Ибн УсейминАр‑Рум · 30:10–23

Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском

Ар-Рум 30:10–23

30:10–23Страница 405

ثُمَّ كَانَ عَٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ ٱلسُّوٓأَىٰٓ أَن كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠

Концом тех, кто творил зло, стало зло, потому что они сочли ложью знамения Аллаха и насмехались над ними.

ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١١

Аллах создает творение в первый раз, а затем воссоздает его. А после этого вы будете возвращены к Нему.

وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبۡلِسُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ١٢

В тот день, когда наступит Час, грешники придут в отчаяние.

وَلَمۡ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآئِهِمۡ شُفَعَٰٓؤُاْ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ كَٰفِرِينَ ١٣

Никто из их сотоварищей не заступится за них, и они отвергнут своих сотоварищей.

وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوۡمَئِذٖ يَتَفَرَّقُونَ ١٤

В тот день, когда наступит Час, они (творения) разделятся.

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَهُمۡ فِي رَوۡضَةٖ يُحۡبَرُونَ ١٥

Те, которые уверовали и совершали праведные деяния, будут радоваться (или слушать пение) в Райском саду.

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآيِٕ ٱلۡأٓخِرَةِ فَأُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ١٦

А те, которые не уверовали и сочли ложью Наши знамения и встречу в Последней жизни, будут испытывать мучения.

فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمۡسُونَ وَحِينَ تُصۡبِحُونَ ١٧

Славьте же Аллаха, когда для вас наступает вечер и когда наступает утро!

وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَعَشِيّٗا وَحِينَ تُظۡهِرُونَ ١٨

Ему надлежит хвала на небесах и на земле. Славьте Его после полудня и в полдень!

يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَيُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ وَكَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ ١٩

Он выводит живое из мертвого и выводит мертвое из живого. Он оживляет землю после ее смерти, и таким же образом вы будете выведены из могил.

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٞ تَنتَشِرُونَ ٢٠

Среди Его знамений - то, что Он сотворил вас из земли. После этого вы стали родом человеческим и расселяетесь.

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢١

Среди Его знамений - то, что Он сотворил из вас самих жен для вас, чтобы вы находили в них успокоение, и установил между вами любовь и милосердие. Воистину, в этом - знамения для людей размышляющих.

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ ٢٢

Среди Его знамений - сотворение небес и земли и различие ваших языков и цветов. Воистину, в этом - знамения для обладающих знанием.

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبۡتِغَآؤُكُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٢٣

Среди Его знамений - ваш ночной и дневной сон и ваши поиски Его милости. Воистину, в этом - знамения для людей слышащих.

قال: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم ١٠]. أولًا: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ﴾، العاقبة مصدر بمعنى العقبى، وفيه قراءتان سبعيتان؛ النصب: ﴿عَاقِبَةَ﴾، والثانية الرفع: ﴿عَاقِبَةُ﴾ .

أما على قراءة الرفع فإنها اسم (كان)، أما على قراءة النصب فإنها خبر (كان) مقدمًا، يبقى النظر أين اسم (كان) على قراءة النصب؟ أو خبرها على قراءة الرفع؟ سيذكرها المؤلف.

قال: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾ أي: عملوا العمل السيئ من الكفار المكذبين للرسل، كما قص الله عز وجل، وأساؤوا ضدها أحسنوا، الذين أحسنوا قال الله فيهم: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]. والذين أساؤوا كان عاقتبهم ما ذكره الله هنا.

وقوله: (﴿السُّوأَى﴾ تأنيث الأسوأ: الأقبح).

﴿السُّوأَى﴾ إذن هي اسم تفضيل، مثل ما نقول: الفُضْلَى اسم تفضيل، والعُظْمَى اسم تفضيل أيضًا. ما مذكر الفُضلى؟ الأفضل. ومذكر العُظمى: الأعظم، ومذكر الأُولى: الأول، ومذكر السوأى: الأسوأ.

إذن فـ ﴿السُّوأَى﴾ هنا اسم تفضيل مؤنث؛ مؤنث الأسوأ.

يقول المؤلف: معنى (الأسوأ: الأقبح)، يعني كان عملهم السيئ كانت نتيجته أسوأ، وهذا أسوأ بالنسبة لما هم عليه من النعيم في الدنيا، فلاقوا بعد ذلك الجحيم.

ولا تظن أن هذه الآية تدل على أن السيئة تُجزَى بأسوأ منها؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٦٠] ، لكن الأسوأ باعتبار حالهم لا باعتبار الجزاء على سُوئِهم، فهم كانوا في الدنيا منعمين، وكانت الدنيا بالنسبة للكافر جنة، فلما ماتوا على الكفر انتقلوا إلى أسوأ وأسوأ بكثير، ولا يُنسَب إلى حالهم في الدنيا.

قال المؤلف في الإعراب: (خبر كان على رفع عاقبة، واسم كان على نصب عاقبة). أفادنا المؤلف أن في ﴿عَاقِبَةَ﴾ قراءتين: النصب، والرفع.

على قراءة الرفع نعربها على أنها؟

* طالب: خبر (كان).

* الشيخ: لا، اسم (كان)، على أنها اسم (كان)، و﴿السُّوأَى﴾ خبرها منصوب بفتحة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر.

وعلى قراءة النصب نعرب ﴿عَاقِبَةَ﴾ خبر (كان) مقدمًا، و﴿السُّوأَى﴾ اسمها مؤخر، هذا أحد الأوجه في الإعراب.

وقيل: إن ﴿السُّوأَى﴾ أنه مفعول مطلق، يعني: أساؤوا السيئة السُّوأى، فيكون مفعولًا مطلقًا. ويكون الخبر أو الاسم: المصدر المؤول من قوله: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾، أي: صار عاقبتهم حين أساؤوا أن كذبوا؛ لأن الأعمال السيئة -والعياذ بالله- تجر إلى السيئة، كما أن الحسنات يَجْرُرْن إلى الحسنات.

ولكن ما ذهب إليه المؤلف أَوْلَى؛ أن نجعل ﴿السُّوأَى﴾ إما خبر كان على قراءة الرفع، وإما اسمها على قراءة النصب.

يقول: (والمراد بها جهنم، وإساءتهم ﴿أَنْ﴾ أي بأن ﴿كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾: القرآن، ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ).

بيَّن لنا المؤلف أن العاقبة أنهم عُذِّبوا بالنار، وأن المصدر في قوله: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ علة لكون عاقبتهم السوأى، أي: لأنهم كذبوا بآياتنا، لكنه أتى بالباء، والباء للسببية واللام للتعليل والمعنى واحد، أي: كانت عاقبتهم ﴿السُّوأَى﴾ لأنهم كذبوا بآيات الله.

هذا بالنسبة لأخبار الآيات كذبوا بها، وقالوا: ليست بصحيحة. وبالنسبة للعمل: ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾، فجمعوا بين الاستهزاء بالأحكام والتكذيب بالأخبار.

وهذا الذي ذهب إليه في إعراب ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ أحد الأوجه أيضًا؛ لأن فيه وجهًا آخر يقول: إن قوله ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ بدل من ﴿السُّوأَى﴾، أو بيان لها، ويكون المعنى: أساؤوا السوأى وهو تكذيبهم، فيكون عاقبتهم إذن التكذيب والاستهزاء.

وعلى كل حال فإنه سواء قلنا: إنها بدل أو عطف بيان من ﴿السُّوأَى﴾، أو قلنا: إنها للتعليل في ثبوت السوأى لهم، فإنه يدل على أن هؤلاء كانوا مكذبين مستهزئين، مكذبين بالخبر مستهزئين بالحكم، يتخذون آيات الله هزوًا في الأحكام، وكذبًا بالأخبار، فتجدهم مثلًا في صلاتهم عند البيت يصلون مُكاء وتصدية، ويسخرون من الذين آمنوا، وما إلى ذلك يتخذونها هزوًا.

وقول المؤلف رحمه الله: (﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾: القرآن) فيه نظر ظاهر؛ لأن الآية عامة، فتشمل مَن كذب بآيات الله بالقرآن بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن كذب بالتوراة في زمن موسى وبالإنجيل في زمن عيسى، فالصواب في الآية العموم.

بل لو قيل: إنه لا يدخل فيها مَن كذب القرآن لكان له وجه، يعني لو قيل: إن الأمر عكس ما قال المؤلف؛ لأن الله قال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾. السياق في قوم سبقوا لا في قوم حاضرين.

فكون المؤلف رحمه الله يجعل الآيات هنا بمعنى القرآن بعيد جدًّا، فإما أن نجلعها للعموم، وإما أن نجلعها للأمم السابقين، أما أن نخصها بالقرآن فهذا فيه نظر ظاهر.

وقوله: ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ المراد بالآيات هنا الآيات الشرعية؛ لأنها محل التكذيب، وقد يكون التكذيب أيضًا بالآيات الكونية.

وقوله: ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ الاستهزاء قوليٌّ ولَّا فعليٌّ؟

* طالب: لا، قوليٌّ.

* الشيخ: يشمل الاستهزاء القولي والاستهزاء الفعلي، الاستهزاء القولي أن يسخر بها، مثل ما ورد في المنافقين قالوا: ما رأينا مثل قُرَّائِنا هؤلاء، أرغب بطونًا ولا أكذب ألسُنًا[[أخرجه الطبري في تفسيره (١٦٩١٢) عن ابن عمر رضي الله عنهما.]]..

يصلي ساخرًا بالصلاة، أو يحج ساخرًا، أو يفعل شيئًا من العبادات على وجه السخرية والاستهزاء والتحقير: ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم ١٠].

قال الله تعالى: (﴿﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ ﴾ أي: يُنشِئ خلق الناس، ﴿﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ﴾ أي: خلْقَهم بعد موتهم، ﴿﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ﴾ بالياء والتاء) [الروم: ١١].

هذا لتأكيد الإيمان باليوم الآخر ذكر الله سبحانه وتعالى بل ذكَّر عباده بأمر يعترفون به، وهو أنه بدأ الخلق، ولا أحد ينكر ذلك، لا أحد يدَّعي أنه خلق نفسه، كل إنسان يعرف أنه مخلوق من عدم، ومن المعلوم أنه لو ادَّعى أنه خُلق من غير خالق فإن كل أحد يكذبه، وإذا أقرَّ بأنه لا بد من خالق فنقول له: مَن؟ عيِّنْه لنا؟ وحينئذ لا يستطيع أن يعين، ونقول: إن الذي خلقك هو الله.

﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ أي: ينشئه أول مرة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس ٧٩]، وتطوير الخلق وجعْلُه أطوارًا أمر معلوم؛ لأن هذا هو مقتضى الحكمة، مقتضى حكمة الله عز وجل أن الأشياء تتطور شيئًا فشيئًا حتى تصل إلى حد الكمال.

وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ (ثم) للترتيب بمهلة ولَّا للترتيب بتعقيب؟ للترتيب بمهلة؛ لأن الإعادة ما تكون إلا عند قيام الساعة، قيام الساعة تتأخر كثيرًا عن ابتداء الخلق.

وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: يُرجعه مرة ثانية، وليس يبتدئ خلقًا جديدًا، وإنما يعيد المخلوق الأول -خذوا بالكم- فليس إنشاء خلق جديد بل إعادة ما سبق، وفرْقٌ بين الأمرين؛ لأننا إذا قلنا: إنه ابتداء خلق جديد، فمعنى ذلك أن يُعذَّب مَن لم يعمل، وأن يُنعَّم مَن لم يعمل، وأيضًا هذا النوع كونه يُبتدَأ خلقًا جديدًا ما يُقِرُّه المكذبون بالبعث؛ لأنهم مقرون بالابتداء، إنما هم منكرون أيش؟

* طلبة: الإعادة.

* الشيخ: الإعادة، ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، وعلى هذا فالبعث إعادة وجمع ما تفرَّق وليس ابتداء خلق جديد.

فإذا قيل: هذا المتفرق صار رميمًا ثم ترابًا وتلاشى، أو أن الإنسان أكلته السباع أو الحيتان أو ما أشبه ذلك، نقول: مهما كان فالله تعالى قادر على أن يجمعه ثم يعيده؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: ثم إليه لا إلى غيره.

﴿تُرْجَعُونَ﴾ فيها قراءتان: ﴿﴿يُرْجَعُونَ﴾ ﴾ و﴿تُرْجَعُونَ﴾، فعلى قراءة التاء تكون الجملة للخطاب، وعلى قراءة الياء تكون الجملة للغيبة، فعلى قراءة الياء تكون للغيبة، ويُشكِل على هذا أنه قال: ﴿﴿يُرْجَعُونَ﴾ ﴾ مع أن الخلق ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ مفرد، ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، ومقتضى السياق أن يقول: ثم إليه يُرجَع، لكن قال: ﴿﴿يُرْجَعُونَ﴾ ﴾.

نقول: إن الجواب على ذلك أن الخلق مصدر بمعنى اسم المفعول، فمعنى ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ يعني: يبدأ المخلوقين، لكن لما كان مصدرًا فإن المصدر لا يُثنَّى ولا يُجمع، قال ابن مالك في الألفية:

وَنَعَتُوا بِمَــــــصْدَرٍكَــــــــــــــــــثِيرَا ∗∗∗ فَالْتَزَمُوا الْإِفْرَادَوَالتَّذْكِـــــيرَا

وعلى هذا فنقول: إن الخلق بمعنى المخلوقين، يعني: ثم إلى الله يُرجع هؤلاء المخلوقون بعد الإعادة، وهذا الردُّ إلى الله والإرجاع من أجل الجزاء والحساب، ثم المآل إلى دار النعيم أو إلى دار الجحيم، ﴿﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ﴾.

(﴿﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ﴾: يسكت المشركون لانقطاع حجتهم).

قوله: ﴿وَيَوْمَ﴾، (يوم) هذه ظرف متعلقة بقوله: ﴿يُبْلِسُ﴾، وهي مضافة إلى الجملة بعدها، وين الجملة بعدها؟

* طالب: ﴿تَقُومُ﴾.

* الشيخ: ﴿تَقُومُ السَّاعَةُ﴾، فالجملة إذن في محل جر بالإضافة.

وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ أي تأتي، كما قال الله تعالى: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف ١٨٧].

والساعة المراد بها ساعة البعث، فـ(أل) فيها للعهد، أيُّ العهود؟

* طالب: الذهني.

* الشيخ: الذهني، يعني الساعة المعهودة العظيمة التي فيها قيام الخلق من قبورهم إلى الله عز وجل.

﴿يُبْلِسُ﴾ يقول: (يسكت) ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾. فالإبلاس بمعنى السكوت، وقيل: الإبلاس بمعنى اليأس؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم ٤٩]، أي: لآيسين، ومنه إبليس؛ لأنه أَيِسَ من رحمة الله.

وعلى هذا فيكون ﴿يُبْلِسُ﴾ بمعنى ييأس، ولا يبعد أن تكون الآية جامعة للمعنيين، أي: ييأسون فيسكتون؛ لأنه إذا أيس الإنسان سكت ولم يتكلم بشيء؛ إذ إن الكلام لا ينفعه، وعلى هذا فنقول: إن معنى ﴿يُبْلِسُ﴾؟

* طالب: ييأس.

* الشيخ: ييأس مع السكوت.

وقوله: ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ اسم فاعل من (أجرم)، أي فَعَلَ الْجُرْمَ، وهو الذنب العظيم؛ ولهذا فسَّره المؤلف بقوله: (المشركون)، ويستدل على أن المراد به المشركون بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾ [الروم ١٣]، فهم يوم القيامة ييأسون ويسكتون ولا يجدون لهم حجة: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾.

﴿وَلَمْ يَكُنْ﴾ قال المؤلف: (أي: لا يكون) انتبه، لماذا فسَّر ﴿لَمْ﴾ بـ (لا)؟ ليش؟ لأن (لم) للماضي، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾، فتقتضي أن هذا الأمر قد وقع، وهو واقع أولم يأتِ؟

* طالب: لم يأت.

* الشيخ: لم يأت؛ لأنه يوم القيامة، فعلى هذا يكون الماضي بمعنى المستقبل: يبلس ولم يكن لهم حينئذ، وعندي أنه لا حاجة إلى هذا التأويل، أي: لا حاجة إلى أن نجعل (لم) بمعنى (لا)؛ لأن قوله: ﴿يُبْلِسُ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ﴾ مقيدة بكلمة ﴿يُبْلِسُ﴾، يعني: ولم يكن لهم في حال الإبلاس، وحال الإبلاس يكون يوم القيامة، لكن رأي المؤلف أخْذ الآية على أنها مطلقة بدون أن تُقيَّد بقوله: ﴿يُبْلِسُ﴾، وعلى هذا لا بد أن نقول: إن (لم) بمعنى (لا).

قال: (﴿﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾ ﴾ أي: ممن أشركوهم بالله -وهم الأصنام- ليشفعوا لهم ﴿﴿شُفَعَاءُ﴾ ﴾) إلى آخره.

﴿لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾ ﴿شُفَعَاءُ﴾ أيش إعرابه؟

* طالب: فاعل.

* الشيخ: لا.

* طالب: اسم ﴿يَكُنْ﴾.

* الشيخ: اسم ﴿يَكُنْ﴾. ﴿مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾ خبرها مقدمًا.

وقوله: ﴿شُرَكَائِهِمْ﴾ جمع (شريك)، وهو بمعنى اسم المفعول، كقتيل بمعنى مقتول، أي: مشروك به، والمعنى: مَن جعلوهم شركاء له شركاء مع الله، كما قال المؤلف: (أي: من أشركوهم بالله)، فصار هنا الإضافة من باب إضافة الشيء إلى مفعوله أو إلى فاعله؟ من باب إضافة الشيء إلى مفعوله، أي: الذين جعلوهم شركاء لهم.

وقوله: ﴿شُفَعَاءُ﴾ جمع (شفيع) بمعنى شافع، والشافع هو مَن يتوسط لك إما بجلب منفعة وإما بدفع مضرة، الشافع مَن يشفع لك إما بجلب منفعة أو دفع مضرة، وسمي شافعًا لأنك به كنت شفعًا، كنت قبله منفردًا ومعه شفعًا؛ ولهذا سمي الشفيع شافعًا لهذا الوجه.

قلنا: إن الشفيع هو من يشفع لك ويتوسط إما بجلب منفعة أو دفع مضرة، مثالها في جلب المنفعة؟

* طالب: (...).

* الشيخ: إي مثل أيش؟

* الطالب: إنسان فقير يتوسط له عند الملك يعطيه من الصدقات.

* الشيخ: صح هذا جلب المنفعة.

ودفع المضرة؟ مثال دفع المضرة؟ يتوسط له بدفع مضرة.

* طالب: يطلعه من السجن، يتوسط له.

* الشيخ: يطلعه من السجن؟

* الطالب: إي.

* الشيخ: صحيح هذا؟

* طلبة: نعم.

* الشيخ: نعم، ومثالها أيضًا في الشرع: شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لأهل النار ألَّا يدخلوها، ها؟

* طالب: دفع مضرة.

* الشيخ: دفع مضرة.

وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوها.

* طالب: جلب منفعة.

* الشيخ: هذا جلب منفعة.

هؤلاء ﴿لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾

(﴿﴿وَكَانُوا﴾ ﴾ أي: يكونون) -مثل ما قال في ﴿لَمْ يَكُنْ﴾: (أي: لا يكون)- (أي: يكونون ﴿﴿بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ﴾ أي: متبرئين منهم). نعم، في يوم القيامة هؤلاء الشركاء الذين كانوا يرجون منفعتهم، في يوم القيامة؟

* طالب: يكفرون.

* الشيخ: يكفرون بهم ويتبرؤون منهم، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ [البقرة ١٦٦]..﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة ١٦٧]، فهم يوم القيامة يكفرون بهم، لا هؤلاء ولا هؤلاء، المعبودون يكفرون والعابدون أيضًا يكفرون، كل منهم يكفر ببعض والعياذ بالله، بينما كانوا في الدنيا يرجون شفاعتهم وخيرهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣]، لكنه في يوم القيامة -والعياذ بالله- يتبرأ بعضهم من بعض: ﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم ١٣، ١٤].

﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ نقول فيها ما قلنا فيما سبق: أن المراد بالساعة ساعة البعث المعهودة المعلومة.

وقوله: (﴿﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ﴾ تأكيد، ﴿﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ ﴾ أي: المؤمنون والكافرون).

قوله: ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ هي متعلَّق ﴿يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾، يعني أن ﴿يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ متعلِّق بـ ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾. و﴿يَوْمَئِذٍ﴾ الثانية؟

* طالب: تأكيد.

* الشيخ: تأكيد للأولى، والدليل على أنها تأكيد أنها لو حُذِفت وقيل: (ويوم تقوم الساعة يتفرقون) استقام الكلام ولَّا لا؟

* طالب: يستقيم.

* الشيخ: استقام ولكنه يفوت التوكيد الذي أراده الله عز وجل، يعني: في ذلك اليوم في ذلك اليوم، للتأكيد.

وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ التنوين في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في كل مواردها يقولون: إنه عِوَض؟

* طالب: عن جملة.

* الشيخ: عن جملة، أي: يوم إذ تقوم الساعة، وكذلك يقال في حينئذ، ويقال أيضًا في وقتئذ: أن التنوين هنا عوض عن جملة، أي: يوم إذ، وحين إذ يكون كذا وكذا، ووقت إذ يكون كذا وكذا.

وقوله: ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ الضمير يعود على الخلق فيشمل المؤمن والكافر، حتى لو كانوا أقارب؟ لو كان الأب مسلمًا وابنه كافرًا أو بالعكس تفرقوا؛ لأنها دار الجزاء وكلٌّ يُجزَى بعمله.

﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ كيف التفرق؟ قال: (﴿﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾ ﴾: جنة ﴿﴿يُحْبَرُونَ﴾ ﴾: يُسَرُّون) [الروم: ١٥].

(أمَّا) يقولون: إنها حرف شرط وتفصيل؛ ولذلك يؤتَى فيها دائمًا في مواضع التفصيل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل ٥] ثم قال ضده؟

* طالب: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل ٨].

* الشيخ: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾. وهي أيضًا حرف شرط، ولذلك تحتاج إلى جواب: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ [الليل ٥ - ٧]، وهنا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾ [الروم ١٥]، فتكون إذن حرف شرط وتفصيل، وهي أيضًا متضمِّنة لمعنى التوكيد، فإنها تؤكِّد، فإن قولك: أمَّا مَن فعل كذا فله كذا، أقوى من قولك: فمَنْ فعل كذا فله كذا. فتفيد على هذا الشرطية والتفصيل والتوكيد، وهو تقوية للكلام.

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، والخبر: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾.

قوله: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يعني جمعوا بين الإيمان والعمل، واعلم أن الإيمان إذا أُطلِق شمل العمل كما أن عمل الصالحات إذا أُطلِق يشمل الإيمان، يعني إذا أُفرِد قصدي، قصدي بالإطلاق الإفراد، وإذا قُرِن أحدهما بالآخر صار الإيمان بالأعمال الباطنة، والأعمال بالأعمال الظاهرة بعمل الجوارح.

الإيمان يشمل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، هكذا فسره النبي ﷺ لجبريل حين سأله: ما الإيمان؟ قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) عن ابن عمر رضي الله عنهما.]].

الأعمال الصالحة العمل كلمة (عمل) يشمل الفعل والقول، العمل الصالح يشمل قول اللسان وعمل الجوارح، والعمل الصالح مرَّ علينا كثيرًا بأنه ما جمع بين أمرين، وهما: الإخلاص لله عز وجل، والمتابعة لرسوله ﷺ.

وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لا بد من هذين الأمرين: إيمان، وعمل. مجرد الإيمان ينفع ولَّا لا؟

* طالب: لا.

* الشيخ: ما ينفع بدون عمل، والعمل بدون إيمان أيضًا لا ينفع، لا بد من إيمان وعمل، وبهذا نعرف أن بعض النصوص المطلَقة التي فيها الوعد بالجنة لمن كان في قلبه أدنى حبة خردل من إيمان وما أشبه ذلك، أن المراد الإيمان المتضمِّن للعمل تحقيقًا أو تقديرًا.

* طالب: ما التحقيق والتقدير؟

* الشيخ: تحقيقًا بأن يكون عاملًا فعلًا، وتقديرًا بأن يكون ما تمكَّن من العمل لكن معه الإيمان، كما لو آمن عند قرب وفاته مثل الأُصَيْرم من بني عبد الأشهل، قصته معروفة في أُحُدٍ.

وقوله: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ الجملة هنا اسمية للدلالة على الثبوت والاستمرار، ﴿فِي رَوْضَةٍ﴾ يقول المؤلف: (جنة)، وهي كذلك، الروضة: هي عبارة عن البساتين المشتملة على الأزهار والأشجار والروائح الطيبة والمناظر البهيجة؛ ولهذا قال: (﴿﴿يُحْبَرُونَ﴾ ﴾ أي: يُسَرُّون). وقيل: ﴿يُحْبَرُونَ﴾: يُنَعَّمون، وهما متلازمان؛ لأن النعيم يحصل به السرور، هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضة يحبرون.

التقسيم الثاني: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم ١٦]، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بترك العمل الصالح، ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ فلم يؤمنوا.

وقول المؤلف: (﴿﴿بِآيَاتِنَا﴾ ﴾: القرآن) صحيح؟

* طالب: سابق.

* الشيخ: القرآن لا، ما هو من السابق، القرآن وغير القرآن، هذا قطعًا يشمل القرآن وغير القرآن؛ لأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات والذين كفروا وكذبوا بآيات الله ولقائه هؤلاء يكونون في هذه الأمة ويكونون في غيرها.

وقوله: (﴿﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ ﴾ البعث وغيره) ويش هو البعث؟ الإخراج من القبور، (وغيره): من الحساب والجزاء والجنة والنار، فيكذبون بها ويقولون: ما فيه لا جنة ولا نار ولا حساب ولا عذاب.

والعجيب أن هذا القول الباطل الفاسد نحا إليه مَن يسمون أنفسهم بالحكماء -وهم الفلاسفة- يقولون: إنه ما فيه جنة ولا نار ولا بعث، ولكن الرسل قالوا للناس هذا من أجل إقامتهم على الطريق التي اخترعوها لهم، ويزعمون -والعياذ بالله- أن الرسل رجال عباقرة عندهم ذكاء وحسن سيرة وتنظيم، لكنهم لو قالوا للناس: افعلوا كذا أو لا تفعلوا كذا، بدون ترغيب ولا ترهيب؛ ما أطاعهم الناس، فكانوا يقولون للناس: إن لكم ربًّا عظيمًا وإلهًا قادرًا وإن لكم معادًا يكون فيه الجنة أو النار.

وهم -والأمر ليس كذلك عندهم يعني- وإنما ذكروا ذلك من أجل إقامة الناس على الطريق التي سنُّوها لهم. وهذا معناه الكفر بالبعث وبالرسالة وحتى بأنفسهم؛ لأن مَن لم يؤمن بالله عز وجل فقد كفر أول ما كفر بنفسه؛ لأنه أنكر أن يكون له خالقًا.

وقوله: (﴿﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ ﴾ البعث وغيره ﴿﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ ﴾) أعوذ بالله، ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ﴾ المراد بالعذاب هنا العقوبة وجعل العذاب ظرفًا لهم؛ لأنه محيط بهم من كل جانب، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت ٥٥].

﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أيش معنى ﴿مُحْضَرُونَ﴾؟ من الإحضار، أحضرته بمعنى جعلته يحضر هذا الشيء، فهؤلاء مُحضَرون في العذاب غصبًا عليهم، لو رجع الأمر إلى أنفسهم ما حضروا، لكنهم يُحضَرون فيه كرهًا: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾.

قال الله تعالى: (﴿﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ ﴾ أي: سبِّحوا الله) [الروم: ١٦، ١٧].

إعراب ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾.

* طالب: منصوبة على أنها مصدر، وهي ملازمة له.

* الشيخ: وعاملها؟

* الطالب: وعاملها: سبحوا الله.

* الشيخ: نعم، المؤلف يقول: (أي: سبحوا الله) فجعل المفعول المطلق هنا بمعنى فعل الأمر، لا على أن عامله محذوف، بل جعله نائبًا عن فعله (أي: سبحوا الله)، وتسبيح الله تعالى معناه تنزيهه عما لا يليق به، وهذا يتضمن شيئين أحدهما: تنزيه الله عن كل نقص في صفات كماله، والثاني: تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين.

﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾، أقول: التنزيه يتضمن أمرين:

أولًا: تنزيه الله عن النقص في صفات كماله.

وثانيًا: تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين.

أما الأول فإننا نرى كثيرًا ما يذكر الله عز وجل أنه لا يتعب ولا يظلم ولا يغفل وما أشبه ذلك، لماذا؟ لكمال صفاته.

وأما مشابهة المخلوقين فقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، وتنزيه الله عن مشابهة المخلوقين هو في الحقيقة تنزيه له عن النقص؛ لأن المخلوق ناقص، وتشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا، بل إن المقارنة بينه وبينه تحط من رتبته، كما قيل:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّـــــــيْفَ يَنْقُـــــــصُقَدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا

﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ يقول المؤلف: (أي: سبحوا الله، بمعنى صلوا)، فأفادنا المؤلف أن المراد بتسبيح الله تعالى هنا: تسبيح خاص وهو الصلاة، من أين أخذ هذا التخصيص؟ يعني لو قال قائل: التسبيح عام يشمل الصلاة وغيرها؟ أخذه المؤلف من تقييده بهذه الأوقات، فإن تقييده بهذه الأوقات يدل على أن المراد الصلاة.

وأُطلِق على الصلاة التسبيح؛ لأن التسبيح من واجباتها، كما قال الله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة ٧٤]، قال النبي ﷺ: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ»، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى ١] قال: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٨٦٩) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه.]]. وعلى هذا فتكون الصلاة هي المراد بالتسبيح، ويدل على التقييد أيش؟ أو ما يدل على التخصيص؟ تقييدها بأوقات الصلاة (...).

* * *

﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم ١٠].

* يستفاد من هذه الآية: سوء العاقبة للمسيئين؛ لأن عاقبة هؤلاء الذين أساؤوا أيش عاقبتهم؟ ﴿السُّوأَى﴾.

* طالب: (...) أم على الشك؟

* الشيخ: نشوف، لقوله: ﴿السُّوأَى﴾، وهذا على رأي المؤلف ظاهر؛ لأنه جعل ﴿السُّوأَى﴾ هي خبر (كان) أو اسمها على اختلاف القراءة في ﴿عَاقِبَةَ﴾.

* يتفرع على هذه الفائدة: أن عاقبة المحسن الحسنى؛ لأن الحكم يدور مع علته، فإذا كانت عاقبة المسيئين السوأى فإن عاقبة المحسنين الحسنى، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦].

* ومن فوائد الآية: أن الإساءة هنا هي التكذيب بآيات الله، والاستهزاء بها على تقدير المؤلف؛ لأنه قال: (أي: بأن ﴿﴿كَذَّبُوا﴾ ﴾). وعلى الرأي الثاني يكون قوله: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ هي العاقبة.

* ويستفاد منها: أن عاقبة المعاصي تكون الكفر؛ التكذيب بآيات الله والاستهزاء بها، إذا قلنا: إن قوله: ﴿أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ أي: عملوا السيئات؛ كان عاقبتهم التكذيب والاستهزاء، يكون معنى ذلك أن المعاصي تكون سببًا للكفر، وهو كذلك، وقد قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر.

* ومن فوائد الآية: أن الوحي الذي أنزله الله على الرسل من آياته؛ لقوله: ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، وإنما كان من آياته لما يشتمل عليه من الصدق في الأخبار، والنفع في القصص، والعدل في الأحكام، والإصلاح، فكل الكتب النازلة كلها متضمنة لهذه الأمور: صدق في الخبر، نفع في القصص، عدل في الأحكام، مصلحة للعباد؛ ولهذا كانت هذه الكتب من آيات الله؛ لأنه لا يمكن للبشر أن يضعوا مثلها.

* من فوائد الآية: الفرق بين التكذيب والاستهزاء، فالتكذيب: رد الخبر، والاستهزاء: السخرية بالأعمال الظاهرة أو الباطنة، أيهما أشد؟

* طالب: الاستهزاء.

* الشيخ: الاستهزاء أشد؛ لأنه جامِعٌ بين التكذيب والسخرية.

* ومن فوائد الآية: التحذير من أعمال السيئات، حيث كانت هذه عاقبتها، سواء قلنا: إن السوأى هي العاقبة، أو إن العاقبة هي التكذيب، فإنه يتضمن التحذير من الأعمال السيئة.

ثم قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم ١١].

* يستفاد من هذه الآية الكريمة: قدرة الله سبحانه وتعالى حيث ابتدأ الخلق.

* الفائدة الثانية: ثبوت حدوث العالم، وأنه ليس قديمًا لا أوَّل له كما زعمت الفلاسفة؛ لأن الله ابتدأه، والمبتدأ معناه أنه كان بالأول؟

* طالب: عدم.

* الشيخ: عدمًا.

* ومن فوائد الآية: ثبوت البعث؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾.

* ومن فوائدها: أن البعث ليس ابتداء خلق ولكنه إعادة، خلافًا لمن قال: إن البعث ابتداء خلق، منين نأخذها؟

* طالب: ﴿يُعِيدُهُ﴾.

* الشيخ: من قوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، والضمير يعود إلى خلق المبتدأ، وقد سبق لنا في كلامنا على هذه الآية أنه لو كانت الإعادة ابتداء خلق جديد لكان يعذَّب مَن لم يعمل ويُنعَّم من لم يعمل، ولكن البعث إعادةٌ لما سبق.

* طالب: شيخ، إعادة لنفس الأجسام، ولَّا تنبت نباتًا جديدًا؟

* الشيخ: نفس الأعيان هذه التي تفتت وذهبت تُعاد يعيدها الله، نفس التراب إذا تحول إلى تراب يُعاد، وهكذا.

* الطالب: ما هو يعني يخلق جسمًا (...).

* الشيخ: إي، لكن هذا الجسم المخلوق هو نفس الأول، يجمع الله تعالى ما تفرق منه ثم يحييه.

* ومن فوائد الآية: الاستدلال بالمبدأ على المعاد، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿يَبْدَأُ﴾ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾؛ لأن هذا استدلال بالمبدأ على المعاد، والاستدلال بالمبدأ على المعاد استدلال حقيقي ومنطقي ومعقول، أيهما أصعب وأشد؟

* طلبة: الأول.

* الشيخ: الأول، فالقادر على الابتداء قادر على الإعادة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٧]، الكل هيِّن لكن هذا أهون؛ لأن هذا إعادة.

* ومن فوائد الآية: أن مرجع الخلائق إلى الله عز وجل في الآخرة ولَّا حتى في الدنيا؟ في الدنيا وفي الآخرة، أما في الآخرة فيرجعون إلى الله ليحكم بينهم بالجزاء، وأما في الدنيا فيرجعون إلى الله ليحكم بينهم بالعمل: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠] هذا خبر، و: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩]. فالمهم أن المرجع إلى الله دنيا وأُخرى، فنحن نرجع إلى الله تعالى في أمور دنيانا، وفي أمور ديننا، وكذلك في أمر الآخرة نرجع إلى الله ويجازينا بما نستحق.

* طالب: في الآية (...) الآخرة.

* الشيخ: لا هي كان الآخرة بالأولوية فقط؛ لأنه في السياق هذا، ولكنها لا مانع أن تكون على العموم لا سيما أنه ذكر: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ [الروم ٢٧].

* ومن فوائدها: أنه لا يجوز التحاكم إلى غير الله، من أين تؤخذ؟

* طالب: (...).

* الشيخ: إي، تؤخذ من الجملة هذه، لكن ما وجهه؟ الحصر؛ لقوله: ﴿إِلَيْهِ﴾، فإنه يعني: لا إلى غيره.

ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الروم ١٣].

* يستفاد من هذه الآية: أولًا قيام الساعة، وأنه كائن لا محالة؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾.

* ومن فوائدها: أن أهل الشرك إذا قامت القيامة سكتوا وأَيِسُوا من الرحمة؛ لقوله: ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾، بخلافهم في الدنيا، فإنهم في الدنيا يعاندون ويستعلون بآلهتهم، كما قال أبو سفيان: اعل هبل[[كما في حديث البخاري (٣٠٣٩) عن البراء بن عازب رضي الله عنه.]]. لكن في الآخرة لا حراك لهم ولا صوت: ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English