Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
Аль-Анкабут 29:21–27, продолжение
أما قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ فهي إلى الدلالة على ثبوت الرؤية أقرب من الدلالة على نفي الرؤية؛ لأن الله جل ذكره لم يقل: لا يُرى، بل قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾، ونفي الأخص -لأن الإدراك أخص من مطلق الرؤية- نفي الأخص لا يدل على نفي الأعم، هذه قاعدة معروفة عند أهل العلم: أن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، فهنا نحن نقول: إن هذا يدل على أنه يُرى؛ لأنه لو لم يكن يرى لقال: لا تراه الأبصار، فلما قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ عُلم أنه يرى لكن لا يدرك، ونحن نقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ حتى في الآخرة، فإنه لا يمكن الإحاطة بالله عز وجل لكنه يرى، وضرب المثل لا بأس به لكن مع الفرق، ألسنا نرى الشمس ولا ندركها، نراها ولا ندركها، بل إننا نرى أصغر شيء أصغر حيوان (...) تراه بالعين، ومع ذلك لا تدركه، تدرك ما فيه مما خلق الله عز وجل في جوفه أو في جلده؟ ما تدركه.
فالحاصل أنه لا يلزم من نفي الإدراك نفي الرؤية، بل هو دليلٌ على ثبوت الرؤية، ولهذا استدل أهل السنة والجماعة بهذه الآية على ثبوت الرؤية ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾.
* طالب: شيخ، الكفار يرون الله يوم القيامة؟
* الشيخ: لا، الكفار ما يرونه؛ لأنه يقول: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥].
* الطالب: وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦] (...)..
* الشيخ: هذه الملاقاة بالنسبة للكافر دل الدليل على أنه لا يراه، بالنسبة للكافر.
* ومن فوائد الآية: وجوب الإيمان بلقاء الله؛ لأن الله تعالى عاقب الذين لا يؤمنون بذلك باليأس من رحمته.
* ومن فوائدها: ثبوت الرحمة؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾، طيب الإضافة هنا إن قلنا: إن المراد بالرحمة الجنة، فهي من باب إضافة المخلوق إلى خالقه تشريفًا وتكريمًا، وإذا قلنا: إنها صفة الله فهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها.
* ومن فوائد الآية: إثبات العقوبة للكافرين، وأنها عقوبة شديدة؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، والآيات في هذا كثيرة جدًّا، فلا حاجة إلى كثرة الكلام فيها؛ لأنها واضحة الحمد لله.
* طالب: (...) رد على القدرية ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [العنكبوت ٢٢] حيث يكون معناه أن..
* الشيخ: نعم، فيها رد على القدرية، قوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ فيها رد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، وإنه لا دخل لمشيئة الله فيه؛ لأننا إذا قلنا بذلك فإنه يلزم أن يُعجِزوا الله، وقد نقول: إن هذا فيه ضعف -هذا الخطاب- لأنهم هم يقرون بأن الله قادرٌ عليهم، على إهلاكهم إذا خالفوا، وعلى استئصالهم بالعذاب.
ذكرنا فيما سبق أن المضاف إلى الله تعالى نوعان، ما أدري تذكرونه؟ المضاف إلى الله نوعان ما يذكره منكم أحد؟
* طالب: قلنا: إن المضاف إلى الله (...).
* الشيخ: طيب الأعيان.
* الطالب: الأعيان إضافة الخالق للمخلوق كبيت الله وناقة الله.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ذكرنا أن المضاف إلى الله سبحانه وتعالى نوعان: إما أعيان أو أوصاف، والأعيان إما أن تكون إضافتها إلى الله على سبيل العموم، أو على سبيل الخصوص، فالأول اللي يضاف إلى الله على سبيل العموم هذا يراد به أن الله سبحانه وتعالى خالق لهذا الشيء؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية ١٣]، فإن هذا يشمل كل ما في السماوات والأرض، وإما أن يكون خاصًّا يراد به التشريف والتكريم، مثل ناقة الله، وبيت الله، نعم، ومساجد الله وما أشبه ذلك، أما إذا كان المضاف إلى الله وصفًا لا يقوم بغيره فإنه من صفات الله، مثل كلام الله، وقدرة الله، وعزة الله، وما أشبه ذلك، وبهذا استدل أهل السنة على أن القرآن مخلوق ولّا غير مخلوق؟
* طلبة: غير مخلوق.
* الشيخ: غير مخلوق؛ لأن القرآن وصف يقوم بالمتكلم، كلام يقوم بالمتكلم به، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف بها، طيب يبقى عندنا أن الله سبحانه وتعالى أضاف روح آدم وروح عيسى إليه، فمن أي الأقسام؟
* طالب: تشريف المخلوق إلى الخالق.
* الشيخ: المخلوق إلى الخالق، طيب إحنا قلنا: أعيان.
* طالب: (...) فيه أعيان الروح (...) إذا خرجت من الجسد تبعها البصر.
* الشيخ: الروح عين، ما هي صفة؛ لأنها تقبض وتلف في الكفن كما جاء في الحديث[[أخرجه أحمد في المسند (١٨٥٣٤) من حديث البراء بن عازب.]]، ويصعد بها إلى الله، فهي عين، لكنها عين غير معلومة، ما لها نظير، ما مثل الأعيان الجسمية اللي احنا نشاهد، هي عينٌ لا نظير لها فيما نشاهده، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥].
* طالب: عبد الله وأمة الله يأتي مثلًا في الخاص والعام؟
* الشيخ: يأتي في الخاص والعام، فإذا قلنا مثلًا: عبد الله بالعبودية العامة فهو للعموم، وإذا قلنا: عباد الرحمن مثلًا فهو للخصوص.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: أي من الأرواح التي خلقها؛ لأن الأرواح مخلوقة لله عز وجل، وليست معناها أني جعلت جزءًا مني فيه هذا ما أحد يقوله إلا الحلوليّة من النصارى وأشباههم.
قال الله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ قرأنا هذا ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾، (أو) هذي هل هي للتخيير أو للشك أو للتنويع؟ للتنويع، هي للتنويع ليست للتخيير؛ لأن الله قال في سورة الأنبياء: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ﴾ [الأنبياء ٦٨]، ولهذا لعلك تذكر أن ﴿جَوَابَ﴾ قلنا في إعرابها: إنها خبر مقدم لـ﴿كَانَ﴾ و﴿أَنْ قَالُوا﴾ هي اسم كان، (...) طيب قلنا: (أو) هنا للشك، ما يمكن؛ لأن كلام الله سبحانه وتعالى ما يقع فيه الشك؛ لكمال علمه سبحانه وتعالى، للتخيير أيضًا، خلاف ظاهر القرآن في سورة الأنبياء، للتنويع صح، أي أن بعضهم قال: حرقوه وبعضهم قال: اقتلوه، وكان الرأي على التحريق ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾.
فإذا قال قائل: أليس الإحراق يحصل به القتل؟
قلنا: بلى، لكن يقصد به التعذيب أكثر، فهم -والعياذ بالله- لحنقهم وشدة ما في صدورهم على إبراهيم رأوا أنه يعذب بالنار عليه الصلاة والسلام ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾، والله حكيم جل وعلا، شوف تجري الأمور على مراده وحكمته، لعلهم لو قتلوه ما حصلت هذه الآية العظيمة، وهي أن تكون النار بردًا وسلامًا عليه، ولكن الله عز وجل حكيم، قال الله تعالى: ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ الآية فيها حذف، التقدير: فحرّقوه فأنجاه الله من النار، فحرّقوه فأنجاه الله، أي خلصه منها ﴿مِنَ النَّارِ﴾ (التي قذفوه فيها بأن جعلها عليه بردا وسلامًا).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: حقيقة نعم، لكن ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ﴾ تمنع هذا، الواقع أنهم جمعوا الحطب وألقوه في النار على أنهم حرقوه، طيب نقول: فأنجاه الله من النار التي قذفوه فيها بأن جعلها عليه بردًا وسلامًا بأمره؛ لأن الله قال: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ [الأنبياء ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا، قال أهل العلم: لو أن الله جل وعلا قال: ﴿بَرْدًا﴾ فقط لكانت ثلجًا عليه، ولكنه قال: ﴿وَسَلَامًا﴾؛ لأجل أن يسلم.
وفيه أن البرد يقتل كما أن الحر يقتل، ولولا أن البرد يقتل ما احتيج إلى قوله: ﴿وَسَلَامًا﴾.
طيب (﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي إنجائه منها ﴿لَآيَاتٍ﴾ ) ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ معلوم أن (إن) تنصب المبتدأ وترفع الخبر، أين اسمها؟
* طالب: ﴿لَآيَاتٍ﴾.
* الشيخ: ﴿لَآيَاتٍ﴾، واللام للتوكيد، و(آيات) كيف نقول: (إن) تنصب وهي مكسورة الآن؟ لكنها..
* طالب: (...).
* الشيخ:
........................... ∗∗∗ يُكْسَرُ فِي الْجَرِّ وَفِي النَّصْبِ مَعَا
قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ (آيات) جمع آية، وهي العلامة، والمقام هنا آيات كونية ولَّا شرعية؟
كونية، وجمعها فبين المؤلف الجمع قال: (هي عدم تأثيرها فيه مع عظمها وإخمادها وإنشاء روض مكانها في زمن يسير)، هكذا بين المؤلف الآيات اللي هي:
أولًا: أنها لم تؤثر مع عظمها؛ لأنهم جمعوا حطبًا عظيمًا وأضرموا نارًا عظيمة، حتى إنه ذُكر أنهم ما استطاعوا أن يقربوها وأنهم ألقوه بالمنجنيق، حذف، رمي من بعد، نعم، والله أعلم، إنما على كل حال هي نار عظيمة بلا شك.
(إخمادها) يعني كونها تخمد وتهدأ من اللهب في لحظة هذا من آيات الله عز وجل.
الثالث: أنها يقول: كانت روضة لكن يكفي أنها برد وسلام، أنها كانت بردًا وسلامًا على إبراهيم.
وعندي أن الآيات أكثر مما قال المؤلف:
فإن من الآيات إبطال كيد هؤلاء.
ومنها: صبر إبراهيم وتحمله؛ لأن حقيقة الأمر أن هذا شيء ما يقوى عليه إلا أمثال إبراهيم من أولي العزم.
ومنها: أيضًا انقلاب هذه الحرارة إلى برودة.
ومنها: انقلاب كونها سببًا للهلاك إلى أن كانت سلامًا عليه.
* طالب: (...) لم تخمد، بل كانت بردًا وسلامًا عليه، فهي لهب ومع ذلك برد، حتى طفئت بعد ذلك وهم يرون أنه قد هلك؟
* الشيخ: إي نعم، الله أعلم ما نعرف إنها خمدت أو أنها بقيت، وهو الظاهر أيضًا، الظاهر من القرآن أنها بقيت؛ لأنه قال: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾، فالله تعالى ما أمرها أن تخمد، بل قال: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾، وعلى هذا فيكون في كلام المؤلف نظر، ويكون الصواب أنها بقيت على ما هي عليه ولكنها كانت بردًا وسلامًا على إبراهيم.
* طالب: يعني هذا أظهر في الإعجاز؟
* الشيخ: قلنا: بقاؤها أظهر في الإعجاز.
* طالب: القول بأنها من بره لها لهب (...)؟
* الشيخ: لها لهب؟
* الطالب: من بره يعني.
* الشيخ: إي من رآها رآها تلتهب ولّا (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: تبقى الآية على حالها.
* الطالب: لأنه فيها فائدة؟
* الشيخ: ما فيها (...) إسرائيليات، لكن الواجب الأخذ بظاهر القرآن.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت ٢٤] (يصدقون بتوحيد الله وقدرته لأنهم المنتفعون بها) هذه الآيات قيدها الله بأنها ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ احترازًا من القوم الذين لا يؤمنون، وإن كانت الآيات أمامهم لا ينتفعون بها فليست لهم آيات، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١] هل تعلمون في الكلام شيئًا أعظم آية من كلام الله؟ لا، ما نعلم، وهو الواقع، ومع ذلك من ليس بمؤمن إذا تلي عليه القرآن قال: أساطير الأولين، كما قال الله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [القلم ١٥]، ولذلك إذا رأيت من نفسك أنك لا تتأثر بالقرآن فاتهم نفسك، اتهمها؛ لأن الله تعالى ما قال عن أحد: لا ينتفع بالقرآن إلا عن المكذبين الذين لا يرون في القرآن شيئًا، يعني يأخذ بلبهم وروعهم، وهذه المسألة مسألة نسأل الله لنا ولكم النجاة منها؛ لأن كثيرًا من الناس يقرءون هذا القرآن ولكنه لا يهز مشاعرهم، وهذا خطير جدًّا على الإنسان، يجب أن الإنسان يتهم نفسه بهذا الأمر حتى يُعدِّل ما مال منه، ويقوم المعوج.
وعلى هذا نقول: إن الآيات الكونية والشرعية ما ينتفع بها إلا المؤمن، غير المؤمن لا ينتفع -والعياذ بالله-؛ لأنها تمر عليه وكأنها إن كانت آيات كونية كأنها أمر عادي، أو بمقتضى الطبيعة، فالزلازل التي تصيب الناس ويش يقولون؟ يقولون: هذه براكين عادية، نعم ما هي شيء، وها الرياح العاصفة العظيمة التي تدمر المحاصيل والأشجار، وكذلك ما يحصل من الأمطار المغرقة، كل هذه يقولون: إنها ظواهر طبيعية، ما كأنها عقوبة من الله عز وجل. إذن انتفعوا بها ولَّا لا؟ لا، حتى الآن بدأ الناس في الكسوف، يقولون: هذه أسباب ظاهرة، ونسأل الله السلامة، ينشرونها قبل أن تقع لأجل أن تأتي إلى الناس وهم قد اطمأنوا إليها واستقرت في نفوسهم، فلا ترعبهم ولا تخوفهم، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «يُخَوِّفُ اللهُ بِهَا عِبَادَهُ»[[أخرجه أبو داود (١١٨٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦٣٣٨) من حديث قبيصة الهلالي واللفظ له.]]، وهؤلاء جعلوها كأنها هلال عيد، حتى إن بعضهم خاطبنا بذلك قال: إحنا نخبر الناس لأجل يتهيئون نعم ويترقبون لذلك حتى يأتي الكسوف وهم مستعدون كأنه هلال عيد بيخرج عشان يخرجون إلى المصلى، وهذا غلط. أنا أذكر ويمكن بعضكم المتقدم في السن يذكر الناس إذا جاء الكسوف ويش يحصل عندهم من الخوف والانزعاج والفزع كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام به، الفزع إلى المساجد والبكاء، أما الآن -نسأل الله العافية- كما ترون يمكن بعض الناس يكون عنده الكسوف يشاهده وعنده آلة لهو تغني وما أشبه ذلك. فالمهم أن هذه الآيات ما ينتفع بها إلا المؤمن.
* * *
(﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ [العنكبوت ٢٥] تعبدونها، و(ما) مصدرية ﴿مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ﴾ خبر إن، وعلى قراءة النصب مفعول له، و(ما) كافة، المعنى: تواددتم على عبادتها). المؤلف رحمه الله بيّن لنا الآن أن قوله: ﴿مَوَدَّةَ﴾ فيها قراءتان سبعيتان ولَّا لا؟ سبعيتان: قراءة الرفع إحنا الآن بنعرب الآية قبلما نتكلم عن معناها، قراءة الرفع: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ﴾ على قراءة الرفع المؤلف أعرب (ما) مصدرية، لا كافة ولا موصولة، مصدرية، والتقدير على رأيه: إن اتخاذكم من دون الله أوثانا مودةُ بينكم، فيكون المصدر المنسبك من (ما) اسم (إن)، ويكون (مودةُ) خبر (إن)، و(اتخذتم أوثانا)، نحن (...) نكمل إعراب (إن) وما يتعلق بها، وعلى قراءة النصب يقول: إنها مفعول له، ويش مفعول له؟
* طالب: مفعول لأجله.
* الشيخ: يعني يسمونه مفعولًا لأجله، يعني: إنما اتخذتم من دون الله أوثانًا لأجل المودة بينكم، نعم، ولكن على هذه القراءة (ما) كافة، فتكون داخلة على (إن)، و(ما) الكافة إذا دخلت على (إن) تفيد الحصر، يعني: ما اتخذتم الأوثان إلا لأجل المودة بينكم، تصورتم الآن المعنى؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: على الرأي الأول نقول: (ما) -على رأي المؤلف طبعًا- (ما) مصدرية و(اتخذتم) فعل مؤَوّل إلى مصدر، والتقدير: إن اتخاذكم من دون الله أوثانًا مودةُ بينِكم، خبر (إن). على قراءة النصب نقول: (إنما) أداة حصر، و(مودة) مفعول لأجله، يعني اتخذتموه لأجل المودة، نعم، هذا ما قاله المؤلف.
وقيل: إن (ما) اسمٌ موصول على قراءة الرفع، إن (ما) اسم موصول، وإن العائد محذوف، والتقدير: إن الذي اتخذتموه من دون الله أوثانا مودةُ بينِكم، وعلى هذا التقدير يكون مفعول (اتخذ) محذوفًا؛ مفعولها الأول، ومفعولها الثاني (أوثانًا)، وعلى هذا فنقول: (إن) أداة توكيد ينصب الاسم ويرفع الخبر، و(ما) اسمها بمعنى الذي و(اتخذتم) صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: اتخذتموه، و(أوثانًا) مفعول ثانٍ لـ(اتَّخَذ)؛ لأن اتخذ تنصب مفعولين؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء ١٢٥].
* طالب: واضح (...).
* الشيخ: إي نعم واضح، يعني أن الذي اتخذتموه أوثانًا هو المودة بينكم، نعم، وهذا أيضًا التقدير اللي ذكرنا أن اسم موصول تصلح حتى على قراءة النصب: إن الذي اتخذتموه أوثانًا لأجل المودة بينكم لا ينفعكم، ويكون الخبر على قراءة النصب محذوفًا، التقدير: لا ينفعكم.
طيب نرجع الآن إلى (اتخذ) تنصب مفعولين على تقدير (ما) موصولة، أين مفعولها الأول؟ محذوف، اتخذتموه اللي هو العائد على (ما)، و(أوثانًا) مفعول ثانٍ. وعلى القول بأن (ما) مصدرية أو كافة نقول: إن المفعول الثاني أيضًا محذوف، والتقدير: آلهة؛ كقوله تعالى: ﴿قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف ٢٨] المعنى: اتخذوا هذه الأوثان آلهة مودة بينهم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...) مفعولًا ثانيًا، لا الظاهر أنها حال من أوثان؛ لأنها قدمت عليها.
* طالب: مودة (...)؟
* الشيخ: لا، ما تصلح؛ لأنها واضحة أنها للتعليل، يعني اتخذوه للمودة؛ لأنهم اجتمعوا على هذا لأجل ألا يتفرقوا فقالوا: إننا ننتصر للآلهة بطلب المودة بيننا حتى تجمعنا هذه الآلهة على المودة.
* * *
قوله: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ إلى آخره.
* من فوائدها: بيان طغيان قومه، حيث يدلهم على الحق، ويكون هذا جوابهم.
* ومن فوائدها: أنهم اختلفوا ماذا يصنعون به، ثم قرروا أنهم يحرقونه، وذلك بناء على الجمع بين هذه الآية وبين آية الأنبياء ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٦٨].
* ومن فوائدها: تمام قدرة الله عز وجل، حيث كانت هذه النار المحرقة بردًا وسلامًا عليه، فإن هذا من آيات الله الدالة على قدرته.
* ومنها: أن كل من قام لله فإن الله تعالى ينجيه بمفازته، يعني ينجيه في موضع هلاكه، قال الله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر ٦١].
* ومن فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى يقدِّر من الأمور لإنجاء أوليائه ما لا يخطر بالبال، فإن مَن يخطر بباله أن هذه النار العظيمة تكون بردًا وسلامًا، ولكن الله سبحانه وتعالى يقدر لأوليائه من أسباب النجاة ما لا يخطر لهم على البال.
* ومن فوائد هذه الآية: معرفة الجماد لله؛ لأن الجمادات تعرف ربها فتمتثل لأمره؛ لأن الله قال لهذه النار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ [الأنبياء ٦٩].(...) لا ينتفع بها إلا المؤمنون، من أين تؤخذ؟ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت ٢٤] واضح؟ ولا ينافي هذا ما جاء في عدة آيات ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد ٤] و﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد ٣]، وما أشبه ذلك؛ لأن العقل والتفكر ونحوهما من مقتضيات الإيمان، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أكثر عقلًا وتفكرًا، والتفكر أيضًا يدعو إلى الإيمان، فهما متلازمان.
* طالب: هل ثبت في هذا بالنسبة إلى النجاة من النار لأحد من الصحابة (...).
* الشيخ: نعم، هم ذكروا أنه ثبت، ذكر هذا ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية، وقال: إنه ما من آية لنبي سابق إلا كانت آية للنبي عليه الصلاة والسلام أو أعظم، لكن منها ما جرى للرسول عليه الصلاة والسلام نفسه ومنها ما جرى لأمته، وما جرى لأمته فإنه من آياته؛ لأنه يشهد بصحة الطريقة التي هم عليها، فيكون ذلك من آيات النبي عليه الصلاة والسلام.
* طالب: فيه رد على الجبرية؛ لقوله: ﴿اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ [العنكبوت ٢٤] حيث نسب الفعل إليه.
* الشيخ: ماذا تقولون؟ يمكن نأخذ من هذا رد على الجبرية؟
* طالب: (...) في مهب الريح، ما له أي مشيئة ولا أي فعل؟
* الشيخ: إي، بس هم يقولون: إنه يقتل، أن الإنسان يقتل ويفعل ويقوم لكنه مجبر عليه، إلا أن يقال مثلًا: إن كونه مخير بعضهم بعض، هل يدل على هذا؟
فيها أيضًا بعد الفائدة الثانية (...)، وهي أن الأسباب لا تفعل فعلها إلا بإرادة الله، وهذه مهمة، فالأسباب مهما قويت ما تفعل الفعل إلا بإذن الله، بمعنى أن الله تعالى قد يمنع من تأثيرها، فالنار سبب للإحراق بلا شك، وهنا سُلبت هذه السببية ولم تؤثر.
طيب ﴿قَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ [العنكبوت ٢٥] يعني أن الذي اتخذتموه أوثانًا لا يجمعكم عليه إلا المودة، ولهذا قال المؤلف: (المعنى تواددتم على عبادتها)؛ لأنه والعياذ بالله أهل الشر يتوادون على فعل الشر كما أن أهل الخير يتناصرون أيضًا على فعل الخير، فكذلك أهل الشر.
وقوله: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ هنا يجوز في كلمة (بين) أن يضاف إليها ما قبلها، ويجوز أن يقطع عن الإضافة، فيجوز مثلًا في غير القرآن: (مودةً بينَكم)، ويجوز: (مودةَ بينِكم) وهي هنا على هذا الوجه.
وقوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ متعلقة بما قبلها، يعني أنها مودة في الحياة الدنيا فقط، فهؤلاء المشركون يتوادون في الشرك في الدنيا فقط، تجدهم متناصرين متعاونين، لكن ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾.
﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ يعني ينكره؛ كقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦] وهذا لا شك إنه إنكار وكفر بعضهم ببعض.
﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٧، ٦٨]، ومجادلة الأتباع للمتبوعين في عدة آيات من القرآن ليست في آية البقرة فقط، فيه: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [الأعراف ٧٦]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ ٣٣] وما أشبه ذلك.
* طالب: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨].
* الشيخ: و﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ فالحاصل أن هذه المودة بين المشركين في الدنيا فقط، أما يوم القيامة فإن كل واحد منهم يتبرأ من الآخر وينكره ويلعنه أيضًا، وهذا لا شك أنه من أشد ما يكون العقوبات، لكن المتقون خُلَّتهم باقية إلى يوم القيامة ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٦٧]، وأما هؤلاء فإن المودة فيما بينهم تزول بالموت.
قال: (﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ بتبرؤ القادة من الأتباع ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ بلعن الأتباع للقادة)، والآية عامة، أنه يتبرأ القادة من الأتباع، والأتباع من القادة، وكذلك أيضًا يلعن بعضهم بعضًا.
قال: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾: ﴿مَأْوَاكُمُ﴾ (مصيركم جميعًا)، فالمأوى بمعنى المصير؛ لأنه من أوى يأوي إذا سار إلى الشيء واتجه إليه.
﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ وهذه النار قد أعدها الله سبحانه وتعالى للكافرين، وهي الآن موجودة، ورآها النبي ﷺ ليلة أسري به، وهي نار لا يستطيع الإنسان أن يدرك في الدنيا ما فيها من العذاب؛ فإنها فُضلت على نار الدنيا بتسع وستين جزءًا، أقول: إن هذه النار فضلت على نار الدنيا بتسع وستين جزءًا، أضف إليها الجزء المتمم للسبعين، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «عَلَى نَارِكُمْ هَذِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٢٨٤٣ / ٣٠) من حديث أبي هريرة بنحوه.]] أو «عَلَى نَارِ الدُّنْيَا»، ونار الدنيا كما تعرفون فيها نار شديدة الحرارة، وفيها نار متوسطة، وفيها نار باردة بالنسبة لغيرها، ومع ذلك فإنها تقاس بأعلى نار في الدنيا فتُفضل عليها بتسعة وستين جزءًا.
(﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ مانعين عنها) ﴿مَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ هذه فيها (من) الزائدة للتوكيد؛ لأن ﴿نَاصِرِينَ﴾ أصلها مبتدأ، وخبره قوله: ﴿لَكُمْ﴾، يعني لا أحد ينصركم فيمنعكم من دخول النار، هذا كلام من؟
* طالب: كلام الله.
* الشيخ: لا، هذا كلام إبراهيم؛ لأنه قال: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت ٢٥] هذا من كلام إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
* * *
قال الله تعالى: (﴿فَآمَنَ لَهُ﴾ صدَّق بإبراهيم ﴿لُوطٌ﴾ وهو ابن أخيه هاران ﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم) إلى آخره.
﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ الإيمان في اللغة: التصديق، ولكنه ليس مطلق التصديق، بل هو تصديقٌ بطُمأنينة؛ لأن مادة آمن هي مادة الأمن، يعني فيها الهمزة والميم والنون، وعلى هذا فليس الإيمان مطلق التصديق، بل هو تصديق خاص مقرون بأيش؟ أو متضمن للطمأنينة في الشيء، وهو يتعدى باللام كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ [طه ٧١]، وكذلك ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف ١٧] وعدة آيات من هذا، ويتعدى أيضًا بالباء، وهو كثير ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ [البقرة ٢٨٥] ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [العنكبوت ١٠] وما أشبه ذلك، فهل هذا من باب الترادف، أي أن اللام بمعنى الباء والباء بمعنى اللام؟ أو أن هناك فرقًا بينهما؟
يمكن أن نقول: إنه من باب الترادف وإن كل واحدة منهما، أي من اللام والباء تأتي محل الأخرى لكثرة استعمال هذه وهذه، ويمكن أن نقول بالتغاير وأن اللام تدل على استسلام، وأما الباء فتدل على طمأنينة القلب، فاللام للاستسلام ﴿فَآمَنَ لَهُ﴾ [العنكبوت ٢٦] فيُضمن معنى انقاد، وأما الباء فإنها تدل على طمأنينة القلب، فآمن به: اطمأن به، والله سبحانه وتعالى فرق بينهما في القرآن الكريم؛ كقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة ٦١] في آية واحدة ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، فالظاهر والله أعلم من مواردها في القرآن الكريم أنهما ليستا مترادفتين وأن بينهما فرقًا، فما يجب فيه الطمأنينة، أو ما كان فيه معنى الطمأنينة فهو بالباء، وما كان مضمنًا لمعنى الانقياد ولو ظاهرًا فإنه يأتي باللام، سحرة فرعون قال لهم فرعون مرة: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ [طه ٧١] وقال مرة أخرى: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [الأعراف ١٢٣]، فهل القولان معناهما واحد؟ لا؛ بناء على ما قلنا ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ أي صدقتم به بطمأنينة واطمأنت قلوبكم بصدقه، و﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ [طه ٧١] تابعتموه واستسلمتم له، ولهذا قال لهم: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه ٧١] فتُنَزل كل آية على معنى، هنا قال: ﴿آمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت ٢٦] نحن نعلم أن لوطًا عليه الصلاة والسلام آمن لإبراهيم وبه، آمن له وبه فهو آمن به بقلبه واطمأن إلى صدقه، وكذلك انقاد له، فتضمن هنا الإيمان معنى الانقياد ومعنى الطمأنينة.
* طالب: هنا يقال: إذا اجتمعا افترقا في المعنى، وإذا أفرد أحدهما دل على ما دل عليه الآخر؟
* الشيخ: ما يظهر هذا، هذا ما يظهر؛ لأن في الحقيقة كلما تتبعت اللام وجدتها في أمر ليس يقتضي الطمأنينة كمالًا، ما تأتي آمنت لله أبدًا.
* طالب: قال فرعون: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه ٧١] نفس منطوق الآية الأخرى قال له..
* الشيخ: إي، فيكون معناه أنه قرر أنهم اطمأنوا به وانقادوا له، إذا أخذنا مجموع الآيتين صار معناه أنه قرر بأنهم معترفون به وبصدقه وانقادوا له أيضًا بسحره، ولهذا ما جاء (آمنت لله)، (آمنت لله) ما جاء، لكن (أسلمت لله) جاء في القرآن العظيم.
قال: ﴿آمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت ٢٦]، وقول المؤلف: (صدّق بإبراهيم) يدل على أنه يرى أن اللام بمعنى الباء.
فإذا قلنا: المؤلف رحمه الله يرى أن ﴿آمَنَ لَهُ﴾ بمعنى آمن به، شوف ويش قال؟ (صدّق) تفسير (آمن)، (بإبراهيم) تفسير (له)، (﴿لُوطٌ﴾ وهو ابن أخيه هاران) يعني أن إبراهيم له أخٌ اسمه هاران بن آزر، وهاران له ابنٌ اسمه لوط.
(﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ﴾ من قومي ﴿إِلَى رَبِّي﴾ أي إلى حيث أمرني ربي وهجر قومه، وهاجر من سواد العراق إلى الشام).
قوله: ﴿وَقَالَ﴾ المؤلف يقول: إن الضمير يعود إلى إبراهيم، وعلى هذا ففي التلاوة تقف على ﴿آمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ تقف ولا تقل: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ﴾؛ لأنك لو وصلت لأوهمت أن القول من لوط، وقال بعض العلماء: إن الضمير يعود على لوط بناء على ظاهر السياق وإن لوطًا عليه الصلاة والسلام آمن وهاجر، فجمع بين الإيمان والهجرة.
وقوله: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ﴾ هنا مفاعل في اللغة العربية ترد بمعنى اشترك فيه اثنان فصاعدًا، كما يقال: مقاتل، وترد على معنى ليس فيه إلا طرفٌ واحد كما يقال: مسافر، فهمتم؟ كلمة مهاجر من أيهما؟ مما هو مشترك بين طرفين أو مما هو خاص بطرف واحد؟
* طالب: خاص.
* الشيخ: يعني هاجر بمعنى هجر، أو هاجر معناه أنه هجرهم وهجروه؟ ولّا فيه احتمال أن المعنى مهاجر أني هجرتهم وهجروني بمفارقتي، ويحتمل أنه من باب ما فيه طرف واحد فقط كمسافر.
* طالب: (...) للسياق يعين من كلام إبراهيم ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [العنكبوت ٢٧]..
* الشيخ: هنا بنلحقها بعدين إن شاء الله..
* الطالب: (...) هنا عزاها إلى ربه (...)؟
* الشيخ: إنها من طرف واحد؟ يمكن أنها تؤيدها الظاهر.
وقوله: (من قومي ﴿إِلَى رَبِّي﴾ ) قال المؤلف: (إلى حيث أمرني) يعني إلى الجهة التي أمرني الله سبحانه وتعالى أن أسافر إليها، هذا ما فسره به، والغريب أن بعض المفسرين قال: إن المؤلف قال: (إلى حيث أمرني) فرارًا من إثبات الجهة لله، فرارًا من إثبات الجهة؛ لأننا لو أخذنا بظاهر الآية ﴿إِلَى رَبِّي﴾ لكان متجهًا إلى الله ذاته، نعم وهم يرون أن الله تعالى ليس في جهة، وهذا رأي من؟
* طالب: الأشاعرة.
* الشيخ: إي نعم، رأي الأشاعرة وكذلك معطلة الجهمية؛ فإن الجهمية انقسموا في مسألة الجهة إلى قسمين: قسم حلولية يرون أن الله سبحانه وتعالى بذاته في كل مكان، وهؤلاء القدماء منهم، وقسمٌ آخر أهل تعطيل محض يرون أن الله سبحانه وتعالى ليس في مكان وليس في جهة، فيقولون: لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل بالعالم ولا منفصل عنه، ولا مباين ولا محايد، نسأل الله العافية، هذه الجهة يتوصل بها من ينكرون علو الله عز وجل بذاته، يقولون: لأنك إذا قلت: إن الله عالٍ بذاته على عرشه لزم من ذلك أن يكون في جهة، وإذا كان في جهة لزم أن يكون متحيزًا، والمتحيز محدود، سبحان الله، ما أدري جاءتهم هذه المقدمات والنتائج، نحن نقول لهم: مسألة الجهة ما ننكرها في المعنى، لكننا ننكر جهة تحصر الله عز وجل أو تحيط به؛ لأن الله تعالى محيطٌ بكل شيء، لكننا نثبت بأن له جهة هي العلو، فالجهات ثلاث: جهة سفل، وجهة علو محيطة بالله، وجهة علو لا تحيط به، أيهما المثبت؟ جهة العلو التي لا تحيط به، أما جهة السفل فممتنعة، وأما جهة علو تحيط به فممتنعة أيضًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى ليس فوقه شيء.
إذن كيف نؤول ﴿إِلَى رَبِّي﴾ على القول الصحيح؟ الراجح ﴿إِلَى رَبِّي﴾ أي إلى ديني؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج ٤٠] أي من ينصر دينه، والإنسان المهاجر إلى دين الله يلتمس المكان الذي يقيم فيه دينه، ولهذا يقول العلماء في الهجرة: إنها الانتقال منين؟
* طلبة: من بلد الشرك إلى الإيمان.
* الشيخ: من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، حيث يقيم دين الله عز وجل.
وقوله: ﴿مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾: (إلى) للغاية، وفيها الإشارة إلى حسن نيته وقصده، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٤)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب.]] قال المؤلف: (وهجر قومه وهاجر من سواد العراق إلى الشام) ويش هو سواد العراق؟ العراق نفسها أرض العراق، وسمي سوادًا لكثرة نخيله وأشجاره، وقوله: (إلى الشام) معروف.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم هذا ما اتحد تمامًا؛ لأن سواد العراق..
* الطالب: هو العراق.
* الشيخ: لكن فيه السواد، سواد العراق.
قال: (﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾ في ملكه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه) هكذا يجري المؤلف رحمه الله في تفسير هذين الاسمين، يقول: (﴿الْعَزِيزُ﴾ في ملكه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه)، وهذا فيه شيء من القصور، فهو سبحانه وتعالى عزيزٌ بذاته وبصفاته، وعزته ثلاثة أنواع: عزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع:
أما عزة الامتناع فمعناها أنه يمتنع أن يناله سبحانه وتعالى نقص في جميع صفاته وأفعاله، وأما عزة القدر فهي المنزلة والجلال والعظمة، وأما عزة القهر فهي القوة والسلطان.
إذن لا أحد يغلبه، كذا ولَّا لا؟ فهو الغالب، ولهذا فسرها كثيرٌ من العلماء بأنه الغالب، وكذلك لا أحد يناله بسوء، وكذلك لا يناله نقص في صفاته. فلذلك تكون العزة ثلاثة أنواع وهي؟
* طالب: قهر وقدر وامتناع.
* الشيخ: أيش؟
* طالب: عزة قهر وعزة قدرة..
* الشيخ: قدر.
* الطالب: قدر وعزة وامتناع.
* الشيخ: امتناع طيب، وأصل هذه المادة تدل على القوة، أصل عين زاي تدل على القوة، ومنه قولهم للأرض الصلبة: أرض عزاز، عزاز يعني قوية صلبة، وقوله: (﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه) فيه قصور؛ لأن حكمة الله عز وجل لا تختص بصنعه في خلقه، بل هي في صنعه وشرعه، فهو حكيم فيما صنع، حكيم فيما شرع، والحكيم ليست أيضًا من الحكمة فقط؛ لأن الحكيم من الحكمة، بمعنى المتقن، لكنها من الحكمة، ومن الحكم أيضًا، وفعيل كما عرفتم في اسم الفاعل تأتي بمعنى الفاعل للمبالغة، أو لا؟ أليس كذلك؟
من أمثلة المبالغة: فعّال أو مِفعال أو فعول، ثم قال بعدها: فعيل وفَعِل خمسة، فهي إذن فعيل من حكم فهو حاكم، لكن صارت بمعنى حكيم للمبالغة أو لكونه صفة مشبهة، فهي إذن من الحكم، وحكم الله عز وجل ينقسم إلى قسمين، وهما الكوني والشرعي، فحكم الله تعالى نوعان: كوني وشرعي، مثال الكوني قول أخي يوسف ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠] هذا أيش؟ هذا كوني، ولهذا ما قال: ليحكم علي، قال: ليحكم لي، يعني يقدر لي، والحكم الشرعي مثل قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]، وأما ﴿يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة ١] فتتناول الأمرين، أين وجدت ﴿يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة ١] في أي سورة؟
* طالب: في أول سورة المائدة.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии