنهم فصاروا يجعلون طعام الأيتام على حدة، وطعامهم هم على حدة، بمعنى أنه إذا طبخ لليتيم طبخًا جعله له وحده، هذا الطبخ إما أن يفسد ولا يصلح للأكل، وإما أن يصلح للأكل لكن ليس على وجه أكمل، فتحرجوا من ذلك، وشق عليهم أن يجعلوا لليتامى طعامًا على حدة ولهم طعام على حدة، وأشكل عليهم فيما لو خلطوا طعامهم مع طعام اليتامى، والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، فسألوا النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك فأجابهم الله عز وجل بجواب في غاية ما يكون من البلاغة والاختصار والوضوح، فقال: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾، وكلمة ﴿إِصْلَاحٌ﴾ تعني أن الإنسان يتبع ما هو أصلح لهم في جميع الشؤون، سواء كان ذلك في التربية أو في المال، وسواء كان ذلك بالإيجاب أو بالسلب، أي شيء يكون إصلاحًا لهم فهو خير.

وكلمة: (خير) هل هي تفضيل مطلق أو تفضيل مقيد؟ بمعنى: هل التقدير: إصلاحٌ لهم خيرٌ من الإفساد أو أنه خيرية مطلقة؟ الجواب: خيرية مطلقة، الإصلاح خير من كل شيء، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء ١٢٨]، هذه الجملة في شمولها وعمومها ووضوحها كالجملة الثانية.

﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ هذه الجملة الثانية مما تضمنه الجواب، لأني قلت قبل: إن الجواب تضمن جملتين؟ إحداهما: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾، والثانية: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ يعني: إن خالطتموهم في الأكل والشرب وجعلتم طعامهم مع طعامكم، فإنهم ليسوا أجانب منكم، بل هم إخوانكم في الدين أو في النسب؟

* الطلبة: في الدين.

* الشيخ: في الدين، أو في النسب، أو فيهما جميعًا، قد يكون الأخ الصغير قد مات أبوه وهو أخوك، فيكون أخًا لك في الدين وفي النسب، وقد يكون اليتيم من أبناء عمك وهو مؤمن فيكون أخًا لك؟

* طالب: في الدين والنسب.

* الشيخ: في الدين، وقد يكون أخًا لك، لكنه ليس بمؤمن، فيكون أخًا لك في النسب.

المهم أنهم إخوان لنا، سواء في الدين، أو في النسب، أو فيهما جميعًا، ومعلوم أن مخالطة الأخ لأخيه أمر لا يستنكف منه ولا يخشى منه، فإذا شعرتم وأنتم تخالطونهم بأنهم إخوانكم، فإنكم سوف تحرصون على أن لا تخالطوهم إلا على وجه فيه مصلحة لهم؛ ولهذا قال: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾، ومعروف أن الأخ يحنو على أخيه.

بهذا ارتفع الحرج، وتأمل أن الله عز وجل بدأ بالإصلاح قبل المخالطة، كأنه يفيد أنه إذا لم يكن في المخالطة إصلاح فالأفضل؟

* طالب: عدم المخالطة.

* الشيخ: عدم المخالطة، وإن كان فهي إصلاح فهي خير وهم إخوان لكم، لا يمكن أن تضروهم بشيء. إذن يجوز الآن المخالطة ولَّا لا؟

يجوز، تفهم من قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾، كأنكم صنوا أصل واحد، ولكن لا بد من أن يكون في ذلك إصلاح.

* طالب: شيخ، كيف يكون في أنفسهم حرج (...)؟

* الشيخ: (...) ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ قوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ العلم هنا علمُ معرفةٍ؛ لأنه لم ينصب إلا مفعولًا واحدًا، فقد قال ابن مالك:

لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَـهْ ∗∗∗ تَــعْــدِيَــــةٌ لِــوَاحِــــدٍ مُــلْــتَــزَمَــهْ

يعني: يعرف سبحانه وتعالى، يعلم علم معرفة المفسدَ من المصلح في هذا وفي غيره؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

وقوله: ﴿يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ لم يقل: يعلم المفسد والمصلح، بل قال: ﴿الْمُفْسِدَ مِنَ﴾، كأنه ضمن العلم معنى التمييز، يعني: يعلمه فيميز بين هذا وهذا، ويجازي كل إنسان بما يستحق؛ لأن التمييز بين هذا وهذا يقتضي أن يميز بينهما أيضًا في الثواب والجزاء.

وقوله: ﴿يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ يشمل الإفساد الديني والدنيوي، والإصلاح الديني والدنيوي، عرفتم؟ ولَّا بس في أمور الدنيا فقط؟ في أمور الدين والدنيا، فهو يعلم عز وجل المفسد من الإنسان المصلح، وكلمة (مُفسد) و(مُصلح) هل تعني الذي فعلًا أفسد أو تشمل حتى من نوى الإفساد والإصلاح؟ حتى من نوى، فمن كانت نيته الإفساد، فإن الله عالم به، وقد لا يحصل له مقصوده، قد يكون إنسانًا مفسدًا يحب إفساد الخلق ولا يتسنى له ذلك، وقد يكون كذلك مصلحًا، ولكن يحال بينه وبين إصلاحه، ولكن من علم الله من نيته هذا أو هذا، فإنه يجازيه بما يستحق.

وهل يشمل هذا المفسد من المصلح في شؤون اليتامى؟ يشمل، معلوم؛ لأن الأصوليين يقولون: إن مسألة السبب نصٌّ في المراد، يعني أنها قطعية الدخول، فإذا قلنا: يعلم المفسد من المصلح في جميع الشؤون، فإن أول ما يدخل في ذلك ما هي؟ الإصلاح والإفساد في اليتامى؛ لأنها هي السبب، وما كان سببًا فهو قطعي الدخول في العموم.

قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (لو) شرطية، شرطها قوله: ﴿شَاءَ اللَّهُ﴾، وجوابها؟

* طالب: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾.

* الشيخ: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾، وهل اللام في جواب (لو) واجبة أو غالبة؟

* طالب: غالبة.

* الشيخ: غالبة، ومن حذفها قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠]، والأكثر وجود اللام في جوابها.

﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ أي: لشق عليكم، بماذا؟ شق عليكم بأمرين في مسألة اليتامى:

أحدهما: أن تجعلوا طعامهم وشرابهم على حدة.

الثاني: أن تقدروا ذلك الطعام والشراب بحيث لا يبقى شيء يكون عرضة للتلف والفساد، وهذا شيء شاق على الناس، ولكن الله عز وجل برحمته نفى ذلك.

والعنت قلت: إنه بمعنى المشقة، ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء ٢٥] ويش معنى العنت؟ أي: المشقة.

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ هذه الجملة تعليل لما سبق، ولكن هل هو تعليل لما سبق في الآية الأخيرة ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ إلى آخره، أو حتى لما سبق من قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾؛ لأن هذه الآيات كلها معطوف بعضها على بعض؟ يحتمل هذا وهذا، لكن لو أخذنا بالعموم لم يكن فيه مانع.

و(العزيز) تقدم لنا أنه من أسماء الله عز وجل، وأن له ثلاثة معانٍ وهي:

* طالب: القدر.

* الشيخ: القَدَر ولا القَدْري؟ ما الفرق بينهما؟

* الطالب: القَدْر.

* الشيخ: القَدْر بالسكون، نعم.

* الطالب: القهر.

* الشيخ: عزة قدر، وعزة قهر، وعزة امتناع، عزة القَدْر: أي لا يُدانيه أحد في علو شأنه. عزة القهر: لا يغلبه أحد بل هو الغالب. عزة الامتناع: أي يمتنع عليه كل نقص وعيب، فهو عزيزٌ لا يعتريه النقص، عزيزٌ لا يعتريه الذل، بل هو الغالب القاهر سبحانه وتعالى، عزيزٌ يعني أنه ذو قدر عالٍ وشأن رفيع.

أما (الحكيم) فقد تقدم لنا أنه مشتق من الحُكْم والحِكْمة، وأن الحكم نوعان: كوني، وشرعي، وأن الحِكمة نوعان: غائية، وصورية، يعني: كون الشيء على هذه الصورة هذه حكمة، والغاية منه حكمة أيضًا، فإذا ضربت اثنين في اثنين تكون أربعة: حكمة في القَدَر، صورته وغايته، حكمة في الشرع، صورته وغايته.

وجه المناسبة لختم الآية الكريمة بالعزة والحكمة أنه سبحانه وتعالى له الحكم لو شاء لأعنتنا؛ لأنه عزيز وهو صاحب السلطان؛ ولأنه حكيم فهو صاحب الحكم ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف ٥٤]، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام ٥٧]، ولكن مع كونه جل وعلا عزيزًا حكيمًا فهو عفوٌّ رحيم؛ ولهذا لطف بعباده في هذه المسألة وفي غيرها من المسائل ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج ٧٨].

ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ النكاح في الأصل: الضم والجمع، ومنه قول الشاعر:

أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ∗∗∗ عَمْرَكَ اللَّهُ كَيْفَ يَجْتَمِعَانِ؎أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ∗∗∗ ......................يعني: أيها المريد أن تجمع بين الثريا وسهيل..

فقوله: (كيف يجتمعان) يدل على أن النكاح في الأصل الجمع والضم، وأما في الشرع: فهو عقد على محللة للاستمتاع بها وصيانة الفرج إلى آخره وغيره من المصالح التي تتعلق بالنكاح، فهو عقد على محللة لقصد المصالح المترتبة على النكاح من تحصين الفرج والولادة والاستمتاع وغير ذلك.

يقول الله عز وجل هنا: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾.

* طالب: ما معنى (...)؟

* الشيخ: لا، يجمع بينهم. ﴿الْمُشْرِكَاتِ﴾ جمع مشركة، والمشركة أو المشرك هو من جعل لله تعالى شريكًا فيما يختص به، سواء كان ذلك في الربوبية، أو في الألوهية، أو في الأسماء والصفات، فمن اتخذ مع الله إلهًا يعبده فهو مشرك ولو آمن بأن الله خالق السماوات والأرض، ومن اعتقد أن مع الله خالقًا للكون، أو منفردًا بشيء من الكون، أو معينًا لله تعالى في الخلق، في خلق شيء من الكون فهو مشرك، ثلاثة أشياء ما هي؟

* طالب: من يتخذ مع الله إلهًا. (...)

* الشيخ: خلق الكون فإنه مشرك.

* طالب: لكن نهى عن قول متصرفًا؟ (...)

* الشيخ: حتى الكتابيات، وإن أخذنا بمعهودها المعروف فإنه لا يشمل اليهود والنصارى؛ لأنه ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة ٦] فعطف المشركين على أهل الكتاب فدل على أنهم؟

* طالب: غيرهم.

* الشيخ: غيرهم، وهذا الخلاف ينبني عليه هل هذه الآية باقية على عمومها أو مخصصة بآية المائدة يأتي إن شاء الله تعالى. (...)

في هذه الآية الكريمة ينهى الله عز وجل.

(...) على المشركات ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ حتى يدخلن في الدين الإسلامي ويؤمِنَّ بالله ورسوله، المشركات لا يحل للمؤمن أن يتزوج بهن كما قال الله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة ١٠]، وقوله: ﴿لَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ يشمل من أشركن بالله في عبادته، أو أشركن به في ربوبيته، فمن اعتقدت أن مع الله خالقًا فإنه لا يجوز نكاحها من المؤمن، وإن عبدت مع الله غيره فإنه لا يجوز للمؤمن نكاحها. وقوله: ﴿لَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ هل يدخل في ذلك نساء النصارى، فهم يقولون: إن الله ثالث ثلاثة ويجعلون المسيح عيسى بن مريم إلهًا مع الله؟ اختلف في ذلك أهل العلم، والصحيح أنه لا يدخل في ذلك نساء أهل الكتاب وإن كن يزعمن أن عيسى إله مع الله؛ لأن الله تعالى في سورة المائدة قال: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة ٥] وسورة المائدة من آخر ما نزل، ولهذا قال بعض العلماء: إنه ليس فيها نسخ، كل ما فيها فهو محكم، وفي نفس السورة التي أباح الله فيها نساء أهل الكتاب قال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة ٧٣] فوصفهم بالكفر وأحل نساءهم، ولكن مع ذلك مع كونها مباحة فإن الأَوْلى ألا يتزوجها؛ لأنه يؤثر على أولادها منه، وربما يؤثر عليه هو أيضًا إذا أعجب بها مثلًا وبجمالها وسلبت عقله فربما تفضي به إلى أن يكفر كما حدثني بذلك بعض الناس أن أحدًا لما سافر إلى بلد كافرة أعجب بفتاة فخطبها إلى نفسه فقالت له: لا يمكن حتى تحضر الكنيسة معي وتقول: إن الله ثالث ثلاثة، فحاول أن يمتنع ولكنه -والعياذ بالله- قد ملك عقلَه جمالُها وشغف بها وأخيرًا ذهب معها إلى الكنيسة وشهد أن الله ثالث ثلاثة -نسأل الله العافية- ولكن هذا الرجل الذي فعل هكذا أبشِّركم أنه تاب، تاب إلى الله وندم مما صنع، وجاء يستفهم: ماذا يكون عليه في هذه الحال التي أغرته فيها هذه المرأة، وكان ردنا على ذلك أن نقول: إذا تاب تاب الله عليه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣].

وقوله: ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ قد يقول قائل: لماذا لم يقل: حتى يُوَحِّدْن؛ لأن ضد الشرك التوحيد، ولِمَ قال: ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾؟ نقول: لأن الإيمان أعم إذ إنه يشمل الإيمان بكل ما يجب الإيمان به من توحيد الله والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، فلو أنها انتهت عن الشرك لكنها لم تؤمن بكل ما يجب الإيمان به فإنها لا تحل، هذا هو السر في العدول عن التعبير بالمقابل إلى التعبير بالإيمان.

وقوله عز وجل: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ بيَّن الله سبحانه وتعالى العلة في ذلك والحكمة فقال: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ صدق الله، الأمة المؤمنة خير من المشركة حتى لو أعجبت الإنسان في جمالها، أو أعجبت الإنسان في مالها، أو أعجبت الإنسان في علمها، أو أعجبت الإنسان في خِفتها وما إلى ذلك فإن الأمة المؤمنة خير من المشركة، ثم قال: ﴿وَلَأَمَةٌ﴾ لا تظنوا أنه يعني بذلك الأمة المملوكة، وسنبين إن شاء الله تعالى في سورة النساء أنه لا يجوز نكاح الإماء إلا بشروط، لكن المراد بالأمة هنا أمة الله، أي العابدة لله عز وجل، والإنسان الذكر يقال: عبد الله، والأنثى يقال: أمة الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٠٠) ومسلم (٤٤٢ / ١٣٦) من حديث ابن عمر.]]، وقال ﷺ في حديث ابن مسعود: «ابْنُ أَمَتِكَ»[[أخرجه أحمد في مسنده (٣٧١٢) من حديث ابن مسعود.]] ذكر الأم والأب، الأب قال: «عَبْدُكَ» والأم قال: «أَمَتِكَ»، وبهذا نعرف أن ما ورد به الحديث في سيد الاستغفار وهو: «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ»[[أخرجه البخاري (٦٣٠٦) من حديث شداد بن أوس.]] وأما من كان أنثى فإنها تقول: أمتك. كما قال به شيخ الإٍسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال بعض العلماء: إنها تقول في حديث سيد الاستغفار تقول: وأنا عبدك، على تأويل أنها شخص، شخص مذكر ولّا مؤنث؟

* الطلبة: مذكر.

* الشيخ: مذكر، ولكن ما ذهب إليه شيخ الإسلام أبلغ في التذلل والعبودية، فإن المرأة إذا قالت: وأنا عبدك، كأنما تشعر أنها رجل، لكن إذا قالت: وأنا أمتك، صار ذلك أبلغ في ذُلّها، فقوله سبحانه: ﴿وَلَأَمَةٌ﴾ هنا وأيش معنى الأمة؟ امرأة ﴿خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ لا يراد به التفضيل بين المفضل والمفضل عليه، أي: عدم التفضيل، يراد به البيان أنها من الخير فقط، كالصلاة خير، والصدقة خير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خير، من الخير الذي هو ضد الشر، أما إذا ذكر المفضل عليه لفظًا أو تقديرًا فإن (خيرًا) تكون للتفضيل، وهنا سؤال على هذه الآية (...) وأن القاعدة في اسم التفضيل أن المفضل والمفضل عليه يتفقان في أصل الوصف، ويختلفان في مقداره، كحديث: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٥) ومسلم (٦٥٠ / ٢٤٩) من حديث عبد الله بن عمر.]] فهنا الصلاتان متفقان في الخيرية لكن تتميز صلاة الجماعة بالأفضلية، وهو المعروف عند أهل العلم بـ(أفعل التفضيل) أنه إذا ذكر مفضل ومفضل عليه فإنهما متفقان في أصل الصفة، ويتميز المفضل على المفضل عليه في مقدارها.

وهنا يقول الله عز وجل: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ ومعلوم أن المشركة لا خير فيها المشرك لا خير فيه فكيف قال: ﴿خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾؟ الجواب على ذلك من أحد وجهين، الأول: أنه قد يرد اسم التفضيل بين شيئين (...) الطرفين ليس فيه شيء منه، ويراد به التفضيل المطلق كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤] والله ما في أهل النار خير، لكن هذا من باب كون اسم التفضيل دل على التفضيل وليس للطرف الآخر منه شيء، والثاني أن نقول: إن ناكح المشركة قد يظن فيها خيرًا لكونها جميلة مثلًا؛ ولذلك قال: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ فقد يظن الإنسان أن اتصاله بهذه المشركة خير، فبين الله سبحانه وتعالى أن ما يعتقده الإنسان خيرًا في نكاح مشركة فإننا نقول له: نكاح الأمة المؤمنة خير بناء على ما كان يعتقده من خيرية في نكاح المشركة. ثم قال: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (تُنكحوا) مبني للمعلوم أم للمجهول؟

* طالب: للمجهول.

* الشيخ: لا. لماذا؟

* الطالب: مبني للمعلوم.

* الشيخ: إذا قلنا: إنه ما هو مبني للمجهول ما بيقول لك: إنه مبني للمعلوم، (...) مبنيًّا على أساس؟

* الطالب: .(...)

* الشيخ: المضارع المبني للمجهول يُضم أوله ويُفتح ما قبل آخره، قال في ذلك ابن مالك:

وَاجْعَلْهُ مِنْ مُضَارِعٍ مُنْفَتِحًا ∗∗∗ كَيَنْتَحِي الْمَقُولُ فِيهِ يُنْتَحَى

فـ (تُنكحوا) ليس مبنيًّا للمجهول بل هو مبني للمعلوم لكنه من فعل رباعي، الأول: من نكح يَنكِح والثاني: من أنكح يُنكِح، ولذلك قال في الأول: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾ وفي الثاني: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا﴾ الأول للزوج الذي يتولى العقد بنفسه لنفسه ما له ولي، والزوجة ما تزوج نفسها وإنما يزوجها وليها، فهو إذن من أنكح الرباعي. قال تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ النهي عن تزويج المشرك أو إنكاح المشرك لا استثناء فيه حتى ولو كان من أهل الكتاب فإنه لا يجوز أن يُنكَح بمسلمة، نصراني خطب منا امرأة مسلمة نزوجه؟

* الطلبة: لا.

* الشيخ: لا يجوز، ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ هذا عام ما فيه استثناء بخلاف ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ فإنه يستثنى من ذلك من كان كتابيًّا. تناظر رجلان في مصر قبطي ومسلم فاحتج القبطي على المسلم وقال: لماذا تستحلون نساءنا ولا تحلون لنا نساءكم؟ هذا خلاف العدل. قال: لأننا نعترف بدين النصارى قبلنا، فالمسلم إذا تزوج امرأة دينها دين النصارى ازدادت خيرًا اعترف بدينها وبدين الإسلام، لكن لو كان رجلًا كافرًا نصرانيًّا يريد أن يتزوج بمسلمة فإنه لا يقر بدينها، فالنصراني لا يعترف بمحمد ﷺ.

* طالب: إذا قال: أعترف؟

* الشيخ: ما يكفي، ما دخل في دين محمد ﷺ، فالمسيح بشرهم بالرسول الخاتم، وأمرهم أن يدعوا دينهم ويتبعوه.

﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ وسبق القول باختلاف المقابلة حيث قال: ﴿الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ ولم يقل: حتى يُوَحِّدوا؛ لأنه لا بد من الإيمان بكل ما يجب الإيمان به، فكان العدول عن ذكر المقابل إلى ذكر ما لا يقابله، هذا موجود كثيرًا في القرآن، وهو لا يوجد غالبًا إلا لفائدة، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ لا يقضون بالحق ولَّا لا يقضون بشيء؟

* الطلبة: ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾.

* الشيخ: ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر ٢٠] لماذا لم يقل: لا يقضون بالحق؟ لأن ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ أبلغ، أبلغ في نقص هذه الأصنام، لا تقضي بشيء لا حق ولا باطل، انتبه لهذه النكتة من كتاب الله عز وجل. وهو أنه إذا عدل عن ذكر المقابل إلى شيء آخر فإنه لا بد أن يكون لذلك فائدة فتأملها.

قال: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ العبد المؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم، صدق الله العبد المؤمن الذي يؤمن بالله ورسله وبما يجب الإيمان به خير من المشرك، فلو كان مشرك عالمًا بصناعة الطائرات، والصواريخ، والمراكب الفضائية، شيء عبقري، ورجل مسلم لا يعرف من هذا شيئًا أيهما خير؟

* طالب: المسلم.

* الشيخ: العبد المؤمن، فلو أن امرأة قالت: إنها تريد أن تتزوج هذا الكافر؛ لأن عنده من علوم الطبيعة ما ليس عند المسلم، نقول لها: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ وما قال: ولو أعجبكن. ولم يقل: ولو أعجبتها؛ لأن عقد نكاح المرأة بيد وليٍّ، فالخطاب للأولياء، فالمشرك لو أعجبكم ونال إعجابكم بماله وغيره فلا يجوز لكم لكن إنكاحه مُوَلِّيتكم.

ثم بيَّن عز وجل وجه هذه الخيرية فقال: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ الضمير يعود على المشركين والمشركات، ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ بأقوالهم وأفعالهم وربما تكون في ظاهرها خيرًا لنا -أذلهم الله ولعنهم (...) يبثون الدعوة إلى دينهم وشركهم بكل ما يستطيعون بالمال والقول والعمل حتى إننا نسمع أنهم يبنون المدارس ويبنون المستشفيات ويعالجون المريض حتى يشفى؛ لاستمالتنا إلى دينهم، ولا يزالون يدعون إلى يومنا هذا إلى دين النصارى لكن والحمد لله ليس لها قبول. (...)

كلام الذي يقولونه في إذاعاتهم (...) ثم يرسلونها على عنوان بعض المؤسسات (...) خبرة وبحثًا عن أحوال المسلمين (...)

ما يدري إلا وقد جاءه شريط (...) والحمد لله أنهم يبوؤون بالفشل في كل ما يدعون إليه مهما دعوا إنما يدعون إلى النار ولّا من أسباب دخول الجنة؟ ولم لا يقال في أعمالهم الخيرية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة ١٩٥] لأن هذه الأعمال الخيرية لا تنفعهم، لا تنفعهم شيئًا، ويقبلها الله هي نفسها أن تكون من مسلم، قال الله تعالى في الكفار: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان ٢٣] إذن هل في ذلك خير ولَّا لا؟

* الطلبة: لا.

* الشيخ: لا، لماذا؟ لأن أعمالهم دعوة إلى النار، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال ٣٦] فعلى شباب المسلمين أن ينتبهوا لهذه النقطة وهي نشاط المبشرين في دعوتهم لدينهم بوجوه الإنفاق، فيخبر الله عنهم أنهم إنما ينفقونها ليصدوا عن سبيل الله، فهدف نفقاتهم حرب الرحمن وعداؤه، فعلينا أن ننتبه لهذا وألا نغتر بهم وبأعمالهم، ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ دعوة إلى النار، ودعوة إلى الجنة والمغفرة، ومع ذلك نجد أن المسألة ليس فيها تقابل، وإلا لو كان فيها تقابل لقال: أولئك يدعون إلى النار والمؤمنون يدعون إلى الجنة والمغفرة، لكنه عدل عن دعوة المؤمن إلى دعوة الله؛ لأن المؤمن يكون منه تقصير في الدعوة إلى جنة الله ومغفرته، لكن الله عز وجل دعا إلى الجنة والمغفرة، وكلما ازداد الإنسان إيمانًا بالله ازداد دعوةً إلى جنة الله ومغفرته، وهنا يقول: ﴿يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾ الجنة جزاء الأعمال الصالحة، والمغفرة جزاء الأعمال السيئة إذا استغفر الإنسان منها، وذلك لأن الإنسان في عمله دائر بين أمرين: إما عمل صالح محض هذا يكون سببًا لدخول الجنة، وإما عمل غير صالح لكنه يتاب منه، فهذه دعوة إلى المغفرة.

وقوله عز وجل: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ ﴿يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ ينقسم إذن الله عز وجل إلى إذن شرعي وإذن كوني، فإذنه سبحانه إذا ما تعلق بالمخلوقات والتقديرات فهو إذن كوني، وما تعلق بالتشريعات فهو إذن شرعي، وإذنه في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥] ما تقولون في الإذن؟ هل هو شرعي ولا كوني؟ إذن كوني، يعني يأذن الله فيشفع، ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] هذا شرعي. وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس ٥٩] الإذن هنا كوني ولّا شرعي؟ طيب نشوف الاستفهام هنا للإنكار ولا للتقرير؟ للإنكار والتوبيخ، فيكون إذنُ الله عز وجل لهؤلاء كونًا؟

* طالب: لا.

* الشيخ: ثابت ولّا غير ثابت؟

* الطالب: ثابت.

* الشيخ: ثابت، لكن إذنه لهم شرعًا غير (...) هنا الآية اللي معنا ﴿يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ أترونها إذنًا شرعيًّا أم إذنًا كونيًّا؟

* طالب: شرعيًّا.

* الشيخ: أو كلاهما؟

* الطلبة: كلاهما.

* الشيخ: أو شرعي؟ أو كوني؟

* الطلبة: كلاهما.

* الشيخ: الصبي إذا سألته عن شيء فهو على الأخير، تقول له مثلًا: اليوم السبت ولّا الأحد؟ يقول: الأحد. اليوم الأحد ولّا السبت؟ يقول: السبت. في هذه الآية التي معنا الظاهر والله أعلم أنها تشمل الكوني والشرعي؛ وذلك أن دخول الإنسان فيما يكون سببًا للجنة والمغفرة كوني، وشرْعُ ما يكون سببًا للجنة والمغفرة هذا إذن شرعي.

وقوله: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿يُبَيِّنُ﴾ يعني يُظهر، ﴿آيَاتِهِ﴾ جمع آية وهي العلامة القاطعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس ٣٧] وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٤١] فالعلامة القاطعة التي تستلزم الاستدلال بها على وجود الله، ﴿يُبَيِّنُ آيَاتِهِ﴾ الآيات تنقسم إلى قسمين: شرعية وكونية، وكلاهما قد بينها الله عز وجل، فبيَّن لعباده الآيات الشرعية وبيَّن أيضًا الآيات الكونية، فلم يبق شيء يحتاج الناس إليه في أمور دينهم ولا في أمور دنياهم إلا بينه، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩] وقال أبو ذر: «لَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وما طائرٌ يُقَلِّبُ جَناحَيْهِ في السماءِ إلَّا وهُو يُذَكِّرُنا منه عِلمًا »[[أخرجه البزار في المسند (٣٨٩٧) من حديث أبي ذر بنحوه.]]. وقد يشكل على بعض الناس قد يخفى عليه بعض الآيات الشرعية، لا يتبين له فيها وجه الشرع، ثم يتبين له بعد ذلك، فمما نأخذه من الآية أنه إذا ما تبين الحكم الشرعي لشخص من الأشخاص لا يعني أن الحكم الشرعي في حد ذاته كان مخفيًّا، إنه قد يخفى على الإنسان إما لقلة علمه أو قصور فهمه أو تقصيره في طلب الحق، هذه أسباب ثلاثة توجب الخفاء: إما لقلة علمه، وإما لـأنه ناقص الفهم في أشياء كثيرة، وإما تجده ما يهتم ترد عليه المسألة مشكلة يقول: هذه أتوقف فيها ولا أبحث، لكن الحق في حد ذاته قد بينه الله تعالى بيانًا كاملًا، وطرق البيان في الآيات الشرعية كثيرة، منها عمومية اللفظ وشموله، وإما بدخولها في عمومه إذا اتفقا في العلة فقد شملهما المعنى فيشملهما الحكم.

إذن لا نقص فيه، وانظر إلى قول الله عز وجل في آيات المواريث قال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦].

والآيات الكونية هي ما يتعلق بالمخلوقات، وهي آية من آيات الله عز وجل، آية على أي شيء؟ على العلم ولَّا على القدرة؟ على كل هذا، مثلًا اختلاف الليل والنهار من آيات الله الدالة على أيش؟

* الطلبة: على القدرة.

* الشيخ: على القدرة والعلم والرحمة والسلطان؛ لأن كونها دالة على القدرة واضح، فإن أحدًا من الناس لا يستطيع أن يقدم طلوع الشمس ولا أن يؤخرها له، ولكن خالقها الذي أمرها أن تسير بإذنه دليل على علمه بها وقدرته عليها، فما من مفعول إلا وهو مسبوق بالعلم والقدرة، هب لو أنك صنعت ثوبًا فأنت لا تخيطه إلا وأنت عالم كيف تخيطه وكذلك قادر على خياطته وإلا ما يمكن أن تخيطه، فكذا لا يمكن أن يكون اختلاف الليل والنهار إلا عن علم الله وقدرته التي يختلف بها الليل والنهار، وهو كدليل على سلطانه آية على سلطانه؛ لأن اختلاف الليل والنهار يشمل الاختلاف الحسي والمعنوي (...) والحسي هو الذي قال الله فيه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠] يغني فقيرًا ويفقر غنيًّا ويهدي ضالًّا ويضل مهتديًا. الحاصل أن الآيات الكونية آية على خالقها عز وجل (...) كأن تقول: على القدرة أو الرحمة أو ما أشبه ذلك لا، تقول: هي آية على كل معنى يناسب تلك الآية فيختلف بحسب الآيات. هل بيَّن الله لنا الآيات الكونية؟ بيَّن الله عز وجل وأيش سبب طول النهار (...) بيَّن لنا أن ذلك بقدرته: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس ٣٩] ثم إذا كان هناك سبب حسي أو إذا كان هناك (...) أن الإنسان يدرس علم الفلك ليستفيد، ليستفيد مما (...) الآيات الشرعية مبينة والآيات الكونية مبينة، ولكن سؤالي الآن: هل بيان الآيات الشرعية أبلغ وأدق أو بيان الآيات الكونية؟ الأول الآيات الشرعية أبلغ وأدق وأشمل؛ لأن الإنسان في أمس الحاجة إليها حاجة ضرورية عليها مدار سعادته في الدنيا والآخرة، ولهذا بيَّن الله عز وجل لعباده من الآيات الشرعية حتى آداب الجلوس والاستئذان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور ٢٧] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة ١١] بيَّن الله حتى هذا الأمر، وقال رجل من المشركين لسلمان الفارسي: «إنَّ نبيَّكم علمكم كلَّ شيءٍ حتى علَّمَكم كيفَ تأتونَ الخلاءَ. قال: نعم، وألا نستنجي برجيع أو عظم »[[أخرجه مسلم (٢٦٢ / ٥٧) من حديث سلمان الفارسي.]] (...) بيان الرسول صلى لله عليه وسلم من بيان الله؛ لأنه ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠] بيان الوحي للآيات الشرعية هو أشمل من البيان للآيات الكونية، الآيات الكونية تأتي على سبيل العموم، بخلاف الشرعية؛ لأن الشرع لا بد أن يتلقى من الوحي (...) ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ [البقرة ٢٤٢] إذا آمنت بهذه الجملة فإنه قد يعرض لك مسألة لا تجدها في كلام الفقهاء ولا في كلام المحدثين، وعندما تتأمل القرآن تجدها واضحة صريحة، أو عندما تتأمل السنة تجدها واضحة مبينة فيها، وهذا شيء معلوم، ولهذا أحثكم أنتم طلبة العلم على أن يكون دأبكم في الوصول إلى غائص المسائل الرجوع إلى الكتاب والسنة، ولا حرج أن نستعين بكلام أهل العلم؛ لأن اعتماد الإنسان على نفسه في فهم الكتاب والسنة قد يحصل فيه خلل كثير، فلا بد أن يعرف القواعد التي قعَّدها السلف من الصحابة والتابعين مستنبطين لها من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.

* طالب: (...).

* الشيخ: نحن عندما نتكلم نتكلم عن بيانها في حد ذاته، أما كونها تعمى أو تُعَمَّى على بعض الناس هذا وارد، فإن الكفار قد يطَّلعون من الآيات الكونية على ما لا يطلعه المسلمون لكنها لا تنفعهم؛ لأنهم لا يستدلون بها على رحمة الله أو على وجوده، إنما نحن إذا تكلمنا فإنما نتكلم على أيش؟ الآيات الشرعية من حيث هي آيات بقطع النظر عن الممتثل بها، ولهذا الآن نحن جميعًا نعرف أن بعضنا يفهم من كتاب الله وسنة رسوله ما لا يفهمه الآخر، ويقال: إن الإمام الشافعي رحمه الله استضاف الإمام أحمد ليلة من الليالي، فلما قدَّم إليه العشاء أكله كله (...).

* طالب: (...)

* الشيخ: عمر أراد أن يمنع منه سياسة ولكنه لم يمنع منه حكمًا شرعيًّا، هو اجتهاد منه لكنه هو غير موفق فيه، فهو نفسه رضي الله عنه ما استدل بدليل، وإنما خشي على من تزوج بكتابيات خشي عليه هو فقط.

* الطالب: الخشية موجودة الآن؟

* الشيخ: هذه لولي الأمر إذا رأى أن السياسة تمنع من التزوج فله المنع مثل ما يوجد عندنا الآن في الحكومة السعودية وفقها الله تمنع من التزوج بالأجانب إلا بشروط ترضاها وتوافق عليها، فإذا رأى ولي الأمر أن يمنع الناس من التزوج بالأجانب حتى ولو كن مسلمات لأمر يتعلق بمصالح البلد فله أن يفعل ذلك؛ لأن ولي الأمر إذا قلنا: إنك ما تفعل إلا شيئًا ما تأمر إلا بمأمور به ولا تنهى إلا عن منهي عنه بقيت سلطته عديمة التأثير، فلا بد أن يكون لولي الأمر شيء من النظر يمنع فيما يرى أن الحق في منعه أو يبيح ما يرى أن الحق في إباحته إذا لم يتعارض مع النص.

* طالب: شيخ، فإذا تقدمت المصلحة في نظام الحكم الشرعي؟ (...)

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English