Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
Аль Имран 3:189–193
3:189–193Страница 75
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٨٩
Аллаху принадлежит власть над небесами и землей, и Аллах способен на всякую вещь.
إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠
Воистину, в сотворении небес и земли, а также в смене ночи и дня заключены знамения для обладающих разумом,
ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٩١
которые поминают Аллаха стоя, сидя и на боку и размышляют о сотворении небес и земли: «Господь наш! Ты не сотворил это понапрасну. Пречист Ты! Защити же нас от мучений в Огне.
رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ١٩٢
Господь наш! Тот, кого Ты ввергнешь в Огонь, будет опозорен, и не будет у беззаконников помощников.
رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ١٩٣
Господь наш! Мы услышали глашатая (Мухаммада), который призывал к вере: «Уверуйте в вашего Господа», - и мы уверовали. Господь наш! Прости нам наши грехи, отпусти нам наши прегрешения и умертви нас вместе с благочестивыми.
ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم، ﴿مُلْكُ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ جملة استئنافية.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ ملك السماوات أي: ملك الأعيان وملك التصرف، فهو مالك لأعيانهم، وهو مالك للتصرف فيها، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٢-٢٣] ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني على سبيل الاستقلال، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ على سبيل المشاركة، ﴿وَمَا لَهُ﴾ أي ما لله، ﴿مِنْهُمْ﴾ أي من هؤلاء الآلهة التي تدعونها ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أي من معين، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أي: لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه.
هذه الآية يقولون: إنها قطّعت علائق المشركين الذين يعبدون الأصنام والأوثان؛ لأنه يقول: هذه الأصنام هل لها ملك مستقل في السماوات والأرض؟ هل شاركت الله؟ هل أعانته؟ هل تنفع شفاعتها إلا بإذنه؟ لا، كل جواب بالنفي، وعلى هذا فلا ينفعهم، لا تنفعهم عبادة هذه الأصنام.
المهم أن قوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ يشمل أيش؟ الأعيان والتصرف، فالله تعالى مالك الأعيان ومالك التصرف، وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ يعني السبع، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ للجنس، فتشمل الأرَضين السبع.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ والقدرة هي التمكن من الفعل بلا عجز، التمكن من الفعل بلا عجز يسمى قدرة، والتمكن من الفعل بلا ضعف يسمى قوة، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم ٥٤] فقابل الضعف بالقوة، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤] فقابل القدرة بأيش؟
* طالب: بالعجز.
* الشيخ: ﴿لِيُعْجِزَهُ﴾ بالعجز، فالقدرة ضدها العجز، والقوة ضدها الضعف.
وقوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عام في كل شيء، فما من موجود إلا والله قادر على إعدامه، وما من معدوم إلا والله قادر على إيجاده، وما من موجود إلا والله قادر على تغييره وتحويله من شيء إلى آخر. إذن هو على كل شيء قدير، وهو قادر على أفعاله، أليس كذلك؟ نعم، قادر على أفعاله، يفعل ما يشاء، وهو قادر على ذاته؟
* طالب: غير وارد.
* الشيخ: يقولون: إن ذات الله عز وجل إذا قصدت أن الله قادر على إعدامها مثلًا حاشا وكلا، فإن هذا لا تتعلق به القدرة أصلًا؛ لأنه من المستحيل، ولهذا قال السفاريني رحمه الله في عقيدته، قال:
لَهُ الْحَيَاةُ وَالْكَلَامُ وَالْبَصَرْ ∗∗∗ سَمْعٌ إِرَادَةٌ وَعِلْمٌ وَاقْتَدَرْ؎بِقُدْرَةٍ تَعَلَّقَتْ بِمُمْكِــــــــــــنِ ∗∗∗ ....................
ولكن مع ذلك نقول: من الأدب أن تقول: إن الله على كل شيء قدير وتسكت؛ لأن الآيات التي جاءت بهذا عامة، ولا تقل: إن الله لا يقدر على الشيء المستحيل؛ لأن المستحيل أصلًا لا يتعلق به الفعل، يعني مثلا: السكون والحركة هل يمكن أن يجتمعا؟ لا يمكن؛ لأنه إن تحرك لم يكن ساكنًا، وإن سكن لم يكن متحركًا.
إذن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل الساكن متحركًا والمتحرك ساكنًا، لكن تريد أن يكون ساكنًا متحركًا في آن واحد لا يمكن، ساكن يعني غير متحرك، متحرك يعني غير ساكن.
فإذا قال قائل: هل يمكن أن يجعل الله المتحرك ساكنًا؟ نعم، يحول المتحرك إلى ساكن. أو يجعل الساكن متحركًا؟ نعم، لكن يجعل حركة وسكونًا في آن واحد لا يمكن أصلًا؛ لأن ما دام حركة يعني أيش؟ يساوي عدم سكون، سكون يساوي عدم حركة، بمجرد أنه يتحرك انتفى عنه السكون، بمجرد ما يسكن انتفى عنه الحركة.
ولكن كما قلت لكم: من الأدب أن نقول: إن الله على كل شيء قدير، ولا حاجة أن نفصل، إنما نحن نشعر بأنفسنا أن المستحيل لا يمكن، على اسمه: مستحيل.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أفلا يكون صوابًا مثلًا لو قيل: إن (أل) في (الكتاب) للجنس المراد بها الكتب المنزلة عمومًا، ومنها القرآن، ويكون قول الله عز وجل: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ بيانًا لبعض ألفاظ العموم، ومنهم اليهود والنصاري، فإن هذا أعم.
* الشيخ: هو أعم لا شك، هو أعم لكن حتى لو فرضنا أن العموم اللفظي لا يشمل هذه الأمة في قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، فالعموم المعنوي يشمله، وإلا الظاهر من اللفظ أن المراد أهل الكتاب، كما قال في الأول: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ لكن نقول: هو وإن لم يعم هذه الأمة من حيث اللفظ لكن يعم من حيث المعنى.
* طالب: في قول الله سبحانه وتعالى في الحديث الطويل في صحيح مسلم: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَدِيرٌ» » في آخر الحديث وآخر من يدخل في الجنة (...)؟
* الشيخ: لا؛ لأنه إذا تعلق بفعل خاص صح أن نقيد القدرة بالمشيئة؛ لأن هذا الرجل استغرب أن يدخل الجنة بعدما حصل له فقال: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»[[أخرجه مسلم (١٨٧ / ٣١٠) من حديث ابن مسعود.]]، وهو كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]، يعني إذا شاء جمعهم فهو قدير عليهم، وهو قدير سواء شاء أم لم يشأ، لكن لما تعلق بفعل معين صح أن يقيد بالمشيئة.
نظير ذلك في الإنسان مثلًا: تقول: أنا على ما أشاء قادر، يعني لو إنسان قال: كيف تفعل كذا وكذا هل تقدر عليه؟ قال: نعم، الذي أريده أقدر عليه، ليس المعنى أني ما أقدر إلا على ما أريد، أقدر على ما أريد وما لا أريد، ولكن لما كان يتعلق بفعل معين صح أن يقيد بالمشيئة. كأنه يقول: إذا شئت هذا الشيء فأنا قادر عليه.
* طالب: كثير من أهل العلم أو الذي لديه علم عندما تسأله تقول له: لماذا لا (...) علمك وتنصح الناس يقول: أنا ليس لدي علم (...) هل يخوَّف في الله؟
* الشيخ: نعم، يخوف في الله، يقال: يجب أنك تنشر والناس حاجتهم للعلم.. أحيانًا تكون مقتضى الحال الحاجة للعلم، كما لو شاعت بدعة في الناس، على سبيل العموم، فيجب عليك أن تبين، وأحيانًا يسألك الإنسان سؤالًا خاصًّا، فيجب أن تبين أيضًا، ولهذا نقول: سؤال بلسان المقال وسؤال بلسان الحال، السؤال بلسان المقال أن يأتي شخص إليك ويقول: ما تقول في كذا وكذا، هذا سؤال بلسان المقال، يجب أن تبين له الحق، إلا إذا علمت أنه ذو هوى، وأنه يريد أن يأخذ ما عندك فقط دون أن يعمل به، فهنا قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة ٤٢]؛ لأنهم لا يتحاكمون إلى الرسول يريدون الحق، لكن يريدون ما عنده، إن وافق أهواءهم أخذوا به، وإلا تركوه، أما لسان الحال فأن يشيع في الناس عمل محرم أو بدعة أو ما أشبه ذلك، فيبينه للناس؛ لأن الحال تقتضي البيان.
* طالب: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران ١٨٧]، أقول: (ما) في ﴿بِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ هل نافية أم.. هل موصولة أو؟
* الشيخ: موصوفة؟
* الطالب: أو مصدرية؟
* الشيخ: يجوز. لا، ما تصلح مصدرية، هي إما موصولة أو موصوفة.
* الطالب: لو كان موصوفة (...).
* الشيخ: إي مخصصة.
* الطالب: مخصصة بإيه؟
* الشيخ: إي نعم، بالوصف (يشترون).
* طالب: جزاكم الله خيرًا، بالنسبة للذي يبين نقول: يبين في مجالس خاصة وعامة وبالكتاب كل ما استطاع، لكن لو اقتصر الرجل على نوع منهم، مثلًا يقوم ببعض الأشخاص ويدرسهم دروسًا خاصة، هل يقال: إن هذا تمييز؟
* الشيخ: هل يقال نعم، لأنه قد يكون من المصلحة ألا تدرِّس كل ما علمت، قد يكون من المصلحة أن تركز على الفقه، على التوحيد، على التفسير، لكنك متهيئ ومستعد لبيان العلم بأي وسيلة.
* طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة للعموم في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١٨٧] هل هو عام مخصوص في وقت النبي ﷺ؟ لأنه كثير من أهل الكتاب ما كتموا.
* الشيخ: كيف ما كتموا؟ الآن يعني؟
* الطالب: لا، منذ بعث موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، يعني حصل منهم الأحبار والربانيون عملوا بالكتاب.
* الشيخ: هذا يعني يعتبر نادرًا، مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، أسلم وحسن إسلامه وهو من أحبارهم، لكن هذا يعتبر نادرًا، العبرة بالعموم.
* طالب: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ الضمير يعود على العلم أو على الكتاب.
* الشيخ: أو على الميثاق، الكتاب ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]، أي الكتاب.
* الطالب: الكتاب؟
* الشيخ: نعم.
طالب: جزاكم الله خيرًا، بالنسبة للعموم في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١٨٧] هل هو عام مخصوص في وقت النبي ﷺ لأنه كثير ما كتموا؟
* الشيخ: كيف ما كتموا؟
* الطالب: كثير من أهل الكتاب.
* الشيخ: الآن يعني؟
* الطالب: لا، منذ بعث يعني موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، يعني حصل منهم الأحبار والربانيون عملوا بالكتاب.
* الشيخ: هذا يعني يعتبر نادرًا؛ ولهذا مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه أسلم وحسن إسلامه وهو من أحبارهم، لكن هذا يعتبر نادرًا، العبرة بالعموم.
* طالب: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ الضمير يعود على العلم أو على الكتاب؟
* الشيخ: أو على الميثاق الكتاب ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ أي الكتاب.
* الطالب: الكتاب؟
* الشيخ: نعم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ [آل عمران ١٩٠ - ١٩٤].
* الشيخ: أحسنت، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ لا يخفى أن هذه الجملة مؤَكدة، بماذا؟
* طالب: بأداة التوكيد.
* الشيخ: وما هي أداة التوكيد؟
* الطالب: أداة التوكيد (إن).
* الشيخ: (إن).
وأن فيها اختلافًا في ترتيب الجزأين، أعني جزأي المبتدأ والخبر، فما هذا الاختلاف؟
* طالب: تقديم الخبر.
* الشيخ: تقديم الخبر، ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ هذا الخبر.
وأن فيها مؤكدًا آخر غير (إن)؟
* طالب: اللام في ﴿لَآيَاتٍ﴾.
* الشيخ: اللام في ﴿لَآيَاتٍ﴾، نعم.
يقول الله عز وجل مؤكدًا مضمون هذه الجملة الخبرية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿خَلْقِ﴾ الخلق هو: الابتداع على غير مثال سبق، يعني: إيجاد الشيء على غير مثال سبق يسمى خلقًا.
وفي خلق السماوات والأرض آيات من عدة أوجه:
الوجه الأول: من جهة الكِبر والسعة.
الوجه الثاني: ما فيهما من الحسن والبهاء والجمال، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك ٥]، والذي يطَّلع على ما صوره العلماء من هذه الآيات العظيمة يتبين له عظمة الله عز وجل في هذا الخلق.
كذلك في خلق السماوات من جهة إتقانها وعدم تخلخلها، قال الله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك ٣، ٤].
في خلق السماوات بما أودع الله فيهما من المادة؛ المواد المتعددة المختلفة الأنواع والأشكال والمنافع، كما قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد ٤] يعني: متجاورات بعضها إلى جوار بعض ولكن بينها من الاختلاف ما لا يعلمه إلا الله.
فيهما أيضًا: ما فيهما من المنافع العظيمة للخلق، فالشمس فيها خير عظيم، والقمر كذلك، والأشجار وغيرها، كلها فيها خيرات عظيمة من آيات الله عز وجل، فأنت ترى النخيل على أرض واحدة وتسقى بماء واحد، ويفضل الله بعضها على بعض في الحجم واللون والمذاق والادخار، وهي جنس واحد لكنها مختلفة.
والآيات في هذا كثيرة، لو أن الإنسان جلس يتدبر ويتأمل ويكتب كل ما يَعِن على خاطره لجمع آيات كثيرة في هذا، ونحن مأمورون أن نتدبر: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الروم ٨] مأمورون بأن نتدبر ما في السماوات والأرض من الآيات لنستدل بها على كمال قدرة الله عز وجل وما في ذلك من الحكم العظيمة والرحمة.
وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا التعبير القرآني غالبًا أن الله يذكر السماوات مجموعة إلى الأرض مفردة، ولم يأت في القرآن الكريم التصريح بعدد الأرض بخلاف السماء، فقد جاء التصريح بأنها سبع سماوات كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦]، أما الأرضون فجاءت مشارًا إليها بأنها سبع في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: في العدد لا في الكيفية ولا في الماهية، وجاءت السنة صريحة في هذا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) ولفظه له بزيادة: «ظلمًا» من حديث سعيد بن زيد بن عمرو.]].
وقوله: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أيضًا هذا فيه آياتٌ اختلافُ الليل والنهار، يعني أي وجهٍ من الاختلاف يراد؟ الجواب: أنه يراد اختلافهما من وجوه شتى:
أولًا: من جهة أن الليل ظلمة والنهارَ نور، وهذا من آيات الله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ [القصص ٧١ - ٧٣]، فهذا من آيات الله، ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء ١٢].
كذلك أيضًا اختلافهما من جهة الطول والقصر: أحيانًا يطول الليل، وأحيانًا يطول النهار، وأحيانًا يتساويان، ولا أحد يستطيع أن يقوم بهذا، فهو من آيات الله.
ولو أن أهل الأرض كلهم اجتمعوا على أن يُدخلوا من الليل جزءًا في النهار ما استطاعوا، ولا العكس، فهذا من آيات الله.
ويدخل في هذا: اختلاف الليل والنهار، يدخل فيه اختلافهما حرًّا وبردًا، أحيانًا يكون هذا حارًّا وهذا باردًا، وأحيانًا يتساويان.
ومن ذلك أيضًا: اختلافهما في الرخاء والشدة، أحيانًا تمر بك الأيام رخاء، وأحيانًا تمر بك الأيام شدة.
ومنها أيضًا؛ من هذه الآيات: اختلافهما في العز والذل، والنصر والخذلان؛ يُنْصَر أحيانًا أقوام ويخذل هؤلاء الأقوام في آن آخر، وهكذا.
فإذنْ الليل والنهار فيهما آيات في اختلافهما، في ذاتهما، وفيما يقع فيهما، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠]، ولو تأمل الإنسان لوجد أكثر مما ذكرنا من اختلاف الليل والنهار.
وقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (آيات) جمع، الآيات هنا؛ لأنها متنوعة ومتعددة، ولكنها لا يفهمها ولا يتخذها آياتٍ إلا أولو الألباب؛ ولهذا قال: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: لأصحاب العقول، وسُمي العقل: لبًّا؛ لأنه خالص الإنسان، كما أن اللُّب خالص الحبة مثلًا، فالإنسان بعقله وليس بفكره، والعقل ليس هو الذكاء كما قد يتبادر لأذهان كثير من الناس، ولكن العقل هو الرشد في التصرف، كلما كان الإنسان أسدَّ رشدًا وتصرفًا كان أعقل، وليس كلما كان أذكى فهو أعقل لا، لا يمكن؛ لأنه قد يكون من الأذكياء من هو أبعد الناس عن العقل.
ولهذا يمكن أن نقول لصناديد الكفرة الممتلئين ذكاءً نقول: إنهم غير عقلاء وإن كانوا أذكياء، قال الله لبني إسرائيل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤] مع أنهم عندهم عقل، فأصحاب الألباب هم الذين يعرفون ما في هذه الأشياء الأربعة من الآيات العظيمة: خلق السماوات، خلق الأرض، اختلاف الليل، اختلاف النهار.
ثم بين الله تعالى ما يتصف به هؤلاء فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ وهذه صفة مبيِّنة، يعني لنا أن نجعلها عطف بيان، ولنا أن نجعلها صفة مبينة لحالهم، ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يعني: يذكرون الله على كل حال.
﴿قِيَامًا﴾ وهي أعلى ما يكون الجسد قائمًا، ﴿وَقُعُودًا﴾ وهي مرتبة بين القيام والاضطجاع، والثالثة: ﴿عَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يذكرون الله بأي شيء؟ يذكرون الله سبحانه وتعالى بالتأمل في هذه المخلوقات، كلما رأوا شيئًا استدلوا به على كمال حكمة الله وقدرته وعلمه، وهذا ذِكر، يذكرون الله بألسنتهم بالتهليل والتسبيح والتكبير وقراءة القرآن وغير ذلك، يذكرون الله بجوارحهم بالقيام والقعود والركوع والسجود في الصلاة، بالطواف بالبيت، بالوقوف بمزدلفة، بالوقوف بعرفة، بالوقوف بمنى، برمي الجمار، كل عبادة تتعبد لله تعالى وهي عبادة فعلية فهي من أيش؟ من ذكر الله؛ لأنك تريد بها وجه الله، وبذلك تكون ذاكرًا له.
وقوله: ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يذكرون الله على جنوبهم بالقلوب والجوارح؛ لقول النبي ﷺ لعمران بن حصين: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»[[أخرجه البخاري (١١١٧) من حديث عمران بن حصين.]].
﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ التفكر: إعمال الفكر، يعني: إعمال المخ كما يقولون، يفكر في خلق السماوات والأرض لأي شيء خلقت؟ وكيف خلقت؟ وكيف رفعت السماء؟ وكيف سطحت الأرض؟ وما أشبه ذلك. المهم أنهم يعملون أفكارهم، ثم يتفكرون هل هذه السماوات والأرض خلَقَت نفسها أم كانت مخلوقة؟ يستنتجون بهذا التفكير أن السماوات والأرض كانتا مخلوقتين؛ لأنهم بالتفكير يطَّلعون على ما لا يطلع عليه غيرهم.
وقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ﴾ هذه الجملة مقولٌ لقول محذوف، يعني: يقولون: ربنا ما خلقت هذا باطلًا، يعني بعد أن يتفكروا في خلق السماوات والأرض تحصُل لهم هذه النتيجة المباركة: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
قوله: ﴿مَا خَلَقْتَ﴾ هذه نافية، وقوله: ﴿بَاطِلًا﴾ حال لازمة لو حذفت لفسد الكلام، وعلى هذا فتكون لازمة، والقاعدة في الحال اللازمة هي التي لو حذفت لفسد الكلام، لو حُذِفت ﴿بَاطِلًا﴾ لكان اللفظ: ربنا ما خلقت هذا، مع أنه خلقه، وكم من جملة حالية أو مفرد حال صار لا بد منه في الكلام، وتسمى هذه: حال لازمة.
وقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ يعني: يا ربنا، فهو منادى منصوب بياء النداء المحذوفة، ﴿سُبْحَانَكَ﴾ سبحان: اسم مصدر منصوب على المفعولية المطلقة، وعامله محذوف، والتقدير من حيث المعنى: نسبحك تسبيحك، أي: ننزهك تنزيهك اللائق بك، وأصل التسبيح: التنزيه والإبعاد عن السوء، ومنه قولهم: سبَح فلان، يعني أبعد، ونزل في الماء يَسْبَح.
وقوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيهًا لك أن تخلق هذه السماوات والأرض باطلًا، وقد بين الله في آية أخرى أن من ظن أن الله خلق شيئًا باطلًا فقد أخذ بظن مَن؟ بظن الكفار، ما الدليل؟ ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]، ولهذا قال: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ الفاء هذه مُفَرِّعة للجملة الثانية عن الأولى.
و(قِ): فعل أمر مكون من حرف واحد؛ لأنه أيش؟ فعل ناقص وأوله حرف علة، والفعل الثلاثي الناقص الذي أوله حرف علة يكون عند الأمر أو الجزم على حرف واحد، فتقول: (قِ): مأخوذ من (وقى)، (عِ): من (وعى)، (دِ): من الدية من (ودى)، ولها أمثلة كثيرة ذكرها الخضري رحمه الله في حاشيته على شرح ابن عقيل على الألفية، وهذه الحاشية -أعني حاشية الخضري على شرح ابن عقيل- من أحسن الحواشي التي كتبت على شروح ألفية ابن مالك؛ لأنه متأخر وجمع أقوال من سبقه، وله تحرير جيد في بعض الأشياء التي يحررها، فأُشير بها على كل من أراد أن يقرأ ألفية ابن مالك وشرحها لابن عقيل، فإن هذه الحاشية مفيدة، وقد ذَكر عدة أمثلة للفعل الثلاثي المبدوء بحرف علة المختوم بحرف علة بأنه تُحذف منه أيش؟ العلتان.
النحويون يقولون: ما أوله حرف علة فهو مثال، وما وسطه حرف علة فهو أجوف، وما آخره حرف علة فهو ناقص أو مقصور كذا؟ نعم.
﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (قنا) مأخوذ من (الوقاية)، أي: قنا عذاب النار بما تشاء؛ إما بعدم إدخالها، يعني أن لا ندخلها أصلًا، أو بإخراجنا منها بالشفاعة؛ لأن المؤمن الفاسق يستحق دخول النار على فسقه ثم بعد ذلك يُخرج منها، وقد يعفو الله عنه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨].
نذكر فوائد هاتين الآيتين:
* من فوائد الآية الأولى: الحث على تدبر خلق السماوات.
* طالب: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ١٨٩].
* الشيخ: ما شرحناها؟
* الطالب: ما أخذنا الفوائد.
* الشيخ: الفوائد، الآية التي قبل هاتين.
* من فوائد قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أن ملك السماوات والأرض خاص بالله عز وجل، ووجهه تقديم الخبر، والقاعدة: أنه إذا قدم ما حقه التأخير كان ذلك دليلًا على الحصر.
* ومن فوائدها: أن الملك المطلق لله وحده؛ لأنه قدم الخبر على المبتدأ في قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ﴾، وتقييدنا الملك بالمطلق ينفي توهم التعارض بين قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ حيث حصر الملك له وحده وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦] وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور ٦١]، وجهه: أن الملك المضاف إلى المخلوق ملك مقيد ليس ملكًا مطلقًا، ودليل هذا: أن هذا المالك من المخلوق لو أراد أن يتصرف بماله على خلاف ما جاءت به الشريعة كان ممنوعًا من هذا ولا يملكه، والله جل وعلا يملك مُلكًا عامًّا شاملًا يستغني به عن غيره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف في ملكه إلا على حسب إذن الشارع؛ لأن كون الملك لله يدل على أن تصرفنا فيه إنما يكون بطريق الوَكالة، يتقيد بما أيش؟ بما أُذن له؛ ولهذا لو وكّلت شخصًا على بيع بيت لم يملك أن يؤجره؛ لأنه إنما وكِّل على البيع فقط وهو المالك، والمالك الذي يملك البيت لم يأذن له في التأجير إنما أذن له في البيع، فنحن باعتبار ما ملكت أيماننا لا نملكها ملكًا أيش؟ مطلقًا نتصرف فيها كيف شئنا، وإنما تملكنا لها تملك مقيد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيء العام للخلق ليس ملكًا لأحد، الذي أخرجه الله عز وجل وليس من صنع إنسان فهو غير ملك لأحد إلا من سبق إليه بمقتضى النصوص الشرعية، ووجه ذلك: أن الله جعل السماوات والأرض ملكهما لمن؟ له، فإذا كان له فإنك لا تملك شيئًا من أرضه إلا على الوجه الذي أذن فيه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم قدرة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وأنت إذا قرأت هذه الآية وطبقتها على ما يورده بعض أهل الباطل من التشكيك في الشريعة فإنك تستريح، مثلًا يقول بعض الملحدين الذين لا يؤمنون باليوم الآخر يقول: كيف يعود الإنسان إنسانًا بعد أن كان أيش؟ ترابًا. وجوابنا على هذا سهل، أن نقول: إن هذا من قدرة الله ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
* ومن فوائدها: أن من آمن بهذا -أي: بأن الله على كل شيء قدير- فإنه يطرد عنه اليأس، كيف ذلك؟ لأن الإنسان قد يُصاب بمرض مثلًا فييأس من بُرئه بعد العلاج، فيقال له: لا تيأس؛ إن الله على كل شيء قدير، وأنت إذا أراد الله أن يبقى المرض بك فقد يكون خيرًا لك؛ لأنك تكسب أيش؟ مِن ورائه الثواب من الله عز وجل: «فَإِنَّهُ لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ هَمٍّ وَلَا غَمٍّ وَلَا أَذًى حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ لَهُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٤١، ٥٦٤٢) ومسلم (٢٥٧٣ / ٥٢) بنحوه من حديث أبي هريرة.]] يعني: من ذنوبه، فأنت لا تيأس إذا أصابك مرض لا يرجى زواله مثلًا، لا تيأس؛ فإن الله على كل شيء قدير.
* ومن فوائدها: أن ما أخبر الله به عن نفسه من الأمور التي يستبعدها العقل فإنها حق؛ لأن الله على كل شيء قدير، واضح يا جماعة؟ فمثلًا لو قال: كيف ينزل إلى السماء الدنيا وهو على العرش؟ فنقول له: الله على كل شيء قدير، وليس لك أن تعارض ما أخبر به رسول الله ﷺ عن ربه في أحاديث متواترة بمجرد وهم.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على التأمل في خلق السماوات والأرض؛ لأن الله ذكر أن فيهما آيات، والآيات هي العلامة، وكلما ازدادت الآيات وضوحًا ازداد الإيمان قوة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: النظر إلى خلق السماوات والأرض على الوجوه التي ذكرناها في التفسير، من حيث ذواتهما ومنافعهما وما فيهما من الخير والمصالح حتى لا يذهب ذاهب إلى أنها خلقت عبثًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: الإشارة إلى اختلاف الليل والنهار من رخاء إلى شدة وبالعكس، ومن حرب إلى سلم، ومن عز إلى ذل، ومن فقر إلى غنى، وبالعكس في هذه الأمور.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على أصحاب العقول؛ لأن الله جعل هذا الاختلاف آية لمن؟ لذوي العقول، أما من لا عقل له فإنه لا ينتفع بهذه الآيات ولا يعتبر بها، وتمر عليه وكأنها مَظَاهر طبيعية لا علاقة لفعل الله تعالى بها، وهذا -والعياذ بالله- من الطمس على القلوب وعمى الأبصار؛ لأن هذا الكون المنظم على هذا النظام البديع لا يمكن أبدًا أن يقع إلا من رب حكيم عز وجل، ولا يمكن أن يقع من فاعل على وجه السَّفهِ أبدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرب عز وجل أظهر آياته لخلقه مع أن مجرد الإيمان بأن الله تعالى حي موجود يكفي، لكن كلما تعددت الأدلة والآيات ازداد الشيء يقينًا، ودليل هذا أن إبراهيم قال لله عز وجل: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]، فالإنسان قد يكون مؤمنًا ولا إشكال عنده في الأمر لكن يحتاج إلى من يطمئنه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على العقل، وهو عقل الرشد أو عقل التكليف؟ عقل الرشد؛ لقوله عز وجل: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه كلما كان الإنسان أعقل كان بالله وآياته أعلم؛ لقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، والحكم المعلق على وصف يثبت أيش؟ بثبوته ويعدم بعدمه، فإذا كان أصحاب العقول هم الذين ينتفعون بهذه المخلوقات ويستدلون بها على الخالق عز وجل وعلى ما له من صفات الكمال، فإن مَن عقله عقل بهيمي لا ينتفع بهذه الآيات؛ لأنه ليس من ذوي الألباب.
فإن قال قائل: العقول هِبة من الله عز وجل، هبة، فكيف يذم الإنسان على فقدها أو يمدح على وجودها؟
فالجواب: أن العقل -أعني عقل الرشد- نوعان: عقل غريزي، وعقل اكتسابي أو كسبي، فالعقل الغريزي لا يحتاج إلى تأمل وتفكر، وأما العقل المكتسب فإنه يحتاج إلى تأمل ونظر وتفكر؛ لأنه كلما ازداد تفكره ازداد إيمانه ويقينه ورشده.
هل يؤخذ من الآية الكريمة: الثناء على ذوي العقول؟ نعم؛ لأن الله جعل هذه الآيات نافعة لمن؟ لهم؛ لأولي العقول، وعلى هذا فينبغي لك أن تُكرس جهودك على التأمل المبني على العقل حتى يكون عندك عقل غريزي وعقل مكتسب.
ثم قال عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ إلى آخره.
* طالب: شيخ، قول لله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يقيد بعض العلماء القدرة هنا بما تعلقت بممكن فهل هذا الإمكان هو الإمكان العقلي أو الإمكان الواقعي؟
* الشيخ: لا، العقلي، الواقعي قد يكون الشيء غير ممكن وقوعًا لوجود الموانع لكنه عقلًا ممكن.
* طالب: تعريف النحاة الحال بأنها فضلة ما يعارض (...)؟
* الشيخ: لا، المراد بالفضلة ما تستغني عنه أركان الجملة.
* الطالب: كل جملة بحسبها؟
* الشيخ: إي نعم.
* * *
* طالب: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ [آل عمران ١٩٢ - ١٩٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أين خبر (إن) في قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟
* طالب: ﴿لَآيَاتٍ﴾.
* الشيخ: ﴿لَآيَاتٍ﴾ كيف تكون خبرها وهي بالكسرة؟
* الطالب: ﴿لَآيَاتٍ﴾ منصوبة بـ(إن) وعلامة نصبها الكسرة؛ لأنها جمع مؤنث سالم.
* الشيخ: صحيح؟
* طالب: مبتدأ مؤخر.
* الشيخ: سبحان الله! ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ﴾ مبتدأ مؤخر منصوب!
* طلبة: اسم (إن).
* الشيخ: كيف خبر مؤخر؟
* طلبة: اسم (إن).
* الشيخ: اسم (إن)، أنا أسأل عن الاسم (إن) أين؟ هو فأجاب.
* طلبة: خبر (إن).
* الشيخ: كيف؟
* طلبة: عن الخبر، عن خبر (إن).
* الشيخ: على كل هذا هو أجاب بالصواب أن ﴿آيَاتٍ﴾ اسم (إن).
قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ محله من الإعراب ﴿الَّذِينَ﴾؟
* طالب: ﴿الَّذِينَ﴾ عطف بيان.
* الشيخ: ولا تصلح صفة؟
* الطالب: تصلح صفة.
* الشيخ: تصلح صفة.
قوله: ﴿قِيَامًا﴾ منصوبة على أي شيء؟ منصوبة على أيش؟
* طالب: على الواو.
* الشيخ: لا، ﴿قِيَامًا﴾ ما فيها (واو) أبدًا.
* طالب: على الحال.
* الشيخ: من إيه؟
* الطالب: ﴿قِيَامًا﴾ يعني: حال كونهم قيامًا.
* الشيخ: أين صاحب الحال؟ الحال تحتاج إلى صاحب.
* الطالب: ﴿يَذْكُرُونَ﴾ هم.
* الشيخ: أين صاحب الحال؟
* الطالب: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ يعني: هم يذكرون الله، مِن ﴿الَّذِينَ﴾.
* الشيخ: من ﴿الَّذِينَ﴾؟
* طالب: من واو الجماعة في: ﴿يَذْكُرُونَ﴾.
* الشيخ: من واو الجماعة في: ﴿يَذْكُرُونَ﴾، تمام.
قوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ محل الجملة من الإعراب؟
* طالب: معطوفة.
* الشيخ: على أيش؟
* الطالب: على ﴿يَذْكُرُونَ﴾.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии