Ибн УсейминАль Имран · 3:118–122

Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском

Аль Имран 3:118–122, продолжение

واستنصر المسلمون الله واستغاثوه، وأخلصوا له، وتضرعوا إليه، فأوحى الله إلى ملائكته ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال ١٢]، وأوحى الله إلى رسوله: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال ٩]، قُرئ بكسر الدال وفتحها، فقيل: المعنى أنهم ردف لكم، وقيل: يردف بعضهم بعضها أرسالًا، لم يأتوا دفعة واحدة.

فإن قيل: هاهنا ذكر أنه أمدهم بألف، وفي سورة آل عمران قال: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤، ١٢٥] فكيف الجمع بينهما؟

قيل: قد اختُلف في هذا الإمداد الذي بثلاثة آلاف والذي بالخمسة على قولين:

أحدهما: أنه كان يوم أُحد، وكان إمدادًا معلقًا على شرط، فلما فات شرطه فات الإمداد، وهذا قول الضحاك ومقاتل، وإحدى الروايتين عن عكرمة.

والثاني: أنه كان يوم بدر، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. والرواية الأخرى عن عكرمة، اختاره جماعة من المفسرين.

وحجة هؤلاء أن السياق يدل على ذلك؛ فإنه سبحانه قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران ١٢٣ - ١٢٥] إلى أن قال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ١٢٦] أي هذا الإمداد ﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾.

قال هؤلاء: فلما استغاثوه أمدهم بتمام ثلاثة آلاف، ثم أمدهم بتمام خمسة آلاف لما صبروا واتقوا، فكان هذا التدريج ومتابعة الإمداد أحسن موقعًا وأقوى لنفوسهم وأسر لها من أن يأتي بها مرة واحدة، وهو بمنزلة متابعة الوحي ونزوله مرة بعد مرة.

وقالت الفرقة الأولى: القصة في سياق أُحد، وإنما أدخل ذكر بدر اعتراضًا في أثنائها؛ فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران ١٢١- ١٢٢] ثم قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فذكّرهم نعمته عليهم لما نصرهم ببدر وهم أذلة، ثم عاد إلى قصة أحد وأخبر عن قول رسوله لهم: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتقوا أمدهم بخمسة آلاف، فهذا من قول رسوله، والإمداد الذي ببدر من قوله تعالى، وهذا بخمسة آلاف وإمداد بدر بألف، وهذا معلق على شرط وذلك مطلق، والقصة في سورة آل عمران هي قصة أُحد مستوفاة مطولة، وبدر ذُكرت فيها اعتراضًا، والقصة في سورة الأنفال قصة بدر مستوفاة مطولة، فالسياق في آل عمران غير السياق في الأنفال.

يوضح هذا أن قوله: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران ١٢٥] قد قال مجاهد: إنه يوم أحد، وهذا يستلزم أن يكون الإمداد المذكور فيه، فلا يصح قولُه: إن الإمداد بهذا العدد كان يوم بدر، وإتيانهم من فورهم هذا يوم أحد. والله أعلم.

فصل: وبات رسول الله ﷺ يصلي إلى جذع شجرة...

* الشيخ: ... هذين القولين ولم يرجح أيهما أصح، ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾، فإن جعلنا الإمداد بالثلاثة والخمسة في أحد فلا إشكال، وإن جعلناه في بدر ففيه إشكال؛ لأن الله قال في قصة بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ [الأنفال ٩، ١٠]، لكن إشكال إذا جعلناها في بدر، فكيف الجمع بين ثلاثة وخمسة وألف؟

أجاب بعضهم بأن الله أمدهم بألف ثم بثلاثة ثم بخمسة، ولكن إذا تأملت السياق وجدت أنه مختلف، وأن الإمداد في أحد إنما كان بشرط؛ وهو أن يصبروا ويتقوا، ولم يحصل منهم صبر، بل حصل من بعضهم معصية، ومعلوم أن المعلق على شرط لا يتم إلا بوجود شرطه، وهذا مما يؤيد أن هذا الإمداد الذي هو مشروط كان في أحد، ولما لم يتحقق الشرط لم يتحقق المشروط.

وعلى هذا يكون الإمداد في بدر بألف من الملائكة مردِفين أو مردَفين، ويكون الإمداد في أحد بثلاثة أو خمسة لكنه مشروط بشرط لم يتحقق، وإذا لم يتحقق الشرط لم يتحقق المشروط. وعلى هذا فالملائكة لم تقاتل في أحد، ولم يُمد المسلمون بأحد منهم في أحد. وسنأتي إن شاء الله في التفسير ما يبين أن الراجح هو هذا.

* * *

* الطالب: فصل: وبات رسول الله ﷺ يصلي إلى جذع شجرة هناك وكانت ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان في السنة الثانية، فلما أصبحوا أقبلت قريش في كتائبها واصطف الفريقان، فمشى حكيم بن حِزام وعتبة بن ربيعة في قريش أن يرجعوا ولا يقاتلوا، فأبى ذلك أبو جهل وجرى بينه وبين عتبة كلام أحفظَه.

* الشيخ: حصل منه غيظ، أغاظه، أحفظه: يعني أغاظه، يعني أثار حفيظته، وهو كناية عن إغضابه وإغاظته.

* الطالب: وأمر أبو جهل أخا عمرو بن الحضرمي أن يطلب دم أخيه عمرو فكشف عن استه وصرخ: واعمراه، فحمي القوم ونشبت الحرب، وعدّل رسول الله ﷺ الصفوف، ثم رجع إلى العريش هو وأبو بكر خاصة، وقام سعد بن معاذ في قوم من الأنصار على باب العريش يحمون رسول الله ﷺ.

وخرج عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة يطلبون المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار: عبد الله بن رواحة وعوف ومعوِّذ ابنا عفراء، فقالوا لهم: من أنتم؟ فقالوا: من الأنصار. قالوا: أكفاء كرام، وإنما نريد بني عمنا. فبرز إليهم علي وعبيدة بن الحارث وحمزة، فقتل علي قِرنه الوليد، وقتل حمزة قرنه عتبة، وقيل: شيبة، واختَلف عبيدةُ وقرنُه ضربتين، فكرّ علي وحمزة على قرن عبيدة فقتلاه، واحتملا عبيدة وقد قطعت رجله، فلم يزل ضَمِنًا حتى مات بالصفراء.

وكان علي يقسم بالله لنزلت هذه الآية فيهم: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج ١٩].

* الشيخ: الآن قريش عندها حمية الجاهلية، ما الذي أحماهم على القتال؟

هو طلب الثأر حين صرخ هذا الرجل وأخرج استه وجعل يندب أخاه يقول : واعمراه، ثانيًا: لما برز إليهم ثلاثة من الأنصار أبوا أن يبارزوهم أنفة وكبرًا، وقالوا: أكفاء كرام ولكننا نريد بني عمنا. يعني قريشا.

خرج إليهم ثلاثة: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والثاني: عبيدة بن الحارث، والثالث: حمزة بن عبد المطلب.

والمبارزة تُفعل في الحرب؛ لأن فيها تقوية للصف، إذا قتل صاحبهم قرنه صار في ذلك تقوية لنفوسهم، وإن كان بالعكس صار في هذا إضعاف لنفوسهم. ولهذا قال أهل العلم: إذا طلب العدو المبارزة فإنه لا يجوز لقائد الجيش أن يأذن لأحد بالمبارزة إلا وهو يعلم -يعني علم ظن وغلبة ظن- يعلم أن هذا المبارز سوف يغلب قرنه، أما مع الاحتمال فلا يجوز؛ لأنه لو غلبه لكسر قلوب المسلمين.

فهؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم كما رأيتم، يقول: قتل علي قرنه الوليد، وقتل حمزة قرنه عتبة أو شيبة على خلاف، وعبيدة بن الحارث قتل قرنه إما عتبة وإما شيبة. ولكن كرّ علي وحمزة لما اختلف عبيدة وقرنه ضربتين، كل واحد ضرب الآخر، وهؤلاء قد فرغوا من صاحبيهما، كروا على صاحب عبيدة وقتلوه.

وفي هذا دليل على جواز قتل القرن إذا حصلت مثل هذه المبارزة، لا يقال: لماذا قتلاه وهو لم يبرز معهما؟ نقول: لأنه برز مع صاحبهما، ولأن دمه هدر فإنه محارب.

* * *

* الطالب: ثم حمي الوطيس واستدارت رحى الحرب، واشتد القتال، وأخذ رسول الله ﷺ في الدعاء والابتهال ومناشدة ربه عز وجل، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فرده عليه الصديق وقال: بعض مناشدتك ربك فإنه منجز لك ما وعدك.

فأغفى رسول الله ﷺ إغفاءة واحدة، وأخذ القومَ النعاسُ في حال الحرب، ثم رفع رسول الله ﷺ رأسه فقال: «أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ، هَذَا جِبْرِيلُ عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ»[[دلائل النبوة للبيهقي (٩٧٩) من حديث ابن عباس وحكيم بن حزام.]].

وجاء النصر، وأنزل الله جنده، وأيد رسوله والمؤمنين، ومنحهم أكتاف المشركين أسرًا وقتلًا، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.

فصل: ولما عزموا على الخروج ذكروا ما بينهم وبين بني كنانة من الحرب، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم من أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه. فخرجوا والشيطان جار لهم لا يفارقهم. فلما تعبؤوا للقتال، ورأى عدو الله جند الله قد نزلت من السماء فر ونكص على عقبيه، فقالوا: إلى أين يا سراقة؟ ألم تكن قلت: إنك جار لنا لا تفارقنا؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب.

وصدق في قوله: إني أرى ما لا ترون، وكذب في قوله: إني أخاف الله.

وقيل: كان خوفه على نفسه أن يهلك معهم. وهذا أظهر.

* الشيخ: صحيح، الثاني هو الأظهر؛ أن قول الشيطان: إني أخاف الله ليس خوف عبادة، لكنه خاف أن يهلك، لا أن يعذب، وهذا كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر ١٦]، هذا ليس خوف عبادة؛ لأنه لو كان يخاف الله خوف عبادة لعبده ولم يستكبر عن عبادته، لكن هذا خوف هلاك، كما يخاف الرجل من الذئب، فإن هذا خوف ليس خوف عبادة، فالصحيح هو ما قال ابن القيم: إنه أظهر.

* * *

* الطالب: ولما رأى المنافقون ومن في قلبه مرض قلة حزب الله وكثرة أعدائه، ظنوا أن الغلبة إنما هي بالكثرة، وقالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال ٤٩]. فأخبر سبحانه أن النصر بالتوكل عليه، لا بالكثرة ولا بالعدد، والله عزيز لا يغالب، حكيم ينصر من يستحق النصر، وإن كان ضعيفا، فعزته وحكمته أوجبت نصر الفئة المتوكلة عليه.

ولما دنا العدو وتواجه القوم...

* الشيخ: (...)﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال ٤٩] ولكن كما قلنا فيما سبق: إن من التوكل أن يأخذ الإنسان بالأسباب الشرعية التي أُمر بها شرعًا، حتى يهيئ المحل للنصر؛ لأن من قال: أنا متوكل على الله ولم يخرج بشيء مما يقاتل به، فإن توكله ليس بصحيح، بل هذا من جنس السخرية بالله عز وجل والاستهزاء به؛ لأن الله تعالى قرن الأشياء بأسبابها، لكن إذا فعل الإنسان ما يقدر عليه مع قيام الأمر الشرعي وحقق التوكل فإنه ينصر.

* * *

* الطالب: ولما دنا العدو وتواجه القوم قام رسول الله ﷺ في الناس فوعظهم وذكّرهم بما لهم في الصبر والثبات من النصر والظفر العاجل، وثواب الله الآجل، وأخبرهم أن الله قد أوجب الجنة لمن استشهد في سبيله، فقام عمير بن الحمام فقال: «يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: «نَعَمْ». قال: بخ بخ يا رسول الله. قال: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ: بَخٍ بَخٍ؟». قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: «فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا». قال: فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل»[[ أخرجه مسلم (١٩٠١ / ١٤٥) من حديث أنس بن مالك. ]]، فكان أول قتيل.

وأخذ رسول الله ﷺ ملء كفه...

* الشيخ: هذا هو الإيمان، انظر إلى هذا الرجل رضي الله عنه لما أخبره النبي عليه الصلاة والسلام بأنها جنة عرضها السماوات والأرض؛ ما صار عنده أدنى شك، تيقنها كأنما يرآها رأي عين، ولهذا لما أخرج التمرات وجعل يأكل قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. فرمى بها وقاتل حتى قتل، الله أكبر، سبحان الله العظيم.

* * *

* الطالب: وأخذ رسول الله ﷺ ملء كفه من الحصباء، فرمى بها وجوه العدو، فلم تترك رجلًا منهم إلا ملأت عينيه، وشُغلوا بالتراب في أعينهم، وشغل المسلمون بقتلهم، فأنزل الله في شأن هذه الرمية على رسوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال ١٧].

وقد ظن طائفة أن الآية دلت على نفي الفعل عن العبد وإثباته لله، وأنه هو الفاعل حقيقة، وهذا غلط منهم من وجوه عديدة مذكورة في غير هذا الموضع. ومعنى الآية أن الله سبحانه...

* الشيخ: من هذه الطائفة؟

* طالب: الأشاعرة.

* الشيخ: لا.

* الطلبة: الجبرية.

* الشيخ: الجبرية، لا، الجبرية عكس هذا، الجبرية يقولون: إن الإنسان ليس هو الفاعل، إن الإنسان آلة، فليس هو الصائم ولا المزكي ولا الحاج ولا الرامي: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾، فهنا قال: ﴿مَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ كيف هذا؟ قد يقول قائل: تناقض هذا: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ قد يقول قائل: بل رمى إذ رمى، لكن نقول: الرمي فعل، وإيصال الرمية إلى المرمي هذا شيء آخر غير الفعل، فالإنسان مثلًا قد يرمي فيوجد هواء شديد مثلًا يرد السهم، وقد يرمي ويكون هناك هواء مدابر للسهم فيحمله إلى أبعد، فالرمي الذي هو الفعل ممن؟

* الطلبة: من الرسول ﷺ.

* الشيخ: والرمي الذي هو الإصابة من الله، فقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ يعني أوصل هذا التراب إلى أعينهم، ولو كان الأمر بفعلك ما وصل إلى أعينهم، لكان يصل إلى أدناهم إن وصل، أما إلى أعين كل واحد منهم وهم ما بين تسع مئة وألف فهذا ليس بطاقة النبي عليه الصلاة والسلام.

* * *

* الطالب: ومعنى الآية أن الله سبحانه أثبت لرسوله ابتداء الرمي، ونفى عنه الإيصال الذي لم يحصل برميته، فالرمي يراد به الحذف والإيصال، فأثبت لنبيه الحذف ونفى عنه الإيصال.

وكانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم، قال ابن عباس: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس فوقه يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ، فقال: «صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ»[[أخرجه مسلم (١٧٦٣ / ٥٨) من حديث ابن عباس.]].

وقال أبو داود المازني: إني.

* الشيخ: عندي يقول: (أخرجه مسلم في الجهاد) فالحديث صحيح، إذن فهنا يتبين أن الملائكة قاتلت مع المسلمين، وهذا القتال قتال يُعلم بأثره؛ لأن الرجل سمع صوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، وهذا اسم لهذا المَلَك الذي ضرب الرجل المشرك، وظهر أثر الضربة على هذا المشرك.

* * *

* الطالب: وقال أبو داود المازني: إني لَأَتْبَعُ رجلًا من المشركين لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري.

وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال العباس: إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق ما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله. فقال: «اسْكُتْ فَقَدْ أَيَّدَكَ اللهُ بِمَلَكٍ كَرِيمٍ»[[أخرجه أحمد في المسند (٩٤٨) من حديث علي بن أبي طالب.]].

وأُسر من بني عبد المطلب ثلاثة: العباس، وعَقيل، ونوفل بن الحارث.

وذكر الطبراني في معجمه الكبير عن رفاعة بن رافع، قال: لما رأى إبليس ما تفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص القتل إليه، فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظنه سراقة بن مالك، فوكز في صدر الحارث فألقاه، ثم خرج هاربًا حتى ألقى نفسه في البحر ورفع يديه وقال: اللهم إني أسألك نظرتك إياي. وخاف أن يخلص إليه القتل، فأقبل أبو جهل بن هشام فقال: يا معشر الناس، لا يهزمنكم خذلان سراقة إياكم؛ فإنه كان على ميعاد من محمد، ولا يهولنكم قتل عُتبة وشيبة والوليد؛ فإنهم قد عجِلوا، فواللات والعزى لا نرجع حتى نقرنهم بالحبال، ولا أُلفين رجلًا منكم قتل رجلًا منهم، ولكن خذوهم أخذًا حتى نعرفهم سوء صنيعهم.

واستفتح أبو جهل في ذلك اليوم فقال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرفه، فأحنه الغداة، اللهم أينا كان أحب إليك، وأرضى عندك، فانصره اليوم. فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ١٩].

ولما وضع المسلمين أيديهم في العدو يقتلون ويأسرون، وسعد بن معاذ واقف على باب الخيمة التي فيها رسول الله ﷺ، وهي العريش، متوشحًا بالسيف في ناس من الأنصار، رأى رسول الله ﷺ في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال رسول الله ﷺ: «كَأَنَّكَ تَكْرَهُ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ؟». قال: أجل والله كانت أول وقعة أوقعها الله بالمشركين، وكان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال»[[انظرتفسير الطبري (١٦٣٢٠) .]].

ولما بردت الحرب، وولى القوم منهزمين، قال رسول الله ﷺ...

* الشيخ: وهذا هو الذي جاء به القرآن؛ كما تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال ٦٧] فسعد بن معاذ هو كما تعلمون أنه سيد الأوس رضي الله عنه أحب أن يقتلوا وألا يؤسروا، ولكن كان رأي النبي عليه الصلاة والسلام ورأي أبي بكر أن يؤسروا ويؤخذ منهم الفداء بدون قتل، والقصة مذكورة في سورة الأنفال.

* * *

* الطالب: ولما بردت الحرب، وولى القوم منهزمين، قال رسول الله ﷺ: «مَنْ يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ؟». فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، وأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل؟ فقال: لمن الدائرة اليوم؟ فقال: لله ولرسوله، وهل أخزاك الله يا عدو الله؟ فقال: وهل فوق رجل قتله قومه؟[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٦٢)، ومسلم (١٨٠٠ / ١١٨)، من حديث أنس بن مالك.]] فقتله عبد الله ثم أتى النبي ﷺ فقال: قتلته. فقال: «اللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟» فرددها ثلاثًا. ثم قال: «اللهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، انْطَلِقْ أَرِنِيهِ». فانطلقنا فأريته إياه، فقال: «هَذَا فِرْعَوْنُ هَذِهِ الْأُمَّةِ»[[أخرجه أحمد في المسند (٤٢٤٧) من حديث عبد الله بن مسعود.]].

وأسر عبد الرحمن بن عوف.

* الشيخ: في هذا الحديث دليل على فوائد:

أولًا: أن الله تعالى أذل هذا الخبيث الذي هو رأس الكفر ورأس قريش والمحرض على قتل النبي عليه الصلاة والسلام، وسمعتم ما قال في أول الغزوة.

والثاني: أن الذي قتله شابان صغيران، ليسا من علية القوم.

والثالث: أن الذي أجهز عليه رجل من رعاة الغنم، حتى إنه في بعض الروايات لما قال له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن مسعود، قال: «لقد ارتقيت مرتقًى صعبًا يا رُويعي الغنم»[[دلائل النبوة للبيهقي (١٠٢٠) من حديث ابن عباس.]]، يعني يمسك برأس رجل من علية القوم فيذبحه ذبح الشاة وهو من رعاة الغنم، لكن هكذا الدين إذا أظهره الله عز وجل، يكون رعاة الغنم هم الأشراف والملوك.

وفيه أيضا: استثبات النبي عليه الصلاة والسلام من عدوه، وأن الإنسان إذا بحث عن عدوه أين راح، أين ذهب، فإن هذا من الحزم والعزم، ليس هذا من الذل أو الذعر أو الخوف، بل هذا من الحزم والعزم أن ننظر ماذا فعل العدو، ولهذا طلب النبي عليه الصلاة والسلام من يتحسس عنه وعن أخباره، ولما قال: قتلته كرر ثلاث مرات قال: «اللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ؟» يعني تحلف بالله الذي لا إله غيره، حتى مثل بين يديه.

* * *

* الطالب: وأسر عبدُ الرحمن بن عوف أميةَ بن خلف وابنه عليًّا، فأبصره بلال، وكان أمية يعذبه بمكة، فقال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوتُ إن نجا. ثم استوخى جماعة من الأنصار، واشتد عبد الرحمن بهما يحرزهما منهم، فأدركوهم، فشغلهم عن أمية بابنه، ففرغوا منه، ثم لحقوهما، فقال له عبد الرحمن: ابرك. فبرك، فألقى نفسه عليه، فضربوه بالسيوف من تحته حتى قتلوه، وأصاب بعض السيوف رجل عبد الرحمن بن عوف، قال له أمية قبل ذلك: من الرجل المعلَّم في صدره بريشة نعامة؟ فقال: ذلك حمزة بن عبد المطلب، فقال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل. وكان مع عبد الرحمن أدراع قد استلبها، فلما رآه أمية قال له: أنا خير لك من هذه الأدراع. فألقاها وأخذه، فلما قتله الأنصار كان يقول: يرحم الله بلالًا فجعني بأدراعي وبأسيري .

* الشيخ: رضي الله عنه، ليش فجعه بذلك؟ لأنه ما أصاب أسيرًا ولا أدراعًا، الأدراع ذهبت والأسير قُتل.

* طالب: وانقطع يومئذ سيف عكَّاشة بن محصن، فأعطاه النبي ﷺ جِذلًا من حطب فقال: «دُونَكَ هَذَا»[[دلائل النبوة للبيهقي (١٠٤١) بلفظ: «قاتل بها يا عكاشة».]]، فلما أخذه عكاشة وهزه عاد في يده سيفا طويلًا شديدًا أبيض، فلم يزل عنده يقاتل به حتى قتل في الردة أيام أبي بكر.

* الشيخ: الله أكبر الله أكبر.

* الطالب: ولقي الزبير عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج في السلاح لا يرى منه إلا الحدق، فحمل عليه الزبير بحربته، فطعنه في عينه، فمات، فوضع رجله على الحربة، ثم تمطى، فكان الجهد أن نزعها، وقد انثنى طرفاها. قال عروة: فسأله إياها رسول الله ﷺ فأعطاه إياها، فلما قُبض رسول الله ﷺ أخذها، ثم طلبها أبو بكر فأعطاه إياها، فلما قبض أبو بكر سأله إياها عمر فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان فأعطاه إياها، فلما قبض عثمان وقعت عند آل علي فطلبها عبد الله بن الزبير وكانت عنده حتى قتل.

وقال رفاعة بن رافع.

* الشيخ: يقول غرائب (...) فعل الزبير يدل على أمرين: القوة الشديدة والثاني الإصابة، لأنه جعل السهم على عينه، لا يرى منه إلا الحدق، العين، جعل السهم على عينه وأصابها، ومع ذلك دخل السهم في عينه حتى إنه بشدته وطأ على الرجل نزعها، وبشدته أخرجها، وقد انثنت أيضا من شدة الضربة، وهذه سبحان الله إذا رأيت هذه القوة في السابقين تقول: كيف هذا؟! الله أكبر.

* * *

* الطالب: وقال رفاعة بن رافع: «رُميت بسهم يوم بدر، ففُقئت عيني، فبصق فيها رسول الله ﷺ ودعا لي، فما آذاني منها شيء»[[أخرجه الحاكم (٥٠٩٥)والطبراني في الكبير (٤٥٣٥) من حديث رفاعة بن رافع.]].

* الشيخ: الله أكبر.

* الطالب: ولما انقضت الحرب أقبل رسول الله ﷺ حتى وقف على القتلى، فقال: «بِئْسَ عَشِيرَةُ النَّبِيِّ كُنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ، كَذَّبْتُمُونِي وَصَدَّقَنِي النَّاسُ، وَخَذَلْتُمُونِي وَنَصَرَنِي النَّاسُ، وَأَخْرَجْتُمُونِي وَآوَانِي النَّاسُ»[[أخرجه ابن عساكر (٣٨/٢٥٩) من حديث أنس بن مالك.]]، ثم أمر بهم فسحبوا إلى قليب من قلب بدر، فطرحوا فيه، ثم وقف عليهم فقال: «يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ» .

* الشيخ: أحسن من هذا: يا عتبةُ ويجوز الفتح، لكن الأفصح الضم.

* الطالب: فقال: «يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ» .

* الشيخ: (ابنَ)، (عتبة) مبنية على الضم، و(ابن) منصوبة لأنها مضافة.

* الطالب: ««يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا فُلَانُ، وَيَا فُلَانُ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا». فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ما تخاطب من أقوام قد جيَّفوا؟ فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْجَوَابَ» » [[أخرجه البخاري (٣٩٧٦) من حديث أبي طلحة، ومسلم (٢٨٧٤ / ٧٧) من حديث أنس بن مالك. ]].

ثم أقام رسول الله ﷺ بالعرْصة ثلاثًا، وكان إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم ثلاثًا.

ثم ارتحل مؤيدًا منصورًا قرير العين بنصر الله له، ومعه الأسارى والمغانم، فلما كان بالصفراء قسم الغنائم، وضَرب عنق النضر بن الحارث بن كلدة، ثم لما نزل بعرق الظبية ضرب عنق عقبة بن أبي معيط.

ودخل النبي ﷺ المدينة مؤيدًا مظفرًا منصورًا، قد خافه كل عدو له بالمدينة وحولها، فأسلم بشر كثير من أهل المدينة، وحينئذ دخل عبد الله بن أُبي المنافق وأصحابه في الإسلام ظاهرًا.

وجملة من حضر بدرًا من المسلمين ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، من المهاجرين ستة وثمانون، ومن الأوس أحد وستون، ومن الخزرج مئة وسبعون، وإنما قل عدد الأوس عن الخزرج، وإن كانوا أشد منهم وأقوى شوكة، وأصبر عند اللقاء؛ لأن منازلهم كانت في عوالي المدينة، وجاء النفير بغتة، وقال النبي ﷺ: «لَا يَتْبَعُنا إِلَّا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا»[[أخرجه مسلم (١٩٠١ / ١٤٥) من حديث أنس بن مالك.]]. فاستأذنه رجال ظهورهم في علو المدينة أن يستأني بهم حتى يذهبوا إلى ظهورهم فأبى. ولم يكن عزمهم على اللقاء، ولا أعدوا له عدته، ولا تأهبوا له أهبته، ولكن جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد.

واستشهد من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلًا؛ ستة من المهاجرين، وستة من الخزرج، واثنان من الأوس، وفرغ رسول الله ﷺ من شأن بدر والأسارى في شوال.

فصل : ثم نهض بنفسه صلوات الله وسلامه عليه بعد فراغه بسبعة أيام إلى غزو بني سليم، واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة، وقيل: ابن أم مكتوم، فبلغ ماء يقال له: الكُدر، فأقام عليه ثلاثًا ثم انصرف ولم يلق كيدًا.

فصل: ولما رجع فَل المشركين إلى مكة موتورين محزونين، نذر أبو سفيان ألا يمس رأسه ماء حتى يغزو رسول الله ﷺ. فخرج في مئتي راكب حتى أتى العُرَيْض في طرف المدينة، وبات ليلة واحدة عند سلام بن مِشكم اليهودي، فسقاه الخمر، وبطن له من خبر الناس، فلما أصبح قطع أصوارًا من النخل، وقتل رجلًا من الأنصار وحليفًا له ثم كر راجعًا، ونذر به رسول الله ﷺ فخرج في طلبه، فبلغ قَرقرة الكُدر، وفاته أبو سفيان، وطرح الكفار سَويقًا كثيرًا من أزوادهم يتخففون به، فأخذها المسلمون، فسميت غزوة السَّويق، وكان ذلك بعد بدر بشهرين، فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بقية ذي الحجة، ثم غزا نجدًا يريد غطفان، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فأقام هناك صفرًا كله من السنة الثالثة، ثم انصرف ولم يلق حربًا.

فصل: فأقام بالمدينة ربيعًا الأول، ثم خرج يريد قريشًا، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، فبلغ بُحران معدنًا بالحجاز من ناحية الفُرْع، ولم يلقَ حربًا، فأقام هنالك ربيعًا الآخر وجمادى الأولى ثم انصرف إلى المدينة.

فصل: ثم غزا بني قينقاع، وكانوا من يهود المدينة، فنقضوا عهده، فحاصرهم خمسة عشر ليلة حتى نزلوا على حُكمه، فشفع فيهم عبد الله بن أُبي، وألح عليه، فأطلقهم له، وهم قوم عبد الله بن سلام، وكانوا سبع مئة مقاتل، وكانوا صاغة وتجارًا.

فصل في قتل كعب بن الأشرف، وكان رجلًا من اليهود، وأمه.

* طالب: عبد الله بن سلَام أو سلَّام؟

* الشيخ: لا عبد الله بن سلَام، بالتخفيف. هو قرأ: سلَّام؟

* الطالب: لا، الأول: سلَّام.

* الشيخ: حتى هذاك أظن بالتخفيف، الظاهر أنه بالتخفيف.

* الطالب: وكان رجلًا من اليهود، وأمه من بني النضير، وكان شديد الأذى لرسول الله ﷺ، وكان يُشبِّب في أشعاره بنساء الصحابة، فلما كانت وقعة بدر ذهب إلى مكة وجعل يؤلب على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين. ثم رجع إلى المدينة على تلك الحال، فقال رسول الله ﷺ: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ». فانتدب له محمد بن مسلمة وعباد بن بشر وأبو نائلة، واسمه سِلكان بن سلامة، وهو أخو كعب من الرضاع، والحارث بن أوس، وأبو عَبْس بن جَبْر، وأذن لهم رسول الله ﷺ أن يقولوا ما شاؤوا من كلام يخدعونه به، فذهبوا إليه في ليلة مقمرة، وشيعهم رسول الله ﷺ إلى بَقيع الغَرْقَد، فلما انتهوا إليه قدّموا سلكان بن سلامة إليه، فأظهر له موافقته على الانحراف عن رسول الله ﷺ، وشكا إليه ضيق حاله، فكلمه في أن يبيعه وأصحابه طعامًا، ويرهنوه سلاحهم، فأجابهم إلى ذلك.

ورجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم، فأتوه، فخرج إليهم من حصنه، فتماشوا فوضعوا عليه سيوفهم، ووضع محمد بن مسلمة مِغْوَلًا كان معه في ثُنَّته فقتله، وصاح عدو الله صيحة شديدة أفزعت من حوله، وأوقدوا النيران، وجاء الوفد حتى قدموا على رسول الله ﷺ من آخر الليل وهو قائم يصلي، وجُرح الحارث بن أوس ببعض سيوف أصحابه، فتفل عليه رسول الله ﷺ فبرئ، فأذن رسول الله ﷺ في قتل من وجد من اليهود لنقضهم عهده ومحاربتِهم الله ورسوله.

فصل في غزوة أحد : ولما قتل الله أشراف قريش ببدر..

* الشيخ: قصة كعب بن الأشرف فيها دليل على جواز المخادعة للكافر المباح الدم، وهذا كافر مباح الدم فيجوز أن تخادعه لأي شيء شئت، «ويذكر أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما طالب مبارزة عمرو بن ود وخرج إليه صاح به علي وقال: ما خرجت لأبارز رجلين. فالتفت عمرو بن ود يظن أنه قد لحقه أحد، فضربه علي في حال التفاته، ضربه حتى ميز رأسه من جسمه»، هذه مخادعة، لكنها مخادعة جائزة؛ لأن هذا الرجل إنما خرج من أجل أن يقتلك، فأنت تحيل عليه لتقتله.

* طالب: نرى أن النبي ﷺ استشار المهاجرين (...) استشارت الأنصار، هل القائد يستشير جميع الجيش؟

* الشيخ: لا، هذه العلة بيّنها، أن الأنصار رضي الله عنهم إنما بايعوه على أن يحموه مما يحمون به نساءهم وأبناءهم في ديارهم، ومعلوم أن بدر ليست من ديار المدينة، فخاف أن يكون في نفوسهم شيء، ولهذا تكلم سعد بن معاذ والمقداد بن الأسود، وهما رجلان عن الجميع، ولم يستشرهم كلهم.

* طالب: الرسول ﷺ بشر المؤمنين بالنصر، ورأى مصارع القوم، ولما جاءت المعركة دعا الله وألح في الدعاء، شنو الحكمة والعبرة؟

* الشيخ: الحكمة أن هذا الوعد له سبب، هو موعود بسبب، من سببه هذا الدعاء، كما أن الله وعد الرسول عليه الصلاة والسلام الوسيلة ومع ذلك نحن ندعو له بها، فالرسول وُعد لكن بسبب ومن أسبابه الدعاء.

* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، تعليل ابن القيم رحمه الله بأن الشيطان إنما هرب خوفًا من أن يخلص إليه القتل، ما حكم وجهه مع قول الله عز وجل: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الحجر ٣٦، ٣٧]؟

* الشيخ: إي نعم وجيه، ولهذا -إن صحت القصة- لما هرب إلى البحر جعل يدعو الله بأن يحقق له ما وعده بالإنظار إلى يوم البعث. وأنت تعلم أن الإنسان عند حصول الحوادث قد ينزعج وينسى، «أليس النبي عليه الصلاة والسلام لما انكسفت الشمس خرج يجر رداءه، قال أنس أو الراوي: يخشى أن تكون الساعة»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٥٩) ومسلم (٩١٢ / ٢٤) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، ومعلوم أن الساعة لها مقدمات، لكن مع شدة الانزعاج يحصل هذا الشيء.

* طالب: أحسن الله إليك، ما نعقل من قصة كعب بن الأشرف إذا كان بين المسلمين وقوم معاهدة وأخلف هؤلاء المعاهدون يعني صاروا يسبون المسلمين؟

* الشيخ: ينتقض عهده نعم، نقول: ينتقض عهده لا شك، إلا إذا كان زعيمًا ويكون عن قومه.

* الطالب: نندب من يقتله؟

* الشيخ: نعم.

* الطالب: في مثل هذه الأحوال يعني دول الكفار أقوى من المسلمين وفي كثير يعذب المسلمين ولا يمكن محاربة هؤلاء الكفار، ألا يندب إلى قتل مثل هذا؟

* الشيخ: هم بالحقيقة هؤلاء ما ظهر منهم الأذية ظهورًا بينًا.

* الطالب: يعني مثل الكاتب ذاك اللي كتب في سب الرسول ﷺ وعاش في بريطانيا ألا يستحق واحد يقتله؟

* الشيخ: بلى، كيف؟! لا، يستحق.

* الطالب: نقيس على ذلك؟

* الشيخ: إي نعم، كل من أساء إلى المسلمين من أهل الذمة حتى لو هم عندنا في بلادنا، إذا أساؤوا إلى المسلمين بزنا أو قتل أو غيره انتقض عهده، وصار ما له عهد، صار كالحربي يجوز لكل واحد أن يقتله.

* الطالب: وما على العلماء أن يفتوا بوجوب قتله؟

* الشيخ: هذا معروف عند الفقهاء، أي واحد يقرأ كتاب الجهاد في كتب الفقه يعرف هذا.

* الطالب: لكن العوام ما يدرون، وغالب الذي (...).

* الشيخ: صحيح، العامة ما يعرفون.

* طالب: أحسن الله إليكم، من ثبت كفره وزندقته من المسلمين هل يجوز غيلته؟

* الشيخ: إذا كان قد تعدى شره، إذا كان تعدى شره، ولم تخش الفتنة فربما نقول بجواز قتله، وقد نقول بمنع قتله خوفًا من أن يُطلع عليه؛ لأن الإنسان مهما تكتم قد يُطلع عليه. وإذا اطلع عليه ربما يكون فساد كبير.

* طالب: ينقض عهده بمفرده أم ينقض عهد كل الذميين الذين في هذا المكان؟

* الشيخ: نعم؟

* الطالب: إذا نقض العهد هذا الذمي بسب المسلمين؟

* الشيخ: هو فقط.

* الطالب: ولو كان رئيسًا؟

* الشيخ: إذا كان رئيسًا فقد يقال: إن هذا نقض للجميع؛ له ولمن تبعه.

* طالب: يا شيخ، إن الرسول ضرب عقبة بن أبي معيط هل هو الدليل ولا غيره؟

* الشيخ: على أيش؟

* طالب: لما أسره في بدر ضربه في..

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English