Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
Аль Имран 3:21–25, продолжение
والآن نرجع إلى فوائد الآية التي ذكرناها. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ إلى آخره [آل عمران: ٢١] في هذه الآية من الفوائد: أنه ينبغي أن يعلَن لهؤلاء الكفار بما أمر الله تعالى أن نبشرهم به ﴿بَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والنبي عليه الصلاة والسلام لا شك أنه كلما كانت الحكمة في تبشير هؤلاء بالعذاب الأليم بشرهم، وهكذا مَن ورث النبي ﷺ في العلم والدعوة ينبغي أن يبشر كل كافر بآيات الله بالعذاب الأليم، لكن يجب أن يكون هذا تابعًا للحكمة، قد لا يكون من الحكمة إذا دعوت رجلًا للإسلام أن تقول: تعال أنت كافر؟ فإذا قال: نعم، قلت: أبشر بالعذاب الأليم وأسلم، يصلح هذا؟ ما يستقيم لكن لكل مقام مقال، إذا دعوته وعاند واستكبر حينئذ يناسب أن تقول: إن بقيت على ما أنت عليه فأبشر بالعذاب الأليم. أو يأتيك رجل يمدح لك هؤلاء الكفار ويقول: فيهم وفيهم وفيهم وفيهم تقول: يا أخي بشِّرهم بعذاب أليم، ماذا ينفعهم هذا يوم القيامة؟
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بآيات الله؛ لأن الله تعالى توعد هؤلاء الكافرين بها بالعذاب الأليم. والإيمان بالآيات الكونية له معنى وبالآيات الشرعية له معنى، فالإيمان بالآيات الشرعية قلنا إنه هو: تصديق الأخبار، والعمل بالأحكام، وألا يتعرض لتحريفها، ثلاثة أشياء، وبالكونية ألا يعتقد أن لله تعالى فيها مشاركًا أو معينًا أو مستقلًّا بملكه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم قتل النبيين وأنه بغير حق مهما كان؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ مع أن قتل النبيين بغير حق من جملة الكفر لكن نص عليه لشدة شناعته والعياذ بالله.
* ومن فوائد الآية الكريمة:تحريم أو شناعة كل من يقتل أو يقاتل من يأمر بالقسط من الناس، من هم اللي يأمر بالقسط من الناس؟ قلنا: إنهم علماء وأمراء، فالعلماء يبينون الشرع، والأمراء ينفذون الشرع، فإذا قتلهم قاتل دخل في هذه الآية إذا كانوا يأمرون بالقسط.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت العذاب على هؤلاء المتصفين بهذه الصفات، لقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
* ومن فوائدها: أن العذب الذي يبشَّرون به ليس عذابًا هينًا يُتحمَّل ولكنه عذاب مؤلم.
ومن فوائد الآية التي بعدها: أن هؤلاء الذين كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياءه وقتلوا الآمرين بالقسط من الناس هؤلاء حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، فلا يستفيدون منها، أما في الآخرة فظاهر، وأما في الدنيا فلأنهم لم ينتفعوا بها فكأنها لم تكن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفر محبط للأعمال؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ ويدل لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة ٢١٧].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار ليس لهم ناصر ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ولكن هل المراد ليس لهم ناصر في الدنيا والآخرة؟ أو في الآخرة؟ في الآخرة، أما في الدنيا فقد ينصرهم من كان على شاكلتهم ولكن هم ومن نصرهم مآلهم إلى الذل والخذلان؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة ٢١].
* طالب: قوله: ﴿إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ لمَ التفريق ما بين ﴿مَعْدُودَةً﴾ [البقرة ٨٠] ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾؟ (...)
* * *
* طالب: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ٢٦]
* الشيخ: (...) ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ﴿أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أما في الآخرة فحبوط أعمالهم ظاهر لأنهم لا ينتفعون بأعمالهم في الآخرة، ولكن في الدنيا كيف يكون حبوط أعمالهم؟
* طالب: مغلوبين.
* الشيخ: كيف مغلوبين؟
* الطالب: يعني هم يقتلون النبيين وهم في الآخر هم مغلوبين، ما عندهم القدرة على المسلمين.
* الشيخ: يعني معناه في النهاية تحبط أعمالهم أي عزتهم وكبرياؤهم، هذا وجه جيد، فيه أيضًا؟
* طالب: لا ينتفعوا بهذه الأعمال حتى أعمالهم الصالحة.
* الشيخ: فلما لم ينتفعوا بها صارت حابطة وإن انتفعوا بها في الدنيا لكن لما لم تكن نافعة لهم في الآخرة صارت ضائعة كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥].
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ﴾ الخطاب لمن في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؟
* طالب: الخطاب إلى الرسول ﷺ.
* الشيخ: للنبي ﷺ، ما فيه وجه آخر؟
* طالب: لأهل الكتاب.
* الشيخ: لا.
* طالب: لكل من يتأتى له الخطاب.
* الشيخ: لكل من يتأتى خطابه يعني كل من يصح أن يخاطَب يخاطبه الله بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ وهذا القول أعم من القول الأول. مَن المراد بهم؟
* طالب: المراد بهم أهل الكتاب.
* الشيخ: مَن؟
* الطالب: اليهود والنصارى.
* الشيخ: اليهود والنصارى. طيب ﴿نَصِيبًا﴾ هنا نكرة هل هو للتقليل أو للتكثير؟
* طالب: ﴿نَصِيبًا﴾ تدل على التقليل، وقد ترد يعني وقد ترد دالة على التكثير قليلًا.
* الشيخ: أيهما المراد هنا؟
* الطالب: المراد التقليل.
* الشيخ: يعني أنهم؟
* الطالب: أُوتوا شيئًا من العلم بينهم، شيئًا قليلًا بينهم.
* الشيخ: طيب ويش وجه المناسبة؟ إذا قلت: إن المراد التقليل، قد يقولون: والله إحنا ما عندنا إلا علم قليل ولا ندري عن كتاب الله هل هو حق أو ليس بحق؟
* الطالب: مناسبة أيش؟
* الشيخ: أقول الآن: إذا قلت المراد التقليل، فكيف يكون العتاب عليهم وهم ليس عندهم إلا علم قليل لا يعرفون به الحق من الباطل؟
* الطالب: المراد أنهم أوتوا نصيبًا يعني شيئًا قليلًا من العلم ما يكفيهم في أمر دينهم ودنياهم.
* الشيخ: طيب هؤلاء إذا دُعوا إلى الله يقولون: والله ما نعرف به الحق حتى نُلام عن التولي عنه؟
* طالب: نقول: يحتمل ﴿نَصِيبًا﴾ شيئًا كثيرًا من العلم ولكنهم استكبروا إذا دُعوا إلى كتاب الله، ويحتمل أن تكون ﴿نَصِيبًا﴾ شيئًا قليلًا من العلم.
* الشيخ: طيب إذن كل معنى له وجه، إن قلنا: قليلًا، فوجه اللوم عليهم أنهم لمالم يُؤتَوْا إلا علمًا قليلًا كان الواجب عليهم أن يأخذوا بالعلم الذي دُعوا إليه حتى يزدادوا علمًا، وأما إذا قلنا: كثيرًا، فالوجه: أنه كيف يعلمون الحق لأنهم إذا أوتوا علمًا أو نصيبًا كثيرًا من الكتاب فمن جملتها أنهم يعرفون محمدًا ﷺ، فكيف يُؤتَوْن العلم الكثير الذي به تقوم الحجة ثم يستكبرون عنه؟ إذن فالآية صالحة للوجهين جميعًا.
طيب، قوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الفاعل في (يحكم) مَن؟
* طالب: في (يحكم) الفاعل هو اسم الجلالة والكتاب كلاهما.
* الشيخ: يعني يجوز أن يكون عائدًا إلى الله وعائدًا إلى الكتاب، كذا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لأن الكتاب يحكم، وكذلك الله عز وجل يحكم بين عباده. طيب، لماذا يتولون وهم معرضون؟ ما هو السبب الذي حملهم على ذلك؟
* طالب: الاستكبار.
* الشيخ: لا.
* طالب: السبب في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾.
* الشيخ: نعم، هذا الذي دعاهم إلى ذلك، الغرور وأن أنفسهم غرتهم فقالوا: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة، ثم بعد ذلك تخلفوننا أنتم يا محمد وأصحابه فيها، ولهذا قال: ﴿غَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. طيب، ما المراد بالاستفهام في قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؟
* طالب: تعظيم هذا اليوم؛ يعني كيف هَوْل هذا اليوم إذا جمعناهم؟ أو كيف حالهم هذا اليوم إذا جُمعوا؟
* الشيخ: فيتضمن تعظيم هذا اليوم وتهديد هؤلاء، إذن لتعظيم ذلك اليوم ولتهديد هؤلاء القوم. ما المراد بهذا اليوم؟
* طالب: يوم القيامة.
* الشيخ: طيب قال الله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؟
* طالب: أي لا شك فيه.
* الشيخ: لماذا لا شك فيه وهو أمر غائب؟
* طالب: الْمُخبِر عنه حق، إن الله هو الذي أخبر عنه.
* طالب: إن الكتاب والسنة والعقل دلوا عليه.
* الشيخ: لأن كلًّا من الكتاب والسنة والعقل دل عليه على هذا اليوم والناس يبعثون، نريد دليلًا من القرآن على ثبوت هذا اليوم غير الآية اللي معنا؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥].
* الشيخ: طيب هذا ممكن، لكن ما فيه آية تدل على أن الناس يُجمعون في ذلك اليوم علشان توفق المعنى؟
* طالب: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن ٧].
* الشيخ: نعم، ما فيه دليل على نفس الجمع؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن ٩]
* الشيخ: زين صح إي نعم، وفيه في سورة هود: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣] طيب، يقول الله عز وجل: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ ما معناها؟
* طالب: نعم معناها أُعطِيت كل نفس حقها.
* الشيخ: وافيًا، أحسنت. جملة: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ محلها من الإعراب؟
* الطالب: خبر.
* الشيخ: لا.
* طالب: حال.
* الشيخ: حال منين؟
* طالب: حال من ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾.
* الشيخ: من ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾؟
* الطالب: لا، من
* الشيخ: من كل الدنيا والفعل والفاعل.
* الطالب: النفس الموفية لها، من الفاعل.
* الشيخ: ما عندنا فاعل، اللي عندنا نائب فاعل؛ لأن (وُفِّي) فعل ماضي مبني للمجهول.
* الطالب: من نائب الفاعل.
* الشيخ: من نائب الفاعل وهو قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾. طيب ما معنى الظلم ال (...)؟
الظلم المنفي هنا، أو ما المراد به؟
* طالب: عدم الجور، الظلم هنا المراد به أي عدم الجور؛ لأنه توفية الحق له ثلاثة أحوال؛ إما أن يعطى حقه.
* الشيخ: لا، نريد بس نفي الظلم أيش؟ الظلم يكون إما بنقص شيء من الحسنات أو زيادة سيئات، أما كيف التوفية فهذه هي التي تريد؛ يعني التوفية لها ثلاثة أقسام: عدل، وفضل، وجور، فالجور منتفي، والعدل والفضل ثابت.
ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٢٣] إلى آخره.
يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد؛ أولًا: أنه ليس كل من أُعطي علمًا يُوفّق للعمل به لقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾ [آل عمران ٢٣].
* ومن فوائد الآية الكريمة: التعجب من حال هؤلاء وما أعظم التعجب أن يؤتيهم الله العلم، ثم بعد ذلك لا يُقبلون على كتاب الله عز وجل.
* ومن فوائدها: أن هؤلاء قد قامت عليهم الحجة بكونهم دعوا، وهذا هو محطّ الذم، أما لو لم يدعون ولم يعلموا بالحق فإنهم لا يذمون على ذلك إذا لم يفرّطوا بطلب الحق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الواجب التحاكم إلى كتاب الله لقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران ٢٣].
* ومن فوائدها: أنه لا حكم إلا لله بما جاء في كتابه، فلا أحد من الحكام يستطيع أن يشرّع أحكامًا مخالفة لأحكام الله، بل من شرّع أحكامًا مخالفة لأحكام الله، وألزم العباد بها فهو كافر بالله عز وجل، كافر، اللهم إلا أن يُعذر بتأويل سائغ، فهذا قد يخرجه من الكفر، لكن فعله من حيث هو فعل يؤدي إلى كفره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم في كتاب الله يكون في كل شيء؛ في العبادات والمعاملات والأخلاق والأعمال كل شيء، ولأنه لم يُخصص، قال: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ في كل شيء.
ويتفرع على هذه الفائدة: الرد على من قال: إن الشرع إنما جاء في تنظيم العبادات فقط، أما المعاملات فهي إلى الخلق، واستدلوا لذلك بأن النبي ﷺ قدم المدينة ورأى الناس يؤبّرون النخل -معنى يؤبرونها: يلقحونها- فقال عليه الصلاة والسلام: «مَا أَرَى ذَلِكَ يُغْنِي شَيْئًا» هذا أو معناه، فتركوا التأبير ففسد الثمر؛ لأن النخل إذا لم يُؤبّر فسد، فلما حصدت الثمار جاؤوا إلى النبي ﷺ يخبرونه فقال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٣٦٣ / ١٤١) من حديث أنس. ]]. قالوا: فوَكل علم أمور الدنيا إليهم، بل جعلهم أعلم منه بهذا، وعلى هذا فأمور الدنيا لا يتدخل فيها الشرع، ولكن هذا فهم خاطئ، هذا فهم خاطئ باطل؛ وذلك لأن أمور الدنيا إما أحكام شرعية كالتحليل والتحريم، فهذه مرجعها إلى الشرع، وإما أمور فنية تدرك بالتجارب وبالتعلم، فهذه مرجعها إلى أهل الخبرة، وكم من عالم عنده علم غزير واسع في أمور الشرع لا يستطيع أن يصنع بابًا ولا إبرة، ويأتي رجل جاهل من أجهل الناس ويستطيع أن يصنع بابًا من أحسن الأبواب وإبرة من أحسن الإبر، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ومسألة الصحابة رضي الله عنهم في التأبير مسألة حكمية أو مسألة فنية؟ فنية بلا شك تدرك بالتجارب، والنبي عليه الصلاة والسلام -كما نعلم- ولد بمكة، ومكة ليست ذات نخل، ولا يعلم عن هذا شيئًا، فصار أهل المدينة الذين مارسوا التجارب في هذه الأمور، صاروا أعلم منه بذلك، أما مسألة الأحكام الشرعية فلا شك أن الله ورسوله أعلم، المهم أن الحكم لمن؟ لله، ولا يجوز أن يكون الحكم لأي شيء سوى الله. فإن قال قائل: ألستم ترجعون إلى العرف في أمور كثيرة؟
فالجواب: بلى، لكن من الذي رجعنا إلى العرف؟ الشرع، رجعنا إلى العرف: ﴿عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء ١٩] ﴿أَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق ٢]، فالشرع هو الذي أمرنا أن نرجع إلى العرف، وإذا أمرنا أن نرجع إلى العرف رجعنا إليه وحكّمناه، ولهذا إذا تنازع الزوجان في قدر النفقة لا نذهب إلى الكتاب الفلاني والكتاب الفلاني: البخاري، أو مسلم، أو أبو داود، أو ما أشبه ذلك، لا نرجع إلى هذا، نرجع إلى من؟ إلى أهل الخبرة في العرف في كل زمان ومكان بحسبه، إذن الحكم فيما رُدّ إلى العرف لمن؟ للشرع.
* طالب: للشرع وأهل الخبرة.
* الشيخ: لا، الحكم للشرع هو الذي أمرنا أن نرجع إلى العرف؛ فأهل العرف يحكمون.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين دُعوا إلى كتاب الله ممن أوتوا نصيبًا من الكتاب لم يتولوا جميعًا، بل تولى فريق منهم، والأمر كذلك فإن كثيرًا من اليهود والنصارى أسلموا وحسن إسلامهم، وكان لهم قدم صدق في الإسلام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذم من يتولّى بإعراض لقوله: ﴿يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران ٢٣]، لأن التولي -كما ذكرنا في التفسير- قد يكون عن إعراض وقد يكون عن غير إعراض، والتولي مذموم كله، ولكن إذا كان عن إعراض وعدم مبالاة كان أشد.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران ٢٤].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بطلان الأماني، وأن النفس قد تمنّي الإنسان ما لا يكون؛ لأن هؤلاء منّتهم أنفسهم حيث قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾.
* ومن فوائدها: تحذير الإنسان من أن يتكل على الأماني؛ لأن هذا من صنع اليهود والنصارى، وكثير من العامة الآن يقعون في المعاصي ويمنّون أنفسهم المغفرة، إذا وقع في المعصية قلت: يا أخي، اتقِ الله، لا تعصِ الله قال: الله غفور رحيم، الله غفور رحيم، صحيح؟
* طلبة: إي نعم.
* الشيخ: صحيح أن الله غفور رحيم، لكن الله قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٤٩، ٥٠]، وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٨] فلما أمر نبيه أن ينبئ بدأ بالمعفرة، ولما أخبر عن نفسه بدأ بالعقوبة؛ لأن المقام مقام سلطان وعلوّ فقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
إذن ماذا نقول لهذا الذي قال: الله غفور رحيم؟ نقول: والله شديد العقاب أيضًا، يتمنى بعض العاصين الأماني ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨] فهو يريد أن يزني، ويسرق، ويشرب الخمر، ويعمل كل شيء دون الشرك ثم يقول: إن الله يقول: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وهذا خبر، خبر من الله عز وجل، وهو أصدق القائلين؟ فماذا نقول؟
نقول: اقرأ الآية، لا تكن أعمى أو أعور ما تنظر إلا بعين، يغفر ما دون ذلك مطلقًا لمن يشاء، ومن لا يشاء لا يغفر له، فهل أنت تجزم بأنك ممن شاء الله أن يغفر له؟
أبدًا، ما تجزم، لا تجزم لا بهذا ولا بهذا، إذن فأنت على خطر، أنت على خطر على أن الذي يستخف بمعصية، ويُلبّس على نفسه وعلى الناس قد يكون ممن لا يشاء الله أن يغفر له، نعوذ بالله؛ لأن هذا مستهتر مستهين.
إذن الذين يتمنون على الله الأماني مع استمرارهم على معصية يشبهون من؟ اليهود والنصارى، ولهذا جاء في الحديث: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ -أي: حاسبها- وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِي»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس الأنصاري.]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء يؤمنون بالبعث، ولكن لم ينفعهم الإيمان، من أين تؤخذ؟ من قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾.
ويتفرع على هذا: أنه لا يكفي في الإيمان أن يؤمن الإنسان بوجود الله وباليوم الآخر دون أن يستلزم هذا الإيمان قبولًا وإذعانًا مجرد التصديق لا يعتبر إيمانًا، لا بد من القبول والإذعان، ودليل هذا نصوص كثيرة منها: أن أبا طالب عم رسول الله ﷺ كان يقرّ بأن رسول الله ﷺ حق، ويقول:
لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَــــا وَلَا يُعْنَى بِقَــــوْلِالْأَبَاطِــــــــلِ
ويقول:
وَلَقَــدْ عَلِمْــتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّــدٍ ∗∗∗ مِــــنْ خَيْــــرِ أَدْيَــــانِ الْبَرِيَّــــةِدِينَــــــــــــا
ومع ذلك لم ينفعه هذا الإقرار؛ لأنه لم يصحبه قبول وإذعان، وخُتم له في الآخر -والعياذ بالله- بأنه قال: على ملة عبد المطلب، ولكن نظرًا لما حصل منه من دفاع عن الإسلام «أذن الله عز وجل لنبيه محمد ﷺ أن يشفع له فشفع، فكان في ضحضاح من نار، وعليه نعلان يغلي منهما دماغه أبد الآبدين[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس.]] ». والعياذ بالله، أبد الآبدين، وهذا أهون أهل النار عذابًا أجارني الله وإياكم منها.
ولم نعلم أن كافرًا نفعت فيه الشفاعة على الإطلاق بمعنى أنه سلم من العذاب أبدًا، ولم نعلم أن كافرًا خُفّف عنه العذاب بالشفاعة إلا أبا طالب، إذن نقول: إن الإيمان باليوم الآخر، وبأن هناك نارًا لا يكفي في الإيمان، بل لا بد من القبول والإذعان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يغره ما هو عليه من الدين، قد يغره ما هو عليه من الدين لقوله: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران ٢٤] فيغتر بأنه يصلي، ويزكي، ويصوم، ويحج، ثم يقول في نفسه: لن أعذَّب، وهذا قصور في النظر؛ لأنه ليس الشأن أن تصلي أو تزكي أو تصوم أو تحج، الشأن كل الشأن أن يُقبل منك هذا العمل، كم من عامل ليس له من عمله إلا التعب لوجود مبطِل سابق أو لاحق، سابق كفوات الإخلاص مثلًا، لاحق كالإعجاب بالعمل والإدلال به على الله عز وجل، وأن يرى الإنسان لنفسه حقًّا على ربه، وهذا قد يبطل العمل، فعملك محفوف بأخطار سابقة وأخطار لاحقة، ولهذا لا تغتر بما أنت عليه من الدين، بل اسأل ربك دائمًا التوفيق والقبول، التوفيق سابق، والقبول لاحق حتى الإنسان ربما يريد الخير ويحب الخير، ولكن يبتلى بالبدعة، كم من أناس يحبون الخير وعندهم رغبة ومحبة لله ورسوله، ولكن يبتلون بالجهل فيبتدعون في دين الله ما ليس منه، ويكون عملهم هذا حابطًا ولَّا مقبولًا؟ حابطًا؛ لأن من شرط قبول العمل أن يكون موافقًا لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ لمسلم.]].
وقال الله عز وجل: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران ٢٥].
في هذه الآية دليل على عظم ذلك اليوم لقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ﴾ ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾.
وفيها دليل أيضًا على النداء بالنعي على هؤلاء الذين ليس لهم في ذلك اليوم إلا الخيبة والخسران، ولهذا قال: كيف تكون حالهم في ذلك اليوم؟
والجواب: أن حالهم أخيب الحال، أخيب حال هي حالهم والعياذ بالله؛ لأنهم ليس عندهم شيء؛ خسروا دينهم ودنياهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر لقوله: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
* ومن فوائدها: أن من كفر باليوم الآخر أو شك فيه فهو كافر؛ لأنه مكذِّب لقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، فالله أخبر بأن هذا اليوم لا ريب فيه، أمر واقع، ولا بد لا بد أن تجتمع مع أمك وأبيك وأختك وأخيك في ذلك اليوم، لكن تجتمع بهم وأنت تفرّ منهم ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٤ - ٣٧] حتى يستقر الناس في منازلهم، فإذا استقر الناس في منازلهم واجتمع بهم في الجنة فهذه غاية المنى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور ٢١] الصغار اللي ماتوا وهم لم يكن لهم ذرية يلحقون بآبائهم ليجتمعوا إليهم، لكن هل يُلحق الأعلى يُنزّل الأدنى وإلا بالعكس؟
بالعكس؛ يعني يُرفع الأدنى إلى الأعلى، أما من كان له ذرية من الأولاد فهو مستقل بنفسه في منزلته؛ لأن هذا له ذرية. على كل حال في قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ دليل على أن من شك في هذا اليوم أو أنكره فهو كافر لتكذيبه لله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن يوم التوفية الكاملة هو يوم القيامة لقوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ وإنما قلت: التوفية الكاملة؛ لأن الإنسان قد يوفَّى شيئًا من عمله في الدنيا، أليس كذلك؟ بلى قد يُوفّى في الدنيا لكن يوفّى في الآخرة أيضًا، توفّى النفوس ما عملت، قد يوفى في الدنيا وماذا يوفّى؟
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢، ٣] مخرجًا من كل ضيق وسعة في الرزق، ويرزقه من حيث لا يحتسب، هذا في الدنيا، وهذا جزاء، هناك جزاء آخر يعني أعظم وأنفع، وهو الهدى، الهدى قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧] الهدى والعمل الصالح هذا أفضل من المال، أفضل من المال؛ لأن الهدى إذا زاد الله الإنسان هدى انشرح صدره واستنار قلبه واطمأن، ثم صارت التقوى عنده أسهل من كل شيء، وصارت الأعمال الصالحة رياض قلبه وسرور نفسه، ولهذا قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»[[أخرجه النسائي في السنن (٣٩٣٩) من حديث أنس. ]] والمؤمن كل الأعمال الصالحة قرة عينه؛ لأنه يشعر في كل عمل صالح يشعر بأمرين عظيمين؛ الأمر الأول: أنه يتعبد لله بالعمل الصالح فيزداد ذلًّا لربه ومحبة له وإنابة إليه، والأمر الثاني: أنه بذلك متبع لرسول الله ﷺ، فهو يشعر حين فعل العبادة أن إمامه محمد ﷺ فيزداد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيمًا لقوله، بل وتعظيمًا لهديه وسنته، وهذا أعظم كسب، أعظم كسب أن يحصل لك هذا الأمر في العبادة والتقوى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انتفاء الظلم عن الله عز وجل؛ لأن قوله: ﴿وُفِّيَتْ﴾ ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ فاعلها معروف، من الموفِّي؟ الله، والذي لا يظلم الله، ولكن انتفاء الظلم عن الله سبحانه وتعالى هل هو من الصفات الثبوتية أو من الصفات المنفية التي يسمونها بالسلبية؟
الثاني إلا أننا نقول: لا يظلم يعني ليس في جزائه أدنى ظلم، فيكون نفي الظلم لكمال العدل؛ لأن الظلم قد يكون كاملًا وقد يكون ناقصًا؛ يعني قد يكون كاملًا بحيث لا يعطى شيئًا من جزاء عمله، وقد يكون ظلمًا ناقصًا يُعطى بعض الشيء، فإذا نفى الله عن نفسه الظلم صار ذلك مستلزمًا لكمال العدل، وكذلك ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨] اللغوب يعني التعب والإعياء، فالله عز وجل خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ولم يمسه لغوب؛ أي تعب وإعياء، لماذا؟ لكمال قوته وقدرته عز وجل، فالإنسان يعمل العمل لكن يتعب، أما الرب عز وجل فإنه لكمال قدرته وقوته خلق السماوات والأرض وما بينهما في أيام يسيرة ستة أيام، وما مسه من لغوب، إذن نأخذ من هذا قاعدة مفيدة في باب الصفات؛ وهي: أن كل صفة نفاها الله عن نفسه فإنما يراد بها ثبوت كمال الضدّ، فضد الظلم العدل، إذا انتفى الظلم فهو لكمال العدل، ضد القدرة والقوة: التعب، فإذا انتفى التعب؟ ثبت كمال القدرة والقوة وعلى هذا فقِس.
* طالب: شيخ، قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وقوله: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ٣] كيف يعني يفصل بينكم؟
* الشيخ: يوم القيامة يفصل بينكم؛ يعني يحكم بينكم، ثم يكون الفصل؛ فالناس يجتمعون أولًا في المحشر جميعًا، ثم ينفصلون فريق في الجنة وفريق في السعير.
* الطالب: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ قلنا: الآن إن أولادكم ثبت بالأحاديث أن الولد ينفع أباه؛ حافظ القرآن إذا..؟
* الشيخ: هذا يخاطب الكفار، يخاطب المؤمنين يعني معناه لا تحابوا الكفار لا تتخذوهم أولياء فإن ذلك لا ينفع.
* طالب: شيخ، ويش معنى قولهم (...).
* الشيخ: يقول بعض العلماء: إنهم بنوا قولهم هذا على أنهم عبدوا العجل أربعين ليلة، وقالوا: إن الله يعذّبنا بقدر معصيتنا؛ بقدر عبادة العجل فقط؛ أربعين يوم ثم أنتم تخلقونه.
* الطالب: أقول: إذن ما بنوا على شيء أصلًا، يعني أمانة؟
* الشيخ: أبدًا، كذب.
* طالب: صار خاص باليهود.
* الشيخ: إي نعم، هم اللي يقولون هكذا ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾.
* طالب: شيخ، قلنا: يا شيخ إن صاحب البدعة إذا عمل عملا مبتدعًا.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: قلنا: إذا عمل الإنسان عملًا بدعيًّا يعني حبط عمله بهذا العمل.
* الشيخ: لا يُقبل منه.
* الطالب: لكن يا شيخ إذا صار جاهلًا، يعني ما يؤجر على النية؛ نيته في هذا العمل؟
* الشيخ: إيه، لكن ما يقبل منه على أنه عمل؛ يعني يثاب على نيته التقرب إلى الله، أما هذا العمل لا «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ لمسلم.]]، «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ لمسلم.]] لكن يُثاب على نيته الخير فقط، ومع ذلك إذا أقيمت عليه البينة بأنه مبتدع لا يثاب ولا على نيته.
* طالب: شيخ، الحكم يا شيخ في الرد على إن الذين يقتلون النبيين إلى آخره، أنهم يقتلوهم، وألقوا بهم في السجون، الذين يقتلون الناس ﴿الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ٢١].
* الشيخ: مقاتلون.
* الطالب: نعم، فما حكمهم يا شيخ؟
* الشيخ: حكمهم دون هذا.
* الطالب: نعم؟
* الشيخ: أقول دون ذلك.
* الطالب: طيب هل هم يُقاتلون يا شيخ؟
* الشيخ: من اللي يقاتل؟
* الطالب: الذين يقتلون؟
* الشيخ: لا، لا، ما يقاتلون، لا.
* الطالب: طيب مش دول كفار يا شيخ؟
* الشيخ: لا ما هم كفار.
* الطالب: مش ﴿يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾؟
* الشيخ: إيه، هذه من صفات الكفار، لكن قد يفعل هذا من ليس بكافر.
* الطالب: إي نعم، أن الله عز وجل أمر النبي ﷺ أن يبشرهم، مش هذا فيه إعلام من الله عز وجل أن النبي ﷺ يعلمهم؟
* الشيخ: لكن اقرأ اللي قبلها ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٢١] أولًا: ما هو الكفر، كفر، ومن جملة أعمالهم القتل، فالذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس أخذوا من أعمال هؤلاء الكفار القتل، لكن لا يلزم من هذا أن يكونوا كفارًا؛ لأن قتل النفس لا يستلزم الكفر كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة ١٧٨].
* طالب: يا شيخ، هذا الأخ في الإسلام يا شيخ؟
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: هذا أخ في الإسلام، وهذا يقتل الذي يأمر بالقسط هذا ما هو عدو له؟
* الشيخ: نعم نعم، على كل حال هو لا يكفر اللهم إلا أن يكون فعله هذا كراهة للحق، فهذا شيء ثاني.
* طالب: ويعلنوا يا شيخ؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: يعلنوا بالمعاصي؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: يجهروا بالمعاصي؟
* الشيخ: ويش معنى يجهر؟
* الطالب: يعني الفعل الذي يفعلونه على الذين يفعل فيهم الجهر لهم، وإعلانهم بالمعاصي على قول الله عز وجل للنبي ﷺ ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١] فالتبشرة هنا إعلان منه؟
* الشيخ: نحن ذكرنا في أثناء التفسير أن الله أمر نبيه أن يبشر هؤلاء بعذاب أليم يحتمل أن هذا حكم لهم، ويحتمل أن الله أمره بأن يقول ذلك، وذكرنا أن هذا ينظر فيه للمصلحة.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: الغالب أن الذين يقتلون الذي يأمرون بالقسط من الناس أن هؤلاء لا يقتلونهم لأشخاصهم فقط، وإنما لهذا المنهج الذي يسيرون عليه؟
* الشيخ: نعم، صحيح، لكن ما نقدر نكفرهم إلا إذا علمنا؛ لأنهم قد يقتلونهم لسبب آخر، هل كل من يأمر بالقسط من الناس نيته صالحة؟ فيه الآن أناس يأمرون بالقسط من الناس ليصلوا إلى الحكم، وإذا وصلوا إلى الحكم صاروا أخبث من الذين قالوا فيهم، ولهذا المسائل هذه دقيقة ما هي هيّنة.
* طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة لإقامة الحجة، هل يكفي إبهامها؟ بس هل يكفي إنك تعلمها فقط للشخص وتقوم عليه الحجة أو أنك لازم تفهمه، لازم يفهمها ويستوعبها؟
* الشيخ: أرأيت لو جيء إليك برجل من العجم وقلت: يا هذا الكافر، اتقِ الله وأسلِم، ويش يفهم؟ هل بلّغت الحجة؟ وأيضًا نحن نسميها حجة، ولا حُجّة إلا بعد معرفتها.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии