Ибн УсейминАн‑Нур · 24:22–24

Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском

Ан-Нур 24:22–24

24:22Страница 352

وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٢٢

Пусть обладающие достоинствами и достатком среди вас не клянутся, что не будут помогать родственникам, беднякам и переселенцам на пути Аллаха. Пусть они простят и будут великодушны. Разве вы не желаете, чтобы Аллах простил вас? Аллах - Прощающий, Милосердный.

وقد يكون الصفح بدون عفو، كما أن الإنسان يعرض عن هذا الاعتداء لكن قلبه مملوء على صاحبه ولم يعف عنه، وقد يكون العفو بدون صفح، بأن يتجاوز ولا يعاقبه على ذنبه، ولكنه ليس معرضًا عن هذا الذنب، كلما جاءت مناسبة ذكره، على هذا أمر الله تعالى بالأمرين جميعًا؛ يعفون ويصفحون، وهذا نظير قوله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن ١٤] ففرق الله تعالى بين العفو والصفح.

قال الله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور ٢٢]، قال أبو بكر رضي الله عنه: «بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، ورَجَع إلى مِسْطَح –أو ورَجَّع إلى مِسْطَح- ما كان ينفقه عليه»[[متفق عليه؛ البخاري (٤١٤١)، ومسلم (٢٧٧٠ / ٥٦) من حديث عائشة رضي الله عنها.]].

قوله ﴿أَلَا تُحِبُّونَ﴾ هذا عرض أو تحضيض؟ هو عرض لكنه بمعنى التحضيض، يعني يحضنا أن نحب هذا الشيء، لكننا ليس المقصود أن نحب هذا الشيء فقط، بل أن نسعى في أسبابه؛ لأن من أحب شيئًا سعى في أسباب الحصول عليه، قد يَدَّعي كل واحد يقول: أنا أحب أن يغفر لي، ومع ذلك هو منهمك في المعاصي. من ترك الواجب وفعل المحرم، وهو يقول: أنا أحب أن يغفر لي، هل محبته هذه صادقة؟

* الطلبة: (...).

* الشيخ: نعم، ليست صادقة؛ لأن من أحب شيئًا سعى في الوصول إليه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، يعني فإذا كنتم تحبون ذلك فاعفوا واصفحوا عن غيركم، فإن من عفا وصفح عن غيره غفر الله له.

ثم قال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، الغفور مأخوذ من المغفرة، وهي ستر الذنب مع التجاوز عنه، وليست مطلق الستر، بل ستر مع التجاوز، أما الستر بدون تجاوز فليس بمغفرة، وإنما قلنا: إنها الستر مع التجاوز؛ لأن التجاوز هو الذي به الوقاية من العذاب، وأصل ذلك من الْمِغْفَر، فإن الْمِغْفَر يستر الرأس، أيش بعد؟ ويقيه، ويدل على ذلك أيضًا -على أن المغفرة هي الستر مع الوقاية- أنه جاء في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام «أَنَّ اللَّهَ يَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، حَتَّى إِذَا أَقَّرَ بِهَا قَالَ اللَّهُ: قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنه.]]، فدل ذلك على أن المغفرة غير الستر، وإلا لكانت المغفرة في الدنيا من قبل، فالمغفرة شيء والستر شيء آخر، لكن كل مغفرة تتضمن الستر، وليس كل ستر يتضمن المغفرة؛ لأن من غفر لك ولم يعاقبك معناه أنه ستر عليك؛ إذ لو عاقبك لفضحك، طيب أبو بكر رضي الله عنه، يقول المؤلف: إنه رجَّع أو رَجَع، نقول رجَع ولا رَجَّع؟

* طلبة: (...).

* الشيخ: إي نعم، لكن أنا قصدي هل نشدد الجيم أو نخففها؟

* طالب: (...).

* الشيخ: ما يصلح التخفيف؟ قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة ٨٣]، (إن رجَعك) بمعنى ردك؛ لأن (رجع) في الحقيقة تستعمل متعديًا ولازمًا، (رجع) فعل ماضٍ يستعمل متعديًا ولازمًا، فإذا قلت: (رجعت من كذا) فهذا لازم، وإذا قلت: (رجَعت إلى فلان ما استعرته منه) صارت الآن متعدية. إذن (رجع إلى مِسْطح ما كان ينفقه عليه) بمعنى (رَدَّ) فتصلح بالتخفيف.

* طالب: إذا قلنا: إن الغفران بغير الستر؟

* الشيخ: لا، ما هو بغير الستر، بمعنى مباين له، يعني ليس مجرد الستر.

* طالب: الحديث يدل على (...).

* الشيخ: نعم؟ وأيش يدل؟

* الطالب: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ»، ألا يدل على (...).

* الشيخ: لا، يدل، نعم يدل على أنه ليس مجرد الستر؛ لأنه لو كان الغفر هو الستر فقط لكان هذا قد حصل في الدنيا، لكنه الستر مع عدم العقوبة، يعني الستر مع التجاوز.

* الطالب: طيب قد يفعل الإنسان الخطيئة الحقيقة، يشرب الخمر، فيغفر له الله لكن ما يستره، يعلمه الناس جميعًا أنه فعل أشياء.

* الشيخ: في هذه الحال إذا فُضح ثم غُفر له صار سترًا؛ لأنه إذا افتضح عند معاصريه وعند من حوله ولم يغفر له معناه أنه افتضح عند جميع الناس، كذا ولَّا لا؟ فإذا افتضح عند قومه ثم غُفِر له فمعناه أنه ستر عن أكثر الناس؛ لأن أكثر الناس غير المعاصرين له، إي نعم.

* طالب: العفو، بمعنى (...)؟

* الشيخ: العفو بمعنى التجاوز، يعني أن الله عفا عنهم، بمعنى تجاوز عنهم.

* الطالب: (...).

* الشيخ: لا، الله ما يقول: صفحت عنكم، إنما الصفح فيما نحن نؤمَر به، وأما الله فلا أذكر الآن أن الله يقول: صفح عنه، بل يقول عفا عنه، ولا يقول: صفح. فالصفح والعفو إذا اجتمعا في حق المخلوق فإنه يفسر العفو بكذا؛ بعدم المؤاخذة على الذنب، والصفح بالإعراض عنه كليةً وكأنه لم يجرِ، فيكون تكميلًا للعفو.

* الطالب: أن يكون العفو (...).

* الشيخ: لا، هو إذا نظرنا إلى معناه الأصلي في العفو -أنه عدم المؤاخذة على الذنب- ما يلزم أن الله سبحانه وتعالى، ما أدري يمكن يصير العفو في حق الله أنه شامل للأمرين، بمعنى أن الله يتجاوز عنه نهائيًّا، ولا يجعل هناك أمورًا خلفية لهذا العفو، يعني يمكن نقول: إن العفو في حق الله يشمل الصفح، إي نعم.

* طالب: (...).

* الشيخ: الحديث ذكرنا أن هذا في الحدود الشرعية، لكن هذه في غير الحدود الشرعية؛ لأن محبة إشاعة الفاحشة أو شيوع الفاحشة ليس هو القدر الموجب للحد، هذا إنما يوجب التعزير، والتعزير قد يتخلف، نعم، مثل يصير هؤلاء المستحقون للعذاب في الآخرة، وهو التعزير، لكن قد لا يُعزَّرون، يتخلف بسبب من الأسباب، وأما عذابهم في الآخرة فباقٍ، يعني لو تخلف عذاب الدنيا ما تخلف عذاب الآخرة.

على أن بعض الإخوان أمس قال: ربما أن المراد بالعذاب ما هو أعم من الجلد وشبهه، يكون عذابًا أن الله تعالى يجعل في قلبه ألمًا وحزنًا وقلقًا وما أشبه ذلك.

* طالب: لو عُزِّر كان (...) الإمام.

* الشيخ: إلا، لو عزره الإمام فإننا نقول بمقتضى أن الحد يكفِّر: التعزير يكفِّر أيضًا، التعزير يكفِّر إذا كان مستوفيًا؛ لأن حقيقة الأمر أن الإمام بالنسبة للتعزير قد يتركه إطلاقًا مع وجوبه، وقد يفعله مع التهاون به، وقد يفعله على وجه الكمال، بمعنى أنه يعاقب هذا المعتدي عقوبة تامة تكون كالحد الشرعي؛ لأن نحن نعلم أن الحد الشرعي أنه عقوبة تامة؛ لأنه من الله، لكن التعزير قد يَنقُص عن مقابلة الذنب أو الجرم، يصير أقل فيكون ناقصًا، وقد يكون مساويًا فيكون تامًّا، وقد لا يؤخَذ به الإنسان إطلاقًا، مثل أن الحاكم إما ظالم وإلا له قرابة مع هذا الشخص فيحابيه.

* طالب: (...).

* الشيخ: قلنا على هذا: للعرض الذي بمعنى التحضيض، يعني أن الله يحضنا على أن نحب مغفرة الله ويلزم من محبة المغفرة السعي في أسباب حصولها.

* طالب: (...) وعدتنا (...).

* الشيخ: إي نعم، الظاهر أنه انتهى، أنا وعدتكم بأن أقول: أحب أنكم تستعرضون الفوائد التي فيها وتكتبونها، نعم، إن شئتم اذكروا الآيات أولًا، ثم اسردوا الفوائد بدون تفسير ما يحتاج التفسير، وإن شئتم اذكروا كل آية وحدها، وقولوا: يستفاد من هذه الآية كذا وكذا، لا بأس، نعم، فنبغي نشوف لعلنا نحصل على فوائد أكثر، الشافعي رحمه الله استنبط من قول النبي ﷺ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٠٣)، ومسلم (٢١٥٠ / ٣٠) من حديث أنس رضي الله عنه.]] ألف فائدة، وهو حديث من كلمتين، وبمعنى القرآن عشر آيات يقتضي منكم تجيبوا لنا عشرة آلاف.

طيب على كل حال، اتقوا الله ما استطعتم، وفضل الله يؤتيه من يشاء، ولهذا لما «قال رجل لعلي بن أبي طالب: هل عهد إليكم النبي ﷺ بشيء؟ قال: ما عهد إلينا بشيء إلا فهمًا يؤتيه الله تعالى في الكتاب، وما في هذه الصحيفة»[[أخرجه البخاري (٦٩٠٣) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.]]. وذكر ما في هذه الصحيفة. الشاهد أن الناس يختلفون في التحصيل العلمي، ليس بحسب كثرة الاطلاع فقط، ولكن بحسب كثرة الاطلاع وبحسب الفهم؛ لأنك تجد بعض العلماء يستعرض له آية ويستنبط منها فوائد كثيرة جدًّا، وهي آية واحدة، من الدلالة الضمنية ودلالة المطابقة ودلالة الالتزام؛ لأن الدلالات كما هو معروف لكم دلالة تضمن ومطابقة والتزام:

فدلالة الكلام على معناه كاملًا تسمى دلالة مطابقة، ودلالته على جزء معناه يسمى دلالة تضمن، ودلالته على أمر يلزم من وقوعه كذا كذا يسمى دلالة بالالتزام، فمثلًا إذا قلت: هذا بيت، هذه الكلمة تدل على كل البيت بغرفه وحجره وسطوحه دلالة أيش؟ مطابقة، وكونها تدل على أن فيه حجرة وفيه غرفة وفيه سطح، ويش فيه دلالة؟ تضمن، وكونها تدل على أن له بانيًا بناه هذه دلالة التزام؛ لأنه من لازم وجوده أن يكون له بانٍ، فهذه الدلالات الثلاث يختلف فيها الناس اختلافًا كثيرًا، وبحسب هذا الاختلاف يتسع علم الإنسان.

ولذلك ينبغي أن الطالب يمرن نفسه على كثرة الاستنباط من النصوص؛ لأنه كم من نص واحد تأخذ منه صفحة من الفوائد والمسائل، ويجي واحد آخر يمكن ما يحصِّل منه ولا سطرين، فلذلك ينبغي لطالب العلم كما أنه يمرن نفسه على كثرة المطالعة وقراءة الكتب ينبغي أيضًا أن يمرن نفسه على الاستنباط، الاستنباط منين؟ من الأدلة، وكم من دليل واحد دل على مئات المسائل بحسب فهم الإنسان، فيستغني بذلك عن نصوص كثيرة، ما يحتاج إلى أن يجهد نفسه في تحصيلها ومطالعتها، إي نعم.

* طالب: (...).

* الشيخ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» النغير طائر صغير يلعب به، وكان مع صبي يكنى بهذه الكنية، يلعب به، فلما مات اغتم هذا الصبي، مثل العادة الصبي مسك عصفور يفرح به، فإذا مات عصفوره، نعم، يغتم به، حتى إنه بعض الأحيان يلعب به وهو ميت، فالنبي عليه الصلاة والسلام لما دخل ذات يوم ووجد أن الصبي محزون على فقد هذا النغير قال له: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟».

* * *

﴿أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور ٢٢] وأن هذا نزل في أبي بكر مع مسطح بن أُثاثة ابن خالته، ولكن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.

24:23Страница 352

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡغَٰفِلَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٢٣

Воистину, те, которые обвиняют целомудренных верующих женщин, даже не помышляющих о грехе, будут прокляты в этом мире и в Последней жизни! Им уготованы великие мучения

ثم قال الله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ بالزِّنا ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ العفائف ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ عن الفواحش بألا يقع في قلوبهن فعلها ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بالله ورسوله ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣]).

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الرمي هو القذف بالزنا، وسمي رميًا لأنه يشبه الرمي بالحجارة من حيث إيلامه للمقذوف.

وقوله: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ تقدم أن المراد بهن العفائف عن الزنا، وأن المحصن في القرآن يطلق ويراد به عدة معان، منها هذه: العفيفات عن الزنا، ومنها: ذوات الأزواج، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء ٢٤]، ومنها الحرائر ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي الحرائر ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء ٢٥]، وذكرنا أيضًا على هذا الكلام أن الألفاظ المشتركة التي تطلق على معانٍ متعددة يعين المراد منها السياق، السياق هو المعين للمراد.

﴿الْغَافِلَاتِ﴾ يقول: (عن الفواحش بألا يقع في قلوبهن فعلها) هذا المراد بالغافل، وهذا القيد ليس بشرط، يعني ليس بشرط أن تكون المرمية ممن هي غافلة، هكذا قال بعض أهل العلم، بدليل أن من قذف محصنة بالزنا وجب عليه حد القذف وإن لم تكن غافلة، ولكن الأصل في القيد، أيش الأصل فيه؟ أنه معتبر، وأن مفهومه -مفهوم المخالفة- غير داخل فيه، هذا الأصل، فمن قال: إن هذا القيد لا يعتبر مثلًا إما بناء على الغالب أو ما أشبه ذلك لنا أن نطالبه بأيش؟ بالدليل، نقول: هات دليلًا على أن هذا القيد لبيان الغالب، وأنه ليس بمقصود، وإلا فالأصل أن القيود يراد بها ما يخالف مفرداتها، يعني يراد بها أن ما يخالفها يكون مخالفًا لها في الحكم، ما أدري فاهمين هذا ولَّا لا؟

﴿الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ بعض العلماء يقول: إن (الغافلات) هذه قيد لبيان الواقع وليست مقصودة، بمعنى أن من رمى محصنة فعليه هذه اللعنة وإن لم تكن غافلة، وأيش دليله؟ قال: لأن من قذف محصنة وجب عليه حد القذف وإن لم تكن غافلة، والغافلة فهمتوا المعنى أنها التي لا يرد في ذهنها هذا الأمر الذي رميت به، وهو أبلغ من كونها لم تفعله ولم تتهم به، الغافلة أبلغ ممن لا تتهم به؛ لأنها قد لا تتهم به ولكن قد يرد في قلبها هذا الشيء إلا أنها لا تفعله، فالغافلات أكمل حالًا من مجرد أيش؟ المحصنات.

فيقول هذا القائل الذي ذهب إلى أن (الغافلات) قيد لبيان الواقع، وأنه لا مفهوم له، أؤيد رأيه هذا بأن المحصنة إذا قُذفت وجب على قاذفها الحد وإن لم تكن غافلة، مفهوم هذا ولَّا لا؟

نقول له ردًّا على كلامه وتقريره: ادعاؤك أن الغافلات قيد أغلبي، وإنه لا مفهوم له، واستدلالك على ذلك بأن رمي المحصنة بالقذف يوجب الحد وإن لم تكن غافلة هذا غير مسلم به، لماذا؟ لأن الأصل في القيد الاعتبار، وأنه يخرج ما عداه بمفهوم المخالفة، هذا الأصل، أن القيود التي ترد في القرآن أو في السنة الأصل فيها أنها قيود تخرج محترزاتها من هذا الحكم، فمثلًا عندنا نقول: إن (الغافلات) قيد أغلبي لا يخرج محترزه، هذا خلاف الأصل، وعلى مدعيه أيش عليه؟ الدليل.

* طالب: (...).

* الشيخ: أيش؟ على مدعيه الدليل، هو استدل على ذلك بأن قذف المحصنة يوجب الحد وإن لم تكن غافلة، هذا صحيح ولّا لا؟ هذا صحيح، المرأة المحصنة التي لا تتهم بالزنا إذا قذفها القاذف وجب عليه الحد وإن لم تكن غافلة؛ لأننا نرد هذا الاستدلال أو هذا التأييد الذي أيد به قوله بأن الحكم مختلف، فهناك حد القذف وهنا اللعنة ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، مثل من قذف محصنة استحق حد القذف، لكن اللعنة إنما تكون على من قذف محصنة غافلة، هذا هو الأصل، ولذلك نؤيد أن الغافلات قيد اعتباري لا أغلبي، وأن الحكم الذي هو اللعن في الدنيا والآخرة لا يكون إلا لمن قذف محصنة غافلة؛ ذلك لأن الأصل على حسب ما سمعتم في هذا التخريج: الأصل أن القيود أيش؟ اعتبارية، تخرج عن الحكم محترزاتها، هذا الأصل، فمن خرج عن هذا الأصل أُلزم بالدليل.

طيب، أما من قال: إن المراد بهذه الآية عائشة رضي الله عنها مثلًا، إن المراد عائشة، وإنها غافلة عن هذا الأمر، فهذا صحيح، عائشة غافلة، لكننا أيضًا نرد قوله بماذا؟ بأن الآية عامة، فهذا أيضًا مثل الأول، حمل العام على الخصوص يحتاج إلى دليل، فمن ادعاه فعليه الدليل، وإلا وجب الأخذ بالعموم.

(﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بالله ورسوله) ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إذا قال قائل: لماذا قدم الله الوصف بالإحصان على الإيمان؛ لأنَّ الإيمان أعظم، وهو الأصل، فلماذا قدمه؟

فنقول: وجه تقديمه هنا واضح؛ لأن الرمي بالزنا ينقض الإحصان وينافيه، فبدأ بالوصف الذي ينقض ما رميت به، وهو الإحصان، ليش؟ لأن المؤمنة قد تكون مؤمنة وليست محصنة، لكن المحصنة اللي هي أبعد شيء عما رميت به ليست هي مؤمنة فقط، بل ومحصنة أيضًا، فعلى هذا نقول: وجه تقديم المحصنة على المؤمنة مع أن الإيمان أكمل وأولى بالاعتبار أن المسألة في رد قول يتعلق بأيش؟ بالإحصان، فناسب أن يذكر ما يتعلق به من الحكم، وهو وصف الإحصان قبل وصف الإيمان.

وقوله: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ الجملة أيش محلها من الإعراب؟

* طالب: (...).

* الشيخ: أيش هي؟ ما هي جواب شرط، ما عندنا شرط.

* طالب: خبر.

* الشيخ: خبر (إن): إن الذين يرمون لعنوا.

﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، هنا ما قال: لعنهم الله، قال: ﴿لُعِنُوا﴾؛ لأجل أن يشمل ذلك لعنة الله وغيره سبحانه وتعالى، ﴿لُعِنُوا﴾ مثل قوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة ١٥٩] يعني أن الله يلعنهم وكذلك اللاعنون يلعنونهم.

وبناء الفعل للمجهول من فوائده العموم، (...) من الفوائد، لكن في مثل هذه الآية من العموم، مثل ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٦، ٧]، ما قال: غير من غضبت عليهم، مثلما قال: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ليش؟ لأن النعمة من الله، والغضب من الله ومن غيره، كل من استكبر عن الحق فإنه مغضوب عليه، لا من قبل الله فحسب، ولكن من قبل الله وغيره، هذا أيضًا اللعن هنا من قبل الله وغيره، ولذلك بُنيت للمجهول ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.

اللعنة: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، هذا بالنسبة للعنة الله، فهم -والعياذ بالله- مطرودون عن رحمة الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة، وبالنسبة لغير الله يلعنون في الدنيا بحيث يسبون ويوبخ فيهم ويبعد عن الاختلاط بهم، تجد الناس يبتعدون عنهم، ويش السبب؟ لأنهم ممقوتون محذورون، كل يحذر منهم ويخاف أن يتهموه بما اتهموا به فلانًا وفلانًا.

طيب هذه الآية ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ هل المحصنون الغافلون مثلهن؟ نعم، بالإجماع، أن المحصنات، بل أن المحصنين مثل المحصنات في هذه.

إذن ما وجه ذكر هذا بالنساء دون الرجال ما داموا مشتركين في الحكم؟ لأن كثرة القذف في النساء أكثر، لأن القذف في النساء أكثر من الرجال، يعنى كون المرأة تقذف وتتهم بالزنا أكثر من الرجال، لذلك ذُكرت هي والرجل مثلها بالاتفاق.

24:24Страница 352

يَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَيۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٤

в тот день, когда их языки, руки и ноги будут свидетельствовать против них о том, что они совершили.

قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ﴾ إلى آخره [النور: ٢٤] قال: (﴿يَوْمَ﴾ ناصبه الاستقرار الذي تعلق به لهم) ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ﴾ ما جعلها المؤلف متعلقة بـ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ جعلها متعلقة بـ(لَهُمْ)، (...) بجار ومجرور؟ بالاستقرار الذي تعلق به الجار والمجرور؛ لأن ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ نريد الأخ يعربها لنا.

* طالب: (...).

* الشيخ: (...) ﴿عَظِيمٌ﴾، أعرب ﴿لَهُمْ عَذَابٌ﴾؟ مين يعربه؟ نعم؟

* طالب: (...).

* الشيخ: نعم

* الطالب: (...).

* الشيخ: نعم، الجار والمجرور خبر مقدم ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، (لَهُمْ) جار ومجرور خبر مقدم، و﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ، و﴿عَظِيمٌ﴾ صفة، طيب الجار والمجرور إذا صار خبر مبتدأ يقولون: إنه يجوز أن تجعله متعلقًا بفعل، ويجوز أن تجعله متعلقًا باسم فاعل، قال ابن مالك:

وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أَوْ بِحَرْفِ جَرْ ∗∗∗ نَاوِينَ مَعْنَى كَائِـــــــنٍ أَوِاسْتَقَــــــــرْ

فهنا نقول: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ استقر لهم عذاب أليم، نجعل الخبر جملة، أو: كائن لهم، نجعلها اسم فاعل، وأيًّا كان فإن (كائن) يصح أن يتعلق به الظرف، و(استقر) أيضًا يصح أن يتعلق به الظرف، وعلى هذا فنقول: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ﴾، العذاب العظيم يكون لهم متى؟ يكون لهم ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ [النور ٢٤] إلى آخره.

﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، فهمتم؟ لكن هل الجار والمجرور هو الخبر ولَّا متعلق الجار والمجرور هو الخبر؟ الجواب: متعلقه، لكن هم يقولون: الجار والمجرور خبر من باب التسامح والتجوز، الخبر هو المحذوف الذي تعلق به الجار والمجرور، ويش تقديره؟ مستقر أو استقر، مستقر لهم عذاب أليم، أو استقر لهم عذاب عظيم، يشير المؤلف يقول في التفسير: (ناصبه الاستقرار الذي تعلق به ﴿لَهُمْ﴾ )، وين الاستقرار؟ ها اللي قدرناه ها اللي قلنا تقديره: مستقر لهم، أو تقديره: استقر لهم. إذن كلمة ﴿يَوْمَ﴾ ظرف منصوب، أيش اللي ناصبه؟ الاستقرار، نحن بدل ما نقول: الاستقرار نقول: ناصبه المقدَّر الذي تعلق به الجار والمجرور، سواء قدرته (مستقر) أو قدرته (استقر)، فـ﴿يَوْمَ﴾ هذه متعلقة بها، إذن متعلقة بما تعلق به الجار والمجرور في ﴿لَهُمْ﴾، سواء قدرتها (مستقر) أو قدرت (استقر).

الآن انتهينا من تفسير الآية.

وذلك لأن الخبر إذا كان جارًّا ومجرورًا لا بد أن يتعلق بمحذوف؛ إما أن تقدره فعلًا وإما أن تقدره اسم فاعل، فتقول: استقر له أو مستقِر له. وسمعتم البيت الذي أنشدناه لهذه القاعدة في الألفية:

وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أَوْ بِحَرْفِ جَرْ ∗∗∗ نَاوِينَ مَعْنَى كَائِـــنٍ أَوِاسْتَقَــرْ

(كائن) هذا اسم فاعل، (استقر) فعل.

هذا العذاب العظيم متى يكون لهم؟ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾، (﴿تَشْهَدُ﴾ بالفوقانية والتحتانية) ﴿تَشْهَدُ﴾ و﴿يَشْهَدُ﴾ ، (﴿أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] من قول وفعل، وهو يوم القيامة) يعني اليوم الذي تشهد فيه هذه الجوارح هو يوم القيامة.

قوله: (﴿تَشْهَدُ﴾ بالفوقانية والتحتانية) يعني أن فيها قراءتين ﴿تَشْهَدُ﴾ و﴿يَشْهَدُ﴾ ؛ وذلك لأن (ألسنة) جمع، تكسير ولَّا مذكر؟ جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه التذكير والتأنيث، تقول: قال الرجال وقالت الرجال. ﴿تَشْهَدُ﴾ مؤنث ولَّا مذكر؟ مؤنث، و﴿يَشْهَدُ﴾ مذكر، كلاهما جائز.

﴿أَلْسِنَتُهُمْ﴾ جمع لسان و﴿أَيْدِيهِمْ﴾ جمع يد و﴿أَرْجُلُهُمْ﴾ جمع رجل، ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قال المؤلف: (من قول وفعل) استفدنا من كلام المؤلف رحمه الله فائدة عظيمة، وهو أن العمل يشمل القول والفعل، بخلاف الفعل، ولهذا نجعل القول ويش قسيمه؟ تقول: قول، ويش قسيمه هذا اللي يكون مقابلًا له؟ فعل، ما تقول: قول وعمل، إذا أردت أن تحرر تمامًا تقول: قول وفعل، (...) قول وعمل، لكن على سبيل التجوز.

إذن فهمنا أن العمل يطلق على القول وعلى الفعل. بل قال أهل السنة والجماعة في بحثهم في الإيمان: إن العمل يشمل عمل اللسان، وهو القول، وعمل الجوارح، وهو الفعل، وعمل القلب أيضًا، عمل القلب مثل خوفه ورجائه ومحبته وما أشبه ذلك، يعنى حركة القلب، الحركة القلبية. فصار إذن العمل إذا قيل: عمل، يشمل القول والفعل، وإذا أردت أن تقسم تقول: قول وفعل.

إذا سمعت أو جاءك عبارة فيها قول وعمل فاعلم أن هذا من باب التجوز، تجوَّز بالعمل عن الفعل، وإلا فالأصل أن الفعل قسيم القول، لا أن العمل قسيم القول.

* طالب: فيه فرق في المعنى؟

* الشيخ: إي نعم فيه فرق، معروف، إذا قلت: عمل، يشمل القول والفعل، وإذا قلت: فعل، يختص بالفعل اللي هو عمل الجوارح، والقول عمل اللسان، فالعمل يشمل قول اللسان وفعل الجوارح، لكن الفعل يختص بفعل الجوارح فقط.

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، إذا قيل: قول وعمل من باب التقسيم، لكنه تجوَّز في إطلاق العمل على أحد معنييه، وهو الفعل، نقول: ما هو بحاطط عام على خاص (...) التقسيم.

طيب، أقول: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ اللسان يشهد على الإنسان، كيف يشهد؟ يقول لهذا القاذف للمحصنة الغافلة المؤمنة، يقول: إنك قذفتها، لسانه نفسه يقول: إنك قذفتها، مع أن الفعل منه فعل في الدنيا، العمل عمل اللسان، ومع ذلك يشهد اللسان على صاحبه بهذا القول الذي هو القذف، أيديهم أيضا تشهد عليهم، أرجلهم تشهد عليهم، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أن هذه الأعضاء تشهد على الإنسان يوم القيامة، وكذلك ذكر أن الجلود تشهد أيضًا، وأنه يحصل محاورة بين الإنسان وبين جلده، ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [فصلت ٢١].

* ففي هذه الآية: إثبات البعث وإثبات الجزاء، وأن الجزاء من جنس العمل، ويش الدليل؟ قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، تشهد بما كانوا يعلمون، لا بزيادة ولا بنقص.

* وفيه أيضًا: تمام قدرة الله عز وجل، حيث إن هذه الأعضاء تنطق، مع أن النطق في العادة باللسان، لكن يكون نطق بكل شيء إذا أراد الله سبحانه وتعالى، ولهذا تقول الجلود: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.

* وفي هذا دليل على عظم القذف للمحصنات الغافلات المؤمنات، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه من الكبائر، فقال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ»، وذكر منهن: «قَذْف الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩ / ١٤٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].

* وفي هذا دليل على غَيرة الله عز وجل، على كمال غَيرة الله، وأنه جل وعلا غيور، وقد جاء في الحديث الصحيح: «مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٤٤)، ومسلم (٩٠١ /١) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، وكذلك قصة سعد بن عُبَادَة لما نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور ٤] فإن سعدًا رضي الله عنه استشكل كيف أن الرجل يجد على زوجته رجلًا ثم يذهب يطلب أربعة شهود، لا يأتيه إلا وقد فرغ، وقال رضي الله عنه للنبي عليه الصلاة والسلام: «والله لأضربنه بالسيف غير مُصفَح». يعني أضربه بالسيف بحده حتى أقتله، فقال النبي ﷺ: «أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤١٦)، ومسلم (١٤٩٩ / ١٧) من حديث سعد بن عبادة.]]، نعم، ويدلك على هذا، شوف كيف أوجب الله لهؤلاء القاذفين، أوجب لهم أن يُلعَنوا في الدنيا والآخرة، وأن لهم عذابًا عظيمًا، ولهذا جاء الشرع بما أراده سعد بن عبادة رضي الله عنه، فإن الإنسان لو وجد والعياذ بالله إنسانًا على امرأته فله قتله، له أن يقتله سواء كان هذا الفاعل محصنًا أم غير محصن، ولا يحتاج أيضًا إلى مدافعة، ما يحتاج أنه يقول: إذا عجز عن (...) فله قتله، بل له قتله مباشرة؛ لأن هذا ليس من باب دفع الصائل، ولكنه من باب الغيرة على محارمه.

ولهذا وقعت القصة في عهد عمر رضي الله عنه، واختصموا إليه وأقروا بأن هذا المقتول.. يعني ما أنكروا ادعاء الزوج بأنه وجده على امرأته؛ «لأنه قال: يا أمير المؤمنين، أنا ما ضربت إلا فخذي امرأتي، فإن كان بينهما أحد فقد قتلته. فأخذ السيف رضي الله عنه عمر وقال له: إن عادوا فعد»[[عزاه ابن قدامة في المغني (١١ / ٤٦٢)، (١٢ / ١٣٥) لسعيد بنمنصور في سننه، ولم نقف عليه فيما بين أيدينا من السنن المطبوعة.]]، ولم ينكر عليه هذا الفعل؛ لأن هذا الإنسان ما يتحمل أنه يجد إنسانًا ينتهك محارمه إلى هذا الحد حتى يقتله.

فعلى كل حال في هذه الآية قلت: إثبات غيرة الله عز وجل، ووجه هذا أنه سبحانه وتعالى حمى أعراض عباده المؤمنين المحصنين الغافلين بهذه العقوبة العظيمة، وهي اللعن في الدنيا والآخرة.

طيب هل يستفاد من الآية جواز لعن القاذف للمحصنة الغافلة المؤمنة؛ لقوله: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا﴾، أم هذا بيان لواقع الأمر أن الناس يلعنونهم ويكرهونهم ويبعدونهم عن مجالسهم وعن مخالطتهم؟ ما رأيكم؟

الحقيقة أن الآية محتملة، مثل قوله ﷺ: «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ؛ الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ»[[أخرجه أبو داود (٢٦) وابن ماجه (٣٢٨) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.]] ورواية مسلم: «اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ». قَالُوا: وَمَا اللَّاعِنَانِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ ظِلِّهِمْ»[[أخرجه مسلم (٢٦٩ / ٦٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فسمى ذلك لعنًا.

فهل المعنى أن هؤلاء الناس الذين يفعلون هذا الفعل ينفر الناس منهم ويبعدونهم ويتخلون عن أخلاقهم، أو يجوز أن نلعنهم؛ نقول: اللهم العن من تخلى في طريق الناس أو ظلهم، وهنا نقول: اللهم العن من قذف محصنة غافلة مؤمنة؟

الظاهر أن الأمر يتناول هذا وهذا، يتناول الأمر الواقع أن الناس يلعنونهم بالفعل ويبعدون عنهم ويبعدونهم من مجالسهم، وأنه يجوز للإنسان أن يلعن من قذف محصنة غافلة مؤمنة؛ لأن الله لعنه، فالدعاء عليه باللعن من باب تحقيق ما أخبر الله به.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English