Ибн УсейминАль‑Бакара · 2:255

Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:255

2:255Страница 42

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ ٢٥٥

Аллах - нет божества, кроме Него, Живого, Вседержителя. Им не овладевают ни дремота, ни сон. Ему принадлежит то, что на небесах, и то, что на земле. Кто станет заступаться перед Ним без Его дозволения? Он знает их будущее и прошлое. Они постигают из Его знания только то, что Он пожелает. Его Престол (Подножие Трона) объемлет небеса и землю, и не тяготит Его оберегание их. Он - Возвышенный, Великий.

ما هي فضيلة هذه الآية؟ عن أبي موسى، عن النبي ﷺ أنه قال: «حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، فَقَالَ:«إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٣) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، يعني: لأحرق سُبحات وجهه كل شيء؛ لأن بصره ينتهي إلى كل شيء.

أعيد الحديث مرة ثانية: «إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»، سبحات البهاء والنور والجلال العظمة.

مرة ثالثة حتى تردوه عليّ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، وَعَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» من يعيده عليَّ؟

* طالب: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ».

* الشيخ: هذا الحديث حديث عظيم، فيه من صفات الله سبحانه وتعالى هذه الصفات العظيمة، الشاهد منه قوله: «إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ»، يعني: لا ينام اختيارًا، ولا ينبغي له أن ينام، وقد قلنا فيما سبق إن كلمة لا ينبغي في القرآن والسنة معناه الممتنع، يعني يمتنع عليه النوم، لأيش؟ لأن النوم نقص، فإن الحي من البشر وغير البشر أيضًا يحتاج إلى النوم لأجل أن يستريح من التعب السابق، ويستجد النشاط للعمل اللاحق، وهذا دليل على نقصه؛ حيث يحتاج إلى أن يستريح مما سبق ويستجد لما يلحق؛ ولهذا كان أهل الجنة لا ينامون لكمال حياتهم.

وقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ هو من الصفات السلبية، وقد مر علينا قاعدة في أسماء الله وصفاته بأنه لا يوجد في صفات الله تعالى صفة سلبية محضة، بل إنما تذكر الصفات السلبية لكمال ضدها، فلكمال حياته وكمال قيوميته لا تأخذه سنة ولا نوم؛ لأن حياته كاملة، وقيوميته كاملة، لو أنه الله سبحانه وتعالى نام- وحاشاه أن ينام- من يدبر الخلق في حال نومه؟! وما دام سبحانه وتعالى يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، عمل كل أحد، عمل الليل يرفع إليه قبل أن يأتي عمل النهار، فيحيط به علمًا جل وعلا، وكذلك بالعكس لو أنه جل وعلا نام لكان ذلك نقصًا في قيوميته أيضًا؛ فلهذا نقول: هذه الصفة السلبية لكمال أيش؟ حياته وقيوميته.

ثم قال في الجملة الثالثة: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الجملة هنا خبرية تقدم فيها الخبر وهو قوله: ﴿لَهُ﴾، وما اسم موصول مبتدأ مؤخر، واسم الموصول من صيغ العموم، وعبر بما ليشمل الأعيان والأحوال، ومعلوم أننا إذا نظرنا إلى الأعيان والأحوال وجدنا أن تغليب ما على من أولى؛ لأن الأعيان والأحوال أكثر من الأعيان العاقلة فقط، فالتغليب هنا لا من أجل أن غير العاقل في السماوات أكثر من العاقل؛ لأن هذا لا يمكننا أن نجزم به، فإن الملائكة قد ملؤوا السماوات، والسماوات أكبر من الأرض بكثير جدًّا: «مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِعَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَّا وَفِيهَا مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠) من حديث أبي ذر.]]، «وَالبَيْتُ الْمَعْمُورُ يَطُوفُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آَخِرَ مَا عَلَيْهِم»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٠٧) من حديث مالك بن صعصة، ومسلم (١٦٢ / ٢٥٩) من حديث أنس بن مالك، وليس فيه لفظة: يطوف.]]، متى كانت الدنيا؟ من ملايين السنين، والمستقبل الله أعلم به، هؤلاء كل يوم سبعون ألف ملك ولا يعودون إليه، معناه: أن الملائكة عدد لا يحصيهم إلا الله عز وجل، فلا يمكننا أن نقول: إن غير العاقل أكثر من العاقل، لكننا نقول: غُلِّبت ما على من؛ لأن ما تشمل الأعيان والأحوال، ويش معنى الأعيان والأحوال؟ الأحوال: التصرف في هذه الكائنات، فالله له ما في السماوات وما في الأرض خلقًا وملكًا وتدبيرًا؛ ولهذا جاءت ما.

وإذا قُصدت الأحوال أتي بما حتى في العاقل، قال الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣] ولم يقل: مَنْ؛ لأن المرأة تنكح لحالها ولوصفها لا لشخصها؛ ولهذا جاء بما دون مَنْ، انتبه لهذه الفائدة.

إذن ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ خلقًا وملكًا وتدبيرًا، وهنا في الآية حصر، طريقه؟ تقديم الخبر؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، فله وحده ما في السماوات والأرض، وإذا كان له ما في السماوات والأرض خلقًا وملكًا وتدبيرًا، فإن الواجب أن نخضع له؛ لأننا عبيده، والعبد يجب أن يخضع لسيده ومالكه سبحانه وتعالى.

وكذلك أيضًا يجب أن نصبر لقضائه؛ لأنه ملكه، وما كان ملكًا لله عز وجل، فله أن يتصرف فيه كما شاء، سواء كان هذا القضاء مما يتعلق بالإنسان بشخصه، أو يتعلق بأهله، أو يتعلق بماله، أو يتعلق بأصحابه، أو يتعلق ببلده، أو بسائر الناس، المهم ما دام الملك ليس لنا لله، فله أن يفعل ما يشاء.

﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ السماوات جُمعت والأرض أُفردت، لكنها بمعنى الجمع؛ لأن المراد بها أيش؟

* الطلبة: الجنس.

* الشيخ: الجنس.

الجملة الرابعة ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام، و﴿ذَا﴾ زائدة ملغاة، و﴿الَّذِي﴾ اسم موصول خبر من، يعني ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام مبتدأ، و﴿الَّذِي﴾ خبره، والمراد بالاستفهام هنا النفي، بدليل الإثبات بعده، حيث قال: ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.

و﴿يَشْفَعُ﴾ الشفاعة هي -في اللغة- جعل الفرد أيش؟ شِفْعًا، يعني: واحد تحط عليه واحد تقول: شفعته، وفي الاصطلاح: التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة، فإذا جاء واحد وقال: سَكِّر المكيف، فهذا شفاعة أيش؟

* طالب: دفع مضرة.

* الشيخ: لدفع مضرة. وإذا جاء واحد في الحر وقال: افتح المكيف، هذا جلب منفعة، وكل هذا يسمى: شفاعة.

شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام في أهل الموقف أن يقضى بينهم بعد أن يلحقهم من الهم والغم ما لا يطيقون، هذا لأيش؟

* الطلبة: لدفع مضرة.

* الشيخ: لدفع مضرة، وشفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة؟

* الطلبة: لجلب منفعة.

* الشيخ: لجلب منفعة.

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ أي: عند الرب عز وجل، ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ إلا بإذنه الكوني، يعني: إلا إذا أذن في هذه الشفاعة، حتى أعظم الناس جاهًا عند الله لا يشفع إلا بإذن الله، النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة لا يشفع هكذا يذهب إلى الله ويشفع أبدًا، «حتى يسجد ويحمد الله عز وجل بمحامد عظيمة تُفتح عليه في ذلك الوقت، ثم يقال له:«ارفع رأسك، وقل تُسمع، واشفع تشفع»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٤٤٠)، ومسلم (١٩٣ / ٣٢٢) من حديث أنس بن مالك واللفظ للبخاري.]]، ولا أحد أعظم جاهًا عند الله من الرسول ﷺ، ومع ذلك لا يشفع إلا بإذن الله، لأيش؟ لكمال سلطانه جل وعلا، لكمال سلطانه وهيبته لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه، وكلما كمل السلطان صار أهيب للملك وأعظم، حتى إن الناس لا يتكلمون في مجلسه إلا إذا تكلم.

وانظر وصف رسول قريش النبي ﷺ مع أصحابه حيث وصفهم بأنه إذا تكلم سكتوا، كل ذلك من باب التعظيم، وتجد الملك إذا كان ذا هيبة بين رعيته لا أحد يستطيع يتقدم أو يتكلم في مجلسه وهو حاضر؛ لقوة سلطانه.

وتجد الإنسان اللي ما له هيبة الناس يتكلمون ويضحكون ويخبطون بأيديهم، وربما يتضاربون وهو عندهم لا يكلمونه، وهذا واقع، تجد بعض الناس الآن يدخل مدرسًا على الفصل ويسلم: السلام عليكم، وتجد كل طالب يتكلم مع صاحبه وزميله ما يهمه سلّم ولا ما سلم، باسم الله نبدأ نكتب بالسبورة، وهذا يلعب وهذا يخبط الدفتر وهذا يضرب صاحبه، لكن إذا دخل المهيب؟

* طالب: سكتوا.

* الشيخ: يسكتون، وإذا سلّم ردوا عليه السلام، وما من أحد يخرج بدون استئذان، إي نعم.

فالله عز وجل لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه لماذا؟

* الطلبة: لكمال سلطانه.

* الشيخ: لكمال سلطانه، وقد بين الله عز وجل أنه لا يأذن بالشفاعة إلا لمن رضي له قولًا، وإلا لمن ارتضى أن يشفع له، فلا بد من رضا الله عنه: الشافع وعن المشفوع له؛ ولذلك آلهة المشركين لا تشفع لهم عند الله؛ لأن الله تعالى لا يرتضيها، والمشركون لا يشفع لهم الرسل والأنبياء والصالحون؛ لأن هؤلاء المشركين غير مرضيين عند الله.

ثم قال الله عز وجل -وهي الجملة السادسة-: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ﴿يَعْلَمُ﴾ يعني: الله عز وجل، والعلم عند الأصوليين هو: إدراك الشيء إدراكًا جازمًا مطابقًا، فعدم الإدراك: جهل، والإدراك على وجه لا جزم فيه: شك، والإدراك على وجه جازم غير مطابق؟

* طالب: وهم.

* الشيخ: لا، جهل مركب، جهل مركب، فالعلم إذن ما هو؟ ما هو العلم؟

* طالب: العلم.. عن أي شيء؟

* الشيخ: العلم هو إدراك الشيء إدراكًا جازمًا مطابقًا، كذا؟

لو سألني سائل: متى كانت غزوة بدر؟ قلت: لا أدري، علم ولا جهل؟

* طالب: جهل بسيط.

* الشيخ: هذا جهل، وسألني آخر فقال: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: إما في الثانية أو في الثالثة، لا أدري؟

* طالب: شك.

* الشيخ: شك، وسألني ثالث فقال: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: في السنة الخامسة جازمًا، هذا أيضًا غير علم، لكن جهل مُركب.

الله عز وجل يعلم الأشياء علما تامًّا، ليس فيه جهل بوجه من الوجه، بل إن علمه ليس كعلم العباد؛ ولذلك اسمع: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ المستقبل، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الماضي، ولا يخفى علينا كلمة ما في قوله: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ وأنها من صيغ العموم، فهي شاملة لكل شيء، سواء كان دقيقًا أم جليلًا، وسواء كان من أفعال الله أم من أفعال العباد.

﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ علمه ما بين أيديهم يقتضي أنه لا يجهل المستقبل، وعلمه لما خلفهم يقتضي أنه لا ينسى الماضي؛ ولهذا لما قال فرعون لموسى: ﴿مَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥٢] ﴿لَا يَضِلُّ﴾ في المستقبل ولا يجهله عز وجل، ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ الماضي، فهو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، وسيأتي إن شاء الله فوائد الآية؛ لأن الآية فيها فوائد عظيمة جدًّا، يتبين أنها أعظم آية في كتاب الله إذا عرفنا فوائدها إن شاء الله تعالى.

قال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ﴾ هذه سابعة أظن؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ ﴿لَا يُحِيطُونَ﴾ الضمير يعود على ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، أو على الهاء في: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: لا يحيط هؤلاء الذين علم الله ما بين أيديهم وما خلفهم بالنسبة لهم لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، فبيّن كمال علمه ونقص علمهم، انتبه.

وهكذا يقرن الله أحيانًا بين صفته وصفة العباد، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن ٢٦، ٢٧] ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ فهو عالم بأحوالهم الماضية والمستقبلة، أما هم أيش؟

* الطلبة: لا يحيطون.

* الشيخ: فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء.

قال: ﴿بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ علم هنا مصدر، فهل هو على بابه، أو هو بمعنى معلوم؟ أي: من معلومه، أي: لا يحيطون بشيء مما يعلمه الله إلا بما شاء أن يعلمهم إياه، هذا احتمال.

احتمال ثاني: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ أي: من علمهم نفسه وصفاته، علمهم هم إياه، يعني: أنهم لا يحيطون بشيء يعلمونه في نفس الله أو في صفاته إلا بما شاء، كما قال تعالى في سورة طه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ به هو ﴿عِلْمًا﴾ [طه ١١٠]، فالآية هنا محتملة للمعنيين جميعًا، وكلاهما صحيح باعتبار الآية، فنحن لا نعلم شيئًا من ذات الله أو صفاته إلا بما شاء، بما علّمنا به، ما الذي يدرينا أنه استوى على العرش؟

* الطلبة: الله.

* الشيخ: الله، ما الذي يدرينا أنه ينزل إلى السماء الدنيا؟

* الطلبة: الله.

* الشيخ: الله على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام، وهكذا بقية صفاته لا نعلمها إلا بما شاء من عنده هو، كذلك أيضًا معلوماته التي يعلمها في السماوات وفي الأرض، ما نعلمها إلا بما شاء، ما الذي يُعلمنا أن هناك ملائكة؟

* الطلبة: الله.

* الشيخ: الله عز وجل، وما الذي يعلمنا أن هناك سبع سماوات؟ الله.

وهكذا بقية المعلومات ما نحيط بها علمًا إلا بما شاء، حتى المعلومات التي بين أيدينا يجهلنا كثير منا، إلا إذا شاء أن نصل إلى علمها، في الإنسان أشياء في جسمه لم يصلوا إليها حتى الآن، ما وصلوا إليها، وكانوا يصلون إليها شيئًا فشيئًا، يعني: تقدم الناس الآن في العلم في تكوين خلقة الإنسان وما في جسمه وجسده لا يزال يترقى شيئًا فشيئًا إلى يومنا هذا وسيترقى، مع أن هناك أشياء ما وصلوا إليها حتى الآن في جسم الإنسان، خلايا في جسمه ما وصلوا إليها الآن، ولا عرفوا كيف تركيبها، وهناك أيضًا آفات وعاهات يتصف بها هذا البدن إلى الآن لم يصلوا إليها، فصارت الآية شاملة للمعنيين جميعًا: فنحن لا نحيط بشيء مما يعلمه الله حتى فيما يتعلق بنا أنفسنا إلا بما شاء، كما أننا لا نحيط بشيء مما يتعلق بذاته وصفاته إلا بما شاء (...).

قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ هو استثناء، بدلٌ من قوله: ﴿شَيْء﴾، لكنه بإعادة العامل، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ﴾ ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، فهو إذن بدل لكن بإعادة العامل وهي الباء.

وقوله: ﴿بِمَا شَاءَ﴾ ما يحتمل أن تكون مصدرية، أي: إلا بمشيئته، ويحتمل أن تكون اسمًا موصولًا، أي: بالذي شاءه، وعلى التقدير الثاني يكون العائد محذوفًا، تقديره: إلا بما شاءه، فما شاء الله عز وجل أن يعلمه الخلق أعلمهم إياه سواء كان ذلك فيما يتعلق بذاته أو بأسمائه أو صفاته أو أفعاله، أو مخلوقاته التي هي المفعولات، أو مشروعاته التي أوحاها الله تعالى إلى رسله.

ثم قال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ﴿وَسِعَ﴾ بمعنى شمل وأحاط، كما يقول القائل: وسعني المكان، أي: شملني وأحاط بي، والكرسي هو موضع قدمي الله عز وجل وهو بين يدي العرش كالمقدَّمة له، وقد صح ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفًا[[أخرجه الحاكم في المستدرك (٣١٥٣) من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس.]]، وهل له حكم الرفع؟ لولا أن ابن عباس رضي الله عنهما ممن قيل عنه: إنه يأخذ عن الإسرائيليات لقلنا: إن له حكم الرفع؛ لأن هذا من علم الغيب، وعلم الغيب لا مجال للاجتهاد فيه، والصحابي إذا قال قولًا لا مجال للاجتهاد فيه، أو فعل فعلًا لا مجال للاجتهاد فيه، فإن له حكم الرفع إلا أنه إذا كان من باب الإخبار، أو بالأحرى إلا أنه إذا كان من باب الأخبار، فإن الصحابي إذا عرف بالأخذ عن بني إسرائيل، فإنه لا يحكم له بالرفع، لماذا؟ لاحتمال أن يكون مما تلقاه عن بني إسرائيل، والعلماء يتحرون غاية التحري فيما يُنسب إلى النبي ﷺ، فلا يحكمون بالشيء إلا مع انتفاء جميع الاحتمالات، أي: لا يحكمون بالرفع، إلا مع انتفاء جميع الاحتمالات التي يمكن أن تحول بينهم وبين الحكم بالرفع.

على كلٍّ: أهل السُّنة والجماعة -عامتهم- على أن الكرسي موضع قدمي الله عز وجل، وبهذا جزم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم من أهل العلم وأئمة التحقيق.

وقد قيل: إن الكرسي هو العرش، ولكن ليس بصحيح، فإن العرش أعظم وأوسع وأبلغ إحاطة من الكرسي. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما «أَنَّ كُرْسِيَهُ عِلْمُهُ »[[أخرجه الطبري في التفسير (٥٧٨٧) من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس.]]، ولكن هذه الرواية لا أظنها تصح عن ابن عباس؛ لأن ذلك ليس معنى لهذه الكلمة في اللغة العربية ولا في اللغة العرفية، فهو بعيد جدًّا من أن يصح عن ابن عباس رضي الله عنهما.

الكرسي موضع القدمين، وقد جاء الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ بِالنِّسْبَةِ لِلْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الْحَلْقَةِ»[[أخرجه ابن حبان في صحيحه (٣٦١) من حديث أبي ذر.]]، وهذا يدل على سعة هذه المخلوقات العظيمة التي هي بالنسبة لنا من عالم الغيب؛ ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق ٦]، ولم يقل: أفلم يروا إلى الكرسي أو إلى العرش؛ لأن ذلك ليس مرئيًّا لنا، ولولا أن الله أخبرنا به ما علمنا به.

وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ هذا يؤيد ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من المحققين من أن السماوات والأرَضين كلها كروية الشكل؛ لأن هذا أمر معلوم بالحس، وكذلك معلوم بالخبر، وإن كان علمه بالخبر قد خفي على كثير من الناس السابقين، لكنه في الواقع واضح، أن هذه المخلوقات كروية الشكل، ودليل ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق ١ - ٣] وهذا متى؟

* الطلبة: يوم القيامة.

* الشيخ: يوم القيامة، فقوله: ﴿إِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ يقتضي أنها الآن غير ممدودة، وكذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّهَا تُمَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَدَّ الْأَدِيمِ»[[أخرجه ابن ماجه في سننه (٤٠٨١) من حديث ابن مسعود.]]، وهذا من باب التأكيد، الأديم يعني: الجلد، يعني، كما يمد الجلد فتكون سطحًا واحدًا، ومن الدليل أيضًا قوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر ٥]، والتكوير بمعنى التدوير، ومنه قولنا: أكوار العمامة؛ لأنها تدور.

ونحن نعلم أن الليل والنهار يتعاقبان على الأرض، فإذا كانا يتعاقبان على الأرض لزم من ذلك أن تكون الأرض كروية؛ لأنه لا يُكوّر الشيء على كورة، وهذا أمر مشاهَد أنها كروية الآن.

إذا كان الكرسي قد وسع السماوات والأرض، فهذا دليل على أنه مكور، أما العرش فقد جاء عن النبي عليه الصلاة السلام: «أَنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَاوَاتِهِ مِثْلُ الْقُبَّةِ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٤٧٢٦) من حديث جبير بن مطعم.]]، والقبة غير مُكوَّرة، لكنها غير مسطحة أيضًا، فإنها كقبة الخيمة تكون وسطها مرتفعًا.

ثم قال: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ ﴿لَا يَئُودُهُ﴾ أي: يثقله ويشق عليه، ﴿حِفْظُهُمَا﴾ أي: حفظ السماوات والأرض، وهذه الصفة كما ترون صفة أيش؟ سلبية منفية ﴿لَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، ما الذي يتطلبه الحفظ حتى نعرف أن هذا النفي لكمال ذلك الشيء الذي يستلزمه الحفظ؟ العلم؟ نعم، الحياة والعلم والقدرة والقوة والرحمة، ويمكن صفات أخرى أيضًا، المهم أن هذا النفي يتضمن كمال علم الله وقدرته وقوته ورحمته، وما إلى ذلك من الصفات التي يستلزمها حفظه سبحانه وتعالى.

ثم قال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ مثل هذه الجملة التي طرفاها معرفتان تفيد الحصر، هو وحده العلي، أي: ذو العُلو المطلق، وأما العلو المقيد فإنه يثبت للآدميين، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٣٩]، الأعلون عُلوًّا مطلقًا ولا على الكفار؟

* الطلبة: على الكفار.

* الشيخ: على الكفار، لكن العلو المطلق لله عز وجل وحده، فهو سبحانه وتعالى فوق كل شيء، ثم إن علو الله -عند أهل السنة والجماعة- ينقسم إلى: علو ذات وعلو صفة، فأما علو الذات فهو أنه عالٍ بذاته فوق كل شيء، كل الأشياء تحت الله عز وجل، والله تعالى فوقها بذاته، فإن قلت: لماذا قسمت هذا التقسيم؟ هل عندك فيه دليل من كتاب أو سنة؟ وهل رأيت ذلك في كلام الصحابة؟ فالجواب: لا، لكنني اضطررت إليه حين حصر النفاة -أهل التعطيل- العلو بعلو الصفة فقط، وقالوا: إنه عالٍ علوًّا وصفيًّا لا علوًّا ذاتيًّا، ثم انقسم هؤلاء المعطِّلة الذين نفوا علو الذات إلى ما يأتي.

المهم أن أئمة السلف رحمهم الله ومن جاء من بعدهم اضطروا إلى هذه التقاسيم التي قد تُشكل على بعض الناس؛ لأنهم قد ابتلوا بقوم كانوا ينفونها، فاضطروا إلى أن يثبتوها بمثل هذه الطرق، فنحن لو قلنا: وهو العلي فقط، ثم جاء معطل نافٍ جاحد وقال: العلو بصفاته، ماذا يفهم العامة؟ لا يفهم العامة من ذلك إلا أنه علو الصفات، فإذا قلنا: إنه عالٍ بذاته وبصفاته فهم العامة هذا المعنى، بل إن العامي أول ما يتبادر إلى الذهن هو علو الذات لا شك في هذا، والعجيب أن هؤلاء النفاة المعطلة ينكرون ما يتبادر إلى الذهن، ويقرون أمرًا لا شك أنه داخل في معناه، لكنه لا يتبادر إلى ذهن كثير من الناس، المهم أننا اضطررنا إلى هذا التقسيم في مقابلة هؤلاء المعطلة النفاة، هؤلاء المعطلة النفاة لما نفوا علو الله في ذاته انقسموا إلى قسمين:

قسم قالوا: إنه بذاته في كل مكان، كل مكان فالله فيه بذاته، وإذا كان الله فيه بذاته، فإما أن يشغل حيزًا -على قولهم- أو لا يشغل؟ إن شغل حيزًا لزم أن يملأ الأمكنة، ولا يكون فيها مكان لأحد، وإن لم يشغل حيزًا فهو معدوم، ولا يمكن أن يقولوا: إنه مثل الهواء وشبهه؛ لأن ذلك لا يستقيم لهم.

والقسم الثاني -الذين أنكروا علوه بذاته- قالوا: إنه سبحانه وتعالى ليس في علو ولا سفل، ولا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا يمين ولا شمال، ولا متصل ولا منفصل، وهذا تعطيل محض؛ لأن هذا هو وصف العدم.

قال بعض أهل العلم: لو قيل لنا: صفوا العدم، ما وجدنا أشد إحاطة من هذا الوصف، فانظر كيف أدى بهم التعطيل: تعطيل ما ثبت بالمعقول والمنقول، كيف أدى بهم إلى أن يقولوا ما لا يقبله حس ولا عقل ولا نقل، لكن هكذا الباطل- والعياذ بالله- يعصف بأهله إلى الهاوية.

إذن نحن نؤمن بأن الله تعالى عالم بذاته، وعالم بصفاته، وقد قررنا فيما سبق أن علو الله بذاته دل عليه الكتاب والسنة الإجماع والعقل والفطرة، وأن أدلة الكتاب والسنة في ذلك متنوعة، متنوعة من عدة أوجه، فتارة بذكر العلو، وتارة بذكر الفوقية، وتارة بذكر صعود الأشياء إليه، وتارة بذكر نزولها منه، إلى غير ذلك مما هو معروف.

وكذلك السنة جاءت قولًا وفعلًا وإقرارًا، كلها تثبت علو الله بذاته، فالقول مثل قوله ﷺ: «رَبُّنَا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ»[[أخرجه مسلم (١٤٣٦ / ١٢١) من حديث أبي هريرة، وأبو داود في سننه (٣٨٩٢) من حديث أبي الدرداء واللفظ له.]]، والفعل كإشارته إلى السماء يوم عرفة في أكبر مجمع إسلامي، «يَرْفَعُ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٧٤١) من حديث أبي بكرة، ومسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله.]]، وأما الإقرار فقد قَالَ لِلْجَارِيَّةِ: «أَيْنَ اللَّهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «أَعْتِقْهَا؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي. ]].

وأما الإجماع، فالسلف كلهم مجمعون على أن الله تعالى فوق العرش، ولم يقل أحد منهم أبدًا: إنه بذاته في كل مكان، ولا قال أحد منهم: إنه لا فوق العالم ولا تحته، ولا يمين ولا شمال، ولا متصل ولا منفصل، أبدًا.

وأما العقل، فدلالته عليه من وجهين؛ الوجه الأول: أن العلو صفة كمال، أليس كذلك؟

* الطلبة: بلى.

* الشيخ: فإذا كان صفة كمال لزم أن يكون ثابتًا لله؛ لأن الله تعالى قد ثبت له صفات الكمال من كل وجه.

والوجه الثاني أن نقول: هب أننا تركنا هذا الوجه، فنقول: إن الله عز وجل إما أن يكون فوق العالم أو تحته، أو يمين أو شمال، فأيها الذي يدل على الكمال؟

* الطلبة: فوق.

* الشيخ: فوق؛ لأنه إن كان تحت كان أنقص من المخلوق، وإن كان محايثًا له كان مساويًا له في الكمال، فلزم أن يكون فوق كل شيء.

وأما الفطرة، فكل إنسان مفطور على أن الله تعالى فوق السماوات؛ ولهذا عندما يدعو الإنسان ربه تجده يفزع إلى السماء، ولما كان الجويني أبو المعالي رحمه الله وهو ينكر الاستواء على العرش والعلو الذاتي، كان يقرر أن الله سبحانه وتعالى كان قبل العرش، وهو الآن على ما كان عليه، يريد أن ينكر الاستواء على العرش، يقول: إن الله كان ولا شيء، وهو الآن على ما كان عليه، إذن لم يستوِ على العرش، فقال له أبو العلاء الهمذاني رحمه الله: يا أستاذ دعنا من ذكر العرش- يعني: والاستواء عليه- لأن دليل استواء الله على العرش سمعي ثبت بالسمع، ولولا السمع ما عرفنا ذلك، ولكن أخبرنا عن هذه الضرورة، فإنه ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد من نفسه ضرورة بطلب العلو، صحيح هذا؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: ضرورة، أخبرنا عن هذه الضرورة، فجعل يضرب على رأسه وصرخ بأعلى صوته: حيرني الهمذاني، حيرني الهمذاني! وعجز أن يجيب؛ لأن الأمر الفطري لا يمكن إنكاره، فخصم الرجل وعجز عن أن يجب عن هذه الضرورة التي أوردها عليه أبو العلاء رحمه الله.

والحاصل: أن العلو -علو الله عز وجل الذاتي- ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، والعجيب أن هؤلاء الذين ينكرون علو الله هم بأنفسهم إذا دعوا الله ماذا يقولون؟

* طالب: يرفعون أيديهم إلى السماء.

* الشيخ: يرفعون أيديهم إلى السماء، ما تجد واحدًا منهم يقول: يا الله، ويحط يديه هنا أبدًا، كلهم يرفعون أيديهم إلى السماء؛ لأن فطرتهم تأبى عليهم إلا أن يكون كذلك، ومع هذا ينكرونها، نسأل الله العافية.

ولا أدري عن هذا الرجل كيف يواجه ربه يوم القيامة؟! كيف يواجهه وهو يعتقد أنه في كل مكان بذاته، أو أنه ليس موجودًا في داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، وقف رجل مع آخر يقول هذا الآخر -وهو أخِر: آخَر أَخِر- يقول: إن الله بذاته في كل مكان، قال له: افتح مخباتك ننظر فيها، ما أجد في مخباتك إلا القلم، فبهت الذي عطَّل، بهت.

ولا شك أن من يعتقد بقلبه أن الله بذاته في كل مكان، لا أشك أنه كافر إلا إن شككتُ في وجود الشمس في رابعة النهار، نعوذ بالله؛ لأنه لا شك إنه بيجعل ربه في المراحيض، في الأماكن القذرة، في بطون الحمير، في بطون الكلاب، في كل مكان، هذا لا يمكن أن يقوله عاقل يدري ما يقول، نسأل الله العافية والسلامة، اللهم اهدنا الصراط المستقيم.

* * *

(...) الكرسي؛ لأنها آية هي أعظم آية في كتاب الله، كما صح ذلك عن رسول الله ﷺ[[أخرجه الطبراني في الكبير (٨٦٥٩) من حديث عبد الله بن مسعود.]].

* طالب: العظيم.

* الشيخ: نعم، فأولًا الأسماء، الأسماء التي في هذه الآية خمسة: الله، والإله، والحي، والقيوم، العلي، العظيم، ستة إن جعلنا الإله معها، وإلا فخمسة.

* فيستفاد منها إذن: إثبات هذه الأسماء الخمسة أو الستة لله عز وجل، وكل اسم من أسماء الله تعالى، فإنه متضمن لصفة ولا عكس، ليس كل صفة يؤخذ منها الاسم، لكن كل اسم يؤخذ منه صفة، فمثلًا: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة ٥] ما نأخذ منها اسم: المدبّر لله، ﴿يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال ٣٠] ما نأخذ منها اسم: الماكر لله عز وجل، و﴿يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٢٧] ما نأخذ منها اسم: الفاعل، ولا نأخذ منها اسم: الشائي، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٤] لا نأخذ منها اسم: المتكلم، إلى آخره، لكن كل اسم فإنه متضمِّن لصفة، فنأخذ من الله أيش؟ الألوهية، ومن الحي: الحياة، ومن القيوم: القيومية، ومن العلي: العلو، ومن العظيم: العظمة.

المهم إذا وصفوه بهذا الوصف فمعناه العدم وأنه معدوم.

ما حجة القائلين بأنه بذاته في كل مكان؟ هل دليلهم دليل لهم أو عليهم؟

* طالب: عليهم.

* الشيخ: عليهم كيف ذلك؟ من يعرف؟

* طالب: (...)

* الشيخ: إذن، لا، أنا أقول: كيف يكون على الأرض بذاته؟ فنحن الآن نرد عليهم، نقول الله قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] إذن فهو فوق، فيكون حينئذٍ دليلًا عليهم.

لكن هكذا المبطلون ينظرون إلى النصوص نظر الأعور الذي لا يرى إلا بعين واحدة والثاني مغمّض، لكن من نظر إلى النصوص من كل وجه عرف بطلان قولهم.

أما الذين يقولون: إننا لا نصفه بعلو ولا سفل، ولا يمين ولا شمال، ولا اتصال ولا انفصال، فهؤلاء لا حاجة إلى الجدال معهم؛ لأنهم وصفوه بالعدم، هؤلاء كأنهم يقولون: ليس لهم رب.

﴿الْعَظِيم﴾ معناها: ذو العظمة، والعظمة عبارة عن الجلال، ويعني: كيفية الصفات، كل صفاته عظيمة، والعظيم من كل شيء هو الجليل البالغ في الصفات غايتها، كما قال تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل ٢٣]، ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل ٢٢]، فالعظمة من كل شيء هو الشيء الذي يكون بالغ الأهمية وبالغ الصفات، يعني: عبارة عن الكمال، كمال بعظمة.

فهذا منتهى الآية الكريمة، ونعود إلى بيان الأسماء والصفات منها، في هذه الآية قلنا: خمسة أسماء أو ستة؛ لأني أشك في أن أجعل إله من الأسماء؛ لأنه قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الصافات ٣٥] إله نكرة هنا، على كل حال الخمسة مُتيقنة، وكل اسم منها دال على صفة، القاعدة عندنا في هذا: أن كل اسم يدل على صفة، وليس كل صفة يشتق منها اسم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات انفراد الله تعالى بالألوهية؛ لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾.

* ومن فوائدها: الرد على المشركين الذين أثبتوا مع الله إلهًا آخر، بل آلهة، أكثر من واحد، وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥] نقول: أجعلتم الآلهة متعددة، إن هذا لشيء عجاب، هذا العجاب، أما الإله الواحد فليس بعجاب، بل هذا هو الحق والصواب.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات صفة الحياة لله عز وجل، وأنها حياة كاملة لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، ولا توصف بنقص، ولَّا لا؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: حياتنا نحن مسبوقة بعدم، ملحوقة بزوال، مصحوبة بنقص، كل حياتنا ناقصة؛ ولهذا وصفها الله بأنها الدنيا، لكن حياة الله تعالى كاملة من كل الوجوه، من أين يستفاد ذلك؟ من قوله: ﴿الْحَيُّ﴾؛ لأن الحي للاستغراق، أي: الجامع لمعاني صفات الحياة الكاملة، عرفتم؟ كأنه يقول: لا حي إلا هو، وهو كذلك: لا حي حياة كاملة إلا الله عز وجل.

* ومن فوائد هذه الآية: إثبات القيومية لله؛ لقوله: ﴿الْقَيُّومُ﴾، ومعنى القيوم: القائم بنفسه وعلى غيره.

* طالب: الذي تتجه إليه (...).

* الشيخ: القائم بنفسه وعلى غيره، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد ٣٣]

* طالب: (...)

* الشيخ: لا، شرحناها ما حاجة إلى (...)، شرحناها وبيننا الدليل على القائم بنفسه والقائم بغيره.

هل هذا الوصف يكون للآدمي؟ لا أبدًا، ما هنا إنسان قائم بنفسه أبدًا، ولا هنا الإنسان قائم على غيره، صح؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: ليس إنسان قائم بنفسه؛ لأنه ما من إنسان إلا وهو محتاج لغيره، ولَّا لا؟ نحن محتاجون إلى العمال، والعمال محتاجون إلينا، نحن محتاجون إلى النساء، والنساء محتاجة إلينا، نحن محتاجون للأولاد، والأولاد محتاجون إلينا، نحن نحتاج المال، والمال يحتاج إلينا، ولَّا لا؟

* الطلبة: لا (...) لا يحتاج المال إلينا.

* الشيخ: يحتاج إلينا كيف؟! أما سمعتم صياح الدرهم والدينار؟! هو عند الصرف، الصرف أنا باصرف دراهم ودنانير تسمعون لها صوت، يمكن أن الدينار اللي أنا أبدله يصيح على فراقي، وذاك يصيح على فراق صاحبه، لكن هو محتاج إلينا من جهة أخرى وهو حفظه وتنميته، أليس كذلك؟

فيه أحد قائم على غيره القيام المطلق؟ لا، قد أقوم على غيري، لكن القيام محدود ولَّا لا؟ قيام محدود؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ من هو؟

* الطلبة: الله.

* الشيخ: هو الله، ما من أحد قائم على كل نفس بما كسبت إلا الله.

* ومن فوائد الآية الكريمة: تضمنها لاسم الله الأعظم الثابت في قوله: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وقد ذكر هذان الاسمان الكريمان في ثلاثة مواضع من القرآن: في الزهراوين، وفي سورة ثالثة؟

* الطلبة: طه.

* الشيخ: طه، في الزهراوين وفي طه، ما هما الزهراوان؟

* الطلبة: البقرة وآل عمران.

* الشيخ: البقرة وآل عمران، فالبقرة هنا، وفي آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران ١، ٢]، وفي سورة طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه ١١١]، قال أهل العلم: وإنما كان الاسم الأعظم في هذين الاسمين؛ لأنهما تضمنا جميع الأسماء الحسنى، فصفة الكمال في الحي، وصفة الإحسان في القيوم.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English