Ибн УсейминАль‑Бакара · 2:234–237

Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:234–237, продолжение

﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ يعني أو إلا أن يعفو الذي بيده عقدة النكاح، فإن عفون أو عفا الذي بيده عقدة النكاح، فما الحكم؟ ننظر من هو مستثنى؟ ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، فإن عفوا فكل ما فرضتم، لكم ولَّا لهن؟

* الطلبة: لكم.

* الشيخ: نشوف، هذا ينبني على ما المراد بقوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، اختلف المفسرون في هذا والفقهاء أيضًا؛ فقال بعض أهل العلم: إن المراد بـ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ الزوج؛ لأنه هو الذي يملك العقد والطلاق، أرأيت لو قال الولي: زوجتك بنتي، فقال: (هونت ما أبغاها)، ينعقد النكاح؟

* الطلبة: لا.

* الشيخ: ما ينعقد، أليس كذلك؟

* الطلبة: بلى.

* الشيخ: ولو أنه انعقد وقال: قبلت، ثم قال: طلقت، ينفسخ النكاح؟

* طالب: لا ينفسخ.

* الشيخ: ينفسخ، زوجه، إذن من الذي بيده العقدة الآن؟ هو الزوج، وهذا واضح جدًّا أن الذي بيده عقدة النكاح الزوج، وقيل: إن الذي بيده عقدة النكاح الولي مطلقًا؛ لأنه هو الذي يعقد فيقول للزوج: زوجتك، فحينئذٍ يكون بيده العقدة، وقيل: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الأب خاصة بناء على القول بأن الأب يُجبر ابنته، فهو إن شاء عقد وإن شاء لم يعقد بخلاف الأولياء الآخرين لأنهم لا يعقدون إلا بإذن مولياتهم، فيكون الذي بيده عقدة النكاح هو الأب خاصة، إذن ففيها ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنه الزوج، الثاني: أنه الولي مطلقًا، الثالث: أنه الأب خاصة، ولكننا إذا رجعنا إلى ما يقتضيه اللفظ وجدنا أن القول الأول هو الصواب وأن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، أليس كذلك؟

وأيضًا إذا جعلناه هو الزوج فقد استفدنا من الآية فائدتين: الفائدة الأولى: العفو من جانب الزوجة، والفائدة الثانية: العفو من جانب الزوج. وإذا جعلنا الذي بيده عقدة النكاح هو الولي مطلقًا أو الأب صار العفو من جانب واحد. ثالثًا: إذا جعلناه الزوج صار الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ يعني فلكم الكل، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فلهن الكل، ولَّا لا؟ وإذا جعلناه الولي صار المعنى: إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فلكم الكل دون النساء، واضح؟ ودلالة الآية على المعنيين أوْلى من دلالتها على معنى واحد، فهذه ثلاثة أوجه تُرجح أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج مع كون اللفظ دالًّا عليه بنفسه دون مرجِّح؛ لأن الأولياء لو جاؤوا كلهم وقالوا: زوجناك أيها الرجل الحبيب الطيب الكريم العالم الشجاع نرغب في أن نزوجك، وجاءت الأم وبنتها وخالتها وعمتها وكل شيء وقالوا: زوجناك، فقال: لا أريد، أيش يكون؟ ما ينعقد، إذن الذي بيده العقدة حقيقة هو الزوج، ولا حاجة لمرجِّح ما دام اللفظ دالًّا عليه، وبناء على ذلك يكون الاستثناء، نعرف الآن الاستثناء: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فلكم الكل، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فلهن الكل، صح أوْ لا؟

* طالب: (...) كان.

* الشيخ: أقول: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ مستثنى من قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فلكم الكل ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فلهن الكل، تمام؟

يبقى إشكال فيما إذا كان الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح وأسقط حقه، فكيف نقول: إنه عفا مع أنه هو الْمُعفَى؟ نقول: نعم؛ لأن المفروض أن الزوج قد سلَّم المهر، فإذا سلم المهر بقي عند من؟ عند الزوجة، فإذن عفو الزوج معناه أن لا يطالبها بما قبضت، ولَّا لا؟ بما قبضت.

إذا كان نصف المهر مؤجلًا، فكيف يصح عفو الزوج في هذه الحال؟

* طالب: يعطي مرتين.

* الشيخ: لا، عفو الزوج؟

* طالب: يعطي النصف المؤجل.

* الشيخ: لا، يكون بناءً على الأغلب؛ لأن الآن قصدي أن الزوج يعفو، كيف يعفو وهو ما بعد صار في ذمة زوجته شيء؟ إلى الآن ما سلمها نصف المهر فكيف يصح أن يقول: إلا أن يعفو؟

نقول: إن الآية مبنية على الأغلب، وإنه كان ينبغي أن يكون الصداق معجلًا لا مؤجلًا.

* طالب: مقدم؟

* الشيخ: إي، معجل ومقدم؛ يعني لا مؤجلًا، وعلى هذا فيصح أن يكون الزوج عافيًا بمعنى أنه يسقط ما قبضته المرأة فلا يطالبها به.

وقوله: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ كلمة ﴿عُقْدَةُ﴾ ولم يقل: عَقْد، إشارة إلى أن النكاح ربط بين الزوجين، كما تربط العقدة بين أطرافي الحبل.

ثم قال: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ هذا أيضًا مما يرجح أن المراد به الزوج؛ ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾ أيها الأزواج، ولم يقل: وأن يعفون أقرب للتقوى، بل قال: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾؛ لأن الانكسار الآن من جانب من؟

* الطلبة: الزوجة.

* الشيخ: الزوجة، فإذا عفوت عن حقك أيها الزوج كان ذلك أقرب للتقوى وأجبر لخاطرها؛ لأنه قد يكون في قلبها شيء، لماذا يطلقها قبل أن يدخل بها؟ فقوله: ﴿أَنْ تَعْفُوا﴾ يعني عما تستحقون من المهر إذا طلقتم قبل الدخول، وهو ربعه.

* طالب: نصفه.

* الشيخ: ربعه ولَّا نصفه؟

* الطلبة: نصفه.

* الشيخ: متأكدون؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: وهو نصفه، إذا عفوتم عن ذلك فهو أقرب للتقوى.

وهنا قال: ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ولم يقل: فهو تقوى؛ لأن العفو ليس بواجب، لكن هذا يقربكم من التقوى ويكون وسيلة لكم إلى تقوى الله عز وجل فيما يجب تقواه به.

﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ الخطاب هنا ﴿لَا تَنْسَوُا﴾ هل هو خاص بالزوجين؛ الزوج مع الزوجة وأوليائها، أو هو عام؟

* طالب: عام.

* الشيخ: نقول: إن نظرنا إلى لفظه فهو عام، وإن نظرنا إلى سياقه فهو خاص، وإذا جعلناه خاصًّا بمقتضى السياق فإنه يكون عامًّا بالعموم المعنوي؛ لأن هذا التوجيه الكريم من الله عز وجل ليس خاصًّا بهؤلاء، كل الناس بيقول: لا تنسَ الفضل بينك وبين أخيك.

وقوله: ﴿لَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ﴿تَنْسَوُا﴾ هنا بمعنى: تتركوا؛ لأن النسيان يطلق بمعنى الترك، ويحتمل أن يكون بمعنى النسيان الذي هو الذهول، فيكون المعنى: لا تنشغلوا فيما بينكم مما يحصل بالفراق قبل الدخول، لا تنشغلوا عن نسيان الفضل؛ لأن الإنسان قد ينشغل بالشيء عن الشيء فينساه، فالنسيان إذن يحتمل أن يكون المراد به الترك، ويحتمل أن يكون به الذهول، وكلاهما وارد في اللغة العربية؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر ١٩] وقال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧] النسيان هنا بمعنى الترك، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] والنسيان هنا بمعنى الذهول، الذهول عن الشيء المعلوم.

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه ١١٥].

* الطلبة: يصلح (...).

* الشيخ: أيهم؟ يصلح هذا وهذا؟ إن قلنا: إن النسيان بمعنى الترك فلا إشكال، وإن قلنا: إن النسيان بمعنى الذهول احتجنا إلى جواب على: كيف يعاقبه الله عز وجل مع أنه نسي؟

والجواب على الإشكال الأخير ظاهر كما أجاب به أهل العلم فقالوا: إن عدم المؤاخذة بالنسيان من خصائص هذه الأمة وليس للأمم السابقين كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»[[ أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥) من حديث ابن عباس رضيالله عنهما.]].

هنا ﴿لَا تَنْسَوُا﴾ قلت: يحتمل أن يكون النسيان بمعنى الترك؛ يعني لا تتركوا الفضل بينكم، ويحتمل أن يكون بمعنى النسيان؛ لأن الإنسان في مثل هذه المقامات قد ينشغل فكره وينسى ما نُدب إليه من الفضل.

وقوله: ﴿الْفَضْلَ﴾ قيل: إنه بمعنى الإفضال؛ يعني لا تنسوا أن يُفضِل بعضكم على بعض ويعطيه من الفضل.

فهنا هل نقول للزوج: اعفُ ولا تترك نفسك من الإفضال على الزوجة، أو نقول للزوجة: أسقطي ولا تنسي الفضل بينك وبين الزوج، أو للجميع؟

* الطلبة: للجميع.

* الشيخ: للجميع بحسب الحال؛ قد يكون الزوج معذورًا في الطلاق قبل الدخول، وقد يكون فقيرًا والمرأة غنية فيكون مقتضى الحال أن يكون الإفضال من الزوجة على الزوج، وقد لا يكون هكذا فيكون الإفضال من الزوج على الزوجة.

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ختم الآية بهذا الاسم للتحذير من المخالفة؛ فإن الله بصير بكل ما نعمل.

وهل البصر: بصر العين الذي مقتضاه الرؤية، أو البصر: العِلم؛ فيشمل ما يُرى وما يُسمع وما يُعلم؟

* الطلبة: الأخير أشمل.

* الشيخ: نعم، الأخير أعم، والأول فيه احتمال أن المراد بصير بما نعمل بمعنى أنه يراه، لكن تعلمون أن هذا التفسير يقتضي حصر ذلك فيما يُرى فقط، والتفسير الثاني أعم، وإذا وُجد معنيان أحدهما أعم واللفظ محتمل له كان الأخذ به أولى لأنه أشمل.

يستفاد من الآية الكريمة: جواز الطلاق قبل المس مع تعيين المهر، وجهه: أن الله أقر هذه الحال وجعل لها أحكامًا، ولو كانت حرامًا ما أقرها ولا جعل لها أحكامًا.

وعلى هذا فيكون ارتباط الآية بما قبلها ظاهر؛ لأن الآية فيما إذا طُلقت قبل المسيس ولم يُسمَّ لها مهر، وهذه الآية فيما إذا طلقت قبل المسيس وسُمِّي لها مهر، كذا؟

وإن طلقت بعد المسيس؟ إن سُمِّي لها مهر فلها المهر، وإلا فلها المتعة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن تعيين المهر إلى الزوج لا إلى الزوجة؛ لقوله: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ﴾، فلو تنازع الزوجان فقالت الزوجة للزوج: أعطني ما شئت، وقال الزوج لها: افرضي ما شئتِ، تحجه بهذا وتقول: أنت اللي موكل لك الأمر. نعم، تحجه تقول له: أنت الذي لك الفرض. ولكن إذا أبت بما فرض؟

* الطلبة: ليس لها.

* الشيخ: ليس لها ذلك؟ لا، لها ذلك، ما يمكن نجبرها بمهر لا ترضاه.

* طالب: شيخ، (...) الآية ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾.

* الشيخ: إي نعم، لكن إذا فرض لها عشرة آلاف قالت: ما يكفي؟

* طالب: يعني قبل عقدها؟ قبل العقد؟

* الشيخ: قبل قبل، إي، قبل العقد هي بالخيار.

* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب نصف المهر إذا طلقها قبل الدخول وقد فرض لها مهرًا؛ لقوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾.

* ومن فوائدها: جواز إسقاط المرأة المهر عن الزوج أو بعضه؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾.

ومن فوائده: جواز تصرف المرأة في مالها؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، ولكن هذا مشروط بما إذا كانت بالغة عاقلة رشيدة كما تدل عليه آيات أخرى، فإن لم تكن كذلك فلا تملك هذا.

وهل نقول: عمومه يقتضي جواز عفوها وإن كانت مدينة لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾؟

* طالب: لا يملك الحق (...).

* الشيخ: أو نقول: إذا كانت مدينة فليس لها أن تعفو، فالآية ظاهرها العموم ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ وليس هذا معاوضة حتى نقول: إن هذه المرأة أخذت من مالها ما يضر بالغرماء، بل هذا عِوض جديد مقابل باستمتاع الرجل بالزوجة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز عفو الزوج عما يبقى له من المهر إذا طلق قبل الدخول؛ لقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فإن قلنا: إنه الولي مطلقًا أو الأب صار عندنا إشكال، ما هو؟

هو أن الولي لا يملك التبرع ولا الإسقاط لمال موليه، انتبه للقاعدة، الولي سواء كان وليًّا على مال يتيم أو على مال سفيه لا يملك التبرع ولا الإسقاط؛ لأن ذلك ليس من حظ اليتيم أو السفيه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام ١٥٢]، ولهذا المسألة مشكلة من الناحية المالية على قول من يقول: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي مطلقًا، ليش؟

لأن الولي لا يملك العفو عما استحقته موليته، أفهمتم؟ أما إذا كان الأب فالأب فيه خلاف، هل يملك إسقاط الدَّين الذي لولده أو لا يملكه؟

فمن أهل العلم من قال: يملك إسقاط الدَّين الذي لولده، ومنهم من قال: لا يملك، والراجح أنه يملك؛ لأنه إذا كان يملك تملُّك العين الذي في يد الولد فله أن يملك إسقاط الدَّين الذي له من باب أولى؛ لأن تعلق نفس الولد بالمال الذي بيده أقوى من تعلقها بالدَّين، فإذا كان يملك يأخذ ماله من بين يديه فله أن يُسقط دينه عمن هو عليه، وعلى هذا لا إشكال إذا قلنا بأن الذي بيده عقدة النكاح هو الأب، لكن سبق لنا أن هذا قول ضعيف، وعلى هذا فتنزع هذه الفائدة؛ لأنها مبنية على قول مرجوح (...) حتى مع الدَّين، الآية قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ ظاهرها جواز العفو حتى مع الدَّين؛ يعني حتى ولو كان على الإنسان دين فإنه يجوز أن يعفو، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، اختلف العلماء في جواز تبرع الإنسان في ماله أو بشيء من ماله إذا كان عليه دَين يستغرق؛ فالمشهور من مذهبنا مذهب الحنابلة أنه يجوز أن يتبرع الإنسان بشيء من ماله وإن كان عليه دَين يستغرق ما لم يُحجر عليه، فإن حُجِر عليه فإن التصرف ممنوع كما هو ظاهر، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يصح تبرعه بشيء من ماله مع الدَّين المستغرق لتعلق حق الغرماء به، وقوله هو الصواب وأنه لا يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من ماله (...).

من المعلوم أن الواجب أهم من التطوع، وإذا كان بعض أهل العلم يُسقِط الزكاة الواجبة في المال إذا كان على الإنسان دين مع وجوب الزكاة، فالتبرع من باب أولى؛ لأن الواجب لا يسقط إلا إذا كان التصرف محرمًا، وعلى هذا فيكون حتى على قاعدة المذهب لا يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من ماله مع دين يستغرق، ولكن قد يقال: إنه يُعفى عن الشيء اليسير الزهيد كالدرهم والدرهمين؛ لأن كثيرًا من الناس اليوم عليهم ديون أكثر مما في أيديهم من الأموال ويأتي السائل فيعطونه الدرهم والدرهمين وما أشبه ذلك، فهل نقول: إنهم آثمون؟ في القلب من هذا شيء، ولكن لا شك أنهم مخطئون وأن تصرفهم هذا غير سليم؛ هذا الدرهم الذي تعطيه لهذا السائل أعطِه نفسك أولًا لأنك محتاج، فإذا أوفيت دينك فبعد هذا تصدق بما شئت؛ «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ»[[أخرجه مسلم (٩٩٧ / ٤١) من حديث جابر.]] كما قال النبي عليه الصلاة والسلام قبل كل شيء، قد يقول: هذا درهم أو درهمين ما هو بنافع ولا هو بضار، نقول له: ما تقول في قطرات الماء ينزل من السماء هل تسيل به الأودية؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: وهي قطرة واحدة، هذا الدرهم وفره اليوم والدرهم الثاني وفره غدًا، وتوفر في السنة ثلاث مئة وأربعة وخمسين درهمًا، نِعمة، فعلى هذا نقول: إنه من الحكمة والعقل والدين أن الإنسان الذي عليه دَين يستغرق يجمع ما يُحصّل في قضاء دينه.

يستفاد من الآية الكريمة: أن النكاح من العقود؛ لقوله: ﴿عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾.

ويترتب على هذه الفائدة: جواز التوكيل فيه؛ «لأن النبي ﷺ وكّل في العقود عروة بن الجَعْد، وكَّله في شراء أضحية له »[[أخرجه البخاري (٣٦٤٢) من حديث عروة بن الجعد.]]، فيجوز أن يوكل الإنسان من يتزوج له، ولكن كيف يكون عقد النكاح إذا كان الإنسان وكيلًا للزوج، هل يقول الولي له: زوجتُك بنتي، فيقول: قبلت؟

* طالب: لا.

* الشيخ: لا، ما يصلح. هل يقول: زوجت موكلك بنتي فيقول: قبلت لموكلي؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: لا.

* طالب: يُعيِّنه.

* الشيخ: لازم يعيّنه، يقول: زوجت موكلك فلانًا ابنتي فلانة، فيقول: قبلت النكاح لموكلي، وهذه المسألة كلمة: لموكلي، يرى بعض الفقهاء أنه يجب أن يقول: لموكلي، وبعض العلماء يقول: لا يجب اكتفاءً بالإيجاب، ويش هو الإيجاب؟ الإيجاب هو اللفظ الصادر من الولي أو من يقوم مقامه، والقبول هو اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه، فإذا قال: زوّجت ابنتي فلانة موكلك فلانًا فقال: قبلت، يعني؟ أقول: يعني لمن؟

* طالب: قبلت لموكلي.

* الشيخ: لموكلي، لكن ذكر الموكل في القبول أولى، يقول: قبلت لموكلي فلان، واضح؟

إذا كان الولي هو الذي وكّل فكيف يقول؟ يقول: زوجتك بنت موكلي فلانٍ فلانةَ.

* طالب: أو وليها، يعني يكون لها ولي؟

* الشيخ: فلانةَ، فيقول ذاك الزوج: قبلت، ولَّا لا؟

طيب، هل يثبت لهذا العقد ما يثبت لعقد البيع من الخيار؛ خيار المجلس أو خيار الشرط؟

* الطلبة: لا.

* الشيخ: خيار المجلس لا يثبت؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٧٩) ومسلم (١٥٣٢ / ٤٧) من حديث حكيم بن حزام. ]]، ولا يصح قياس النكاح على البيع؛ لأن النكاح غالبًا إنما يصدر بعد تروٍّ دقيق ونظر وبحث، بخلاف البيع فقد يصدر عن عجلة وعن حرص على الربح بدون أن يتروَّى الإنسان، واحتياط الإنسان لعقد النكاح أشد من احتياطه للبيع، وهذا ظاهر؛ لأن البيع يقول: إذا ما جازت لي أرجع، أبيعها، لكن المشكلة الزوجة، ولهذا ليس فيه خيار مجلس -أعني النكاح- لكن هل فيه خيار شرط؟

* طالب: لا، ما فيه.

* طالب: فيه شرط.

* الشيخ: المذهب لا خيارَ فيه، ليس فيه خيار الشرط، واختار شيخ الإسلام أنه يجوز خيار الشرط في النكاح لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٢١) ومسلم (١٤١٨ / ٦٣)، واللفظ للبخاري، من حديث عقبة بن عامر.]]. وعندي أن خيار الشرط بالنسبة للزوج غير وارد، ليش؟ لأن النكاح في حقه جائز متى شاء طلق، ولَّا لا؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: إذن هو في غِنى عن الشرط، لكن الزوجة هي التي تحتاج إلى الشرط، والصحيح أنه جائز، فيقول: زوجتك ابنتي بشرط الخيار لمدة سنة، كذا؟ الخيار لها، العقد تام الآن، لكن لها الخيار إذا شاءت أن ترد العقد، أو ما يقع كثيرًا بشرط الخيار لها في جلوسها مع أهلك؛ لأن بعض الناس قد يكون أهله عندهم سوء عِشرة، ويزوجوه منه (...) بيقولون: بشرط أنه إذا لم يطب لها المقام مع أهلك فلها الخيار، فالمهم أن العلماء مختلفون في خيار الشرط في النكاح؛ المذهب: لا يصح، واختار شيخ الإسلام أن ذلك صحيح، وهو مستفاد من كلمة ﴿عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: استحباب أو الحث، أو بعبارة أصح: الترغيب في العفو، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وهذا شامل لكون العفو نفسه مقرِّبًا للتقوى، ولكون العفو أيضًا سببًا للتقوى؛ فالإنسان الذي يعفو عن عباد الله يعفو الله عنه، وإذا عفا الله عنك فإن ذلك يكون سببًا بتقواك الله عز وجل؛ لأن مدار التقوى على الإيمان، وكلما عفا الإنسان عن عباد الله مبتغيًا بذلك وجه الله ازداد إيمانه فازدادت تقواه.

هل يستفاد من هذه الآية: أن الأعمال تتفاضل؟

* الطلبة: نعم، ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.

* الشيخ: نعم، لكن هل يستفاد منها أن الأعمال تتفاضل؟

* الطلبة: نعم، هذه واضحة.

* طالب: الذي يعفو أفضل من الذي ليس يعفو، لفظ تفضيل ﴿أَقْرَبُ﴾، ﴿أَقْرَبُ﴾ لفظ تفضيل.

* الشيخ: إي نعم، هذه نعم يستفاد منها أن الناس يختلفون في القرب من التقوى، لكن هل يفيد أن الأعمال بعضها أفضل من بعض، أو يفيد أن الإيمان بعضه أعلى من بعض؟ هذا هو الظاهر، كلما ازداد الإنسان إيمانًا ازداد تقوى، وكلما كان إلى التقوى أقرب كان إلى الإيمان أقرب. إذن فيُستفاد منه أن الناس يتفاضلون في الإيمان، وهذا هو القول الراجح بلا شك، والذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، هل الذي يزيد وينقص هو إقرار القلب، أو قول اللسان، أو عمل الجوارح؟

* الطلبة: الكل.

* الشيخ: الكل، إقرار القلب يزيد بلا شك يتفاضل، وأقوال اللسان تتفاضل، وأفعال الجوارح تتفاضل، كذا؟ أما تفاضل أعمال الجوارح فظاهر؛ فالمصلي أربع ركعات أزيد من المصلي ركعتين، وأقوال اللسان كذلك؛ فالذاكر اللهَ عشر مرات أفضل من الذاكره خمس مرات، لكن كيف يتفاضل الإيمان في القلب؟

نقول: نعم، يتفاضل؛ لأن زيادة اليقين لها سبب، ولَّا لا؟ فإذن كلما ازداد اليقين كان أقوى في الإيمان وهو يتفاضل، أنا عندما يخبرني رجل ثقة في خبر ويكون عندي شيء من العلم، إذا أخبرني آخر بهذا الخبر ازداد علمي ولَّا لا؟

* طلبة: ازداد علمي.

* الشيخ: ازداد علمي ويقيني، وهكذا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر ٣١] فالزيادة ثابتة في القرآن.

بعض العلماء يقول: أثبت الزيادة ولا تُثبت النقص، ما قولكم في هذا؟

* الطلبة: ما يستقيم.

* الشيخ: هذا غير صحيح، ليش؟

* الطلبة: لا زيادة إلا بنقص.

* الشيخ: لا زيادة إلا بنقص؛ إذ إن الزيادة يقابلها النقص، فمثلًا إذا قلنا: هذا زائد على هذا لزم أن يكون الثاني المزيد عليه ناقصًا، ولهذا الصواب أنهما متلازمان.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن لا ينسى الفضل مع إخوانه في معاملته؛ لقوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ لا تنسَ أن يكون لك الفضل عليهم، ولهذا جاء في الحديث: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا قَضَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى»[[أخرجه البخاري (٢٠٧٦) بلفظ: «رَحِمَ اللَّهُ رجلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وإذا اقْتَضَى» من حديث جابر .]] (...).

فإن هذا فيه من حسن المعاملة ما هو ظاهر، والدين الإسلامي يحث على حسن المعاملة، وعلى حسن الخلق، وعلى البر كله.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إحاطة عِلم الله تعالى وبصره بكل شيء مما نعمله؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن فيها ترغيبًا في العمل الصالح وترهيبًا من العمل السيئ؛ لأن ختم الآية بهذه الجملة معناه: احرصوا على العمل الصالح فإنه لن يضيع، واحذروا من العمل السيئ فإنكم تجازون عليه؛ لأن الكل معلوم عند الله سبحانه وتعالى.

* الطالب: قلتم يا شيخ إن خيار الشرط غير وارد للزوج؟

* الشيخ: إي نعم.

* الطالب: بالنسبة للمهر الذي دفعه للزوجة لو اشترط يعني يعود إليه المهر، أما إذا لم يشترط لا يعود؟

* الشيخ: لو كان يعود عليه المهر كان صحيح يستفيد من الشرط، لكن الظاهر أنه ما يعود عليه المهر لعموم الحديث ذكرناه، لها المهر بما استحل من فرجها.

* الطالب: إذن ما صار (...).

* الشيخ: ولهذا هو الحقيقة مشكلة، إلا إذا قلنا بأنه يعود، لكن العلماء كلهم يكادون مُطبقين على أنه يستقر المهر بالدخول.

* الطالب: إذن ما صار (...).

* الشيخ: هو هذا اللي (...)، والشيخ صرح رحمه الله بأنه يجوز شرط الخيار لهما أو لأحدهما، فبالنسبة للزوجة ظاهر، بالنسبة للزوج ما له مصلحة إلا مثل ما قلت، إذا قلنا: بأنه يعود عليه المهر، أو إذا قلنا: بأنه يعود عليه نصف المهر قبل الدخول، وإلا فالفائدة قليلة.

* طالب: والزوجة يعود لها أيش؟ الزوجة يعود لها؟

* الشيخ: كيف؟

* الطالب: إذا اختارت الطلاق في ها السنة هذه، اختارت الفراق مع (...) يعود لها المهر؟

* الشيخ: المهر لها ثابت.

* الطالب: ثابت؟

* الشيخ: ثابت بالدخول.

* الطالب: ما يدخل فيه يعني الإجحاف؟

* الشيخ: هو اللي اشترط، هو الذي رضي بذلك.

* الطالب: لكن ربما تختار الفراق ثم يطيب لها المقام يعني؟

* الشيخ: لا، كيف ما دام اشترط لها إلا إذا قالت الشرط عيّنته، إذا لم تستقم الحال مع أهلك، وهذا هو الأحسن يعني كونه يكون شرطًا مطلقًا حتى في النفس منها شيء؛ لأنه قد يكون شبيهًا بنكاح المتعة، فالأوْلى أن يقيد هذا الرأي بكونه تشترط المرأة الخيار في شيء لها فيه غرض كسوء العشرة منه أو من أهله.

* الطالب: ولا يجوز أنه يقول: إن اخترتِ الفراق يرجع المهر؟

* الشيخ: لا، ما يجوز؛ لأنه خلاف الشرع، إذا دخل بها فلها المهر (...).

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English