Ибн УсейминАн‑Нур · 24:31–32

Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском

Ан-Нур 24:31–32, продолжение

والمعنى: أنهم لا يعرفون ما يتعلق بالعورات، فقوله: ﴿لَمْ يَظْهَرُوا﴾ أي: لم يطلعوا بحيث لا يدرون ماذا يُفعل بالعورات، هذا المراد، ما هو المراد الاطلاع بالعين؛ لأن الاطلاع بالعين هذا يكون في الأطفال وغيرهم، لكن المراد: الاطلاع أنهم لا يدرون ماذا يُصنع بالعورات، ولا يرد لهم على بال، هؤلاء الأطفال، يجوز أن تُبدى لهم الزينة. وقول المؤلف: (يُظهر لهم ما بين السُّرّة والركبة) بناء على أن المراد بالزينة هنا ما زيّن الله به المرأة، لا أنها اللباس. ﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾ كم صار عندنا الآن؟ صار اثني عشر.

﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبَائِهِنَّ أو آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أو أَبْنَائِهِنَّ أو أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أو إِخْوَانِهِنَّ أو بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أو بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أو نِسَائِهِنَّ أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أو التَّابِعِينَ غَيْرِ أولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ اثنا عشر صنفًا، هؤلاء هم الذين تُبدى لهم الزينة الخفية، ومن عداهم لا تُبدى لهم، هذا هو ظاهر الآية؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا﴾ والاستثناء هذا مفرَّغ، يقتضي أن من سوى هؤلاء لا يجوز إبداء الزينة لهم.

لكن بعض العلماء ألحق بهم بقية المحارم من مصاهرة، أو نسب، أو رضاع؛ لأن فيه أشياء فيه من النسب من المحارم من لم يُذكر، مثل: الأعمام والأخوال، وفيه أيضًا من المصاهرة من لم يُذكر؛ لأنه قال: ﴿آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ معناه تكون زوجة ابن أو ﴿أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ تكون زوجة أب أو لا؟ يعني أن زوجة الأب تُبدي لأبناء زوجها الزينة، وزوجة الابن تُبدي لآباء زوجها الزينة كذا ولَّا لا؟

طيب زوج البنت يجوز، ولَّا ما يجوز؟ زوج البنت ما ذُكر، وهو من المصاهرة؛ فبعض العلماء يقول: إنه يُلحق بمن ذُكر.

عندنا أيضًا: الرضاع كله بجميع أقسامه ما ذُكر، ألحقه بعض العلماء مدعين أن ذِكر البعض يدل على البقية، وأن العرب في كلامهم أحيانًا يقتصرون على ذكر البعض، تنبيهًا على البقية، لكن هذا ليس بجيد، وجه ذلك أن ذِكْر البعض الذي يُراد به إلحاق البقية يُكتفى منه بذكر واحد، ويكون هذا الواحد على سبيل التمثيل.

أما أن يُذكر عدد من جنس، ويُحذف الباقي، وبطريق الحصر، فهذا غير مُسلَّم، لكن يبقى عندنا النظر في مسألة إبداء الزينة التي زينها الله به؛ يعني الوجه واليدين وما أشبه ذلك، فهذا له دليل غير هذه الآية.

فنقول: هذه الآية في زينة اللباس وشبهه، ويجب إبقاؤها على ما ذكره الله سبحانه وتعالى.

وأما مسألة: إبداء الوجه، والكفين، والساق، والرقبة، وما أشبه ذلك، فهذا يؤخذ من أدلة أخرى.

هذه الآية، هؤلاء الاثنا عشر، هل هم على حد سواء فيما يُبدى من الزينة، أو ليسوا على حد سواء؟

ليسوا على حد سواء بلا شك، ولهذا بدأ الله بالزوج؛ لأنه أعلى من تُبدى له الزينة بمطلقها، والباقين يمكن أن يُقال: على الترتيب، ويمكن ألا يقال: على الترتيب، بل ينظر إلى ما جرت به العادة؛ لأن حقيقة الأمر أنه مثلًا: الأخ إذا كان عند أخته دائمًا في البيت ليست مثل ما إذا لم يكن يأتيها إلا نادرًا، أي الحالين أشد تحشمًا بالنسبة لها؟

إذا كان ما يأتي إلا نادرًا، فهي تستحي منه، وتحتشم أكثر مما إذا كان دائمًا عندها، فينبغي لمثل هذه الأشياء يقال: بترتيبهم، أما الزوج فهو على كل حال في القمة.

* * *

الخفِيّة إلا لمن ذُكروا في الآية، وصلنا عددهم أمس أو في الدرس السابق كم؟ لاثني عشر صنفًا، ومن عداهم لا يجوز إبداء الزينة الخفية لهم.

قال بعد ذلك سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ﴾ الضمير يعود على من؟

على المؤمنات ﴿بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ ضرب برجله معروف؛ يعني حرَّكها على الأرض بقوة.

(﴿لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ من خلخال يتقعقع)؛ يعني: يصوّت القعقعة: الصوت؛ لأن المرأة إذا صار عليها خلخال، وقد ستره السراويل وهو ما يبين للناس، لكن بعض النساء للفتنة -والعياذ بالله- تضرب برجلها حتى يُسمع الخلخال؛ أي أن عليها خلخالًا، فنهى الله سبحانه وتعالى المؤمنات أن يفعلن ذلك؛ أن يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن.

و(اللام) في قوله: ﴿لِيُعْلَمَ﴾ هل هي للتعليل، أو للعاقبة؟

يختلف المعنى إذا قلت: إنها للتعليل صار النهي مُنصبًّا على ما إذا ما قصدت ذلك؛ أي: ضربت برجلها لأجل أن يُعلم، وعليه فلو ضربت برجلها على حشرة مثلًا على عقرب، أو ما أشبه ذلك وسُمع الخلخال فإنه لا حرج عليها في ذلك؛ لأنها لم تقصد أن يُعلم ما تُخفي من زينتها.

وإذا جعلنا (اللام) للعاقبة؛ يعني لا تضرب برجلها، فإن عاقبة هذا الضرب أن يعلم ما تخفي من زينتها صار النهي عن الضرب بالرجل مطلقًا سواء أرادت ذلك أم لم ترده.

لا شك أننا إذا نظرنا إلى المحظور من هذا الضرب، وهو علم ما أخفي من الزينة فإن هذا المحظور لا فرق بين أن تكون المرأة قاصدة له أم غير قاصدة.

هذا المحظور سيحصل إذا ضربت حتى صوّت الخلخال سواء كانت قاصدة لهذا الأمر أم لم تقصد.

وعلى هذا فيرجح أن تكون (اللام) للعاقبة ذلك؛ لأن المحظور سيقع.

وإذا نظرنا إلى أن المرأة إذا لم ترد هذا الشيء، فقد قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب.]]، وهي ضربت برجلها لا لهذا الغرض، فلا تكون آثمة به.

رجّحنا أن تكون (اللام) للتعليل، ولكن الأول أولى؛ أن يقال: إنه ما يجوز الضرب بالرجل، ولو لغير هذا القصد، وذلك لأنه ينتج أن يعلم ما تخفي من زينتها.

و(اللام) للتعليل وردت كثيرًا في القرآن كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة ٢٣١]، وقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، هم ما التقطوه لذلك، وإنما التقطوه ليكون قرة عين لهم، لكن العاقبة صارت هكذا.

فعلى كل حال الذي يظهر أن ترجيح كون (اللام) للعاقبة أولى وذلك؛ لأن المفسدة والفتنة حاصلة سواء أرادت أم لم تُرد.

إذا كان لا يجوز لها أن تضرب بالرجل خوفًا من ظهور صوت الخلخال، فما بالك بمن تُظهر الخلخال نفسه، وتظهر الأسورة في اليدين، وتُظهر القلادة على العنق، يكون هذا مثله ولّا أولى؟

* طلبة: أشد.

* الشيخ: أشد، إي نعم، أشد وأولى في النهي والتحريم؛ ولذلك عمل النساء الآن لا شك أنه محرّم، وأننا في الحقيقة نحن وهم معرّضون لذلك؛ كيف مثلًا نرى هذه النساء تنتهك ما نهى الله عنه سبحانه وتعالى علنًا، ولا نجد أحدًا ينهاها، ويقول: هذا حرام؟!

هي في ظني أنها تتقصد إظهار اليد ليرى ما عليها من الحلي، ولذلك تجدها أحيانًا ما تظهر إلا اليد التي فيها الحلي، وهذا أيضًا من العمل المشين الذي تستعمله النساء، كونها تملأ إحدى اليدين بالحلي، وتجعل اليد الأخرى فاضية هذا أيضًا من الخطأ؛ لأن الظاهر أنه من جنس الذي يمشي بنعل واحدة، «وقد نهى النبي ﷺ أن يمشِيَ الرَّجُلُ بِنَعْلٍ وَاحِدَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٨٥٦)، ومسلم (٢٠٩٧ / ٦٨) من حديث أبي هريرة. ]] لما في ذلك من عدم العدل بين الرجلين، والعدل مأمور به كونها مثلًا بتملأ يدًا من الحلي، ويد فاضية فهذا في النفس منه شيء.

فنقول: الأوْلى أن تلبس الحلي على حد سواء في اليدين، اللهم إلا إذا كانت إحدى اليدين فيها ساعة، وأرادت أن تنقص من الأسورة بقدر ما تأخذه الساعة من المساحة، فهذا ربما يقال: إنه عدل، ولا فيه شيء.

لكن كونك تملأ هذه اليد من الحلي والثانية بيضاء، أو ما فيها إلا ساعة، أو فيها سير أيضًا، ففي النفس من هذا شيء.

على كل حال نحن إذا كان الله -سبحانه وتعالى- نهى أن تضرب المرأة برجلها، خوفًا من أن يُعلم ما تُخفي من الخلخال لظهور صوته، فما ذكرناه مما عليه النساء اليوم أشد وأعظم، ولهذا لا يجوز للنساء أن تفعل ذلك حتى عند القائلين بأن الوجه والكف ليس بعورة، يرون أن الذراع عورة، وأنه لا يجوز للمرأة أن تبدي ذراعها المحلَّى بالأسورة، لكن مشكلة الأمر.

﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. (مما وقع لكم من النظر الممنوع منه ومن غيره ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ تنجون في ذلك بقبول التوبة منه).

﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾ هذا أمر من الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين موجَّه لكل الناس، توبوا أيها المؤمنون، وإنما وُجّه الخطاب للجميع؛ لأن هذه المنكرات إذا أُظهرت عم بلاؤها الجميع، ولهذا وجَّه الله الخطاب للجميع، توبوا إلى الله جميعًا، ثم تأمل تأكيد هذا الأمر بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾، وقوله: ﴿أَيُّهَ﴾ النداء، وقوله ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ كل هذه مُغرِيات توجب إغراء الإنسان، أو هي لإغراء الإنسان على التوبة؛ أن تكون التوبة جماعية، ما يكفي أن يتوب واحد، والباقي يعلن فسقه ومخالفته.

ثانيًا: ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ النداء ويش يدل عليه؟

سبق لنا أهميته، ولهذا وُجّه الخطاب بالنداء لبيان الاعتناء به، وأيضًا وصف المؤمنين دليل على أن الإيمان يقضي بتوبة المؤمن، وأنه ما يهمل، ولا يغفل عن الذنوب، وأن عدم التوبة أيش؟ نقص في الإيمان، ما هي التوبة؟

التوبة: هي الرجوع، الرجوع منين؟ من المعصية إلى الطاعة، من معصية الله إلى طاعته؛ وهي نوعان:

توبة مطلقة، يستحق التائب بها أن يُوصف بأنه من التوابين الذين يحبهم الله، وهي التوبة من جميع المعاصي بحيث يقلع الإنسان عن كل معصية يعملها قولية كانت أو فعلية، أو عقيدة، هذه قلنا فيها: التوبة المطلقة التي يستحق فاعلها الثناء، وأن يكون من التوابين الذين يحبهم الله عز وجل.

والثاني: توبة مقيدة من ذنب معين، فهذه لصاحبها من الثناء ما يستحقه، والصحيح أن التوبة هذه توبة مقبولة.

فإذا تاب الإنسان من ذنب، وهو مُصرّ على غيره، فتوبته منه على القول الراجح صحيحة ومقبولة؛ لأن الإيمان يتبعض والأعمال تتبعض، والله سبحانه وتعالى حكم عدل، لا يظلم ولا يغدر.

فهذا الرجل الذي تاب من ذنب وهو مُصِرّ على غيره، الصحيح أنه تقبل توبته، وأنه لا مانع من ذلك، لكن لا يستحق ما سبق من كونه تائبًا على وجه الإطلاق، ومن التوابين الذين يستحقون الثناء المطلق؛ فله من الثناء بحسب ما حصل له من التوبة.

طيب هذا الأمر: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾ يتوجَّه إلى أي القسمين: المقيد ولَّا العام؟

* الطلبة: العام.

* الشيخ: العام المطلق؛ يعني توبة مطلقة عامة من جميع الذنوب لأجل أن يحصل الفلاح، و(لعل) ويش المراد بها ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؟ للتعليل؛ أي: أن التوبة سبب للفلاح، والفلاح -في الحقيقة- ليس كلمة هينة، الفلاح مثل الفوز هو عبارة عن النجاة من المرهوب، وحصول المطلوب ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥] ﴿زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ هذا نجاة من المرهوب ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾ حصول المطلوب، والفلاح أيضًا هنا ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ما قيّده الله في الدنيا ولا في الآخرة دل ذلك على أن الفلاح بالتوبة يكون في الدنيا وفي الآخرة، وهو كذلك؛ فإن التائب يحصل له الفلاح في الدنيا وفي الآخرة.

* يستفاد من هذه الجملة: وجوب التوبة؛ لقوله: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾. ولا حاجة بنا إلى ذكر شروط التوبة؛ لأنها سبقت عدة مرات، وأنها كم من شرط؟ خمسة شروط، شروط التوبة خمسة.

* ففيه دليل: على وجوب التوبة.

* ودليل أيضًا: على محبة الله له؛ لأنه أمر بها في هذه العناية: ﴿جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «الَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِرَاحِلَتِهِ» -وذكر أنها- «عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، وَأَنَّهُ أَضَلَّهَا فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ، وَطَلَبَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا، فَنَامَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ يَنْتَظِرُ الْمَوْتَ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا بِخِطَامِ نَاقَتِهِ مُتَعَلِّقًا بِالشَّجَرَةِ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٠٩)، ومسلم (٢٧٤٧ / ٧) والسياق له، من حديث أنس بن مالك.]].

إذ هذا الفرح -في الحقيقة- نحن الآن نقوله، لكن هل نحن نتصوره؟ ما نتصوره؛ يعني مهما بلغت مخيلتنا من القوة وإدراك الأمور الغائبة ما يمكن نتصور حقيقته.

الآن نتخيل أنه فرح عظيم؛ لأنه عبارة عن فرح بالحياة بعد الموت، لكن عندما يقع للإنسان هذا الشيء يجد أنه لا نظير له، ولا يمكن يوجد له نظير، فالله سبحانه وتعالى مع كمال غناه عنّا، وكمال حاجتنا وفقرنا إليه يفرح بتوبة عبده المؤمن أشد من هذا الرجل براحلته، ولهذا أمر الله تعالى بالتوبة مع العناية بها بهذه الوجوه الثلاثة.

(...) التوبة محبة الله تعالى لها كرم الله تعالى وفضله، منين نأخذ الكرم والفضل؟

من محبته للتوبة؛ يعني كونه يحب أن يتوب الناس حتى لا يعاقبهم ويش يدل عليه؟

على كرمه وفضله، وأن رحمته سبقت غضبه، بخلاف من لا رحمة عنده، مثلًا افرض مدرس ولا ملك أمر بشيء أو نهى عن شيء، قد يكون بعض الآمرين أو الناهين يحب من الناس المخالفة لأجل أن يعاقبهم، فيظهر بذلك سيطرته عليهم، هذا يحب المخالفين علشان يعرفون أنه مثلًا (...) وللسلطة وللسيطرة، والله جل وعلا مع كمال هذا الأمر له كمال السلطان مع ذلك يحب من عباده أن يتوبوا حتى لا يعاقبهم.

* وبهذا نستدل على كمال رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده وفضله وإحسانه.

* وفيه دليل: على أن التوبة من مقتضيات الإيمان، منين نأخذه؟

من قوله: ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فالصحيح الإيمان لا بد أن يحمل صاحبه على التوبة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧ / ١٠٠) من حديث أبي هريرة.]]. متى ينتفي عنه الإيمان؟

حين يزني، ما يمكن إنسان مؤمن حقيقة إلا ويترك ما حرَّم الله عليه، ويفعل ما أوجب الله عليه.

واعلم أنه إذا وقعت منك معصية، فإن ذلك ضروري من لازم نقص إيمانك ما يمكن يقع منك معصية إلا ملازم لنقص الإيمان. ولهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة -رحمهم الله- أن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، هذا مذهب أهل السنة والجماعة، ونحن منهم إن شاء الله.

فعلى كل حال أقول: إن التوبة من مقتضيات الإيمان، وأن من فرط بها فهو دليل على نقص إيمانه، وإذا كان المفرّط بالتوبة يستدل بعمله هذا على نقص الإيمان، فالفاعل للمعصية اللي يباشر المعصية من باب أوْلى، ولهذا أشرنا إلى الحديث الذي قال فيه النبي ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧ / ١٠٠) من حديث أبي هريرة.]].

* طالب: (...).

* الشيخ: التمام هنا؛ لأن الظاهر أنه لا يخلو من الإيمان مرة وإلا كان كافرًا.

* طالب: (...).

* الشيخ: من أين أُخذت؟ ذكرناها، من أين أخذت يا جماعة؟

* طالب: (...).

* الشيخ: من أمره بها أولًا، والله ما يأمر إلا بشيء يحبه، لا يأمر شرعًا إلا بما يحب، ومن عنايته بها بهذه التأكيدات ﴿جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾.

* وفيه دليل على أن: من لم يتب -قلنا: التوبة من مقتضيات الإيمان-فهو ناقص الإيمان، وعلى حسب معصيته يكون نقص إيمانه.

* وفيه أيضًا فائدة سادسة: أن التوبة سبب للفلاح؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ والفلاح ما هو؟

النجاة من المرهوب وحصول المطلوب.

* وفيه أيضًا الفائدة السابعة: إثبات الأسباب؛ حيث جعل الله التوبة سببًا للفلاح، ففيه رد على من أنكروا الأسباب، وقالوا: إن الأسباب مجرد علامات لا موجبات، وهذا مين مذهبه؟

مذهب الأشعرية، يرون أن الأسباب علامات، لا موجبات حتى إنهم يقولون: الرجل إذا كسر الزجاجة، ما انكسرت بكسره، وإنما انكسرت عند كسره، والنار إذا أحرقت ما تُحرق ما احترق بسببها، وإنما احترق عندها لا بها، فالإنسان إذا أكل حتى شبع، ما شبع بالأكل شبع عند الأكل لا به، أعتقد لو حطوا عنده (...) من الطعام وما أكل يشبع ولَّا لا؟ ما يشبع.

على كل حال، هذا قول باطل ما له إطلاقًا محل من الصحة، وحتى العقل ينكره، لكن أقول: هذه الآية وكثير من الآيات يثبت الأسباب، ويدل على أن الأسباب مؤثرة في مسبباتها.

ألا يقول قائل: إذا جعلتم الأسباب مؤثرة في مسبباتها ألستم أثبتم مع الله خالقًا وموجدًا مثلًا؟

لا، ما أثبتنا موجدًا؛ لأننا لا نقول: إن الأسباب تستقل بتأثيرها، بل الأسباب إنما كانت أسبابًا بإرادة الله سبحانه وتعالى.

ولهذا أحيانًا يوجد السبب تامًّا، ولا يؤثر لوجود مانع معلوم أو غير معلوم.

إنما هذا لا يمكن أن يقول قائل: إنكم إذا أثبتم الأسباب أثبتم مع الله شريكًا في الإيجاد والتكوين؟

نقول: لا، الذي جعل هذا السبب سببًا مقتضيًا لمسبّبه هو الله عز وجل، ولهذا نرى كثيرًا ما تتخلف المسبّبات مع وجود الأسباب التامة مما يدل على أن قدرة الله عز وجل فوق كل شيء، وأن هذه الأسباب ليست مستقلة، لكن لا يمكن أن ننكر أمرًا أثبته الشرع وأثبته الواقع من أن الأسباب تؤثِّر في مسبباتها ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

* طالب: هذا السبب قبل المسبب.

* الشيخ: هذا السبب قبل المسبّب مثِّل لي به؟ وهل يمكن يوجد مسبّب إلا بوجود سبب؟

* طالب: (...).

* الشيخ: ما يخالف، ما فيه شيء، هذا عبارة عن حمية، والحمية ثبتت في الشرع.

* طالب: في قوله: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ﴾؟

* الشيخ: إي نعم، النهي للتحريم، ولهذا قال: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾.

* طالب: (...).

* الشيخ: إذا جعلنا (اللام) للتعليل يمكن؛ لأنك إذا جعلتها للتعليل فهي معناها القصد؛ لا تفعل كذا لكذا.

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، الشيء إذا حُرِّم ولم تذكر العلة مثلًا فهذا يُؤخذ على ظاهره، ولا يمكن لو قال واحد يبغى أكل الميتة لا لقصد أكل الميتة، نقول: ما ينفع هذا، الله ما قال: حرمت عليكم الميتة لقصدكم إياها، لكن إذا علل الحكم يصير يبنى على النية.

في هذه الآية الحقيقة أن (اللام) تحتمل التعليل، ويرشح هذا «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب. ]]. لكن قلنا: إن المفسدة ستحدث سواء ضربت بهذه العلة أو لغيرها.

24:32Страница 354

وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٣٢

Сочетайте браком тех из вас, кто холост, и праведников из числа ваших рабов и рабынь. Если они бедны, то Аллах обогатит их из Своей милости. Аллах - Объемлющий, Знающий.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور ٣٢].

(وفي الآية تغليب الذكور على الإناث). لماذا أتى المؤلف بهذه الجملة مع أن هذا كثير في القرآن؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لأن الخطاب موجَّه للنساء في هذه الآية، لو كان من الأصل موجهًا للذكور ما احتيج لهذه الجملة اللي ذكر المؤلف، لكن لما كان الخطاب في الآية الكريمة موجهًا إلى النساء، ثم قال: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ما قال: توبوا الله جميعًا أيها المؤمنات.

نقول: هذا لأجل التغليب، وفيه أيضًا إشارة -والله أعلم- توجيه الخطاب هنا للذكور كما أنه يشمل الإناث بلا شك فيه إشارة إلى رعاية الرجل للمرأة، وأنه لا بد من أنه هو نفسه يتوب، ويُعدّل أهله، وقد قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء ٣٤].

فنقول: في هذا توجيه الخطاب إلى الذكور مع أن الآية كلها خطاب للنساء؛ فيه إشارة إلى رعاية الرجل على المرأة، وأن ذلك لا يستقيم، أو أن المرأة لا تستقيم إلا باستقامة الرجل، والواقع شاهد لذلك، الآن تفريط هؤلاء النساء عندنا، ويش أسبابه؟

* الطلبة: الرجال.

* الشيخ: هن طبعًا مائلات لهذا الشيء، فالسبب المباشر منه، لكن عدم رعاية الرجال لهن، وعدم عناية الرجال بهن هذا هو الذي أوجب لهن هذا..

فنقول في هذا: توجيه الخطاب إلى الذكور مع أن الآية كلها خطاب للنساء فيه إشارة إلى رعاية الرجل على المرأة، وأن المرأة لا تستقيم إلا باستقامة الرجل، والواقع شاهد لذلك، الآن تفريط هؤلاء النساء عندنا ويش أسبابه؟

* طلبة: الرجال.

* الشيخ: هن طبعًا مائلات لهذا الشيء، فالسبب المباشر هنّ، لكن عدم رعاية الرجال لهن، وعدم عناية الرجال بهن، هذا هو الذي أوجب لهن هذا التوسع الذي لا يُقرّه الشرع؛ لذلك لو كان كل واحد من الناس قد جنَّد نفسه لحماية امرأته ما حصل هذا الشر، والعجيب أن الإنسان منّا تجده (...) نفسه لحماية ماله أو لا؟ صندوق (...) وله مفتاحان والمفاتيح في (...) دائمًا، ولو صار عنده مثلًا واحد بالألف خوفًا على هذا المال قال: حطه بالبنوك حماية له، ويحسب ويناظر، ويش نقص اليوم؟ ويش زاد؟ الأهل اللي هم بالحقيقة حياة الإنسان ما يهمه، أولاده السائحون وبناته السائحات وكل شيء، ولا ينظر، لو أننا اعتنينا بأهلنا نصف ما نعتني بأموالنا لكان حصل خير كثير، مع العلم بأننا نعتني بأموالنا لنا ولَّا لغيرنا؟ لغيرنا؛ لأن هذا المال المكدس ما هو راح يتبعك؛ إذ يرجع، لكن أهلك إذا أصلحهم الله على يدك صرت في الحقيقة تصلحهم لنفسك، فإن النبي ﷺ يقول: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ»، وذكر منها الولد الصالح يدعو له[[أخرجه مسلم (١٦٣١ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]].

ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور ٣٢] ﴿أَنْكِحُوا﴾ واحد لو قرأ: (وانكحوا) يختلف المعنى ولَّا ما يختلف؟

* طالب: يختلف.

* الشيخ: يختلف اختلافًا عظيمًا جدًّا؛ ولهذا لو أخطأ أحد في هذه الآية وقال: (وانكحوا) وجب الرد عليه؛ لأن هذا لحن يحيل المعنى.

﴿أَنْكِحُوا﴾ بمعنى زَوِّجوا، لكن: (انكحوا) بمعنى تزوَّجوا، فرق عظيم بينهما، ﴿أَنْكِحُوا﴾ يعني زوجوا الأيامى منكم بدليل قوله: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾.

وقوله: ﴿الْأَيَامَى﴾ يقول المؤلف: (الأيامى جمع (أيِّم)، وهي من ليس لها زوج بكرًا كانت أو ثيبًا، ومن ليس له زوج، وهذا في الأحرار والحرائر).

﴿أَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ ﴿الْأَيَامَى﴾ جمع (أيم): وهي التي ليس لها زوج، سواء كانت ثيبًا مات عنها زوجها أو طلّقها، أو كانت بكرًا فإنها تسمى: أيِّمًا، وقد أمر الله تعالى بإنكاحهن؛ وهو دليل على أن المرأة لا تُزوِّج نفسها؛ لأن ﴿أَنْكِحُوا﴾ بمعنى: زوِّجوا، فلو كانت المرأة تُزوِّج نفسها ما احتاج لأن نقول لغيرها: زوِّجها؛ لأن هي ستزوج، وهذا أحد الأدلة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٢].

على كل حال ليس هذا موضع البسط في مسألة الولي وعدم الولي، إنما في هذا الخطاب توجيه لأولياء الأمور للنساء أن يُزوِّجوهن ﴿أَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، ولم يبيِّن الله سبحانه تعالى من يُنْكَح؛ يعني من الذي نزوجه؟ لأنهم فيه مأمورون بالتزويج، لكن من نزوج؟ بيّنت ذلك السُّنة، ويش هي؟

«إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ»[[أخرجه الترمذي (١٠٨٤)، وابن ماجه (١٩٦٧) من حديث أبي هريرة.]]، فنحن نزوّج صاحب الدين والخلق، المال صحيح مقصود شرعًا؛ يعني مقصود حسًّا واقعًا، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه الصلاة والسلام «أنَّ المرأةَ تُنكحُ لِمَالِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦ / ٥٣) من حديث أبي هريرة. ]]، والرجل كذلك ينكح لماله، لكن الأصل هو الدين والخلق، هذا هو الأصل.

وقوله: ﴿الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ يعني النساء غير المتزوجات، لكن الرجال غير المتزوجين كيف ننكحهم؟

هل معناه إذا خطب مني أُزوِّجه، أو معناه أُعينه على الزواج، أو الأمرين جميعًا؟

الأمران جميعًا؛ لأن الأيامى تُطلق على الرجال والنساء اللي ما تُزوّج اللي ما معهم زوجات، بالنسبة للإناث واضح؛ أننا مأمورون بتزويجهن، إنا ما نمنعهم إذا خطبهم الكفء، لكن كذلك أيضًا الرجال نحن مأمورون بتزويجهم؛ بمعنى إذا خطب منا الأيم نُزوِّجه، طيب واللي ما له زوجة؟

* طالب: ما نزوجه.

* الشيخ: يعني ما نزوجه؟

* طالب: لا..

* الشيخ: لا، نُزوِّجه، لكن هذا أشد عناية؛ يعني لو خطب مني رجلان أحدهما معه زوجة، والآخر لا زوجة معه، وكلاهما في الدين والخلق سواء، من أُقدِّم؟

* طلبة: من لا زوجة له.

* الشيخ: من لا زوجة له، معلوم؛ لأنه أحوج، وحصن الفرج، وذاك قد حصن فرجه من قبل، فإذن: ﴿الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ بالنسبة للرجال لو كان معهم زوجات مأمورون بالنكاح، لكن إنما نص على الأيم؛ لأنه أحوج، كذلك أيضًا يدخل في ذلك مساعدة الأيامى على الزواج، أن الإنسان يساعدهم، فإن هذا من الأعمال التي يُؤجَر الإنسان عليها؛ لأن الزواج مقصود شرعًا وطبعًا، فإذا تزوج الإنسان فقد فعل ما أمر الله به، وأدرك ما تطلبه نفسه أيضًا، ومع ذلك إذا ساعدناهم على هذا الأمر، فنحن ممتثلون لقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ نعم؛ لأنَّا في الحقيقة زوَّجناه، مساعدتنا له بالزواج هذا تزويج.

* طالب: إذا أبت الزوج الصالح (...)؟

* الشيخ: إذا أبت الزوج الصالح وأرادت الزوج غير الصالح ما يُقبل منها.

* الطالب: (...).

* الشيخ: ما يأذن لها، لكن لو طلبت كفؤًا، لكن هو بنفسه الولي يرى أن هذا أولى، ولكن اللي هي التي طلبت ما فيه قدح في دينه، ويجب أن يتبع ما تريد.

* طالب: (...).

* الشيخ: قال: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ يعني وأنكحوا (﴿الصَّالِحِينَ﴾ أي المؤمنين ﴿مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ وعباد من جموع عبد).

هذا بالنسبة للمملوكين؛ يعني هذا خطاب للأسياد؛ يعني وأنكحوا الصالحين: زوِّجوا الصالحين من عبادكم وإمائكم.

وقول المؤلف: (﴿الصَّالِحِينَ﴾ المؤمنين) حمل المؤلف الصلاح هنا على صلاح الدين، وصلاح الدين بالإيمان والعمل الصالح، لكن يحتمل أن يكون شاملًا لصلاح الدين والدنيا؛ يعني أننا إذا كان الإنسان رقيقًا صالحًا في دينه صالحًا في دنياه؛ بمعنى أنه صالح لأن يُزوَّج؛ لكونه بلغ سن الزواج، ولكونه عارفًا لأمور الزواج، ولكونه عاقلًا لا يحصل من تزويجه مفسدة وتعطيل لحق امرأته، المهم أنه ينبغي أن يُفسَّر ﴿الصَّالِحِينَ﴾ بصلاح الدين وصلاح الدنيا؛ يعني صالحًا لأن يتزوج ولأن يُزوَّج، أما بيجيب واحد مثلًا عنده عبد مهبول مجنون، فهذا ما نؤمر بتزويجه على الإطلاق، بل إننا ننظر إن لزم من عدم تزويجه مفسدة زوجناه وإلا فلا؛ لأن هذا جناية على غيره.

الحاصل أن الصالح من العباد يُزوَّج مطلقًا، وغير الصالح إن دعت الحاجة إلى تزويجه؛ لكونه يلزم من عدم تزويجه مفسدة أُمرنا لا من هذه الآية، ولكن منين؟ من درء المفاسد؛ من القاعدة العامة في الشريعة: وهي درء المفاسد.

وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ عباد: جمع (عَبْد)، والمراد الأرقاء لنا، وسماهم الله عبادًا؛ لأنهم ذليلون لنا ونحن أسيادهم، ذليلون قدَرًا وشرعًا؛ أما شرعًا فواضح أن عبدي أبيعه وأشتريه وآمره وأنهاه، وقدرًا كما هو معلوم أن العبيد أو العباد -وهم الأرقّاء- يرون أنفسهم في قصور عن أسيادهم، وهذه من نعمة الله أن الله أذلّهم لأسيادهم، وإلا لو أنه تمرّد على سيده كما يقولون: الجمل إذا هاج، أيش بعد؟ والعبد إذا صاد، والوادي بعد ما أدري أيش..، والسيل إذا جاد، هذا ما لأحد بهم قبل، على كل حال الله تعالى قد أذل العبيد شرعًا، وأذلهم قدرًا؛ لذلك سماهم الله عبادًا لنا.

﴿وَإِمَائِكُمْ﴾ جمع (أمة): وهي الرقيقة المملوكة، وفي هذا إشارة إلى أن العبد لا يُزوِّج نفسه؛ لقوله: ﴿أَنْكِحُوا﴾ زوِّجوا، هذا إذا كان الخطاب موجهًا للأزواج، أما إذا كان الخطاب موجهًا لعموم الناس؛ بمعنى أن الإنسان لا يترفّع عن تزويج العبد والأمة، لكن هذا بعيد، والظاهر أن الخطاب هنا للأسياد؛ يعني زوِّجوا الصالحين للزواج في دينهم ودنياهم، زوِّجوهم من إماء وعبيد.

في هذه الآية إشكال من جهتين؛ الجهة الأولى: في عباد، والجهة الثانية: في إماء؛ فإن الرسول ﷺ يقول: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩ / ١٥) من حديث أبي هريرة.]]. وهنا قال: ﴿عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾. وقال ﷺ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٠٠)، ومسلم (٤٤٢ / ١٣٦) من حديث عبد الله بن عمر.]]. فهل بين الحديث وهذه الآية تعارض أو لا؟

* طالب: (...).

* الشيخ: هو الحقيقة ظاهرهما التعارض، لكن التوفيق بينهما واضح، الخطاب هنا: ﴿عِبَادِكُمْ﴾ من الله للإنسان سماه عبدًا له، سماه رقيقه وعبدًا له، كما أني يصح أن أقول: عبد فلان، أنا أضيفه إلى فلان، أقول: هذا عبد فلان، هذا عبدك، هذه أمتك، وما أشبه ذلك، لكن المحظور، والذي وقع النهي عنه أن الإنسان يضيف العبودية عبودية هؤلاء إلى نفسه، هذا هو المنهي عنه؛ يعني إضافة السيد عبودية وإمائية إلى نفسه هذا هو المحظور، لماذا؟ لأنه يتضمن الغرور بنفسه، والتكبّر على عبده، والترفّع عليه؛ يقول: يا عبدي، تعالَ، يا أمتي، تعالي، لا شك أنه هو يشعر بعظمة وعلوّ، وذاك يشعر أمامه بذُلّ وخضوع، ولا ينبغي أن يكون الأمر هكذا، ولهذا جاء النهي عنه، أما إذا كان الأمر بالعكس جاء الإضافة من غير السيد، فهذا لا بأس به، كما أن أيضًا العبد منهيّ أن يقول: ربي لسيده، «وَلْيَقُلْ: مَوْلَايَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩ / ١٥) من حديث أبي هريرة. ]].

لكن لو أنك قلت: يا عبد، كلِّم ربك، ادعُ ربك لي، يجوز ولَّا لا؟ هذا يجوز، نفس الشيء إذا خاطب العبد سيده بالربوبية، نقول: هذا منهيّ عنه؛ لأن ذاك يتعاظم، وهذا يتواضع؛ ولهذا جاء في الحديث قال: «أَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا». حديث جبريل أمارات الساعة، قال: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا»[[ متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]. هكذا ثبت بهذا اللفظ: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا»، المعروف: «رَبَّتَهَا»[[أخرجه البخاري (٤٧٧٧) من حديث أبي هريرة.]] لكن هنا في رواية أخرى: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا».

الحاصل أنه يجب أن نعرف الفرق بين الإضافة إلى ضمير المتكلم والإضافة إلى غيره؛ فالإضافة إلى ضمير المتكلم منهيّ عنها؛ بالنسبة للسيد ما يقول: عبدي وأمتي، وذاك ما يقول: ربي، وأما الإضافة إلى غير ياء المتكلم هذه جائزة، والفرق بينهما من حيث المعنى واضح.

ثم قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.

(﴿إِنْ يَكُونُوا﴾ أي: الأحرار ﴿فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ﴾ بالتزويج ﴿مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ لخلقه ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ بهم).

﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ﴾ أي: المتزوجين.

وقول المؤلف: (أي الأحرار) لماذا خصها بالأحرار مع أن الآية يقول: ﴿الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ ثم قال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ﴾؟

لأن الإماء ما يتصور منهم الغِنى والفقر، ويش السبب؟ لا يملكون؛ والدليل على أنه لا يملك قول النبي ﷺ: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْرِطَهُ الْمُبْتَاعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣٧٩)، ومسلم (١٥٤٣/ ٨٠) من حديث عبد الله بن عمر.]]، «مَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ»، ما قال له: للذي باع. فالعبد لا يملك إذن هو فقير، ما يمكن يصير غنيًّا، لكن قد يُقال: إن الغنى يكون لسيده، أنت تزوج عبدك حتى يغنيهم الله من فضله ويوسِّع عليهم من فضله فينكحون، لما أمر الله بالتزويج وبيَّن أنهم إن كانوا فقراء أغناهم الله من فضله أمر من كان فقيرًا بأن يستعفف حتى يغنيه الله من فضله؛ يعني ما يطلق لنفسه العِنان للنظر المحرم، والمباشرات المحرمة، وتتبع النساء، وما أشبه ذلك، بل يجب عليه أن يستعفف عن الزنا وأسبابه ومقدماته، هذا المراد بالعفة: البعد عن الزنا وأسبابه ومقدماته.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English