Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:62–74, продолжение
* الشيخ: وأيش الرابط؟
* الطالب: ما تؤمرونه.
* الشيخ: ما تؤمرونه، ولا ما تؤمرون به؟
* الطالب: به.
* الشيخ: نعم، ما تؤمرون به، وأيش مخالفة القاعدة؟
* الطالب: الحذف.
* الشيخ: لا، حذفه موافق للقاعدة كثير ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون ٣٣]. هذا كثير.
* طالب: لا بد نستفيد من ذكره من الالتباس.
* الشيخ: ما فيه التباس، من يعرف؟ اقرؤوا الموصول في حذف العائد.
* طالب: لأن وصل الموصول قصير، مع التي..
* الشيخ: لا لا، ما هو قصير جملة كاملة تؤمرون.
* طالب: اختلاف العامل.
* الشيخ: ما هو ذكرنا أنه إذا حُذف العائد المجرور يشترط إذا كان مجرورًا بحرف أن يكون مجرورًا بحرف يطابق الحرف الذي جر به الموصول لفظًا ومعنًى ومتعلقًا، وهنا الموصول مفعول أصلًا، الموصول مفعول به منصوب ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ افعلوا الذي تؤمرون به، وقد ذكرنا فيما سبق أن بعض العلماء ما يشترط هذا الشرط، وأنه يقول: إذا دل عليه دليل جاز حذفه وإن لم يجر الموصول بما جر به العائد، وإلا ابن مالك يقول:
كَذَا الَّذِي جُرَّ بِمَا الْمَوْصُولَ جَرْ ∗∗∗ كَــمُــرَّ بِالَّــذِي مَــرَرْتُ فَــهْــوَبَــرْ
إذن يكون هذا شاهدًا للقول الثاني في المسألة وهو أنه يجوز حذف العائد المجرور وإن لم يكن الموصول مجرورًا، ومن باب أوْلى وأحرى أنه يجر أيضًا بحرف لم يجر به الموصول.
﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ وكان عليهم أن يفعلوا وإن لم يأمرهم نبيهم به، لكن هم أهل عناد وتعنُّت، ولهذا أمرهم أمرًا ثانيًا، ومع هذا ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ أعوذ بالله! وأيش عليكم من لونها؟! لكن كل هذا من باب التعنت والتشدد
﴿مَا لَوْنُهَا﴾ يعني: أي شيء لونها؛ سوداء، بيضاء، شهباء، ما هي؟
﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة ٦٩] شُدِّد عليهم، بالأول عوان بين البكر والفارض، وبينهما زمن يعني لو جاؤوا مثلًا بواحدة قريبة من البكر أو واحدة قريبة من الفارض كبيرة حصل المقصود، لكن هنا شُدد عليهم ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾ وأيش خرج بها؟
* طالب: ما عداها.
* الشيخ: ما عدا الصفرة من الألوان هذه واحدة، وهذا نوع قليل، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ثانيًا: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ الفاقع يعني الصافي؛ بمعنى أنه ما فيه ما يشوبه ويخرجه عن الصفرة، وقيل: معنى ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ أي شديد الصفرة وهو كل ما كان صافيًا كان أبين في كونه أصفر.
أيضًا ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ يعني ليست صفرتها أيضًا صفرة توجب الغم أو صفرة مستكرهة، بل هي صفرة تفتح السرور لمن نظر إليها، وهذا أيضًا فيه تشديد من وجوه: ﴿صَفْرَاءُ﴾ و﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ والثالث: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ هذا معناه أن كم بقرة يمشون عليها ما يحصل لهم هذا الشيء.
وذكر بعض العلماء أن هذا فيه دليل على أن اللون الأصفر مطلوب لقوله: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ وجعل هذه الجملة بيانًا للواقع وقال: إن من لبس نعلًا أصفر لم يزل في سرور، ولكن هذا ليس بصحيح.
وإذا دار الأمر بين كون الجملة تأسيسية أو لبيان الواقع فالواجب أن تكون تأسيسية، وعلى هذا فنقول: إن ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ جملة مستقلة عما قبلها؛ يعني زائد على كونها صفراء فاقع لونها أيضًا تسر الناظرين، ليست صفرتها على وجه يغم الإنسان ولا على وجه يكرهه بل هي تسره.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: بين كون الجملة تأسيسية أو لبيان الواقع، مانو مفهوم؟ فإنها تأسيسية؛ يعنى تأسيسية بمعنى مستقلة تفيد معنى زائدًا عن الأول.
* طالب: شيخ، فيه حديث نهى عن لبس المعصفر؟[[أخرجه مسلم (٢٠٧٨ / ٣١) من حديث علي بن أبي طالب.]]
* الشيخ: إي نعم، المعصفر الأحمر يعني عصفر أحمر لونه.
* الطالب: بالنسبة لهذا الوصف الذي وصفه الله سبحانه وتعالى، الصفراء اللي، ولا مؤاخذة في البقرة الصفراء لونها بيبقى فعلًا جميل وبتكون صافية فعلًا يعني أي حتى لما الواحد يشتري من السوق أي بقرة عندنا السماسرة يدور اللي لونها أصفر كده وبتبص تلاقيها يعني مرغوبة وفي التمن أغلى من النوع التاني.
* الشيخ: طيب، هذا يعني دوره طيب، أظن أنتم.
* الطالب: فربنا يعني عايز يشدد عليهم.
* الشيخ: إي نعم. ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ هذا أيضًا طلب ثالث. ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة ٧٠] اشتبه علينا البقرة المطلوبة، وفي الحقيقة هو في هذا اشتباه؟
* طالب: ما فيه.
* الشيخ: ذكر لهم أنها بقرة، وذُكر لهم سنها، وذكر لهم لونها، فأين التشابه؟ لكن بس آية من آيات الله سبحانه وتعالى لأجل أن يشدد الله عليهم ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠] .
يقول: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ صار بعضه يشبه بعضًا، المتشابه الذي يشبه بعضه بعضًا، إحنا ما ندري أيهم المقصود، وهذا من تعنتهم، وإلا فالأمر واضح. ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ الأخيرة هذه طيبة منهم ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ أخذوا على أنفسهم أنهم سيهتدون، ولكنهم علقوا ذلك بمشيئة الله. قال بعض السلف: لو لم يقولوا: إن شاء الله، ما اهتدوا إليها أبدًا، ولكن كلمة (إن شاء الله) من أسباب تحقيق المطلوب كما قيل لسليمان عليه الصلاة والسلام لما قال: «وَاللَّهِ لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً تَلِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «فَطَافَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً فَوَلَدَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ شِقَّ إِنْسَانٍ»، ما حصل له ولا إنسان واحد، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ، وَلَقَاتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه، البخاري (٢٨١٩)، ومسلم (١٦٥٤ / ٢٤) بنحوه من حديث أبي هريرة.]] .
إذن، قولهم: إن شاء الله، هذه من الأمور المشروعة التي توجب للإنسان أن يصل إلى مطلوبه.
وقولهم: ﴿إِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ أكدوا الهداية هنا بمؤكدين وهما: إنّ، واللام، وتأكيد ثالث: الجملة الاسمية أبلغ من الجملة الفعلية، ما قالوا: وسنهتدي إليها إن شاء الله بل قالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾.
جاوبهم على هذا: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ هذا أيضًا تشديد زيادة على ما سبق. ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ الذلول على وزن (فَعُول)، وهي المتذلِّلة التي ذُللت لصاحبها، وصفها الذلول ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ و ﴿تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ مذلَّلة تثير الأرض بالحرث. أقول: تثير الأرض هذه المذللة، المذللة التي تثير الأرض بالحرث يحرث عليها وأظنكم تعرفون كيف يحرث على البقر تعرفونه؟
* الطلبة: إي نعم (...)
* الشيخ: إي نعم زين، ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ يعني ما يُسنى عليها، ليست سانية ولا حارثة. وقوله: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ أي من العيوب، ما فيها عيوب.
وقوله: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ يعني ليس فيها لون يخالف لونها، مأخوذة من الوشي، وشي الثوب؛ يعني تلوينه بألوان مختلفة يُسمى وشيًا، فـ(شية) مأخوذة من الوشي مثل (عِدة) مأخوذة من الوعد، فمعنى ﴿لَا شِيَةَ﴾ ليس فيها لون ثانٍ يخالف لونها، ولونها -كما سبق- صفراء، إذن هي صفراء ما فيها سواد، ولا فيها بياض، ولا فيها أي لون آخر، وهذا كله من زيادة التشديد عليهم.
وبهذا التقرير نعرف أنه لا حاجة بنا إلى ما ذكره كثير من المفسرين هنا من الإسرائيليات التي قالوا فيها: إن هذه البقرة كانت عند رجل بار بأمه، وأنهم اشتروها منه بملء مسكها ذهبًا؛ يعني بملء جلدها ذهبًا، هذه كلها من الإسرائيليات التي لا تُصدّق ولا تكذب ولكن ما ينبغي أن نُنزل عليها كلام الله؛ لأن كلام الله عز وجل ما فيه إشارة إلى هذا، ولو كان هذا من الأمور الواقعة لكان من الحكمة أن يذكر، لماذا؟ لما فيه من الحثّ على بر الوالدين حتى نعتبر، فالصواب أننا نقول في تفسير الآية ما قال الله عز وجل، ولا نتعرض للأمور الأخرى التي ذكرها المفسرون هنا من الحكايات.
﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ شوف أعوذ بالله ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ طيب وبالأول؟
* الطلبة: على موجب كلامهم.
* الشيخ: على موجب كلامهم أنه في الأول ما أتيت بالباطل، وقد صدروا هذه القصة بقولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ يعني الآن عرفنا أنك لست تستهزئ وإنما أنت صادق، هذا هو المتبادر من الآية الكريمة وليس بغريب على تعنتهم أن يقولوا مثل هذه الجملة، وقال بعض المفسرين اتقاء لهذا المعنى البشع، قال: إن المراد بقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بالبيان التام، يعني الآن بينت لنا أوصافها، فجعلوا الحق هنا بمعنى البيان، ولكن الصواب أن الحق هنا ضد الهزء والباطل، ويدل على ذلك أنهم صدَّروا هذه القصة بقولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ فبعد هذه المناقشات مع موسى والسؤالات والطلب من الله عز وجل قالوا: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقّ﴾ وعرفنا أنك لست مستهزئًا بنا بل إنك جاد فيما تقول.
﴿فَذَبَحُوهَا﴾ يعني فطلبوها؛ لأن هذه الجملة فيها إيجاز يسمى في البلاغة: إيجاز الحذف، يعني إيجاز الحذف يُحذف جمل يدل عليه السياق، وإيجاز القصر يؤتى بجملة تشتمل على معانٍ كثيرة مع اختصارها، فقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة ١٧٩] مثلًا وأيش يسمى هذا؟
* الطلبة: إيجاز قصر.
* الشيخ: هذا إيجاز قصر؛ لأن هذه الآية كلمات معدودة تدل على معانٍ كثيرة، لكن ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص ٢٤، ٢٥]. هذه فيها إيجاز حذف ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأن تقدير الآية: فسقى لهما، ثم ذهبتا إلى أبيهما وقصَّتا عليه القصة فأرسلهما إلى موسى، فجاءته إحداهما، أرسل إحداهما إلى موسى فجاءته إحداهما تمشي على استحياء إلى آخره. وهنا قوله: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ لو أخذنا الآية على ظاهرها لكانت البقرة تكون عندهم جاهزة، ولكنها لا بد من طلب، طلبوا بقرة تنطبق عليها هذه الأوصاف بالسن واللون والعمل، السن؟
* طالب: السن، ما فهمت السؤال.
* الشيخ: أقول هذه البقرة وجدوها بالأوصاف، وجدوا بقرة انطبقت عليها الأوصاف بالسن واللون والعمل.
* الطالب: لا السن، اللون.
* الشيخ: السن وأيش هو؟
* الطالب: السن بكر.
* الشيخ: لا، ما هي البكر.
* طالب: البكر يا شيخ.
* الشيخ: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾.
* طالب: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾.
* الشيخ: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وفي اللون؟
* الطالب: صفراء، لا تشبه لا أبيض لا أحمر طاغ بيّن.
* الشيخ: زين، وأيش بعد؟ كمّل؟ ولَّا تنظر بعد؟
* طالب: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾.
* الشيخ: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ وأما قوله ليس فيها لون آخر ذكره؟
* الطالب: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾
* الشيخ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ أيضًا في العمل؟
* الطالب: ﴿لَا ذَلُولٌ﴾.
* الشيخ: ﴿لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ إي نعم. وباعتبار السلامة هي أيضًا ﴿مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿ذَبَحُوهَا﴾ كما أمرهم نبيهم ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.
قوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ هذه فيها كلام بين النحويين هل (كاد) مثل غيرها من الأفعال أو (كاد) عكس غيرها من الأفعال؛ لأن كاد بمعنى قارب ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة ٢٠] أي: يقرب من خطف أبصارهم.
فبعض العلماء يقول: إن (كاد) نفيها إثبات وإثباتها نفي، فإذا قلت: كاد يفعل كذا فمعناه أنه ما فعل، وإذا قلت: لم يكد يفعل كذا، فمعناه أنه فعل؛ لأن قوله شوف ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ هم فعلوا ولّا لا؟
* الطلبة: فعلوا.
* الشيخ: فعلوا، ولكن الصواب بلا شك أنها كغيرها نفيها نفي وإثباتها إثبات، فإذا قلت: ما كاد يفعل، فمعناه أنه لم يفعل ولم يقارب الفعل، وحينئذٍ هل هؤلاء ما قاربوا الفعل؟ يقول: لولا قوله: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ لقلنا: إنهم ما ذبحوها ولا قاربوا أن يذبحوها.
فإذا قال قائل: هذا يؤدي إلى التناقض؛ لأنكم إذا قلتم: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ وما قاربوا أن يفعلوا صار تناقضًا؟
فيقال: لا تناقض لاختلاف الزمن، فهم ما كادوا يفعلونه قبل الذبح؛ يعني كل سؤالاتهم السابقة تعنت لعلهم يتخلصون ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ على مضض، فيكون نفي المقاربة مخالفًا للفعل في شنو؟ في الزمن، وحينئذٍ لا تناقض؛ لأن التناقض لو قلنا: ذبحوها في وقت لم يقاربوا ذبحها لكان هذا متناقضًا؛ لأن الذابح لا يقال: إنه ما يكاد يفعل؛ لأن الذابح فعل.
إذن (كاد) كغيرها من الأفعال ومعناها (قارب)، فإذا دخل عليها شيء من أدوات النفي نفى المقاربة، وإذا انتفت المقاربة انتفى الفعل ولّا لا؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: إذا قلت: ما قاربت أن أفعل، معلوم أنك ما فعلت، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: وأما إثباتها إثبات، فإذا قلت: كدت أن أفعل، معناه قاربت الفعل، لكن ما فعلت، قاربت الفعل ولكنني لم أفعل واضح يا جماعة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: إذا قررنا هذا، أو إذا ثبت تقريرنا هذا يبقى في الآية الكريمة ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ كيف تقولون: إن (ما كادوا يفعلون) معناها: ما قاربوا أن يفعلوا والله يقول: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ هذا تناقض؟ فماذا نقول في الجواب؟
نقول: لا تناقض لاختلاف الزمن، فما كادوا يفعلون بالأول، ما قاربوا أن يفعلوا لتعنتهم، وفي الأخير فعلوا، وحينئذٍ لا تناقض، الإنسان بنفسه دائمًا يشعر بأنه لن يفعل هذا الفعل أبدًا، ثم لا يدري إلا وهو فاعله.
ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور ٤٠]؟ ما تنقض علينا ما قلنا؟
* الطلبة: لا.
* طالب: لم يرها.
* الشيخ: لم يرها يعني؟
* الطلبة: لم يرها.. شاهد لنا.
* الشيخ: إيه، شاهد لنا، يعني يظن بعض الناس أن ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ يعني يراها بمشقة، يظن بعض الناس يتبادر إلى ذهنه هذا؛ إن ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي أنه يراها بمشقة، والأمر ليس كذلك بل ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ معناه ما يراها، ولا يقارب رؤيتها، فيكون إذن هذا شاهدًا لما قررناه.
إذا قلت: كدت أطير فرحًا بنجاحي، هل أنا طرت؟
* الطلبة: قاربت.
* الشيخ: قاربت، ولكن لم أطِر، إذن هذا ماشي على الباب يعني، فقول بعض النحويين رحمهم الله: إن نفيها إثبات وإثباتها نفي، ليس بصحيح، وقد أبطل هذا ابن هشام في كتابه المغني.
* طالب: على ماذا استندوا؟
* الشيخ: استندوا لأنه إذا قال: ما كدت أن أفعل فهي تدل على أني؟
* الطالب: ما كنت فاعلًا.
* الشيخ: إني ما فعلت هذا الشيء، إني ما كدت أن أفعله، ولكني فعلته استدلوا بالآية، وفي الحقيقة ما يصير هذا. قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ» »[[متفق عليه، البخاري (٥٩٦)، ومسلم (٦٣١ / ٢٠٩) من حديث جابر بن عبد الله.]] هل الرسول صلاها قبل الغروب ولّا لا؟
* الطلبة: صلى قبل الغروب.
* الشيخ: قبل الغروب؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: شوف ما قاربت أن أصلي العصر حتى قاربت الشمس الغروب.
* الطلبة: ما قاربت.
* الشيخ: هل صلاها قبل الغروب ولّا لا؟
* الطلبة: صلاها قبل الغروب.
* الشيخ: لا يا أخي؛ لأنه لما قال ابن عمر[[كذا، والصواب: عمر بن الخطاب، كما في البخاري (٥٩٦)، ومسلم (٦٣١ / ٢٠٩). ]] اللي قال هكذا، فقال الرسول: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا»، ثم قاموا إلى بطحان فتوضؤوا وصلوا بعدما غربت الشمس».
* الطالب: لا، الظاهر صلوها بعد الغروب.
* الشيخ: إي، صلوها بعد الغروب؛ لأنه هنا قال: «مَا كِدْتُ أُصَلِّي»، يعني ما قاربت الصلاة، ما قال: ما صليت حتى كادت، قال: ما قاربت أن أصلي؛ يعني ما أمكنني لشدة القتال أن أكون قريبًا من الصلاة، قريبًا من الصلاة ما هو فاعلًا للصلاة، قريبًا منها حتى كادت الشمس أن تغرب، لما قاربت الشمس الغروب.
* طالب: صلّى.
* الشيخ: لا، مو صلى، قاربتُ الصلاة، لما قاربت الشمس الغروب قاربت الصلاة فلما غربت صليت.
* الطالب: يا شيخ اللي قاله ما هو عمر؟
* الشيخ: قالها عمر والرسول قال: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا» ».
* الطالب: قال: ما أيقظتني حتى (...).
* الشيخ: إيه إي نعم، اللي قالها عمر كما قلنا أخيرًا؛ اللي قاله عمر وقال الرسول: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا»، ثم قاموا فصلوا.» فهنا الحديث ما يدل على أن عمر صلاها قبل الغروب بدلالة أنه ما قارب أن يصليها حتى قاربت الشمس الغروب، فلما قاربت الشمس الغروب قارب صلاتها، قارب أن يصلي، ثم هل صلَّى أو ما صلى؟
الحديث يدل على أنه ما صلى قام هو والرسول بعد الغروب وتوضؤوا من بطحان وصلوا.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة ٧٢] قرر الله القصة قبل أن يذكرهم بالسبب، قرر الله القصة لبني إسرائيل قبل أن يبين السبب، ما سبب قول موسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾؟
هذا هو السبب أنهم قتلوا نفسًا فادارؤوا فيها، تدافعوا، كل منهم يدعي أن هذا هو القاتل، وبلا شك أن هذا يحصل به فتنة عظيمة، والمقتول قد مات، ولا يمكن أن يخبر من الذي قتله بعد موته، فأراهم الله تبارك وتعالى بل أمرهم سبحانه وتعالى أن يذبحوا هذه البقرة لتكون آية، ويعرف القاتل لهذا القتيل، فهم بعد أن قتلوا هذه النفس وادارؤوا فيها، وأضاف القتل إليهم وإن كان بعضهم بلا شك لم يرضَ به، فالذين يطالبون بقتل القاتل لم يرضوا به، لكن -كما مر علينا من قبل- أن الشيء إذا فعله الأمة وسكت الباقون يعتبر فعلًا للجميع.
وقوله: ﴿ادَّارَأْتُمْ﴾ أيش معنى الادراء؟
* طالب: التدافع.
* الشيخ: معناه الاختلاف والتدافع، كل واحد منهم يدافع عن نفسه التهمة. ومنه «ادْرَؤُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» »[[قال ابن كثير في تحفة الطالب (ص ٢٢٦): لم أرَ هذا الحديث بهذا اللفظ، وأقرب شيء إليه ما رواه الترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «ادْرَؤُوا الحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ؛ فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ». قال: وروي موقوفًا وهو أصح. وانظر نصب الراية (٣ / ٣٣٣)، والمقاصد الحسنة (ص٧٤).]] أي ادفعوها ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ في هذا دليل على أنهم كتموا؛ لأن القاتلين لو اعترفوا بالقتل حصلت المدارأة؟
* الطلبة: لا، ما حصلت.
* الشيخ: ما تحصل المدارأة ولا يحصل شيء، ولكنهم كتموا فأخرج الله تبارك وتعالى ما كتموه بهذه الآية العظيمة.
* طالب: الأسئلة التي حصلت منهم هل كان قصدهم التخلص؟
* الشيخ: يبدو -والله أعلم- أنهم تعنتوا ليتخلصوا منها؛ لأن قوله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة ٧١] يدل على هذا مثل ما إن الإنسان لو أمرك بشيء وأنت مثلًا تكره أن تمتثل تجدك تتعنت، وأيش تبغي، وأيش لونه، وأيش؟
* طالب: ألا يدل على حرصهم على التطبيق؟
* الشيخ: لا أبدًا، ولهذا الله يذكرهم هذا الشيء توبيخًا لهم، لو كان هذا حرصًا على التطبيق لكانوا يمدحون على هذا الأمر ما يقول الله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾؛ لأن هذا فيه غاية الشناعة عليهم والعياذ بالله.
* طالب: شيخ، الأسئلة هذه كانت في مجلس واحد أو في عدة مجالس؟
* الشيخ: الله أعلم، ما أدري في مجلس واحد أو أنها في مجالس وهم يطلبون هذه البقرة ثم يرجعون إليه فيختلفون فيها ثم يرجعون إليه، الله أعلم، ما ندري.
قال: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ كل ما تكتمونه من الأمور فإن الله تعالى مخرجه. وهل هذا خاص بهم أو حتى في هذه الأمة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا في يوم القيامة يوم القيامة معروف (...)، والعطف يقتضي المغايرة، فلا يصح تفسير الرحمة بالفضل، ولكن الفضل من آثار الرحمة.
* وفيه أيضًا: إثبات الأسباب وربطها بمسبباتها لقوله: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ﴾ [البقرة ٦٤].
فهذا صريح في إثبات الأسباب، ولا أحد ينكر الأسباب إلا الأشاعرة فإنهم جاؤوا بأمر يضحك منه السفهاء دون العقلاء، وأيش قالوا؟ قالوا: الأسباب غير مؤثرة وآثارها تحصل عندها لا بها، فإذا دخلت ورقة في النار فاحترقت قالوا: النار ما أحرقتها، لكن احترقت عندها لا بها، وإذا أكلت طعامًا فشبعت، قالوا: ما شبعت بالطعام، ولكن عنده لا به مع أن الطعام لو يكدس عندك ولا تأكله ما شبعت، وكذلك النار لو تبقى عندها الأوراق والعيدان ما احترقت.
قالوا: أيضًا إذا ضربت زجاجة بحجر وانكسرت لم يحصل الانكسار بالحجر، ولكن عند الحجر، بينما أنك لو تضع ثقل الحجر هذا أربع مرات على الزجاج من دون قذف ما انكسر مع أنها على ظهرها على ظهر الزجاج ما هو بس عنده، فالمهم أن هذا الشيء يضحك منه السفهاء فضلًا عن العقلاء، وكل هذا من باب تنزيه أن يكون في ملك الله سبحانه وتعالى ما لا تتعلق به المشيئة، وهذا نقول: الله جعل الأسباب موجبة لمسبَّباتها وجعل المسبَّبات مربوطة بالأسباب، وهذا من حكمته.
* طالب: وجوب تبليغ ما أنزل الله لقوله ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾.
* الشيخ: إيه ﴿اذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ إن كان لغيركم فهذا يدل على وجوب التبليغ، إن كان المعنى اذكروه في نفوسكم لأجل الاتعاظ فليس فيه دليل.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥].
* فيها توبيخ الموجودين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام على عدم الإيمان به، وجه ذلك؟
* طالب: العلم.
* الشيخ: أنهم علموا ما حل بأسلافهم من النكال بسبب المخالفة، فكان عليهم أن يكون ذلك موعظة لهم يرتدعون به عن معصية الله.
* وفيه أيضًا دليل على تحريم الحيل، وأن المتحيل لا يخرج عن العدوان لقوله: ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ أولًا، الحيل أبلغ من الإتيان بالشيء على وجه الصراحة أولًا: لأنها جامعة بين المفسدة المترتبة على هذا الممنوع وبين مفسدة الخداع لله سبحانه وتعالى، فالمتحيل على الربا واقع في الربا وزائدًا على ذلك أنه خادع الله عز وجل، وأنت إذا تأملت حيل اليهود في السبت وحيلهم في بيع شحوم الميتة وقد حرمت عليهم ثم جملوها وباعوها وأكلوا ثمنها وجدت أنه أسهل مما يتحيل به كثير من الناس اليوم على الربا، أسهل ومع ذلك أحل الله بهم نقمته، ونهانا الرسول عليه الصلاة والسلام كما في المسند بسند لا بأس به أن الرسول ﷺ قال: «لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ؛ فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهَ بِأَدْنَى الْحِيَلِ» »[[لم نجد هذا الحديث في المسند، وإنما أخرجه ابن بطة في إبطال الحيل (ص٤٦-٤٧) من حديث أبي هريرة، قال الحافظ ابن كثير في التفسير (١ / ٢٩٣) و(٣ / ٤٩٣): «وهذا إسناد جيد»، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٣/١٢٣): «هذا إسناد جيد يصحح مثله الترمذي وغيره تارة ويحسنه تارة».]].
* الفائدة، هذه فائدة ثانية: أن المتحيل على المحرم واقع فيه ولا تنفعه الحيلة.
* الفائدة الثالثة: بيان حكمة الله في مناسبة العقوبة للذنوب، كذا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأن العقوبة أنهم قُلبوا قردة خاسئين، أولًا، فالذنب اللي فعلوه أنهم فعلوا شيئًا صورته صورة المباح، ولكن حقيقته غير مباح، صورة القرد شبيهة بالآدمي، ولكنه ليس بآدمي، فهذه أن الجزاء من جنس العمل، ويدل لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ﴾ [العنكبوت ٤٠] إلى آخره.
* وفيه أيضًا دليل على قدرة الله عز وجل لقوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فكانوا في لحظة ما هم في توالد أنهم صاروا وأولادهم قردة، هم بلحظة انقلبوا -والعياذ بالله- قردة.
* الفائدة الخامسة: إثبات القول لله عز وجل لقوله: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
* الفائدة السادسة: أن الذين قُلبوا قردة من هذه القرية هم الذين اعتدوا في السبت، أما الذين نُهوا عن السوء فقد نجوا، وأما الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف ١٦٤] فهؤلاء سُكت عنهم، أو نقول: أخذوا بعذاب بئيس لكن ما قلبوا قردة.
* الفائدة السابعة في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾: أن العقوبات فيها تنكيل لغير العامل، ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ إما زمانًا وإما مكانًا، وقلنا: ﴿مَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ بالنسبة للزمان يعني الموجودين في عصرهم ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ من يأتي بعدهم، أما إذا كان مكانًا فالمسألة واضحة اللي بين يديها اللي أمامها واللي خلفها من حولها يعني ما بين يديها وما خلفها من حولها.
* طالب: الفائدة؟
* الشيخ: الفائدة أن العقوبات تكون تنكيلًا لغير العامل.
* الفائدة الثامنة: يمكن أن نأخذ من هذا فائدة الحدود الشرعية التي تثبت في الدنيا، الحدود الشرعية وعقوباتها؛ عقوبة الزنا، عقوبة السرقة، إلى آخره. من فوائدها أيش؟
* الطلبة: أنها نكال.
* الشيخ: أنها نكال لغير الفاعل وللفاعل أن يعود مرة أخرى إلى هذا الذنب.
* الفائدة التاسعة: أن الذين ينتفعون من مثل هذه المواعظ هم المتقون.
* الفائدة العاشرة: أن المواعظ قسمان: كونية وشرعية، كونية هي قدرية، كونية وشرعية، هنا كونية ولا شرعية؟ الموعظة؟
* الطلبة: كونية.
* الشيخ: كونية قدرية؛ لأن الله أحل بهم العقوبة التي تكون نكالًا لما بين يديها وما خلفها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس ٥٧]. هذه موعظة شرعية، أيهما أقوى؟ المواعظ الشرعية أو الكونية؟
* الطلبة: الكونية.. حسب.
* الشيخ: أما للحمير فالكونية أعظم، وأما للمؤمنين فالشرعية أعظم؛ لأن انتفاع المؤمن بالشرائع أعظم من انتفاعه بالقضاء بالمقدورات، لكن بليد الحمار ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة ٥]. هذا يتعظ بالأمور الكونية أعظم. ومع ذلك إذا جاءت قسوة في القلب..
لقوله: ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ومهما يكتم المرء يعلمه الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة ٢٣٥].
وفيه * -الفائدة السادسة-: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل في بيان الأمر الواقع، فإن من نعمة الله أن يبين لهم الأمر الواقع حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم، ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ألا يستفاد به -أيضًا- أن بيان الأمور الخفية التي يحصل فيها الاختلاف والنزاع من نعمة الله؟ إي نعم، يعني: مثلًا إذا اختلفنا في أمور وكاد الأمر يتفاقم حتى يصل إلى الفتنة، ثم أظهر الله ما يبينه، فإن هذا من نعمة الله سبحانه وتعالى علينا؛ لأنه يزيل بذلك هذا الخلاف وهذا النزاع.
* طالب: ما يستفاد شيء من ذكر السبب بعد حكاية الأمر؟
* الشيخ: بعد حكاية القصة؟
* الطالب: إي، تأخيره.
* الشيخ: فائدة تأخير ذكر السبب قبل القصة هو المبادرة بذكر النعمة قبل بيان سببها.
﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ ﴿قُلْنَا﴾ على لسان موسى، كذا ولَّا لا؟
* فيستفاد منه: أن قول الرسول قول لمرسله، طبعًا إذا كان بأمره، قول الرسول الذي يكون بأمر الله يكون قولًا لله.
* الفائدة الثانية: أن البعض الذي ضرب به هذا القتيل من البقرة غير معلوم، ويش الدليل؟
* الطلبة: ﴿بِبَعْضِهَا﴾.
* الشيخ: لقوله: ﴿بِبَعْضِهَا﴾، أبهمه الله، ومحاولة بعض المفسرين أن يعينوه محاولة ليس لها داعٍ؛ لأن المقصود الآية.
* الفائدة الثالثة: أنه ينبغي لطالب العلم أن يعتني بالمعنى، معنى القصة وغرضها دون من وقعت عليه؛ ولهذا نرى أنه من التكلف ما يفعله بعض الناس إذا جاء في الحديث: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، كذا وكذا، تجد بعض الناس يتعب ويتكلف في تعيين هذا الرجل، وهذا ليس بلازم، المهم ما هو؟ معنى القصة وموضوعها، أما أن تعرف ما هذا الرجل، ما هذا الأعرابي، ما هذه الناقة مثلًا، ما هذا الحمار؟ ما هو لازم إذ إن المقصود في الأمور معانيها وما توصل إليه، فلا يضر الإبهام في هذا الأمر من قوله: ﴿بِبَعْضِهَا﴾، والله تعالى قد عينه لهم ما فيه شك، أو أن الله أبهمه عنا نحن فقط فقال: ﴿بِبَعْضِهَا﴾ ولم يُبيِّنه لنا؛ لأن هذا ما هو أمر مهم.
* ونستفيد منه فائدة: إذا كانوا قد أمروا أن يضربوه ببعضها فقط ولا عين لهم، نستفيد منه فائدة: أن المبهم في أمور متعددة أيسر على المكلف من المعين، يعني: إذا قيل لك: افعل بعض هذه الأشياء، أسهل مما إذا قيل لك: افعل هذا الشيء، ولَّا لا؟ فيكون في هذا توسعة على العباد إذا خيروا في أمور متعددة (...).
وصفهم بالقسوة بقسوة القلب؛ لقوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.
* وفيها أيضًا: دليل على لؤم بني إسرائيل الذين جاءتهم هذه النعم، ومع ذلك فإنهم لم يلينوا للحق، بل قست قلوبهم على ظهور هذه النعم عندهم.
وفيها أيضًا * -الفائدة الثالثة-: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ تشبيه المعقول بالمحسوس؛ لأن الحجارة أمر محسوس، والقلب قسوته أمر معقول، إذ إنه ليس المعنى أن القلب اللي هو المضغة يقسو، القلب هو هو، لكن المراد أنه يقسو بإعراضه عن الحق واستكباره عليه، فهو أمر معنوي شُبه بالأمر الحسي، وهذا من بلاغة القرآن: تشبيه المعقول بالمحسوس حتى يتبين.
* وفيه: أن الحجارة أقسى شيء يضرب به المثل، ولم يقل: كالحديد؛ لأن الحديد يلين بالنار.
* وفيه أيضًا: دليل على أن الحجارة تفترق عن قلوبهم؛ لأن فيها خيرًا، وهي: ﴿مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، وهؤلاء -والعياذ بالله- على العكس.
* وفيها أيضًا: دليل على سعة علم الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أو ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ وهذه الصفة من صفات الله سبحانه وتعالى السلبية أو الثبوتية؟
* طالب: السلبية.
* الشيخ: هي سلبية ولّا ثبوتية؟ هل أن الله نفاها عن نفسه ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾ أو أثبتها؟
* الطلبة: نفاها.
* الشيخ: هل قال: إن الله غافل؟ أو ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾؟
* الطلبة: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾.
* الشيخ: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾، فهي صفة سلبية، وقد مر علينا أن الصفات السلبية التي ينفيها الله سبحانه وتعالى عن نفسه تتضمن أمرين هما: نفي هذه الصفة، وإثبات كمال ضدها، فهنا نقول في قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ نفي غفلة الله سبحانه وتعالى عن عملهم ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾.
* وفيها: إثبات كمال ضد ذلك، وهو العلم والمراقبة أن الله سبحانه وتعالى رقيب على أعمالهم عالم بها ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
* وفي هذه الآية من الفوائد: أن الجمادات تعرف الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، وهذا دليل على أنها تعرف الله، وهذا أمر معلوم من آيات أخرى في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة ١]، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤].
* وفيها أيضًا من الفوائد: عظمة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾؛ لأن الخشية هي الخوف المقرون بالعلم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، فمن علم عظمة الله سبحانه وتعالى فلا بد أن يخشاه ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.
* وفي الآية أيضًا: دليل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى؛ حيث جعل هذه الحجارة الصماء تتفجر منها الأنهار، ولَّا لا؟ وكان موسى ﷺ يضرب بعصاه الحجر، فينبجس ويتفجر عيونًا بقدرة الله تبارك وتعالى.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии