Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
Ан-Намль 27:20–37
27:20–37Страница 378
وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيۡرَ فَقَالَ مَالِيَ لَآ أَرَى ٱلۡهُدۡهُدَ أَمۡ كَانَ مِنَ ٱلۡغَآئِبِينَ ٢٠
Осматривая птиц, он сказал: «Что со мной? Почему я не вижу удода? Или же он оказался в числе отсутствующих?
لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابٗا شَدِيدًا أَوۡ لَأَاْذۡبَحَنَّهُۥٓ أَوۡ لَيَأۡتِيَنِّي بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ٢١
Я подвергну его суровым мучениям или же зарежу его, если он не приведет ясного довода».
فَمَكَثَ غَيۡرَ بَعِيدٖ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ وَجِئۡتُكَ مِن سَبَإِۭ بِنَبَإٖ يَقِينٍ ٢٢
Он оставался там недолго и сказал: «Я узнал о том, чего ты не знаешь. Я прибыл к тебе из Сабы (Савы) с достоверным известием.
إِنِّي وَجَدتُّ ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ وَأُوتِيَتۡ مِن كُلِّ شَيۡءٖ وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِيمٞ ٢٣
Я обнаружил там женщину, которая царствует над ними. Ей даровано все, и у нее есть великий трон.
وَجَدتُّهَا وَقَوۡمَهَا يَسۡجُدُونَ لِلشَّمۡسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمۡ لَا يَهۡتَدُونَ ٢٤
Я увидел, что она вместе со своим народом поклоняется солнцу вместо Аллаха. Дьявол представил им их деяния прекрасными и сбил их с пути, и они не следуют прямым путем.
أَلَّاۤ يَسۡجُدُواْۤ لِلَّهِ ٱلَّذِي يُخۡرِجُ ٱلۡخَبۡءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُخۡفُونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ ٢٥
Это было сделано для того, чтобы они не поклонялись Аллаху, Который выявляет все сокрытое на небесах и на земле и знает то, что вы скрываете, и то, что вы обнаруживаете.
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ۩ ٢٦
Нет иного божества, кроме Аллаха, Господа великого Трона».
۞ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٢٧
Он сказал: «Посмотрим, сказал ли ты правду или же являешься одним из лжецов.
ٱذۡهَب بِّكِتَٰبِي هَٰذَا فَأَلۡقِهۡ إِلَيۡهِمۡ ثُمَّ تَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَٱنظُرۡ مَاذَا يَرۡجِعُونَ ٢٨
Отправляйся с этим посланием от меня и брось его им. Затем встань поодаль и погляди, что они ответят».
قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ إِنِّيٓ أُلۡقِيَ إِلَيَّ كِتَٰبٞ كَرِيمٌ ٢٩
Она сказала: «О знать! Мне было брошено благородное письмо.
إِنَّهُۥ مِن سُلَيۡمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣٠
Оно - от Сулеймана (Соломона), и в нем сказано: «Во имя Аллаха, Милостивого, Милосердного!
أَلَّا تَعۡلُواْ عَلَيَّ وَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ ٣١
Не превозноситесь предо мною и явитесь ко мне покорными»».
قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَفۡتُونِي فِيٓ أَمۡرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمۡرًا حَتَّىٰ تَشۡهَدُونِ ٣٢
Она сказала: «О знать! Посоветуйте, как мне поступить. Я никогда не принимала решений самостоятельно, пока вы находились рядом со мной».
قَالُواْ نَحۡنُ أُوْلُواْ قُوَّةٖ وَأُوْلُواْ بَأۡسٖ شَدِيدٖ وَٱلۡأَمۡرُ إِلَيۡكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأۡمُرِينَ ٣٣
Они сказали: «Мы обладаем силой и великой мощью, но решение остается за тобой. Подумай, что ты прикажешь делать».
قَالَتۡ إِنَّ ٱلۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهۡلِهَآ أَذِلَّةٗۚ وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٣٤
Она сказала: «Когда цари вторгаются в селение, они разрушают его и превращают его самых славных жителей в самых униженных. Вот так они поступают.
وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ فَنَاظِرَةُۢ بِمَ يَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٣٥
Я пошлю им дары и посмотрю, с чем вернутся послы».
فَلَمَّا جَآءَ سُلَيۡمَٰنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٖ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَيۡرٞ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُمۚ بَلۡ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمۡ تَفۡرَحُونَ ٣٦
Когда они прибыли к Сулейману (Соломону), он сказал: «Неужели вы можете помочь мне богатством? То, что даровал мне Аллах, лучше того, что Он даровал вам. Нет, это вы радуетесь преподнесенным вам дарам.
ٱرۡجِعۡ إِلَيۡهِمۡ فَلَنَأۡتِيَنَّهُم بِجُنُودٖ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخۡرِجَنَّهُم مِّنۡهَآ أَذِلَّةٗ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٣٧
Возвращайся к ним, а мы обязательно прибудем с войском, перед которым они не устоят, и изгоним их оттуда униженными и ничтожными».
قال: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ [النمل ٢٠] ﴿الطَّيْرَ﴾ (أل) هذه للعهد أو لعموم الجنس؟
أقول: إنها للعهد؛ لأنها تعود على الطير المذكور.
﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ [النمل ١٧]، وعلى هذا فيكون تفقّده للطير في نفس هذه المسيرة.
﴿تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ يقول: (تفقد الطير ليرى الهدهد الذي يرى الماء تحت الأرض، ويدل عليه بنقره فيها لتستخرجه الشياطين لاحتياج سليمان إليه للصلاة فلم يره)، هذا من كيس المؤلف.
يقول: ﴿تَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ لأجل يدور الهدهد، الهدهد (...)؟ يرى الماء تحت الأرض، ولو رأى الأنهار تجري تحت الأرض نقر بمنقاره، يعني قال: احرثوا هنا، ثم يأمر الشياطين فتحفر.
* طالب: ما الدليل؟
* الشيخ: الدليل أنها (...)، هذا من يقول هذا؟ بل إن تفقده للطير لأنه -كما سلف- كان عليه الصلاة والسلام منظمًا لجنوده، وتفقد أين ذهب؟ ولهذا ما قال: تفقد الهدهد أو الهداهد، بل قال: تفقد الطير كله؛ لأنكم تعرفون أن الطيور تسبح في الهواء، فقد يشذ منها شيء، فهو عليه الصلاة والسلام تفقدها لأجل تكميل التنظيم.
ثم إن قولهم أو دعواهم أن الهدهد يرى اللي تحت الأرض، هذا ما هو بصحيح، ادفن حب أنه خلى الهداهد تيجي هنا، تراها ولَّا ما تراها؟ ما تراها بالتأكيد، وهذا شيء إذا لم ترَ الحب القريب كيف ترى المياه البعيدة؟ المهم أن الهدهد مثل غيره ينحجب نور عينيه بالكثافة، ولا يرى شيئًا.
ثم إن سليمان عليه الصلاة والسلام ليس بحاجة إلى هذا، بل إن سليمان من هذه الناحية كغيره من البشر، إن وجد ماءً انتفع به، وإن لم يجد فإن الله تعالى ييسر له الماء بأي وسيلة.
قال: ﴿تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ ﴿مَا﴾: اسم استفهام، وهل الغرض منه الاستخبار أو الاستنكار؟
* طالب: الاستخبار.
* الشيخ: قيل: الغرض الاستخبار أنه يسأل سؤالًا حقيقيًّا، يقول: أين الهدهد؟ وقيل: إنه استنكار، والظاهر أنه لا وجه له؛ لأن الأصل في الاستفهام الاستخبار.
قال بعضهم: وفي الآية قلب، وأن التقدير: ما للهدهد لا أراه، ولكن هذا ليس بصحيح، بل الآية على ترتيبها، فهو يسأل، يقول: ليش أني ما أشوف الهدهد؟ هل هناك مانع منعني من رؤيته أو أنه كان غير موجود؟ ولذلك أضرب عن الأول وقال: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾، و(أم) هذه منقطعة، و(أم) المنقطعة -كما مر علينا عدة مرات- تكون بمعنى: (بل)، والهمزة يعني: بل أكان من الغائبين؟ وحينئذٍ أضرب عن الكلام الأول، وعرف أنه لا علة في بصره، وإنما العلة غيبة هذا الهدهد.
ثم قال عليه الصلاة والسلام: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ فلم أره لغيبته، فلما تحققها قال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا﴾ [النمل ٢١] تعذيبًا شديدًا.
﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ الجملة هذه مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي: اللام الموطئة للقسم، والقسم قبلها مُقدّر. هذان اثنان، والثالث: النون، ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾.
ويقول: ﴿عَذَابًا﴾ قال المؤلف: (تعذيبًا)، إشارة إلى أن عذابًا اسم مصدر؛ لأن عذَّب مصدرها (تعذيبًا)، واسم المصدر منها (عذابًا)، نظيرها: كلَّم مصدرها (تكليمًا)، واسم المصدر منها (كلامًا). سلَّم (تسليمًا)، واسم المصدر (سلامًا).
لأعذبنه تعذيبًا شديدًا، ما هو الشديد على رأي المؤلف؟ بنتف ريشه وذنَبه ورميه في الشمس فلا يمتنع من الهوام، هذا شيء عجيب، تقدير هذا التعذيب بهذا الشيء على أي دليل؟ ولهذا بعضهم قال: إن هذا التعذيب الشديد اللي قاله المؤلف، هذا النتف، ويخلى بالشمس مسكين ما عنده ريش ولا شيء.
بعضهم يقول: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أحبسه مع شيء ليس من جنسه، أحط الهدهد مع العصافير، يقولون: من أشد العذاب على الحيوان أن يحشر في غير جنسه، لو يُحطّ الآدمي مع الجن يتعذب، أو الجن مع الآدمي يتعذّبون، ولكن هذا أيضًا ما هو بصحيح؛ لأننا نشاهد الآن أن أشياء تُجعل مع أجناسها ولا تتعذَّب، واحد عنده مواشي بقر وغنم وإبل والغنم ضأن ومعز، مين بيسوي ذلك بحوش واحد ولا تتعذب؟
فالصواب: أن هذا التعذيب الذي قاله سليمان غير معلوم لنا، إنما هو عذاب شديد، والله تبارك وتعالى لم يبيّنه، ولكن يكفي أن نعرف أنه شديد، هذا واحد.
﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ لأذبحن هذه للتنويع؛ يعني إما هذا أو هذا.
وقوله: ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ يقول: بقطع حلقومه، هذا صحيح، يعني (...) للذبح إما بقطع الحلقوم والمريء؛ يعني من عند الرقبة.
الثالث: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾ بنون مشددة مكسورة، أو مفتوحة يليها نون مكسورة، ﴿لَيَأْتِيَنِّي﴾ هذه واحدة. ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِي﴾ ، شوف بنون مشددة مكسورة: (يَأْتِيَنِّي)، أو مفتوحة ويش المفتوحة؟
* طالب: بنون أن يأتي.
* الشيخ: بنون، لا، نون مشددة مكسورة، أو مفتوحة يليها نون مكسورة.
* طالب: والياء.
* الشيخ: إي، (يَأْتِيَنَّنِي)، هذه القراءة الثانية. ﴿لَيَأْتِيَنِّي﴾، ﴿لَيَأْتِيَنَّنِي﴾ . ويش الفرق بينهما؟
* طالب: الإتمام.
* الشيخ: إي، فيها نون وقاية، إما تُحذف أو توجد، وإلا نون التوكيد موجودة، نون التوكيد هي مشددة، لكنها إن حُذفت للوقاية كُسِرت نون التوكيد (يأتينِّي)، وإن لم تُحذف: (يأتينَّني)، فإنها تبقى مفتوحة.
هذا أمر ثالث، فتوعده سليمان بواحد من أمرين إلا إذا أتى بشيء، ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ببرهان بيِّن ظاهر على عذره.
(سلطان) كلمة سلطان ترد كثيرًا في القرآن، ومعناها العام: هي السلطة التي يتمكن بها الإنسان من الوصول إلى غرضه، هذا معناها العام، السلطة التي يتمكن بها الإنسان من الوصول إلى غرضه، هذا السلطان، فتارة يكون المراد به الدليل، ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات ١٥٦]، وتارة يُراد به القدرة: ﴿لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣]، وتارة يُراد به البينة مثل هذا.
قوله: ﴿لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ يعني ببينة على عذره، والمعنى العام للسلطان ويش قلنا؟ السلطة التي يتمكن بها الإنسان أو صاحبها من الوصول إلى غرضه، سواء كان ذلك دفاعًا عن نفسه أو إثباتًا لأمر.
وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ فسّرها المؤلف ببيّن، ولا تصلح بمعنى (مُظهِر)، يعني ما تصلح متعدية؛ لأن المؤلف الآن فسرها بأنها لازمة، تصلح أيضًا متعدية، يعني بسلطان مُظهِر لعذره، ونحن إذا فسّرناها بهذا نكون أخذنا بالتفسير الذي فسر به المؤلف وزيادة.
﴿فَمَكَثَ﴾ بضم الكاف وفتحها؛ مكَث ومكُث، والفاعل مَنْ؟ الهدهد، ويحتمل أن يكون الفاعل سليمان؛ يعني: بقي غير بعيد؛ أي: يسيرًا من الزمان وحضر لسليمان.
قوله: (وحضر لسليمان) ويش الدليل عليه؟
* طالب: بحضرته.
* الشيخ: لأنه قال: إنه غائب في الأول: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾، والغائب ما يُخاطب إلا إذا حضر، ولكن قول المؤلف: متواضعًا برفع رأسه وإرخاء ذنبه وجناحيه، هذا من الأمور اللي ما ندري عنها.
* طالب: الظاهر المؤلف كان معه!
* الشيخ: إي، كأنه معه؛ يعني الهدهد جاء ووقف، ورفع رأسه، ونزَّل ذنبه وجناحيه.
* طالب: لا، هذا استنباط من الطيور المشاهدة.
* طالب آخر: فيها تقدير يا شيخ في المعنى.
* الشيخ: بس ما يمكن أن نقول هذا أبدًا، ما يمكن نصف كيف جاء، إنما يكفينا أن نقول ما قال الله تعالى في القرآن، ونحن ذكرنا قبل قاعدة: كل ما سبق فإنه لا طريق لنا إلا العلم به إلا من طريق الوحي: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩] ما من طريق إلا الوحي؛ إما في القرآن أو في السنة الصحيحة.
﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل ٢٢]. ﴿أَحَطْتُ﴾ يعني: يتكلم عن نفسه. ﴿أحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ يخاطب من؟
* طالب: سليمان.
* الشيخ: سليمان، وفي الحقيقة أن هذا الهدهد قوي له ضلوع قوية جدًّا كما يقولون، كيف يخاطب سليمان وله هذا الملك العظيم ويقول: ﴿أحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾، ما قال: بما لم تحيطوا به، ما جاء بصيغة التعظيم، ونحن الآن بشر ونخاطب بعض الأحيان المدير ولَّا من فوقه، ونقول مثلًا: أنتم، سيادتكم، ولَّا سعادتكم، ولَّا حضرتكم، (...) أكبر من اللازم، من أنه مثلًا بشر، وكل هذه في الحقيقة كل هذه من الأمور الشكلية التي لا تنبئ عن شيء ولا تنبغي أيضًا، الصحابة يخاطبون الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الخطاب، وهو أشرف عندهم من كل بشر، وكذلك الخلفاء الراشدون ما كانوا يُخاطبون بمثل هذا.
ومن عجب الأمة أن بعض هؤلاء الذين يخاطبون بمثل هذه الألقاب تجد قلوبهم تغلي على هؤلاء المخاطَبين، فيكون هذا الخطاب كأنه تهكُّم بهم، ولو أن الناس تخاطبوا فيما بينهم على خطاب عادي، هذا الهدهد ويش مقامه مع سليمان؟ جند من جنده الأضعفين، ومع ذلك يقول بهذه الصراحة: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾، وهذا أول ما كلّمه بعد، على طول، لكن في الحقيقة إنه فيه نوع من الأدب، ما قال مثلًا: أنت جاهل ولا تعرف، وأنا عرفت ودورت ولقيت شيئًا ما تدري عنه، بل قال: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ يعني لأجل أن يعرف سليمان قدره، وأنه ليس محيطًا بكل شيء، فهذا الهدهد صار أشد إحاطة منه، والإنسان البشر ضعيف في كل شيء، حتى ما أحد علمنا كيف نقبر موتانا إلا؟
* طالب: الغراب.
* الشيخ: إلا الغراب مما يدل على أننا لسنا بشيء في الواقع.
﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ يشبهها قول إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم ٤٣] ما قال: يا أبتِ إنك جاهل، وهذا من اللطافة في الأسلوب، هنا قال: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ والكلمة شديدة؛ أي: اطلعت على ما لم تطلع عليه.
﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل ٢٢، ٢٣] إلى أن قال: ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل ٢٧] سليمان قابله بعد (...)، وأكّد الخبر، ﴿جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾، ومع ذلك قال له: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
هذا بعد صدمة على الهدهد؛ لأن الهدهد كان متيقنًا، ومع ذلك قيل له: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، ليش قال سليمان هذا مع أنه يقول له: بنبأ يقين؟
لأن حقيقة الأمر أن كلام الهدهد في مقام الدفاع عن نفسه، مدافع؛ لأنه متوعَّد بالعذاب الشديد أو بالذبح، أو بخبر بسلطان مبين، فهو لما كان في مقام الدفاع احتاج أن يتثبت هذا ببينة، وقد وقع مثل ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، استأذن عليه أبو موسى ثلاث مرات ثم انصرف، فلما (...) في ذلك قال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ، قال: ائت ببينة على ما تقول مع أن أبا موسى صحابي ثقة، ما يمكن يتقوَّل على الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن المقام يقتضي؛ ويش يقتضي؟ زيادة التثبت؛ لأن الإنسان قد يفهم من النص ما ليس مرادًا، فلذلك طلب عمر من أبي موسى أن يأتي بشاهد.
هنا هذا الهدهد، سليمان عليه الصلاة والسلام مع أنه قد تيقن له الخبر؛ يقول: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، ثم أعطاه آية وقرينة: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [النمل ٢٨]. والقصة في الحقيقة عظيمة جدًّا فيها فوائد كثيرة.
﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ﴾ يقول: ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ بالصرف وتركه بالصرف ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾، وتركه: (من سبأَ) كذا؟
* طالب: لا، عكس.
* الشيخ: عكس؟!
* الطالب: (مِنْ سَبَأَ) هذا ممنوع من الصرف.
* الشيخ: إي، هذا عدم الصرف، صح، و﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ هذا الصرف، (مِن سَبَأَ) جُرَّ بالفتحة؛ لأنه اسم لا ينصرف و﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ جُرَّ بالكسرة؛ لأنه اسم ينصرف، على أي اعتبار جعلناه إما مصروفًا أو عدمه؟
قال: قبيلة باليمن سميت باسم جد لهم باعتباره صُرف (...).
* * *
معناه لأن يعلم أهل الكتاب، فزيدت اللام توكيدًا؛ فالمؤلف يرى أن هذه الآية مثل الآية التي ذكرها شاهدًا لها وهي زيادة (لا)، ويرى آخرون من المفسرين خلاف ما رآه المؤلف، ويقولون: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ انتهت الجملة، وأن قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [النمل ٢٥] بمعنى: هلَّا يسجدوا، وأنها للتقدير، ولكن هذا التقدير فيه إشكال أيضًا، وهي حذف النون من الأفعال الخمسة بدون ناصب ولا جازم؛ لأن (ألا) لا تنصب ولا تجزم.
وإذا قلنا: إن يسجدوا أن (ألا) للتحضيض، وهي لا تنصب ولا تجزم، ونظرنا إلى ﴿يَسْجُدُوا﴾ وجدنا أن فيها حذف النون نصبًا أو جزمًا، وهنا ليس فيه ناصب ولا جازم، فهو محل إشكال، ولكن الجواب عن هذا قد يكون سهلًا؛ لأن حذف نون الأفعال الخمسة لغير ناصب ولا جازم جائز، ووارد في اللغة العربية، ومنه قول النبي ﷺ: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا»[[أخرجه مسلم (٥٤ / ٩٣)، وأحمد في المسند (١٠٦٥٠) من حديث أبي هريرة واللفظ لأحمد.]].
«لَا تَدْخُلُوا» (لا) نافية ما تنصب ولا تجزم، ومع ذلك حُذفت النون، ولم يقل: لا تدخلون الجنة.
فالجواب على هذا أن يقال: إن نون الأفعال الخمسة قد تُحذف بدون ناصب ولا جازم لا سيما في مثل هذا التعبير: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ الدال على التحضيض، فإن حذف النون هنا يسهّله وجود هذا الحرف السابق للفعل.
وعلى كل حال، إذا كانت على تقدير المؤلف؛ فإن هذه الجملة بالنسبة لما قبلها كالمؤكدة، لما قال: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل ٢٤] هذا يقتضي ألَّا يهتدوا إلى الحق وإلى أن يسجدوا لله سبحانه وتعالى.
وأما على القول الثاني: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ أن ﴿أَلَّا﴾ للتحضيض؛ بمعنى: هلّا، فإنه يدل على أن الهدهد انتقدهم بهذا الفعل، وبين أن الأولى بل الأوجب أن يكون السجود لله سبحانه وتعالى، وتكون الجملة منفصلة عما قبلها.
وقوله: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ مصدر بمعنى المخبوء من المطر والنبات.
﴿فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ويعلم ما يخفون في قلوبهم وما يعلنون بألسنتهم.
﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ ﴿الْخَبْءَ﴾ بمعنى (المخبوء) كما قال المؤلف، فهو مصدر بمعنى اسم المفعول، والمصدر بمعنى اسم المفعول وارد في اللغة العربية كثيرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق ٦] أي: محمول؛ لأن الحمل فعل المرأة، وأما المحمول فهو الجنين، وكذلك قوله: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]، ومنه قول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة، واللفظ لمسلم. ]]؛ أي: مردود.
ومنه أيضًا قول الله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان ١١].
﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ أي: مخلوقه وليس فعله، فالخبء هنا بمعنى المفعول، قال: من المطر، هذا باعتبار المخبوء في السماء، والنبات؟
* طالب: المخبوء في الأرض.
* الشيخ: هذا المخبوء في الأرض، فالله تبارك وتعالى هو الذي يخرج ما في هذا وما في هذا، في السماوات والأرض ويعلم ما يخفون في قلوبهم وما يعلنون بألسنتهم، ولم يُشر للمؤلف إلى القراءة الثانية، وهي سبعية في قوله: ﴿يُخْفُونَ وَيُعْلِنُونَ﴾ ، فإن الذي في المصحف قراءة عاصم ما هي؟
* طالب: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ يخاطب بذلك سليمان.
وقوله: (ما تخفون في قلوبكم وما تعلنونه بألسنتكم) فيه نظر تقييده بالألسنة، لو قال: بألسنتكم وجوارحكم؛ لأن ما يُفعل بالجوارح معلن، كما أن ما ينطق به في اللسان مُعلن أيضًا.
﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾، وهذان الوصفان إخراج الخبء والعلم بما يخفي العبد وما يعلنه لا يكون لأحد من المخلوقين، لا للشمس ولا لغير الشمس، وإنما ذلك خاص بالله تبارك وتعالى، ولهذا جعله الهدهد جعله من الأسباب التي تستلزم أن تكون العبادة لله وحده؛ لأنه العالم بها، ولا يمكن يؤتى بوصف يستلزم العبادة إلا إذا كان خاصًّا بالله؛ لأنه يؤتى بهذا الوصف استدلالًا على بطلان عبادة ما سواه، ولو كان من ما يمكن أن يكون لله لم يكن ذلك دليلًا على اتصاف الله تعالى بالعبودية؛ إذ قد يقول العابد للشيء: وهذا وصف أيضًا موجود في معبودي فأنا أعبده.
فالمهم أنه لا يمكن أن تُقام الحجة إلا بدليل خاص في المحتج له؛ يعني بمعنى أنه ما يمكن أن تقوم الحجة بأن العبادة لله وحده إلا بوصف أيش؟
* طالب: خاص.
* الشيخ: خاص بالله، لأنك لو احتججت بوصف يكون لله ولغيره لكان العابد لغير الله يقول: وهذا وصف أيضًا ممكن بمعبودي، فلا يدل على أنه مما يختص به الله سبحانه وتعالى.
قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل ٢٦] استئناف جملة ثناء مشتمل على عرش الرحمن في مقابلة عرش بلقيس، وبينهما بون عظيم.
يقول هذا الهدهد: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وهذه كلمة التوحيد، والمؤلف يقول: (إنها جملة استئنافية للثناء على الله تبارك وتعالى بما لا يكون لغيره)، فالأول ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿وَيَعْلَمُ﴾، هذا يتعلق بتوحيد الربوبية.
والثاني: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ بتوحيد الألوهية؛ أي: لا معبود سواه، لكن لا معبود بحق، إذ هناك معبودات سوى الله سبحانه وتعالى بغير حق، فإذن: أثنى على الله سبحانه وتعالى بصفة الربوبية وبصفة الألوهية، وربما نقول أيضًا: وبصفة الأسماء والصفات؛ لأن توحيد الربوبية مستلزم للأسماء والصفات؛ إذ إن التصرف في الخلق والتدبير والعلم كل هذا من الصفات.
قال: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ﴿رَبُّ﴾ بمعنى صاحب ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾؛ أي: صاحبه، كما تقول: رب الدابة؛ أي: صاحب الدابة.
وقوله: ﴿الْعَرْشِ﴾ هذه (أل) للعهد الذهني؛ أي: العرش المعهود في أذهان الخلق العظيم، بخلاف عرش بلقيس، ولهذا قال: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ وهنا قال: ﴿الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ بـ(أل)، والتعبير ظاهر جدًّا في الفرق بينهما؛ لأن عرش نكرة، والعرش معرفة، فدل ذلك على أن هذا العرش عرش عظيم معلوم مفهوم في الأذهان، بخلاف الأول.
ويقول المؤلف: (إنه قاله في مقابلة عرش بلقيس) نعم، هذا صحيح، يعني واضح أنه قال لأجل أن يبين أن صاحب العرش العظيم هو المستحق؛ لأن يكون مالكًا، وأما هذه الملكة فإن لها عرشًا وليس لها العرش، فقال: ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ يقوله سليمان، والسين -كما مر علينا- تدل على؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، تدل على التحقيق مع التراخي، لكنها تدل على التحقيق. ﴿سَنَنظُرُ﴾ أي: معناه أن نظرَنا هذا محقق، لكنه سيكون له مقدمات، فهي تدل على التأكيد.
﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ ولم يقبل كلامه من أول الأمر، لماذا؟ خشي أن يكون أتى بذلك دفاعًا عن نفسه، ونظير هذا ما سلكه عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أبي موسى الأشعري حين استأذن ثلاثًا وانصرف، ثم حدثه أن النبي ﷺ أمر بذلك، فطلب منهم أن يشهدوا له.
فهنا يعني التُّهم أو عدم الثقة في القول لها أسباب؛ من جملتها: أن يكون المخبر على هذا الوصف يتضمن إخباره دفاعًا عن نفسه، فهنا مهما كان من الثقة تجد أنك تتردد في قبول هذا الخبر.
* طالب: سؤالي يا شيخ هو قوله: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ مع قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ ما يقتضي مما قدم (...) كونهم لا (...)؟
* الشيخ: لا؛ لأن معنى قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ يجب أن يفرد الله تعالى بالسجود (...) فيكون مناط الذنب كونهم يُخصِّصون الشمس بالسجود، وكذلك أيضًا لو أشركوا بها مع الله، (...) لهذا ولهذا؛ لأنه ما يمكن يزول الذنب إلا إذا خُصِّص السجود لله وحده.
* طالب: يا شيخ، قراءة: ﴿أَلَا يَا اسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ (...).
* الشيخ: قراءة قد تكون (ألا) أيضًا افتتاحية؛ لأن (يا) حرف نداء، والمنادى محذوف؛ يعني: ألا يا قوم اسجدوا لله، أو تكون (يا) للتنبيه، نظيرها قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس ٢٦]، ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ﴾ [النساء ٧٣] فإن (يا) هذه إما أن تكون للتنبيه؛ لأنها لا تدخل على الأفعال ولا على الحروف، وإما أن تكون للنداء والمنادى محذوف.
* طالب: سبعية؟
* الشيخ: ما أعرف ولَّا من الشواذ؟ قال: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ فيما أخبرتنا به، ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾؛ أي: من هذا النوع، فهو أبلغ من أن كذَبْت فيه.
﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِين﴾ صريح؛ الأول أنه فعل، وهنا قال: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾؛ أي: من هذا النوع، فهو أبلغ من أن كذبت؛ لأنه يدل على الوصف الدائم؛ من الكاذبين، فهو أبلغ من قوله: أم كذبت؛ لأن أم كذبت فعل، والفعل قد يكون مرة، لكن ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هذا وصف يدل على استمرار الكذب فيه، هذا ما قرره المؤلف، وعندي أن فيه لباقة في تعبير سليمان للهدهد؛ لأن مصارحته ومقابلته بقوله: أم كذبت أشد وقعًا من قوله: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، أشد؛ يعني معناه: أم كنت من الكاذبين أهون مما لو قال: أم كذبت، فهي في الحقيقة من جهة أشد في النظر إلى أن قوله: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ وصف لازم، ومن جهة المخاطبة أهون من قوله: أم كذبت، فهذا وجه الاختلاف بين قوله: ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِين﴾.
يقول: ثم دلَّهم على الماء فاستُخرج وارتووا وتوضؤوا وصلوا، ثم كتب سليمان كتابًا صورته: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ، بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا عليَّ وأتوني مسلمين، ثم طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه، ثم قال للهدهد: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا﴾.
كل هذه من (...) التي لا دليل عليها في القرآن، كونه دلّهم على الماء فاستخرجوه وارتووا، وتوضؤوا، وصلّوا أيضًا ما فيه..
* طالب: عودًا على بدء.
* الشيخ: وين؟
* الطالب: لأن (...) قرر في أول الأمر أنهم طلبوا (...).
* الشيخ: إي، تفقده لذلك، لا، بل لأنه يعلم محل الماء، ولكننا نقول: هذا لا دليل عليه، ولا يجوز لنا أن نعتقده، ولا أن نكذّبه، هذا إذا صح عن بني إسرائيل من بعد أيضًا؛ لأن فيه آفة، (...) بيننا وبين بني إسرائيل، من رواه عن بني إسرائيل؟ فإذا صح عن بني إسرائيل، وأنه مما حدثوا به هذه الأمة نقول فيه: إنه لا يُصدق ولا يُكذب؛ لأن ما فيه شيء يعارض كتابنا، ولا في كتابنا ما يؤيده، وإلا لو كان في كتابنا ما يؤيده قبلناه، ولو كان في كتابنا ما يعارضه رددناه.
* طالب: يا شيخ، قوله: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، هل يحق لسليمان أن يصفه بمجرد الفعل هذا وصفًا مطلقًا؟
* الشيخ: لا، هو من الكاذبين الذين من دأبهم الكذب، ما وصفه، فكون هذا من الكاذبين إما أنه من دأبه الكذب، أو في جملتهم، وقد يكذب مرة واحدة، وهو أيضًا ما وصفه، هو ما وصفه؛ لأن قوله: ﴿أَصَدَقْتَ﴾ مقابل لقوله: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، فلا يُعلم هل يكون متصفًا بقوله: أصدقت، أو بقوله: أم كنت من الكاذبين، ما وصفه، متردد ينظر.
* طالب: لا، لو ثبت، هل يحق أن يوصف؟
* الشيخ: لا، ما يحق أن يُوصف بأنه من الكاذبين المتصفين بها دائمًا، ولكنه -كما قلنا- هذا من باب التلطّف في الخطاب.
* طالب: إذن هذا يكون الأرجح؟
* الشيخ: هو أرجح، وكل واحد له وجه، يعني أصلًا ما بينهم تعارض حتى نقول بالترجيح، ما بينهم تعارض، فكونه من الكاذبين، هذا أشد إذا كان وصفه الكذب، وكونه لم يخاطبه قال: أم كذبت، يكون أهون، مثل قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام للضيوف: ﴿سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾ [الذاريات ٢٥] ما قال: أُنكركم، لا أعرفكم، بل قال: ﴿سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾، فهذا من باب التلطّف في التعبير.
قال: ثم قال للهدهد: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل ٢٨].
إذا قال قائل: قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾ يقتضي أنه صدقه، فهل هذا صحيح، أو هذا اختبار له؟
لأن قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ﴾ ويش يدل عليه؟ على أنه صدَّقَه في ذلك، ولهذا كتب لهم، أو يقال: هذا من جملة الاختبار؟
يعني أنه إذا كان كاذبًا فسيقول: ما فيه أحد، ما وجدت أحدًا مثلًا، فيكون هذا من جملة وسيلة الاختبار العائدة على قوله: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾.
وقد يقال: إن قوله: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ أن في الآية تقديرًا، فنظر وتحقق صدقه فأعطاه الكتاب، هو الآن الله أعلم بما جرى، فإما أن يكون هذا الكتاب من جملة اختباره، مثل ما لو أخبرك إنسان بخبر تقول مثلًا: روح جب لي منه ذكرًا، لو قال مثلًا: تباع السلعة الفلانية الآن في السوق، قلت: يا الله! ها جاء (...) خذ روح جب لي مثلًا منها شيئًا، ويش (...).
* طالب: أتحقق.
* الشيخ: أختبر هل هو صحيح ولَّا لا؟ وإن كان ظاهرًا فعلي لما أعطيته الفلوس ليشتري ظاهر فعلي أنني؟
* طالب: صدقته.
* الشيخ: صدقته، لكن قد يكون هذا من وسائل الاختبار.
فالحاصل إذا كان سليمان عليه الصلاة والسلام تحقق هذا الأمر، ثم أرسل بالكتاب فالأمر ظاهر، ولكن ليس في القرآن ما يدل على ذلك، فنقول: إن إعطاءه الكتاب من جملة الوسائل التي تبين صِدْقه.
وقوله: (﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾ أشار إليه للتعيين؛ لأن سليمان يكتب لهم ولغيرهم، ولكنه عين الكتاب الذي كتبه لهم. ﴿فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ﴾ أي: بلقيس وقومها. ﴿ثُمَّ تَوَلَّ﴾ انصرف عنهم وقف قريبًا. ﴿فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ يردون من الجواب، فأخذه وأتاها وحولها جندها، وألقاه في حجرها، فلما رأته ارتعدت وخضعت خوفًا، ثم وقفت على ما فيه، ثم قالت لأشراف قومها: يا أيها الملأ).
ذهب به الهدهد فألقاه إليهم؛ أي: طرحه بين أيديهم، وتولى عنهم كما أرشده سليمان، ولكن هذا التولّي ليس بعيدًا بدليل قوله: ﴿فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾، فإن قوله: ﴿فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ يدل على أن هذا التولي يكون قريبًا منها، وفيه من الفوائد ما يأتي إن شاء الله.
ثم ﴿فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ أخذت الكتاب وقرأته، ثم قالت لأشراف قومها: ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ﴾ [النمل ٢٩]، والملأ كما بين المؤلف: هم الأشراف، وهنا نادتهم: يا أيها الملأ، إشارة إلى علوّ مرتبتهم في دولتها؛ لأن ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ما تكون إلا للبعيد، ما قالت: يا ملأ، بل قالت: ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي﴾ بتحقيق الهمزتين الملأ إني، وتسهيل الثانية بقلبها واوًا، ﴿المَلَأُ وِنِّي﴾ بقلبها واوًا مكسورة؛ لأنه إذا جاءت الهمزة بعد الضم جاز أن تقلب واوًا، قاعدة في اللغة العربية، ومنه قول كثير من المؤذنين: (الله وكبر)؛ لأنه يجوز: الله أكبر، ويجوز: (الله وكبر)، فالهمزة إذا وقعت بعد ضم يجوز أن تُسهل إلى واو، وعلى حسب الحال: إن كان يقتضي الكسرة كُسرت، أو يقتضي الضم ضُمت أو الفتح.
قال: (بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بقلبها واوًا مكسورة، ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] مختوم).
يعني: فسّر الكريم بالمختوم؛ يعني لأن ختمه دليل على أهميته، فالكتب والرسائل المختومة يعتنى بها، وحتى الآن إذا كان الشيء مهمًّا تجده يُختم بالشمع وما أشبه ذلك لئلا يُزوّر، ولكن تفسير الكريم بالمختوم ما هو بصحيح؛ لأن الختم دليل على كرمه، وليس هو معنى كرمه، فالكريم معناه المتضمن للمعاني العظيمة المؤثِّرة.
وفي قولها: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ﴾ ما قالت: ألقى الهدهد؛ لأن الظاهر أنه مر هكذا، ثم حذفه عليها، وليس معناه: أنه جاء ووقف بين يديها وأعطاها الكتاب، وهذا ربما يكون أبلغ في الهيبة أنه يعطيها وهو ماضٍ، بخلاف ما لو وقع بين يديها فإنه لا يكون هيبة، على أنه لو وقع بين يديها فمقتضى كونه هدهدًا أن تُمسكه، ولكنه ألقاه إلقاءً.
﴿إِنَّهُ﴾ أي: الكتاب. ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ ولم تنسبه إلى أبيه؛ لأنه كان معروفًا ومعلومًا عندهم؛ أنه عليه الصلاة والسلام رسول أعطاه الله تعالى من الملك ما لم يعطه غيره.
﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: مضمونه. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣٠، ٣١]، ولا فيه السلام على من اتبع الهدى ولا أما بعد، كما قال المؤلف.
* طالب: ويش (...)؟
* الشيخ: يمكن أنه من أخبار بني إسرائيل أو على العادة في الكتب، إنما سليمان أتى بأدنى ما يمكن فهمه والمقصود منه. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ لكن قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هل إن سليمان قال: من سليمان إلى بلقيس ولَّا لا؟
* طالب: هو أخر..
* الشيخ: لا، ما قال ذلك، ولكنه لعلها فهمته إما بتوقيع أو بكتابة على الظرف إن كان هناك ظرف، وإلا صُلب الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين. هذا صلبه، وهذا هو الظاهر؛ لأنه لا يمكن أن يبدأ سليمان عليه الصلاة والسلام بقوله: من سليمان بسم الله الرحمن الرحيم، بل سيبدأ بأيش؟
* طالب: بالبسملة.
* الشيخ: بالبسملة قبل، فلما لم يذكر الله إلا البسملة دل هذا على أنه لم يأتِ بقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾، ولكنه لا بد أن يكون في الكتاب ما يشير إلى ذلك، وإلا لما فهمته.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии