Ибн УсейминАль Имран · 3:54–55

Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском

Аль Имран 3:54–55, продолжение

* طالب آخر: مجرور.

* الشيخ: هو عندنا شيء يرفع بالياء يا جماعة؟

* الطلبة: لا.

* الشيخ: ما يوجد في الدنيا كلها إلا كان لغة غير عربية ما ندري، مرفوع بالواو المقدر وجودها في محل الياء، ومنع من ظهورها اشتغال المحل بالحرف المناسب أو الذي جُلب من أجل حرف الجر الزائد، ولولا (من) لكانت (ناصرون)، وما لهم ناصرون.

ثم جاء بالقسيم الثاني قال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم، والرب عز وجل يكرر هذا دائمًا في القرآن، يجمع بين الإيمان والعمل الصالح؛ لأنه لا إيمان بلا عمل ولا عمل بلا إيمان، بل لا بد من الأمرين. ﴿آمَنُوا﴾ وهنا حذف المؤمَن به، فنُقدِّره على أعم ما يكون ونقول: آمنوا بما يجب الإيمان به، وذلك بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي عملوا الأعمال الصالحات، والأعمال الصالحات هي التي تكون لله وفي الله، أي أنها خالصة لله وفي حدود شريعة الله، يعني خالصة صوابًا كما قال الفُضيل بن عياض رحمه الله، خالصة لله صوابًا يعني على السنة هذا هو العمل الصالح، فإن لم تكن خالصة فليست عملًا صالحًا، بل هي مردودة على صاحبها؛ لقوله الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدً﴾ [الكهف ١١٠] وفي الحديث القدسي قال الله تعالى: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]] وأما الموافقة أو الصواب كما قال الفضيل: فلقوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة.]] فلا يُقبل عمل إلا بموافقة الشرع، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء ١٧٣] الفاء واقعة في جواب (أما) الشرطية، و﴿يُوَفِّيهِمْ﴾ فيها قراءتان: ﴿نُوَفِّيهِمْ﴾ و﴿يُوَفِّيهِمْ﴾، فأما على قراءة: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ ففيها التفات من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب صح؟ لأنه قال في الأول: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ وهنا قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ وهذا ضمير غائب، وأما على قراءة النون: ﴿فَنُوَفِّيَهُمْ﴾ ففيها نوع من الالتفات من ضمير الإفراد إلى ضمير الجمع ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ وهنا قال: ﴿فَنُوَفِّيَهُمْ﴾ وأيش اللي معكم؟

* طالب: الجلالين.

* الشيخ: شوف وأيش يقول؟

* طالب: يقول: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ بالياء والنون.

* الشيخ: بالياء والنون، شوف الحاشية؟

* طالب: قال: بالياء والنون سبعيتان.

* الشيخ: نعم، على كل حال المصحف اللي عندي ما كُتبت القراءة الثانية لكنها (...) تحتاج أنها تكتب. طيب قال: ﴿فَنُوَفِّيهِمْ﴾ ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ على كل حال سواء ﴿يُوَفِّيهِمْ﴾ أو ﴿نُوَفِّيهِمْ﴾ ففيها شيء من الالتفات، وقد ذكرنا فيما سبق أن للالتفات فوائد، أو فائدة، منها؟

* طالب: تنبيه المخاطب.

* الشيخ: تنبيه المخاطب كيف؟

* الطالب: لأن المخاطب إذا كان يقرأ في وتيرة واحدة ثم يتغير.

* الشيخ: إذا كان الكلام على نسق واحد،

* الطالب: ثم يتغير هذا النسق فيتنبه.

* الشيخ: ينتبه، صحيح هذا؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: إي نعم، وطرق تنبيه المخاطب كثيرة منها إذا كنت تتكلم بلسانك بعض الكلمات مثلًا ترفع صوتك أو تخفض صوتك أو ما أشبه ذلك هذا من التنبيه، كذلك الالتفات من ضمير إلى آخر هذا يوجب تنبه المخاطب، على الفائدة الثانية أنه إذا قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ ﴿يُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ صار فيه شيء من تعظيم الموفِّي؛ لأن تعبير المتكلم عن نفسه بصيغة الغيبة قد يوحي بالتعظيم كما يقول: الملك يأمر بكذا وكذا يعني نفسه، هذا فيه شيء من التعظيم، فيه أيضًا شيء من إكرام الذين عملوا الصالحات، إكرام الذين عملوا الصالحات فيوفيهم، كيف ذلك؟ لأن ذكر منة الله عليهم بصيغة التكلم أعظم من ذكر المنة بصيغة الغائب، يعني أن هذا فيه شيء من الإكرام، من الإكرام لهم وقد قال الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠] فجعل كأنهم هم الذين أحسنوا مع أن المحسن هو الله، محسن إليهم في العمل وفي ثواب العمل، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢] فمن أجل إكرام هؤلاء لم يخاطبهم الله بصريح المنة فيقول: فنوفيكم، أو فأوفيكم، بل قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ إذن فائدتان: تعظيم المتكلم نفسه، والثاني: إكرام المثاب، أما على قراءة النون فالتعظيم فيها واضح: ﴿فَنُوَفِّيهِمْ﴾ لأن ضمير الجمع المضاف إلى الله عز وجل أو الذي يراد به الله عز وجل نعلم علم اليقين أنه لا يراد به الجمع الذي هو التعدد، إنما يراد به؟

* الطلبة: التعظيم.

* الشيخ: التعظيم. فيه أيضًا إكرام المثاب –بالنون- إكرام المثاب؛ لأنه إذا ظهر إكرامه بصيغة التعظيم فإن الثواب الواقع من العظيم عظيم، يكون عظيمًا، وعلى هذا فيكون على القراءتين فيها ثلاث فوائد، الالتفات على قراءتين فيها ثلاث فوائد، الأولى؟

* الطلبة: التنبيه.

* طالب: وهذه عامة.

* الشيخ: التنبيه، وهذا عام. الثاني؟

* الطلبة: التعظيم.

* الشيخ: تعظيم الموفِّي، والثالث؟

* الطلبة: الإكرام.

* الشيخ: إكرام الموفَّى.

قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ (أجورهم) لماذا نُصبت وقد استوفى الفعل معموله؟

* طالب: مفعول ثاني للفعل ﴿يُوَفِّيهِمْ﴾ ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ (أجورهم) مفعول ثاني لـ (يوفيهم).

* الشيخ: (يوفي) تنصب مفعولين؟ أصلهما المبتدأ والخبر؟ هل أصلهما المبتدأ والخبر؟

* الطالب: إي، كل المفعولين في الأصل مبتدأ والخبر.

* الشيخ: لا يا شيخ هذه قاعدة من أكذب القواعد هذه.

* الطالب: لا، ما هو مبتدأ وخبر.

* الشيخ: أيش؟

* الطالب: (هم) مفعوله الأول و(أجورهم) مفعوله الثاني.

* الشيخ: إي، لكن هل أصل المفعولين المبتدأ والخبر أو لا؟

* الطالب: لا.

* الشيخ: إذن أبطلت القاعدة.

* الطالب: إي، أنا قلت ممكن كـ (كان) اسم كان وخبره.

* الشيخ: لا.

* الطالب: راح مني.

* الشيخ: إي، إذا قلت: ظننت زيدًا فاهمًا، هذا أصلهما المبتدأ والخبر؛ لأن (ظن) وأخواتها تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ الخبر، طيب فيه كلمات أخرى تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر يسمونه من باب (كسا)، نعم من باب (كسا) وبعضهم يقول من (كسا وأعطى)، هذه من باب؟

* الطلبة: (كسا وأعطى).

* الشيخ: (كسا وأعطى) تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر. ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أجورهم أي جزاء أعمالهم، اللهم لك الحمد، انظر إلى هذه المنة كأن هؤلاء عمال يستحقون الأجر ولا بد، حيث سمى الله جزاءهم أجرًا، والأجر من المستأجر حق يجب دفعه، ولكن هذا من فضل الله عز وجل وكرمه؛ لأن الذي أوجب الأجر على نفسه مَن؟

* الطلبة: الله.

* الشيخ: الله عز وجل، الله عز وجل هو الذي أوجب ذلك على نفسه لم يوجبه أحد عليه، لو شاء لأمرنا ونهانا ولزمنا أن نطيعه بدون عِوَض؛ لأنه ربنا وخالقنا، وما نعمل فإنه لا يقابل ولا واحد بالملايين من نِعَمه، ولهذا قال النبي ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ». قَالُوا: ولا أنت يا رسولَ اللهِ؟ قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧٥) من حديث أبي هريرة.]] ﷺ، فهذه الأجور التي هي جزاء الأعمال والتي سماها الله أجرًا كالأجرة المفروضة على المستأجر لم يوجبها أحد على الله، بل هو الذي أوجب على نفسه هذا الأجر، قال ابن القيم رحمه الله:

مَــــا لِلْعِبَــــادِ عَلَيْــــهِ حَــــقٌّوَاجِــــــــبٌ ∗∗∗ هُــوَ أَوْجَــبَ الْأَجْــرَ الْعَظِيــمَالشَّــــانِ؎كَــــلَّا وَلَا عَمَــــلٌ لَدَيْــــهِضَائِــــــــــــــعٌ ∗∗∗ إِنْ كَــــانَ بِالْإِخْــــلَاصِوَالْإِحْسَــــــانِ؎إِنْ عُذِّبُــــوا فَبِعَدْلِــــهِ أَوْنُعِّمُــــــــــــــــوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِــــــــهِ وَالفَضْــــــــلُلِلْمَنَّــــــــــــــــــــــــــــــانِ

اللهم لك الحمد، فالحاصل أننا ليس لنا حق على الله واجب: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ٥٤] اللهم لك الحمد. طيب ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي جزاء أعمالهم، وسُمي أجرًا كأجر المستأجر الواجب عليه ولكن الذي أوجبه من؟

* الطلبة: الله.

* الشيخ: الله. قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ختْم الآية بهذا مناسب؛ لأنه لما بيَّن أن هؤلاء آمنوا وعملوا الصالحات فيُوفَّوْن أجورهم بيَّن أن هؤلاء قد قاموا بما يلزمهم وأنهم لم يظلموا أنفسهم، ولذلك أثابهم الله عز وجل هذا الثواب العظيم، وأن الله سبحانه وتعالى لا يحب الظالمين، فلو ظلموا أنفسهم ما استحقوا هذا الثواب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣] فلو أشركوا بالله لحبط عنهم ما كانوا يعملون، وبطل عملهم لكنهم أخلصوا لله، ولو ابتدعوا في دين الله ما قبِله الله منهم، ولكنهم اتبعوا شريعة الله فانتفى عنهم الظلم في الإخلاص وفي العمل، فكانوا أهلًا لإكرام الله عز وجل، أما الذين كفروا واستحقوا العذاب فإنهم ظلموا أنفسهم فحصلوا على مقت الله وعقابه والعياذ بالله وعدم محبته. ثم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾.

* طالب: الآية غير واضحة.

* الشيخ: نعم ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه كل ما سبق من ذِكر آل عمران ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى آخره [آل عمران: ٣٣] فكل هذا مما تلاه الله تعالى على رسوله محمد ﷺ. وقوله: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ أي نقرؤه عليك متتاليًا، يتلو بعضه بعضًا، ولكن بواسطة جبريل عليه الصلاة السلام كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء ١٩٢ - ١٩٥]. وقوله: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ﴾ ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾ هذه (مِن) قال بعضهم: إنها بيانية تبين المشار إليه في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾، وقال بعضهم: إنها تبعيضية أي بعض الآيات، ولكن الصواب الأول وأن ما تلاه الله على رسوله محمد ﷺ كله آيات. والآيات جمع آية وهي في اللغة العلامة، العلامة على الشيء تسمى آية، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٩٧] وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس ٣٧] يعني علامة على قدرتنا، وما أشبه ذلك من الآيات، ولما أرسل النبي ﷺ رجلًا إلى عامله في خيبر أن يعطيه أوساقًا من التمر قال: «فَإِنْ طَلَبَ مِنْكَ آيَةً -أَوْ قَالَ: أَمَارَةً- فَضَعْ يَدَكَ عَلَى تُرْقُوَتِهِ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٣٦٣٢) من حديث جابر بن عبد الله.]] على هذا، كأن النبي ﷺ قد قال للعامل: إذا بعثت إليك مبعوثًا فإن علامة صدقه أن يضع يده على ترقوته. قال: ﴿مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ﴾ الذكر والمراد بما تلاه الله من الآيات القرآن وكذلك الذكر، والذكر يطلق على معان منها الشرف كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤] أي شرف عظيم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح ٤] أي شرفك، ويطلق الذكر على ما يحصل به التدبر، فيسمَّى الكلام الجيد المشتمل على الموعظة يسمى ذكرًا، قال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى ٩] أي التذكرة، ويطلق الذكر على ذكر الله عز وجل كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ [النساء ١٠٣] والمراد به في هذه الآية المعنيان الأوَّلان: الشرف، وما يحصل به التذكير، فإن هذا القرآن لا شك شرف لمن تمسك به وقام بحقه، فإنه يناله شرف الدنيا والآخرة، وسعادة الدنيا والآخرة، ولم يشرف العرب ولم ينالوا السعادة والنصر والظهور إلا حين تمسكوا به، ولذلك لما تخلَّوْا عنه زال عنهم وصف الشرف والظهور والنصر وصاروا إلى ما ترون، ولن يعود لهم مجدهم السابق مهما طنطنوا بالعروبة والقومية وما أشبه ذلك إلا إذا رجعوا إلى الإسلام، مهما بلغوا في الدعاية فيما يتعلق بالقومية والعروبة وما أشبه ذلك فإنها لن تنفعهم، لن تزيدهم إلا دمارًا كالذين ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن ٦] لن تزيدهم إلا ذلًّا إلا إذا رجعوا إلى دين الله الذي انتصروا به من قبل. طيب هذا القرآن أيضًا ذِكر من جهة التذكير، ذِكر من جهة الشرف وذِكر من جهة التذكير؛ لأن كل إنسان يقرأ القرآن بحضور قلب فلا بد أن يتأثر به ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧] لا بد أن يتذكر به، فهو موعظة عظيمة حتى لغير المؤمنين، إذا سمعوه وهم يعرفون آياته أي معانيها فسوف يتعظون به، وما وقع لبعض العرب في ذلك أمر مشهور في التاريخ حتى إنه ذُكر أن النبي ﷺ لما قرأ عليهم: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ قالوا: أمسكْ، أو: هم أمسكوه ووضعوا أيديهم على فَمِهِ[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٥٣٩) من حديث جابر بن عبد الله.]]. من شدة ما يعلمون من هذه المعاني العظيمة. وقوله: ﴿الْحَكِيمِ﴾ الحكيم يعني ذا الحكمة، فالقرآن كله حكمة وهو فعيل بمعنى مُفْعَل، وفعيل بمعنى فاعل، فهو فعيل بمعنى مُفْعَل أي مُحْكَم مُتْقَن، وهو فعيل بمعنى فاعل أي حاكم؛ لأن القرآن بلا شك حاكم بين الناس، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء ١٠٥] لكن هل يأتي فعيل بمعنى مُفْعَل؟

* طالب: أمِن ريحانةِ الداعي السميع.

* الشيخ: هذه بمعنى مُسمِع.

* طالب: هي فعيل بمعنى مفعِل

* الشيخ: كيف بمعنى مفعِل؟ هي بمعنى محكِم، هذا بمعنى محكَم، هذا على مثل جريح بمعنى مجروح، قتيل بمعنى مقتول، يعني تَرِد فعيل بمعنى مفعول ومُفْعَل، أي ترِد لما لم يسمَّ فاعله، فالقرآن مُحْكَم والقرآن أيضًا حاكم.

* طالب: في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ قلنا: إن (ما) هي ما الحجازية، ويشترط فيها الترتيب، وهنا الخبر شبه جملة، فهل يصح أن تكون حجازية؟

* الشيخ: وإذا كان الخبر شبه جملة يصح أن تكون حجازية؟

* الطالب: نعم، أليس كذلك؟

* الشيخ: لا، ليس كذلك، من أين لك هذا الكلام؟

* الطالب: إنهم يقولون: لا بد من الترتيب إلا إذا كان الخبر ظرف أو جار ومجرور.

* الشيخ: من قاله؟

* الطالب: قاله ابن مالك.

* الشيخ: لا، اقرأ كلام ابن مالك.

* الطالب: في قوله:

وَسَبْقَ حَرْفِ جَرٍّ أَوْ ظَرْفٍ كَـ (مَــــا ∗∗∗ بِــــي أَنْــــتَ مَعْنِيًّــــا) أَجَــــازَالْعُلَمَــــــــــــا

* الشيخ: يعني معناه مفعول الخبر، ولهذا (ما بي أنت معنيًّا) على الترتيب، فـ (أنت): اسمها، و(معنيًّا) هو الخبر، أما (بي) فهي مفعول الخبر، يعني يجوز أن يتقدم معمول الخبر إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا، هذا معنى كلام ابن مالك، عرفت ولَّا لا؟

* الطالب: إي عرفت.

* طالب: المعنى الثالث للذكر ما يراد بهذه الآية أنه ذِكر لله؟

* الشيخ: لا، بعيد هذا.

* الطالب: القرآن هو ذكر من الله سبحانه وتعالى؟

* الشيخ: إلَّا، لكن بس ذكر الله اللي نريد الذي ذكر الله في القرآن، ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [النساء ١٠٣]

* الطالب: لا، يعني ما تصلح الآيات هذه أن تكون ذكرًا؟

* الشيخ: لا ما تصلح، ولهذا ما يقال مثلًا لمن قرأ القرآن إنه ذكر الله إلا بالمعنى العام لأن كل عبادة فهي ذكر لله، لكن الذكر الخاص هو: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وما أشبهه.

* الطالب: القرآن ما هو بذكر؟

* الشيخ: الذكر الخاص، ذِكرٌ بالمعنى العام.

* طالب: شيخنا جزاكم الله خيرًا، يوم أمس جاء المشركون جاءوا رسول ﷺ ومعه أخ قال له أمسك، هل يدل ذلك على أن ثقتهم بعذاب الدنيا أكبر من ثقتهم بعذاب الأخرة.

* الشيخ: إي هم يخافون؛ لأنهم بعضهم يعرف أن الرسول صادق، لكن عندهم عناد والعياذ بالله.

* الطالب: إي لكنهم يخافون من عذاب الدنيا وثقتهم تقل في عذاب الآخرة؟!

* الشيخ: لكن ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية ٢٣].

* طالب: شيخ ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ﴾ الآيات هل هي تختص بما ذُكر من عيسى وآل عمران؟

* الشيخ: نعم.

* الطالب: الخطاب إذا كان للنبي ﷺ هل تختص بما ذُكر من عيسى نحن قلنا ﴿ذَلِكَ﴾ أي..

* الشيخ: المشار إليها الآن مختصة بالقصص هذه.

* الطالب: ما يمكن يا شيخ نقول ﴿ذَلِكَ﴾ يعني ذلك لقصة عيسى وغيرها؟

* الشيخ: بس نقدِّرها على المشار إليه ممكن في هذه القصة.

* طالب: شيخ أخذنا من فوائد الالتفات إبعاد السآمة والملل من السامع وكذلك حمله على التفكير في المعنى، نضيف هذه إلى فوائد الالتفات؟

* الشيخ: ممكن لكن الحمل على التفكير قد يكون من باب التنبيه، لكن ما يخالف، هذه فائدتين غابت عنا، هذه فائدتين صحيحتين.

* طالب: شيخ، قوله الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ هذا يعني عذاب الدنيا يكون حسي ومعنوي معين ولَّا؟

* الشيخ: ظاهر وغير ظاهر.

* الطالب: كيف؟

* الشيخ: ظاهر كالأثر، وغير ظاهر اللي في القلب.

* طالب: (...)

* الشيخ: ربما، ربما يعني على بعد.

الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران ٥٧ - ٦٠]

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران ٥٤]. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن أعداء الرسل يكيدون لهم ويمكرون لهم؛ لقوله: ﴿وَمَكَرُوا﴾، وننتقل من هذا إلى أن أعداء الرسل أيضًا يمكرون لأتباع الرسل؛ لأن أعداء الرسل ليسوا يمكرون للرسل أو يمكرون بالرسل من أجل أنهم فلان وفلان لكن من أجل دعوتهم، ودعوتهم إذا ورثها العلماء من بعدهم فإن الذين يمكرون للرسل سيمكرون بأتباع الرسل وورثة الرسل، وينبني على هذه الفائدة: أنه يجب على أهل العلم أن يتحفظوا تحفظًا كاملًا من أعداء الرسل الذين يتربصون بهم الدوائر، وأن يتقوا شرهم بما استطاعوا لئلا يمكروا بهم، والمكر ووسائله وطرقه كثيرة، لكن العاقل الذكي ينتبه، ولهذا قال الله عز وجل للرسول عليه الصلاة والسلام في المنافقين، قال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون ٤]، فبيّن أنهم هم العدو حقيقة وأمر بالحذر منهم.

و* من فوائد هذه الآية: وصف الله عز وجل بالمكر، لكنه لا يوصف به على سبيل الإطلاق، بل يقال: إن الله ماكر بمن يمكر به ليعود المكر صفة كمال؛ لأن المكر إذا ذُكِر مطلقًا صار محتملًا للنقص، فإذا ذُكِر مقيدًا بأن قيل: إن الله تعالى ماكر بمن يمكر به وبأوليائه صار صفة كمال يدل على قوة الله عز وجل وإحاطة علمه، وأن علمه أدق من علم هؤلاء الماكرين الذين يأتون بالأسباب الخفية والطرق الملتوية ليوقعوا عباد الله في الشر، فيكون الله سبحانه وتعالى أقوى منهم في ذلك، أقوى منهم في هذا، إذا مكروا مكر الله عز وجل، ولا يجوز أن يسمى الله بالماكر مطلقًا، طيب يسمى بالماكر؟ لا؛ يوصف بالماكر على سبيل الإطلاق؟ لا، يوصف بالماكر مقيدًا، وسبق لنا أن الله وصف نفسه بالمكر والكيد والسخرية والخداع والاستهزاء ولم يصف نفسه بالخيانة أبدًا؛ لأن الخيانة صفة ذم بكل حال، ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال ٧١] ولم يقل: فخانهم؛ لأن الخيانة خديعة في مقام الائتمان، والخديعة في مقام الائتمان صفة ذم، صفة ذم ونقص.

* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز المفاضلة بين الخالق والمخلوق في الوصف، كما قال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، و(خير) اسم تفضيل، فيجوز أن يفاضَل بين الخالق والمخلوق؛ لأن هذا مطابق للواقع تمامًا، فالله تعالى أكمل من كل ذي كمال، أعرفت؟

ومنه تتفرع قاعدة وهي: خطأ بعض أهل العلم رحمهم الله، حيث يفسرون اسم التفضيل المنسوب إلى الله باسم الفاعل، فيقولون مثلًا في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، يقولون: الله عالم حيث يجعل رسالته، ولم يتفطنوا أنهم إذا قالوا: الله عالم، لم يمنع مشاركة غيره في العلم مع المساواة، لكن إذا قالوا: الله أعلم، أيش؟ امتنع مشاركة غيره له في العلم الذي هو أعلم به من غيره.

﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، ثم قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران ٥٥] إلى آخره، في هذه الآية الكريمة: التنبيه على أنه ينبغي أن نذكِّر الناس بأحوال الأنبياء السابقين، وجه ذلك أننا قدّرنا: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ بأيش؟ اذكر إذ قال الله، فينبغي أن يُذَكِّر الإنسان الناس بأحوال الأنبياء السابقين؛ لما في ذلك من محبتهم والثناء عليهم ومعرفة أحوالهم وإبقاء ذكراهم، وغير ذلك من المصالح العظيمة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات القول لله، وأنه بحروف وبأصوات مسموعة؛ لقوله: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾، وهذا خطاب من يسمع، ثم هو كلمات من حروف ولّا من غير حروف؟ من حروف، ولهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم كلامًا مسموعًا بحرف وصوت.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على من قال: إن كلام الله هو المعنى النفسي، المعنى القائم بنفسه، فإن هذا لا يسمى قولًا، وإن أُطْلِق عليه القول فلا بد أن يقيد كما في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة ٨]، فلما أراد القول النفسي أيش قيده ﴿يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾، أما إذا جاء القول غير مقيد فالمراد به ما يُسمع، ففيه الرد على الأشاعرة الذين يقولون: إن كلام الله هو الكلام النفسي القائم بنفسه، وأنه أزلي لا يحدُث ولا يسبق بعضه بعضًا؛ لأنه معنى، معنى قائم بالنفس، والحقيقة أن هذا القول مضمونه إنكار كلام الله، ولهذا قال بعض منصفيهم: ليس بيننا وبين المعتزلة فرق؛ لأننا نقول جميعًا إن هذا القرآن الذي في المصحف مخلوق؛ لأن الأشاعرة يقولون: إن الله تعالى لا يتكلم بما يُسمع؛ لكن يخلق كلامًا يعبر به عما في نفسه، وعلى هذا فالمسموع والمقروء والمكتوب مخلوق، فيتفق المعتزلة والأشاعرة، بل إن المعتزلة خير منهم من جهة النسبة؛ لأنهم يقولون: هذا كلام الله، وأولئك يقولون: هذا عبارة عن كلام الله، عبارة عن كلام الله وليس كلام الله، المهم أن هذه الآية وأمثالها فيها الرد على من؟ على الأشاعرة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة عيسى ومنقبته لخطاب الله إياه، فإن من خاطبه الله فذلك فخر له بلا شك، خصوصًا وأنه قال له: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ إلى آخره.

* ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى رفع عيسى بجسمه؛ لقوله: ﴿وَرَافِعُكَ﴾، والخطاب لعيسى المكوَّن من بدن وروح، فيكون رفعه أيش؟ ببدنه.

* ومن فوائدها: إثبات منقبةٍ لرسول الله ﷺ، وذلك أن النبي ﷺ أُسْرِي به إلى السماوات السبع حتى اخترقها كلها وهو يقظان، وعيسى لم يُرفع إلا وهو نائم؛ لأن قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أي: مُنِيمُك، على أحد الأقوال وهو أقربها، ومعلوم أن ثبات قلب من يباشر الشيء وهو يقظان أقوى من ثبات من يباشره وهو نائم، واضح؟ ولهذا تجد بعض الناس إذا سمع الرعد الشديد والبرق الخاطف يغمّض ويضع أصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع، ويقول: ليتني نمت قبل هذا، والإنسان الثابت الذي يقول: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، تجده ما يهمه، المهم أن الرسول ﷺ أسري به يقظة بروحه وبدنه، وعيسى عندما أراد الله أن يرفعه أنامه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: منقبة لعيسى أخرى، حيث قال: ﴿رَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (إليّ) فأضاف رفعه إلى نفسه عز وجل، وهذا لا شك أنه منقبة أن الله ضمّه إليه ورفعه إليه؛ ليكون أقرب إليه مما لو كان في الأرض.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل منع الأذى عن عيسى الذي يمكن أن يُلحقه بالكفار، حيث قال: ﴿مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران ٥٥] وذلك بالدفاع عنه؛ فإن الذين كفروا قالوا: إنه ولد زنا - قاتلهم الله- فطهّره الله، طهره الله، لما قالوا: ﴿يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٧، ٢٨]، من أين جاء الزنا، من أين جاءك الزنا؛ لأن هذا تعريض، يقولون: أبوك ما كان امرأ سوء بل هو نزيه وأمك كذلك، فمن أين جاءك الزنا؟ شوف أعوذ بالله، لم تجاوبهم، ﴿أَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم ٢٩]، اسألوا الطفل؟ ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم ٢٩]، فأجابهم قبل أن يسألوه، وأيش قال؟ ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم ٣٠] إلى آخره، هذا تطهير عظيم له ولأمه رضي الله عنها.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل من رمى عيسى بهذا السوء فهو كافر؛ لأنه لم يقل: مطهرك من الذين قدحوا فيك، قال: ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فيستفاد من هذا أولًا كفر هؤلاء، وثانيًا: أن كل من رماه بذلك فهو كافر.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن نصرة الأتباع نصرة للمتبوع، من أين؟ ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، لولا أنه يفرح بذلك ويُسَرَّ ما بشّره الله به، لكن من المعلوم أن كل إنسان يدل على هدى فينتصر أتباعه من المعلوم أنه سيفرح؛ لأنه كلما انتصر أتباعه قوي الهدى الذي قاد الناس إليه فعظُم أجره، فإنّ من دلَّ على هُدًى كان لهُ مثلُ أجرِ فاعلِهِ[[أخرجه مسلم (١٣٣ / ١٨٩٣) من حديث أبي مسعود الأنصاري بلفظ: مَن دلَّ عَلَى هُدًى.]].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أتباع عيسى منصورون إلى يوم القيامة؛ لقوله: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وسبق لنا مَن أتباعه؟

* طالب: الذين آمنوا به.

* الشيخ: بعد بعثة الرسول ﷺ هم أمة محمد، ومن كفر بمحمد فإنه لم يتبع عيسى، وذكرنا وجهًا آخر أن النصارى سيكونون فوق غيرهم من ملل الكفر، لكن الإسلام فوق الجميع، ولكن متى يكون الإسلام فوق الجميع؟ إذا رجع المسلمون إلى الإسلام حقيقة، أما إذا لم يرجعوا إلى الإسلام حقيقة فيخشى أن يكون النصارى فوقهم، والواقع؟

* الطلبة: يشهد لهذا.

* الشيخ: الواقع الآن مع الأسف يشهد لهذا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات يوم القيامة؛ لقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، ويوم القيامة هو اليوم الذي يبعث فيه الناس للجزاء إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، وسمي يوم القيامة لماذا؟

* طالب: لأن الناس يقومون فيه.

* الشيخ: هذا واحد، كمّل؟

* طالب: يقوم فيه الأشهاد.

* الشيخ: يقوم فيه الأشهاد، كمّل؟

* طالب: (...).

* الشيخ: أيش؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: يقام فيه العدل.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الفوقية على الفوقية المعنوية.

* طالب: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.

* الشيخ: يعني معناه أنهم يكونوا على سقف فوق رؤوسهم؟

* الطلبة: لا، ارتفاع معنوي؟

* الشيخ: لا، حسية، فوقية معنوية، صح، إذن إثبات الفوقية المعنوية كالفوقية الحسية.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الخلائق إلى ربهم عز وجل الذي ابتدأ خلقهم ستكون النهاية إليه؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾، ولا بد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ﴾، الإنسان مخاطَب، كل إنسان ما هو بس المؤمن، كل إنسان، ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦] كادح إليه (إلى) للغاية، النهاية إلى الله، ثم أكد هذه النهاية بقوله: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾، يعني: فاستعد لهذا اللقاء.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حكم الله في الدنيا والآخرة، ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ هذا في الآخرة، في الدنيا ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠]، فالحكم كله راجع إلى الله عز وجل والله تعالى هو الحكم في الدنيا وفي الآخرة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: بشارة المؤمنين بأن خلافهم مع الكفار سوف يجري فيه الحكم على يد الواحد القهار، فيحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون، وقد أخبرنا الله عز وجل أن الخاصم هم المؤمنون، الخاصم الغالب هم المؤمنون، قال الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء ١٤١] وأيش بعده؟ ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١]، الحمد لله، شوف ﴿سَبِيلًا﴾ نكرة في سياق أيش؟ نكرة في سياق أيش؟

* طالب: سياق النفي.

* الشيخ: النفي، كلما جاءت نكرة فهي في سياق النفي؟

* الطالب: إي نعم.

* الشيخ: خطأ، خطأ ما هو بصحيح، ليس كذلك، المهم هذه نكرة في سياق النفي فتشمل كل سبيل، أي سبيل، لا قليل ولا كثير، وهذه بشرى، يعني: أي خصم يقال له، أي خصم في الدنيا يقال له: أنت فالج على كل حال، يعني القاضي يقول للخصم: شوف تخاصموا عندي وأنت الغالب على كل حال، هل جرى مثل هذه الخصومة؟ أبدًا، لكن خصوماتنا مع الكافرين - والحمد لله - الحكم لنا فيها مقدم، ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، نعم، الحمد لله.

* طالب: (...) الله (...) إليه.

* الشيخ: أيوة صحيح، نعم.

* من فوائد الآية الكريمة: ثبوت علوّ الله تعالى بذاته؛ لقوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾؛ لأن الرفع معروف أنه الصعود إلى أعلى، فإذا قال: ﴿إِلَيَّ﴾ عُلِمَ يقينًا أن الله فوق - عز وجل - وهو كذلك، هو فوق كل شيء بذاته، ولا ينافي هذا ما ثبت من أنه عز وجل ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، هو نازل وهو عالي، ولا ينافي هذا أيضًا أنه مع الخلق كما قال عز وجل: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤]، فهو مع الخلق وهو عالٍ عليهم، كما قال شيخ الإسلام في الواسطية: عَلِيٌّ فِي دُنُوِّهِ قَرِيبٌ فِي عُلُوِّهِ. ولا ينافي هذا أيضًا أنه يأتي يوم القيامة للفصل بين العباد، فهو يأتي ولكنه فوق كل شيء، ولا ينافي هذا أنه يدنو عشية يوم عرفة يباهي بأهل الموقف الملائكة.

إذا قال قائل: كيف لا ينافي هذا؟ أنا لا أتصور أن شيئًا يكون عاليًا نازلًا أبدًا؟ قلنا: تبًّا لك، أنت لا تتصور هذا بالنسبة لمن؟ للمخلوق، أما بالنسبة للخالق فكل ما أخبر الله به عن نفسه فهو حق، حق لا يتناقض، وليس فيه (لا يمكن) أبدًا، إذا قلت: لا يمكن، معناه أنك لن تصدق أخبار الله ورسوله إلا إذا وافقت هواك وإلا فلا، ولهذا ضل مَن ضل مِن الناس في مثل هذه الأمور حيث قالوا: هذا غير ممكن وهذا غير ممكن، وبنوا عقيدتهم على أهوائهم، إذا كان تريد أن تبني عقيدتك على هواك فما الفائدة من الرسل؟ لا فائدة من الرسل، إذا كان أنت تريد أن تبني العقيدة على ما تهوى أنت وإذا جاءت الرسل بكلام يخالف ما عندك ذهبت تحرِّفه، إذن لا فائدة من الرسل، ولهذا أنا أنصحكم دائمًا وأبدًا وأكرر أن تقبلوا كل ما جاء في الكتاب والسنة من صفات الله عز وجل ومن صفات اليوم الآخر أيضًا؛ لأن في اليوم الآخر أشياء ما تكون في الدنيا؛ دنو الشمس من الناس قدر ميل يوم القيامة لو كان في الدنيا احترقت الأرض ومن عليها، لكن في الآخرة شيء آخر، كون الناس هذا في نور وهذا في ظلمة والموقف واحد، في الدنيا لا يمكن، لو جيء بأدنى سراج معك انتفع به من إلى جنبك، في الدنيا ممكن، في الآخرة الناس يعرقون على قدر أعمالهم منهم من يلجمه العرق ومنهم من إلى كعبيه والمقام واحد، في الدنيا يمكن ولاَّ ما يمكن؟ ما يمكن، فأمور الآخرة أمور الغيب كلها لا يجوز لك أن تقيسها بما تشاهد في الدنيا؛ لأن القياس هنا ممتنع، فهو قياس مع الفارق، لا سيما في صفات الخالق عز وجل فإن الفارق فارق بعيد بين صفات الخالق وصفات المخلوق، ولذلك حذار أن تقيس ما أثبت الله لنفسه من الصفات بما تعرفه من صفات المخلوقين فإنك ستضل.

* * *

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English