Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
Аль-Касас 28:51–55, продолжение
* الطالب: الهبة إعطاء المساوي، يعني ما هو بالدون بقصد الإعطاء.
* الشيخ: لا، الفرق بينهما: الصدقة ما أُرِيد بها وجه الله، يتقرب بها إلى الله، ما يهمه تقرب إليها بمعطى أم لا. والهدية ما قُصِد به التودد للمعطى، يعني يريد أن يتقرب إلى المُعطى ويتقرب منه المعطى. والهِبة ما قُصِد به وجه الموهوب فقط، ما قُصِد به أنه يتقرب إلى هذا الموهوب له ولا أن يتقرب إلى الله بذلك، قَصَد به نفعه، فهذه تُسمى هبة. وكلها محمودة في الواقع، لكن هل بعضها أفضل من بعض؟ هذا على حسب الحال.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤] إلى آخره.
* طالب: الترجيح في مذهب البصريين في التجوز بالفعل؟
* الشيخ: لأنه يتضمن معنيين؛ معنى (...) الفعل موجود، ومعنى (...)، وذاك ما يتضمن إلا معنى واحدًا فقط، وهو تحويل معنى الحرف إلى المعنى الجديد.
* الطالب: شيخ، ألا يكفي هذا (...)؟
* الشيخ: لا، زيادة معنى ما فيه شك أنه أولى، زيادة معنى فائدة.
* الطالب: عندنا فعل واحد.
* الشيخ: ما يخالف، فعل واحد يُشرَب معنى الفعل الثاني الذي يتعدى بهذا الحرف الموجود، (...) إذا صارت الجملة تدل على معنيين أكمل من أن تدل على معنى واحد.
* الطالب: في مثل: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا﴾ [الإنسان ٦]، ما عندنا الرواء، نقول: الشرب فقط.
* الشيخ: إي، لكن أصله الشرب قد يكون شربًا لا يروى به العبد.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وقد يكون شربًا يروى به.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: أهل النار يشربون من الحميم شُربَ الهِيم ولا يروون، ويش الفائدة من الشرب؟ لكن هؤلاء يشربون من هذه العين ويروون بها، فتضمنت الآن معنى الشرب ومعنى الرِّي. ومنين فهمنا معنى الرِّي؟ مِن تعدي هذا الفعل بالحرف الذي يُنَاسِب الرِّي.
* الطالب: ألا يحسن أنه يتعدى الفعل (...)؟
* الشيخ: ويش؟ هذا أنسب ما يكون؛ لأن الشرب يناسبه الرِّي، ما يناسبه الشِّبَع مثلًا، ما يمكن أن تقول: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ يعني: يشبع بها، ما يناسب.
* الطالب: يرِد عليه أنه ما يتعين، كنا ذكرنا...
* الشيخ: لا، يرد عليه أنه يتعين من المقام، ولا بد يُقدَّر فعل يناسب الفعل الثاني، مِثل أن يكون سببًا له أو متفرعًا عنه وما أشبه ذلك (...) المهم أن التضمين يُفيد معنيين، والتضمين بالحرف يفيد معنًى واحدًا.
* طالب: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة ٥٥] أيش تعني؟
* الشيخ: ﴿الْهِيمِ﴾ الإبل العطاش.
* الطالب: ما (...)؟
* الشيخ: إلا، هو الماء.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الهيام نوعان: هيام على الأكل، وهيام على الشرب.
* الطالب: الهيام يروى؟
* الشيخ: إلا، يروى أو لم يرو، (...) اللي يشرب ولا يروى ويش؟ سليم ولَّا مريض؟ اللي يشرب ولا يَروى سليم ولَّا مريض؟
* الطالب: لا، مريض.
* الشيخ: هذه، نعم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، (...) القرآن الكريم، وفيه بعض العامة يستنكر من بعض السائلين اللي يسأل: ارزقني ريالًا، يقول: هذا مشرك والعياذ بالله!! نعم، (...)، الرزق بمعنى العطاء. (...)
* * *
* يستفاد منه: أن الله سبحانه وتعالى لم يُخلِ الأرض من الوحي؛ لأن التوصيل معناه وَصْل الآخِر بالثاني.
* ويُستفاد منه: أن الوحي مشتمِل على غاية البيان؛ لأننا قلنا: إن (وَصَّل) مُضَمَّن معنى: بَيَّن.
* ويستفاد منه: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة بإيصال القول إليهم ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ﴾ [القصص ٥١].
* ويستفاد منه أيضًا، يستفاد منها: أن الحكمة من الوحي هو التذكُّر والاتعاظ؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٥١].
* ويستفاد منه: إثبات العِلَّة في أحكام الله الكونية والشرعية، وأنه ما يفعل شيئًا ولا يشرعه إلا لحكمة.
* قلنا: يستفاد منه: تعليل أفعال الله وأحكام الله الكونية والشرعية، والذي خالف في ذلك؟
* طالب: الأشاعرة.
* الشيخ: وغيرهم؟ الجهمية هم الأصل، قالوا: أفعال الله ما هي تُعَلَّل، وأحكامه لا تعلل.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص ٥٢].
* يستفاد من هذا، أولًا: أن اليهود والنصارى فيهم مَن آمَن بالقرآن؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾.
* ويستفاد منه أيضًا: أن حُكْم الفرد قد يتناول جنسَه، أيش معنى هذا؟ معناه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾، لو نظرنا إليها وجدنا أنها عامة تشمل كُلَّ الذين أوتوا الكتاب. وهل هي عامة؟ هل كلُّ الذين أوتوا الكتاب من قبل آمنوا بالقرآن؟ أبدًا، فيه نصارى بقوا على نصرانيتهم وفيه يهود بقوا على يهوديتهم، ولكن مِن هؤلاء مَن آمَن، يكون معنى ذلك أننا أعطينا الجنس حكم الفرد، أو ما فهمتم هذا؟ يعني كأنه يقال: إيمان عبد الله بن سلام وإيمان النجاشي مثلًا، ما هو (...) أن هذا اسمه عبد الله بن سلام، وهذا اسمه النجاشي، لكن لأنهم أُوتُوا الكتاب، فهُم آمَنوا لا لأسمائهم، ولكن لِمَا علموا من كتبهم بأن الرسول ﷺ سيُبْعث، وهذا يقتضي أن يكون كل هذا الجنس، يجب أن يكون مُؤْمنًا وإن لم يؤمنوا كلهم.
والمهم أنه يستفاد من هذه الآية: إعطاء الجنس حكمَ الفرد، ما دام أن هذا الحكم سببُه يشمَل جميع الجنس. مثلًا: ما سبب إيمان عبد الله بن سلام؟ عِلْمُه بما في التوراة مِن صفات الرسول ﷺ، هذا العِلم يختَصُّ به ولَّا يشمل جميع اليهود؟ يشمل جميع اليهود، إذن فهنا أعطينا الجنس حكم الفرد؛ للعلة التي تشمله وغيرَه، وإلا قد يقول قائل: ما نرى أن الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون، ما كلهم آمنوا، لكن نقول: ما آمن إلا بعضهم، لكن هذا الإيمان مِن بعضهم حمَلَه عليه العِلَّة الشاملة لجميع الجنس.
* فنستفيد من هذا: أننا نُعطي الجنس حكمَ الفرد إذا كان علة هذا الحكم شاملةً للجميع، إذا كانت علة هذا الحكم شاملةً للجميع فإنه يُعطَى الجنس حكم الفرد.
* يستفاد من هذه الآية أيضًا: الثناء البالغ على الذين آمنوا بالقرآن وبالكتب السابقة؛ لقوله: ﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾.
* ويستفاد منه: أن صفةَ النبي ﷺ موجودة فيما سبق مِن الكتب: التوراة والإنجيل، وهذا صريح في آية الأعراف في قوله: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ...﴾ إلى آخره [الأعراف: ١٥٧].
ثم قال: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص ٥٣].
* يُستفاد من هذا أيضًا، من هذه الآية: زيادة الثناء على هؤلاء بأنهم يُؤمنون بكل ما يُتلى عليهم، ما هم ما آمنوا بالقرآن جملة فقط، ولكن جملةً وتفصيلًا، وأخذنا ذلك من قوله: ﴿وَإِذَا يُتْلَى﴾، و﴿يُتْلَى﴾ فعل مضارع يدل على الحدوث والاستمرار، نعم، يدل على التجدد والحدوث، وأن هذا شأنُهم كلما تُلِي عليهم.
* ويستفاد مِنه أيضًا، مِن الآيات الكريمة: أنهم آمنوا لا لِمُجرد الهوى، ولكن آمنوا إيمانًا مبنيًّا على اقتناع. منين يؤخذ؟ من قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾، ما آمنوا هكذا تبعًا للناس، ولكن آمنوا عن اقتناع: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾.
* ويستفاد منه أيضًا: بأن القرآن مِن عند الله؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾.
* ويستفاد منها: كمالُ عقلِ هؤلاء الذين آمنوا، حيثُ عبروا هنا بالربوبية: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾ دون الألوهية؛ لأن المقام يقتضي ذلك، فإن الرب له حُكم، يحكم بما يشاء كونًا وشرعًا.
* ويستفاد من هذا أيضًا: أن هؤلاء كانوا مؤمنين مسلمين منقادين للكتب السابقة؛ لقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾.
* ويستفاد منه: جواز ثناء المرء على نفسه بالصفات المحمودة، بشرط أن يكون في ذلك مصلحة، وألا يكون فيه افتخار وعُلو على الغير؛ لقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾، وهذا أمر واقع من الرسول ﷺ ومِن الصحابة ومن أهل العلم، قال النبي ﷺ:
«أَنَا النَّبِيُّ لَاكَــــــذِبْ» ∗∗∗ «أَنَا ابْنُ عَبْدِالْمُطَّلِبْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣١٥) ومسلم (١٧٧٦/٧٨) من حديث البراء بن عازب.
]]
وقال ابن مسعود: «لو أعلم أن أحدًا تبلغه الإبل أعلمُ بكتاب الله مني لذهبتُ إليه»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٠٢) ومسلم (٢٤٦٣/١١٥).]]، فهذا ثناء على نفسه، لكن لمصلحة. والعلماء دائمًا إذا كتبوا في كتاب يُثنون عليه بما يقتضي هذا الكتاب مِن أوصاف الثناء، ومعلومٌ أن الثناء على الكتاب ثناء على مصنِّفه، لو أنك أثنيت على هذا البناء وقلتَ: ما شاء الله هذا بناء جيد ومحكم وجميل، من أثنيتَ عليه في الواقع؟ أثنيتَ على الباني، إي نعم، على الباني. فهذه المسألة يجوز للإنسان أن يُثنِي على نفسه بصفات الحمد، بشرط ألا يُريد بذلك الافتخار على غيره، والشرط الثاني أيضًا: أن يكون في ذلك مصلحة. أما الشرط الأول فوجهُه ظاهر؛ لأنه إذا قَصد بذلك الافتخار والعلو على الناس فهذا قصد محرم، ولهذا قال رسول الله ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا فَخْرَ»[[أخرجه الترمذي (٣١٤٨) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]].
وكذلك أيضًا اشتراط أن يكون فيه مصلحة؛ لأنه إذا لم يكن فيه مصلحة كان لغوًا من القول على أقل ما نقول فيه، كان لغوًا من القول؛ لأنه ليش الإنسان يمدح نفسه بدون مصلحة؟ إلا أنه لولا أنه يريد أن يُبرِز صفاته لِيفتخرَ بها على غيره ما فعل ذلك، حتى لو قال: أنا ما أريد الفخر، نقول: إذن لماذا؟ نعم.
* * *
قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مصلحتُهم أنّه يحثهم على الأخذ منه.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لكن، طيب، إذا بينا أنه يحفظ كذا وكذا، فأنا مثلًا قد تكون هذه الأشياء ليست عندي فأحرِص عليها، أو أعرف مثلًا أنه أحفظ مني فأرجع إليه في المسائل. المهم ما يُعتقد بأهل العلم -لا سِيَّما المشهورون بالفضل- أنه يريد بس مجرد إظهار صفاتهم الحميدة، فهذا معنى ليس بسليم أبدًا، لكن هم يقصِدون مصلحة، والمصلحة هذه تختلف باختلاف الأحوال.
* الطالب: يعني يا شيخ ما نقول: إن الأصل (...)؟
* الشيخ: لا، نقول: الأصل أن هذا لغو من القول؛ إذ لا فائدة منه، والرسول يقول: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨) ومسلم (٤٧/٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فما دام ما فيها خير... ثم إنها تؤدي إلى مفسدة؛ لأنه إذا فرضنا أن هذا الرجل مئة بالمئة ما قصده الافتخار، لكن يفتح بابًا لغيره، يفتح بابًا لآخرين، يفتخِرون بذلك.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤].
* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين مِن أهل الكتاب لهم أجران؛ الأجر الأول: الإيمان بكتابهم، والثاني: الإيمان بالقرآن.
* ومن فوائدها: إثبات عدل الله سبحانه وتعالى، حيث لم يُضيِّع أجرهم الأول بالأجر الثاني، ولا الأجر الثاني بالأجر الأول.
* يستفاد من ذلك أيضًا: أن الثواب على قدر العمل، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨]، هؤلاء كان ثوابهم مرتين؛ لأنهم عمِلوا كم؟
* طالب: مرتين.
* الشيخ: مرتين.
* ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات الأسباب والعلل؛ لقوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة الصبر، ما دام أن الصبرَ سبب للأجر، فلا شك أنه صفة حميدة وفاضلة، نعم، وأظن أننا في التفسير ذكرنا أن الصبر ينقسم إلى ثلاثةِ أقسام:
* طالب: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة.
* الشيخ: المؤلمة، وأن أفضلها أولها، ثم الثاني، ثم الثالث.
* ويستفاد منها أيضًا: أن الحسنات يذهبن السيئات؛ لقوله: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي مقابلة المسيء بالإحسان؛ لأن الآية كما قُلنا عامة لدرئهم سيئاتهم بحسناتهم، ودرئهم سيئات غيرهم بالإحسان إليهم، وأتينا لذلك بشاهد من القرآن. ولكن هذا الدرْء ثقيل على المرء، درءُ سيئات الغير بالإحسان إليه هذا ثقيل على المرء جدًّا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥]، أكثرُ الناس يقول: والله لأكِيلَنَّ له الصاع بالصاعين، والصفعة بالصفعتين، لكن الأمر ليس كذلك: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أيش النتيجة؟ ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤]، وشوف أتى بـ(إذا) الفجائية؛ للدلالة على أنَّ هذا الأمر يتحول بسرعة، هذا العدو يتحول بسرعة يكون كأنه ولي حميم، يعني: صديق قريب لك.
إذن نقول: إنه يستفاد منه أيش؟ أن الحسنات يذهبن السيئات، وأنه ينبغي مقابلة الإساءة بالإحسان، إلا أننا ذكرنا أن هذا ينبغي ألا يكون مظهر عجز في المرء، فإن كان مظهر عجز في المرء فلا ينبغي؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى ٤١].
* طالب: ولو كان فاسقًا؟
* الشيخ: إي نعم، ولو كان فاسقًا، هذا بالنسبة لحقك الخاص.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: أما بالنسبة لحق الله لا، فيعامل بما يقتضيه الشرع.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: بالنسبة لـ(...): ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤].
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: نعم ربما تُذْهِب السيئات الحسنات بالمقابلة، بطريق المقابلة؛ لأن الحسنات والسيئات تُوزَن يوم القيامة، فإذا رَجَح أحدهما صار الحكم له.
* ويستفاد من هذه الآية أيضًا: فضيلة الإنفاق من رزق الله؛ ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾.
* ويستفاد منها أيضًا: أن المنفِق لم يُنفِق مِما صنعه أو اكتسبه بنفسه، ولكنه ينفِق منين؟ مِن رزق الله، فالله هو الذي رزقك، وهو الذي أمرك، فأنت في الحقيقة خادم عبد متصرِّف حسبَ أمر سيدك، قال لك: اكتسِب فاكتسبتَ، قال لك: أنفِق فأنفقْتَ.
طيب، قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤]، كيف نجمع بين ما هنا وبين قولِه في وصفِ عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان ٦٧]، وبين قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء ٢٩]؟
نقول: نَجمَع بينهما بأنّ غالبَ أحوال الناس ألا ينفقوا جميع أموالهم؛ لأن إنفاق جميع المال قد يكون مضرًّا به، لكن في بعض الأحيان يكون إنفاق جميع المال محمودًا، فلهذا قال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ فلا تنفق، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فتنفِق كل ما عندك، لكن النصوص الأخرى تدل على أن المسألة مبنية على أي شيء؟ على تغيُّر الحكم بتغيِّر الأحوال، فقد يكون مثلًا الأفضل إنفاق جميع المال، وقد يكون مِن الأفضل إبقاء بعضه.
* ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أنَّ الإنفاق مِن رزق الله تبارك وتعالى محمود، والرزق كما عرَفنا في باب العقيدة، الرزق: ما يَنفع من حلال وضدِّه، يقول (...) والرزق ما ينفع من حلال وضدِّه، وهو ويش ضدُّه؟ الحرام، فهل يُحمد الإنسان إذا أنفق مِن حرام؟ لا؛ لأنه ما يُثاب عليه، والواجب عليه أنه يرد الشيء ويتخلص منه، هذا الواجب عليه، لكن المراد هنا الرزق الذي يُحمد على الإنفاق منه إذا كان زرقًا حلالًا، أما مَن اكتسب شيئًا حرامًا فإن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأنه إن أنفقه لم يُبَارك له فيه، وإن تصدق به لم يُقبَل منه، وإن خَلَّفه كان زاده إلى النار، وهذا يدل على أن الإنفاق من المحرم لا ينفع المرء، لكن ينفعه متى؟ إذا أنفقه يريد التخلص منه فإنه ينفعه بمعنى أنه لا يلحقه شيء من جَرَّائِه وينفعه؛ لأن إنفاقه للتخلص منه توبة، والتوبة تنفع العبد، فمثلًا: إذا كان الإنسان عنده مئة ألف درهم اكتسبها من حرام وأنفقها للتخلص منها، هل يُعطى أجر مَن تصدق بها؟ لا، لكن يُعطى أجرًا على التوبةِ من هذا الذنب الذي فعله، وأما ما (...)، لكن لو أنه اكتسبها من حلال وأنفقها، أُعْطِيَ الأجر بقدره، وعلى حسب المضاعفة التي جاء بها النص.
* * *
قال الله تبارك تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ [القصص ٥٥].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إذا كان... ما يفيد الإنسان؛ لأن العاجز ترك الشيء لعجزه عنه، فما هو مقام (...)، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء ١٤٩]، فمدح نفسه بأنه عافٍ مع القدرة، أما من عفا لعجزِه، ويش الفائدة؟ واحد مثلًا يضربه جندي وهو ما يقابل الجندي، يقول: (...) جزاك الله خيرًا، الله يحسن إليك. نعم، فنقول: هذا عاجز، لكن لو يضربه واحد من (...) ويش يسوي له؟ يمكن يعطيه عن الصاع صاعين.
28:55Страница 392
وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغۡوَ أَعۡرَضُواْ عَنۡهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ لَا نَبۡتَغِي ٱلۡجَٰهِلِينَ ٥٥
А услышав праздные речи, они отворачиваются от них и говорят: «Нам достанутся наши деяния, а вам - ваши. Мир вам! Мы не желаем следовать путем невежд».
قال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص ٥٥].
﴿وَإِذَا سَمِعُوا﴾، يجب أن نعرف الفرق بين (سمِع) و(استَمع)، فالسامِع هو الذي أدرك الصوت بدون قصد، والمستمِع: هو الذي أدركه بقصْد، أدرك الصوت بقَصْد. ولهذا نقول: يُسَن سجود التلاوة لمن؟ للمستمع دون السامع.
فهنا قال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾، دل على أن هؤلاء القول ليسوا يستمعون إليه، ولكن يسمعونَه، فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢]، ﴿مَرُّوا﴾ به، ما يقفون عنده، لكن إذا ﴿مَرُّوا﴾ به.
فهؤلاء أيضا: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾، يقول المؤلف: (الشتم والأذى من الكفار)، أيضًا هذا تخصيص لِما هو أعم، فإن اللغو يشمل ما قاله المؤلف: (الشتم والأذى)، ويشمل أيضًا كلَّ كلام لا خيرَ فيه، سواء كان فيه شر أم لم يكن فإنه مِن اللغو. فهؤلاء في غاية ما يكون من الجد وحفظ الوقت، لا يستمعون إلى كلام لغو، والله تبارك وتعالى مدح الذين لا يستمعون اللغو، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ» ويش بعده؟
* طلبة: «فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».
* الشيخ: «فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨) ومسلم (٤٧/٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، «فَلْيَقُلْ خَيْرًا»، والمقابل للخير ويش بعد؟ الشر، ويش بعد؟ وما لا خير فيه ولا شر وهو اللغو.
فالأصح أنه يشمل ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ يشمل كلَّ كلام لا خير فيه، سواءٌ كان فيه أذية وشر أم لم يكن.
﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص ٥٥]، ﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ بأبدانِهم؟ أو بأبدانهم وقلوبهم؟ أو بقلوبِهم فقط؟ الأصل القلوب، لكن قد تشمل الأبدان أيضًا، بحيث إذا سمعوا كلامًا لا خير فيه قاموا وتركوا المكان، ولو كان غير حرام. أما إعراض البدن مع إحضار القلب، فهذا ينفع؟ ما ينفع.
فالمقام هنا أربعة أنواع، المقام عند اللغو أربعة أنواع:
تارَةً يُقبِل عليه بجسمِه وقلبه، فحينئذ يكون مشاركًا لأهله.
وتارة يُعرِض عنه بجسمه وقلبه، بحيث ما يستمع إليه ويقوم.
وتارة يعرض بقلبه دون جسمه.
وتارة يعرض بجسمه دون قلبه.
والتركيز هنا على أي شيء؟ الإعراض بالقلب.
﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص ٥٥]، كأنه يقول: إذا قيل لهم: ليش تقومون؟ لِماذا لا ترُدُّون؟ لماذا لا تنصَاعون لأذاهم؟ يقولون: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، فنحن لا نُسأل عما تعملون، وأنتم لا تُسألون عما نعمَل، ولا نوافقكم على هذا العمل. وليس يعني ذلك أنهم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر؛ لأن الكلام هنا عن اللغو، وهو الكلام المنافي للخير، أما المنكر فإنهم لا شك أنهم ينهون عنه ويأمرون بالمعروف.
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [القصص ٥٥]، يسلِّمون عليهم سلام تحية ولَّا سلام غير تحية؟
المؤلف يقول: (سلام متاركة، أي: سَلِمْتُم مِنَّا مِن الشتم وغيره)، وليس يسلمون سلام تحية، فهم إذا سمعوا اللغو أعرضوا وقاموا وقالوا لهؤلاء: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾، يعني: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ مِنَّا، ما هو مِن الله، ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ مِنَّا فأنتم سالمون، لا نقابِلُكم بِما تفعلون بنا. وهذا من المؤلف بناء على أن المراد بقوله: ﴿اللَّغْوَ﴾ يعني الأذى والشتم من الكفار.
أما إذا قلنا بالعموم، فإنه يحتمِل أن يكون المراد بالسلام هنا سلامًا من الله، أي: سلام تحية؛ لأنه يُشرع لِمن قام مِن مجلس أن يُسَلم، ويحتمل أن يكون سلام متاركة، وإن شئنا جعلناه موزعًا، فقلنا: إن قلنا باللغو: إنه الشتم والأذى، فالسلام هنا سلام متاركة، بمعنى أنكم أنتم سالمون منا ونحن سالمون منكم، وإذا قلنا: إن المراد باللغو الكلام الذي لا خير فيه، وإن لم يكُن سبًّا ولا شتمًا فهو سلام تحية؛ لأن هؤلاء لم يُسِيئوا إلى المعرضين حتى يقولوا لهم: سلام عليكم منا، وهذا أيضًا جائز أن نَحمل السلام - أي: معنى السلام - هل هو متاركة أو سلام تحية على معنى اللغو.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، مثله، نعم.
قال: (﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص ٥٥] لا نصحبهم)، وهذا التفسير مِن المؤلف قاصر، أظنه قاصرًا، نشوف هل توافقون على هذا ولَّا لا؟ ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾، يقول: (لا نصحبهم)؟
* طالب: قاصر.
* الشيخ: ولو كان الأمر كذلك لقال: لا نصحب الجاهلين، لكن: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾، الابتغاء بمعنى الطلب، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة ٢] أي: يطلبون، فمعنى ﴿لَا نَبْتَغِي﴾ لا نطلب، وإذا انتفى طلبُ الجاهلين، فانتفاء صحبتِهم؟
* طالب: من باب أولى.
* الشيخ: من باب أَولى؟ تقول هذا لأن هذه أسطوانة دائمًا نقولها، ولّا تقولها على اقتناع؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إذا انتفى طلب الجاهلين انتفت الصحبة من باب أَولى؛ لأنهم هم ما يطلبون الجاهلين ولا يُدوِّرونهم، فضلًا عن كونهم إذا وجدوهم صحِبوهم، فأيهما أبلغ: تفسير المؤلف أو ظاهر الآية؟
* طالب: ظاهر الآية.
* الشيخ: ظاهر الآية أَولى وأبلغ، يعني: نحن لا نطلب الجاهلين فضلًا عن صحبتهم؛ وذلك لأنهم ذوو علم وبصيرة، والإنسان من ذوي العلم والبصيرة ما يطلب الجاهلين فيكون معهم، بل لا يصحبون إلا الأخيار ذوي العلم والمروءة والشرف والدِّين، أما الجاهلون فإنهم لا يبتغونهم ولا يطلبونهم ولا يريدونهم أيضًا.
والجاهل هنا المُراد به السَّفيه، أو مَن ليس بعالِم؟ السفيه، نعم، المراد به السفيه حتى لو كان عالِمًا؛ لأنه إذا أساء التصرف ولو كان عالِمًا فهو بمنزلة الجاهل، بل أشد مِن الجاهل؛ لأن مَن خالف عن عِلم أشد مِمن خالف عن جهل، ويُسمى مَن خالف عن علم يسمى سفيهًا ويسمى جاهلًا مركبًا، نعم إذا ادعى أنه يعلم، بخلاف الإنسان الجاهل الذي لم يأتِه العلم أصلًا، فإن هذا قد يستقِيم إذا عَلِم.
طيب إذن ﴿الْجَاهِلِينَ﴾ هنا ليسوا مَن لا يعلمون، بل السفهاء.
وإذا قال قائل: ما الذي يدل على أن الجهل يأتي بمعنى السَّفه؟
قلنا: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٧]، فإن قوله: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ بلا شك أن المراد أيش؟ بِسفه؛ لأن مَن يعمل السوء جاهلًا بغير علم فهذا لا ذنب عليه حتى نقول: إنه يتوب. فالجهل هنا بمعنى السفه ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص ٥٥] أي: السفهاء الذين يعملون بجهالة.
طيب، الجاهل اللي غير عالِم هل يبتغيه المرء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ربما يبتغيه يطلبه لأجل يعلمه، رُبما يطلبُه لِيعلِّمه، ما دام جاهلًا، ولهذا الرسول ﷺ كان يعرِض نفسَه على القبائل في موسم الحج[[أخرج أبو داود (٤٧٣٤) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على الناس في الموقف، فقال: «ألا رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي».]]، يجيء إلى قبيلة (...) عليهم ويدعوهم إلى الله، فهو يطلب هؤلاء الجهال لِيعلِّمهم. لكن المراد بالجهل هنا هو السفه؛ لأن السفيه فعلُه في الحقيقة كفعل الجاهل تمامًا؛ إذ إنه يخالف الحق ولا يعمل به، لكنه أشد من الجاهل؛ لأنه غير معذور، و(...) إلى آخره.
طيب نحن الآن وإياكم (...) هذه الصفات، فهل المراد أن نقرأها للعِلم ولّا للعمل؟
للعلم والعمل؛ لأن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنه يتعلم عشر آيات تعلموها وما فيها من العلم والعمل، وأكثر الناس إذا قرأ مثل هذه الآيات قال: يللا (...) ما أحسن صفاتهم! وما أجمل أفعالهم! وهذا غاية ما يستفيد من الآية، ولكن هذا ما يكفي، المقصود من ذِكر هذه الأوصاف الحميدة سواءٌ كانت عن سبيل الإخبار عن الحال، أو عن سبيل القصص، الغرض منها هو الاعتبار، أن الإنسان يعتبِر بما حَصل، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]، ونسأل الله أن يعيننا جميعًا على فَهم كتابه والعمل بالوحي.
(...)
على مَن أعرض عن اللغو؛ لقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص ٥٥].
وثانيًا: أنه ينبغي الإعراض عن اللغو، وهو الكلام الذي لا فائدة فيه ولا خير فيه، والفعل يقاس عليه ولّا لا؟ يُقاسُ عليه، فلا ينبغي للإنسان أن يُمضي وقته في أفعال لا خيرَ فيها.
واعلم أن الخيرية ذاتية وعرَضية، بمعنى أنه قد يكون الشيء خيرًا في ذاته، وقد يكون خيرًا لغيره لعارض يعرِض له، فمثلًا الصلاة خيرُها ذاتي، والسعيُ إليها خيرُه عرَضي؛ لأن مجرد المشي ليس بقُربة حتى يكون وسيلة إلى قربة أخرى. فعلى هذا لو أن الإنسان تحدث بحديث ليس مِن الذِّكر ولا مِن العلم ولا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنّه حديث يقصِد به إدخال السرور على مُجالسيه، يكون خيرًا هذا ولَّا لا؟ نعم يكون خيرًا، لكنه ليس خيرًا ذاتيًّا بهذا الكلام، بل هو خيرٌ عرضي، أي: عرض له بسبب القصد الحسن فيه، وهذا في الحقيقة على هذا التقدير (...).
واضح؟ ولاحِظوا أيضًا أنه لا سواء بين الخير العرَضي والخير الذاتي؛ لأن الخير العرضي يَفقِد خيره إذا زال السبب، والخير الذاتي خيره ثابت دائم.
إذن نقول: يستفاد منه أن ترك اللغو مما يُثنى عليه. أظن ذكرنا هذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الثناء على ترك اللغو.
* طالب: لكن (...)؟
* الشيخ: إي نعم، لا، ما دُمْنا قُلنا: إنه خير عرضي (...) ما دُمنا قلنا: إنه خير عرضي، فهذا إذا انتهى وزال السبب الذي من أجله تحدث، يكون الباقي لغوًا ما فيه فائدة، يكون من الأحسن تركه: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨) ومسلم (٤٧/٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
* الطالب: نعم، يعني هذا بالنسبة لجلسات أخرى، أو في نفس الجلسة؟
* الشيخ: في نفسِ هذه الجلسة، أما في الجَلَسات الأخرى فكل جَلسة لها حكمها، كل جلسة لها حكمها، لكن حتى بالنسبة لهذه الجلسة إذا زال السبب الذي من أجله أتحدث إليهم زالت الخيرية، فيمكن أن ينتقل بهم إلى حديث آخر مفيد أو نحو ذلك، الإنسان الحقيقة البصير يستطيع يعمل.
ومن أحسن ما يكون أن بعض الأقوام إذا صحِبوا أحدًا ربما يوجه إليه أسئلة مفيدة في الدين مثلًا؛ لأجل أنه يشغل الناس عن الكلام اللغو الذي لا فائدة منه، ويشدهم أيضًا إلى البحث؛ لأنه قد يكون عند الإنسان سؤال ناسيه، وإذا انفتح الباب تذَكَّره، هذا من أحسن ما يكون، لا سِيَّما طلبة العلم الذي ينبغي أن يكونوا مفيدين للناس في جلساتهم، يعني فلا ينبغي أن طالب العلم تكون جلسته كجلسة العامي، بل يحرِص على الفائدة ما أمكن.
* ويستفاد من الآيات الكريمة: أنه ينبغي التبرؤ من أصحاب اللغو وعدم مجالستهم؛ لقولهم: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص ٥٥].
* ويستفاد منه: مشروعية السلام عند الانصراف؛ لقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [القصص ٥٥]، وهذا يتوجه على تفسير المؤلف لها ولَّا لا؟
* طالب: لا، (...).
* الشيخ: إي، أنا أريد القاصي.
طيب؛ لأن معنى كلام المؤلف ما تستقيم هذه الفائدة على تفسير المؤلف؛ إذ إنه يرى أن السلام هنا سلام مُتاركة، لا سلام تحية، وعلى هذا فلا تُؤخذ هذه الفائدة، وهو إنما حمله على سلام المتاركة بناءً على تفسيره اللغو بأنّه الشتم والقذف، والحقيقة أن هذا تفسير ناقص؛ لأن السب والشتم قد لا يُقال: إنه لغو فقط، بل لغو وعدوان، نعم، فهو أخص من كونه لغوًا.
* طالب: الفائدة (...)؟
* الشيخ: الفائدة هذه (...) مشروعية السلام.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...)؛ لأن إحنا رجحنا أنها عامة، إي نعم.
* الطالب: يا شيخ ما تخالف (...)؟
* الشيخ: ما تخالف الآية؛ لأن قوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ [القصص ٥٥] الكلام اللي لا خير فيه واللي فيه الشر، والكلام الذي لا خير فيه يمكن أن (...) الإنسان عنهم، ويقول: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ سلام تحية؛ لأنه ما هو محرم.
* ومن فوائد الآية: أنه لا ينبغي للعاقل طلبُ السفهاء، فضلًا عن الجلوس معهم؛ لقوله: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص ٥٥]؛ لأن طلبهم في الحقيقة يؤدي إلى الجلوس معهم، والجلوس مع الجاهلين إثم كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام ٦٨]، فلا ينبغي للإنسان أن يتطلب أهل السفه ويجلس إليهم، أو على الأقل يأنس بما يفعلون، فإن هذا من الصفات التي ليس عليها أهل الخير والإيمان.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии