Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
Йа Син 36:52–61, продолжение
* ومن فوائدها أيضًا: الإشارة إلى أن الله تعالى ينزل للقضاء بين عباده، تؤخذ من قوله: ﴿لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾؛ أي: عندنا، والعند يدل على القرب، وقد ثبت بالنصوص أن الله عز وجل ينزل للقضاء بين عباده فيقضي بينهم.
ثم قال عز وجل: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس ٥٤].
* من فوائد الآية الكريمة: انتفاء الظلم مطلقًا في يوم القيامة؛ لأنه يوم العدل كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا يظلم لا بقليل ولا بكثير؛ لأن ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي فتكون للعموم، فإذا قال قائل: وفي غير هذا اليوم هل يُظْلَم أحد؟ فالجواب: لا، لا يُظْلَم، لكن ذكر هذا اليوم لبيان الواقع؛ لأن هذا اليوم هو يوم الجزاء فكأنه قال: هذا اليوم الذي هو يوم الجزاء ليس فيه ظلم، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر ١٧].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فيستفاد منه كمال عدل الله عز وجل، وهذه فائدة متفرعة على الفائدة التي قبلها.
فإن قال قائل: أليس الإنسان العامل للحسنة يُجْزَى بعشر حسنات؟ فالجواب: بلى، لكن هذا من الجزاء الذي وعد الله به فلا يكون منافيًا لظاهر الآية؛ لأن الله تعالى وَعَدَ مَنْ جاء بالحسنة أن يجعل له عشر أمثالها فتكون داخلة في قوله: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التعبير بالسبب عن المسبَّب، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* طالب: أن الجزاء عن العمل (...).
* الشيخ: نعم، والعمل سبب للجزاء فيكون فيه التعبير بالسبب عن المسبَّب.
ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ إلى آخر الآيات [يس: ٥٥].
* من فوائد الآية الكريمة: أن الناس ينقسمون في ذلك اليوم إلى قسمين: قسم هم أصحاب الجنة، وقسم هم أصحاب النار، أصحاب الجنة هذا جزاؤهم ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾.
* ويستفاد من قوله: ﴿فَاكِهُونَ﴾ كمال نعيمهم؛ لأن كلما كمُل النعيم كمُل التَّفَكُّه بهذه النعمة التي يتنعم بها الإنسان.
* من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن لأهل الجنة زوجات؛ لقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ [يس ٥٦]، وقد وصف الله هؤلاء الزوجات بصفات كثيرة؛ فقال عز وجل في سورة الرحمن: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٥٦]، وقال: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن ٧٠] فقاصرات الطرف يعني أنها تقصُر طرفها على زوجها لا تنظر إلى غيره؛ لأنها ترى أن زوجها أكمل الأزواج فلا يمتد نظرها إلى غيره، وهي أيضًا قاصرة لطرف زوجها عليها فزوجها لا يتعدى أو لا يمتد بصره إلى غيرها، فكل منهما راض بصاحبه، وهن أيضًا خيراتٍ حسان، خيرات الطباع حسان الوجوه والأجسام، وصفاتهن كثيرة في القرآن الكريم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنة ليس فيها شمس؛ لقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾.
* ومن فوائدها: كمال راحة أهل الجنة؛ لقوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ فإن المتكئ عادة يكون مستريحًا مطمئنًا، وكلما اطمئن الإنسان ازدادت راحته، والاتكاء على الأرائك لا شك أنه دليل على راحة البال وعدم الانشغال.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن لأهل الجنة فيها فاكهة، وهي كل ما يُتَفَكَّه به، وقد ذكرنا أن جميع طعامهم فاكهة يتفكهون به.
* ومن فوائدها أيضًا: أن لأهل الجنة كل ما يَتَمَنَّونه، بل يُعْطَوْن أكثر مما يتمنون، و«فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن الكريم مثاني تُثَنَّى فيه المعاني فيُذْكَر الشيء، ويُذْكَر ضده؛ لأنه لو ذَكَرَ ما يكون به الرجاء دون ما يكون به الخوف لغلب جانب الرجاء على جانب الخوف ووقع الإنسان في الأمن من مكر الله، ولو ذكر فيه جانب الخوف دون جانب الرجاء لوقع الإنسان في القنوط من رحمة الله، فكأن الله عز وجل إذا ذَكَر النعيم ذكر ضده، وإذا ذكر أصحاب الجنة ذكر أصحاب النار وهكذا، وهذا أحد معاني قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣]، يعني أنه تُثَنَّى فيه المعاني حتى يسهل السير إلى الله سبحانه وتعالى على الوجه المطلوب.
ثم قال عز وجل: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ سبق لنا أن المؤلف أعرب ﴿سَلَامٌ﴾ على أنها مبتدأ وأن خبره ﴿قَوْلًا﴾ على أنه منصوب بنزع الخافض أي: سلام بالقول من رب رحيم، وهذا أحد الوجوه في الآية الكريمة. ويجوز أن يكون ﴿سَلَامٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي هي سلام، يعني الجنة سلام، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس ٢٥]، ويجوز أيضًا أن يكون الخبر قوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أي: سلام بالقول من الله واقع من الله عز وجل، وهذه الوجوه لا ينافي بعضها بعضًا من حيث المعنى فإن المعنى كله واحد وهو أن الله تعالى يُسَلِّم عليهم بالقول، ويقول: سلام عليكم يا أهل الجنة.
وقوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ الرب في اللغة العربية يُطلق على عدة معانٍ فيطلق على رب العالمين عز وجل، وهو بهذا المعنى يشمل الخلق والملك والتدبير، فالرب هو الخالق المالك المدبِّر، ويطلق الرب على الصاحب مثل قولهم: رب البيت أي: صاحب البيت، ومثل قوله عليه الصلاة والسلام في اللُّقَطَةِ: «مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا» » في الضالة، في الضالة؛ ضالة الإبل: «مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأَكْلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّها»[[متفق عليه؛ البخاري (٩١)، ومسلم (١٧٢٢ / ١) من حديث زيد بن خالد.]] أي: صاحبها.
وقوله: ﴿مِنْ رَبٍّ﴾ المراد به المعنى الأول؛ يعني الله عز وجل، فالله تعالى هو الرب يعني الخالق المالك المدبر و﴿رَحِيمٍ﴾ من الرحمة وهي صفة ذاتية لم يزل الله سبحانه وتعالى ولا يزال متصفًا بها، لكن أفرادها تتجدد باعتبار المرحوم، فالله عز وجل يرحم من يشاء، ومعلوم أن المرحوم يتجدَّد، فرحمة الله لهذا المرحوم تتجدد، أما أصل المعنى فإن الله لم يزل ولا يزال رحيمًا.
أهل السنة والجماعة وهم السلف يُفَسِّرون الرحمة بمعنى يليق بالله عز وجل، وأهل التحريف يفسرون الرحمة إما بالإحسان وإما بإرادة الإحسان، فيقولون: معنى ﴿رَحِيمٍ﴾ أي: محسن أو مريد للإحسان، لماذا؟ قالوا: لأن الله لا يمكن أن يتصف بالرحمة فإن الرحمة تدل على الضعف وعلى الرقة واللين، وهذا لا يليق بالله سبحانه وتعالى، وفسروها بالإرادة؛ لأنهم يثبتون الإرادة، أو بالإحسان؛ لأن الإحسان منفصل عن الله عز وجل فهو مخلوق، ولا شك أن هذا تحريف، والرحمة إن كان يلزم منها الرقة واللين فهذا باعتبار رحمة المخلوق، أما باعتبار رحمة الخالق فلا يلزم منها هذا المعنى، على أننا نمنع أن يكون من لازمها الرِّقة واللين، لماذا؟ لأننا نجد الملك القوي الشجاع يكون فيه رحمة ولا يُنْقِص ذلك من قوته وسلطانه شيئًا، لكن لو سلمنا جدلًا أنها تستلزم الرقة واللين فإنما ذلك باعتبار رحمة المخلوق.
﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ بهم، أي: يقول لهم سلام عليكم، ويقول: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس ٥٩]، قوله: (ويقول) يعني الله عز وجل، وفي الجزم في ذلك نظر، فقد يكون الله عز وجل هو الذي يقول للمجرمين: ﴿امْتَازُوا﴾، وقد يكون القائل ملكًا من الملائكة، المهم أنه يقال للمجرمين: ﴿امْتَازُوا الْيَوْمَ﴾؛ ولهذا لو قال المؤلف: (ويقال) لكان أولى؛ لأن الجزم بأن القائل هو الله يحتاج إلى توقيف؛ يعني: إلى نص من الشارع.
يقول: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ المراد بـ﴿الْيَوْمَ﴾ يوم القيامة، فـ(أل) هنا فيه للعهد الذكري.
﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ قال المؤلف: (أي: انفردوا عن المؤمنين عند اختلاطهم بهم) يعني: يقال يوم القيامة: امتازوا أيها المجرمون، تميزوا عن المؤمنين، انفردوا عنهم؛ لأن طريق المجرمين غير طريق الأبرار، فالأبرار طريقهم إلى الجنة، وهؤلاء طريقهم إلى النار، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم ٨٥، ٨٦] فيمتاز هؤلاء عن هؤلاء، يقال لهم هذا على سبيل التوبيخ والإهانة؛ لأنك إذا رأيت مجتمعًا تقول مثلًا: أيها الطائفة الفلانية امتازوا، ابتعدوا، صار في هذا من إذلالهم وإهانتهم ما هو ظاهر.
وقوله: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ مَنْ هو المجرم؟ المجرم فاعل الإجرام، والإجرام هو الذنب والإثم أي: أيها الآثمون المذنبون امتازوا عن المؤمنين المطيعين.
ثم قال: (﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ آمُركُمْ ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ عَلَى لِسَان رُسُلِي ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ لَا تُطِيعُوهُ ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّن العداوة، ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ وَحِّدُونِي وَأَطِيعُونِي ﴿هَذَا صِرَاطٌ﴾ طَرِيق ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ ). ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ [يس ٦٠] الاستفهام هنا للتقرير، والغالب أنه إذا وقع بعد الاستفهام ما يدل على النفي فالاستفهام للتقرير؛ مثل ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] هذا للتقرير، ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ للتقرير، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام ١٣٠] للتقرير، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر ٣٦] للتقرير، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨] للتقرير، وهكذا كلما جاء ما يدل على النفي بعد أداة الاستفهام فإن الاستفهام يكون فيه غالبًا لأيش؟ للتقرير.
هنا تقرير؛ يقرر الله عز وجل أنه عهد إليهم؛ ولهذا يصح أن يُحَوَّل في غير القرآن إلى فعل ماض فيقال: (قد عهدت إليكم).
فإذا قال قائل: ما المراد بهذا التقرير؟ المراد به التوبيخ؛ يعني: يقرر الله هذا الأمر توبيخًا لهم وإقامة للحجة عليهم أن الله عهد إليهم ألا يعبدوا الشيطان.
والعهد إلى الشيء فسَّرَه المؤلف بأنه الأمر؛ يعني: ألم آمركم، ولكنه في الحقيقة أبلغ من الأمر؛ لأن العهد إليه كأنه متضمن للعهد والميثاق، وهو كذلك؛ فإن الله قد أخذ علينا الميثاق ألا نعبد إلا إياه وألا نعبد الشيطان لأنه عدو.
وقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ ﴿بَنِي آدَمَ﴾ هذه تشمل الذكر والأنثى، وإن كان الابن يقال في الأصل للذكر، والبنون تقال في الأصل للذكور، لكن إذا كان المراد به القبيلة أو الجنس فإنه يشمل الذكر والأنثى، حتى إن الفقهاء رحمهم الله قالوا: إذا وقف على بني تميم شمل ذكورهم وإناثهم، لكن إذا وقف على بني فلان، واحد من الناس ما هو قبيلة، فإنه يختص بمن؟ بالذكور فقط، فبنو آدم هنا قبيلة، بل شامل لكل القبائل فيشمل الذكور والإناث.
وقوله: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ فسَّر المؤلف العبادة هنا بالطاعة؛ لأن طاعة الغير في محارم الله نوع من العبادة، كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة ٣١]، لا أن يعبدوا أربابًا كثيرة، قال عدي بن حاتم: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم –يعني: لسنا نصلي أو نركع أو نسجد لهم- قال: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟ قَالَ: نَعَمَ. قَالَ: فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمُ»[[أخرجه الترمذي (٣٠٩٥) من حديث عدي بن حاتم.]]، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا، لكن الواقع أن هذا هو الحقيقة أن طاعة غير الله في مخالفة أمر الله نوع من العبادة؛ لأن العبادة في الأصل هي التذلل والخضوع، وطاعة الأمر تذلل وخضوع.
وقوله: ﴿الشَّيْطَانَ﴾ هل المراد بذلك الجنس أو المراد الشيطان المعين؟ الظاهر أن المراد به الجنس فيشمل شياطين الإنس وشياطين الجن، فكما أن للجن شياطين فللإنس أيضًا شياطين، يوجد من الإنس شياطين يأمرون الناس بالإثم والعدوان، وينهونهم عن البر والإحسان.
وقوله: (﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّن العداوة) ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الشيطان ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، كل إنسان أو كل أحد يأمرك بمخالفة أمر الله فهو عدو لك شعر بذلك أم لم يَشْعُر، وعلى رأسهم الشيطان الأول الذي يقود كل شيطان.
قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ العدو ضد الولي، والولي من يتولاك ويحوطك ويعتني بك، فالعدو ضده هو الذي لا يريد لك الخير، وإنما يريد لك الشر.
وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ قال: (بَيِّن العداوة) كيف فسَّر ﴿مُبِينٌ﴾ بـ(بَيِّن)؟ نقول: لأنها من (أبان) و(أبان) تأتي بمعنى أظهر، وتأتي بمعنى ظهر، فإن كانت بمعنى أظهر فهي متعدية، وإن كانت بمعنى ظهر فهي لازمة، ولا يمكن أن نقول: إنها من المتعدي أو اللازم إلا بقرينة من السياق، فهنا نقول: ﴿مُبِينٌ﴾ إذا فسرناها بما فسَّر به المؤلف (بَيِّن العداوة) صارت من اللازم ولَّا من المتعدي؟ من اللازم، مع أنه يمكن أن نجعلها من المتعدي، ونقول: ﴿مُبِينٌ﴾ مظهر للعداوة؛ لأنه يأمرك بالشر، لكن هذا ضعيف؛ إذ لو أبان عداوته ما تبعه أحد، وإنما يَغُرُّ الناس كما قال تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف ٢٢]. إذن نجعل ﴿مُبِينٌ﴾ هنا من باب اللازم من (أبان) بمعنى ظَهَر.
﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس ٦١] لا تعبدوا الشيطان، وأن اعبدوني هذا نفي وإثبات، وهو حقيقة التوحيد ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ أن هنا مصدرية، ويصح أن تكون مفسرة؛ لأن ﴿أَعْهَدْ﴾ متضمنة معنى القول، وإذا سبق أن ما يتضمن معنى القول دون حروفه صارت تفسيرية؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧].
على كل حال ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ يعني أن الله عهد إلينا أن نعبده وحده أي: تذللوا لي بالطاعة.
والمؤلف قال: (وحِّدوني وأطيعون) وهذا معنى صحيح؛ فالعبادة توحيد الله عز وجل بالطاعة والتذلل له بامتثال أمره واجتناب نهيه.
﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿هَذَا﴾ المشار إليه تَرْك عبادة الشيطان وإفراد الله بالعبادة، ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ الصراط فسَّره المؤلف بالطريق، ولكن الصحيح أنه ليس مطلق الطريق صراطًا، بل الصراط هو الطريق الواسع المتساوي؛ لأنه مأخوذ من الصرط أو من السرط، والسرط -كما نعلم- هو ابتلاع الشيء بسرعة، ولا يكون الطريق طريقًا ذا سرعة إلا إذا كان واسعًا وكان سهلًا.
وأما قوله: ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ فهذا وصف له، والاستقامة تشمل اعتدال السير، وتشمل أيضًا انبساط الأرض، فإذا قدر أن الطريق يذهب يمينًا وشمالًا لم يصح أن نقول: إنه مستقيم، وإذا كان فيه مرتفعات ومنخفضات فليس بمستقيم؛ لأن بعضه مرتفع وبعضه نازل، فالاستقامة معناه أنه خالٍ من الانحرف يمينًا وشمالًا، وخالٍ من الاختلاف في ارتفاعه وانخفاضه.
وقوله: ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ إلى من؟ إلى الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى أضاف الصراط إلى نفسه، وأضاف الصراط إلى خلقه فقال سبحانه وتعالى في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٦، ٧] فأضاف الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٥٢، ٥٣]، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أو والأرض؟ ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فكيف نجمع بين الإضافتين؟ نقول: أضاف الله الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم؛ لأنهم هم السالكون له، هم سالكوه وأضافه إلى نفسه؛ لأنه هو الذي وضعه لعباده وهو موصل إليه كما تقول: هذا طريق مكة. ما معنى طريق مكة؟ أي الموصل إلى مكة. وتقول: هذا طريق فلان إذا كان هو الذي وضعه للناس وشقه لهم، أو هو الذي سلكه ومشى عليه.
على كل حال إضافة الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم؛ لأنهم سالكوه، إضافة الصراط إلى الله؛ لأنه أيش؟ هو الذي وضعه لعباده وسَنَّه لهم، وهو -أي الصراط- موصل إلى الله عز وجل.
﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس ٦١، ٦٢] ﴿وَلَقَدْ﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، ما هي؟
* طالب: الواو.
* الشيخ: أيش؟ وين الواو؟
* طالب: اللام و(قد).
* الشيخ: نعم، اللام و(قد).
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: والقسم المقدر.
* الشيخ: القسم المقدر؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم فتكون هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؟
* طالب: القسم واللام و(قد).
* الشيخ: القسم. أين القسم؟
* طالب: والله لقد أضل منكم.
* الشيخ: أحسنت، التقدير: والله لقد أضل. طيب، إذا قال قائل: كيف يقسم الله عز وجل وهو الصادق القول بلا قسم؟
نقول في الجواب على ذلك وجوه:
الوجه الأول: الإشارة إلى أن هذا أمر هام يحتاج إلى أيش؟ إلى القسم عليه؛ لأنه لولا أهميته ما أقسم عليه.
ثانيًا: أن القرآن نزل باللغة العربية، ومن أساليب اللغة العربية أن الشيء إذا أريد إثباته وتحقيقه فإنه يُقْسَم عليه، والقرآن -كما نعلم- نزل بلسان عربي مبين.
الثالث: أن المقسَم به إذا كان صريحًا أي مصرحًا به فإن الإقسام به يدل على عظمته فإن الله لا يقسم بشيء إلا لعظمة ذلك الشيء مثل قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس ١، ٢] إلى آخره، وما أشبه ذلك مما أقسم الله به فإنه يدل على عظمة المقسم به.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، عنده طريق.
* طالب: قوله تعالى: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ (...) لا نافية (...).
* الشيخ: كيف؟ يحتمل أن تكون نافية، والفعل منصوب بـ(أن) أو أن (لا) ناهية.
* طالب: (...).
* الشيخ: المراد به العموم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾.
* طالب: (...) يا بني آدم ألم أعهد إليكم أن لا تعبدوا الشيطان والمؤمنون (...).
* الشيخ: إي نعم، هو بين أنه عهد إلى الخلق كلهم ألا يعبدوا الشيطان، وأن يعبدوه وحده، ولكن أضل الشيطان منهم جِبِلًّا كثيرًا كما في الآية التي شرعنا فيها، فالخطاب عام.
* طالب: قال تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ [يس ٥٦] الذين لم يتزوجوا من الشباب (...).
* الشيخ: إي نعم، لهم أزواج حتى الذين لم يتزوجوا يكون لهم أزواج في الجنة من الحور العين، ومن نساء الدنيا اللاتي لم يتزوجن.
* طالب: (...) أزواجهم؟
* الشيخ: الحور العين.
* طالب: الشابات.
* الشيخ: الشابات لهم أزواج، أولًا الظاهر أن النساء من أهل الدنيا لا يَزِدْنَ على الرجال؛ لأن أكثر أهل النار النساء فالنساء هن أكثر أهل النار، وإذا قُدِّرَ أن عدد النساء من أهل الدنيا زاد على عدد الرجال فإنه يمكن أن يجمع الإنسان بين زوجتين أو أكثر، على كل حال إذا وصلت إلى هناك إن شاء الله ما في ضيق، والله المستعان.
* طالب: قيل: إنهن يُخَيَّرْن يا شيخ؛ أزواج الدنيا -يعني نساء الدنيا- يُخَيَّرن بأزواجهم في الجنة.
* الشيخ: هذا إذا كانت المرأة قد تزوجت رجلين فإنها تُخَيَّر بينهما؛ يعني: إذا تزوجت رجلين ودخلت الجنة معهما تخير بينهما.
* طالب: إذا طلقت؟
* الشيخ: حتى لو طلقت، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنها تختار أحسنهما خلقًا[[أخرجه البزار في مسنده (٦٦٣١)، وعبد بن حميد في مسنده (١٢١٠) من حديث أنس بن مالك.]].
* طالب: بالنسبة لقوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ (...) النفخ في الصور (...).
* الشيخ: لا؛ لأن الله قال في آية أخرى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، والزجر لا يكون من النفخ، النفخ صوت وليس بزجر.
* طالب: ألا تعبدوا إلا الله (...).
* الشيخ: لا، يكون منصوبًا بـ(أن).
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، إن جعلنا (لا) نافية فهو منصوب بـ(أن)، وإن جعلناها ناهية فهو مجزوم بها.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، ربما يقال: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾، فإذا امتازوا قال الله لهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم فيه احتمال، لكن ما نجزم به، فيه احتمال أنها من قول الله، أن الله يقول لهم: امتازوا أيها المجرمون، وفيه احتمال أنها من قول ملك من الملائكة، فإذا امتازوا خوطبوا، وهذا مما يدل على ما ذهب إليه الأخ أن قوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ أنه خاص بالكفار، لكن قوله: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾.. لأنهم لو كانوا هم الكفار لكان قد أضلهم كلهم.
* طالب: شيخ، أنا أقصد..
* الشيخ: أنا فاهم -بارك الله فيك- فاهم، لكن الجزم يحتاج إلى توقيف.
﴿جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾، عندكم هكذا ﴿جِبِلًّا﴾؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: جُبْلًا. المشكلة اللي عندي ﴿جِبِلًّا﴾ وصلنا إلى هذا؟
قوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ فيها من الفوائد..
﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ * في هذه الآية الكريمة: دليل على ما يتمتع به أهل الجنة من السلامة من كل الآفات لا من الأمراض ولا من التعب ولا من الموت ولا من غيرها؛ ﴿سَلَامٌ﴾ لأن الله تعالى يقول لهم: سلام عليكم، وهذا اللفظ الصادر من الله عز وجل ليس دعاء ولكنه خبر من الله، إنما يكون مثل هذا دعاء إذا وقع من المخلوق، أما إذا كان من الخالق فهو خبر أي أن الله تعالى يخبرهم بأنه سيسلمهم من كل آفة.
* ومن فوائدها: إثبات الربوبية، وهي هنا فيما يظهر من الربوبية الخاصة، والربوبية تنقسم إلى قسمين: خاصة وعامة، فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق؛ فإن جميع الخلق مربوبون لله عز وجل هو خالقهم مالكهم مدبرهم، ومنها قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، أما الربوبية الخاصة فهي المختصة بعباد الله المخلصين من عباد الله المؤمنين من الرسل وأتباعهم وهي أخص من الأولى؛ لأنها تقتضي عناية خاصة بالمربوب وتوفيقًا له وإصلاحًا لحاله، ومنها قوله تعالى: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢] فإن موسى وهارون من عباد الله المخلصين، فكانت الربوبية في حقهما خاصة، ومنه دعاء المؤمنين لله عز وجل بهذا الاسم، مثل: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ [آل عمران ١٦]، فإن المراد به الربوبية الخاصة؛ لأن التوسل بالأخص أخص بالدعاء من التوسل بالأعم، وقد اجتمع القسمان في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] الأولى عامة، والثانية خاصة، إذن كم أقسام الربوبية؟ سؤال خاص.
* طالب: اثنين ربوبية عامة وخاصة، الربوبية العامة (...).
* الشيخ: إي، عباد الله المخلصين. الفرق بينهما أن هذه العامة للتدبير العام الشامل كالخلق والملك والتدبير، وهذه ربوبية خاصة تقتضي عناية خاصة.
طيب، هذه الآية: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أقول: إن الظاهر -والله أعلم- أنها من الربوبية الخاصة؛ لأن الذي يخاطب به من القوم المخلصين.
* وفي هذه الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿رَحِيمٍ﴾، وإثبات الربوبية في قوله: ﴿رَبٍّ﴾، وهل الرب من أسماء الله؟ نعم، الرب من أسماء الله، دل ذلك قوله ﷺ: «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ»[[أخرجه مسلم (٤٧٩ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس.]]، وقوله ﷺ في السواك: «مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِّ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ»[[أخرجه النسائي (٥)، والدارمي (٧١١) من حديث عائشة.]]، وأما الرحيم فكونه من أسماء الله لا يخفى.
* وفي هذه الآية: إشارة إلى أنهم إنما وصلوا إلى هذه المنزلة برحمة الله؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ. قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧٢) من حديث أبي هريرة.]]، اللهم تغمدنا برحمتك، فالرسول عليه الصلاة والسلام أخبر أن أحدًا لا يدخل الجنة إلا أن يتغمده الله برحمته، أي: يُسْبِغَ عليه الرحمة فحينئذ يدخل.
ثم قال عز وجل: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾.
* في الآية الكريمة من الفوائد: أن المجرمين يُهانون يوم القيامة بحيث يميزون من المؤمنين بلفظ الطرد، ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ﴾ يعني: انفردوا وأبعدوا.
* ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يميز بين المجرمين والأبرار يوم القيامة كما مَيَّز بينهم في الدنيا فإن طريق هؤلاء غير طريق هؤلاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن قام بعمل أن يذكر الوصف المناسب لهذا العمل، فهنا لما أُمِروا بالإنفراد وطُرِدوا ناسب أن يذكر سبب ذلك حيث قال: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾، كأنما قال: امتازوا لإجرامكم، ولا شك أن ذكر سبب الحكم يزيل الشبهة واللبس والاعتراض. فإذن نقول: إن تعليق الحكم بوصف هذه فائدة مبنية على الفائدة التي قلنا: إن تعليق الحكم بوصف يدل على عِلِّيَّة ذلك الوصف أي: على أن هذا الوصف هو علة هذا الحكم؛ فإذا قلت مثلًا: أُكْرِمَ المجتهد من الطلبة. فهنا عُلِّق الإكرام بالاجتهاد يفيد أن علة الإكرام هو الاجتهاد، وهذه القاعدة مفيدة لطالب العلم وهو أن تعليق الحكم بوصف يدل على عِلِّيَّتِه أي أنه علة ذلك الحكم.
وقوله: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ حُذِفَت منها ياء النداء، فلماذا؟ يمكن أن يدَّعي علماء البلاغة أنها حُذِفَت من باب الإهانة لهم حتى لا يطول الكلام؛ لأن طول الكلام مع المخاطب من باب التبسط إليه والانشراح لمخاطبته، فإذا اختصر فهو نوع من الإهانة، وليس هذا على إطلاقه بل هذا على حسب السياق؛ قد يكون من الإكرام أن تختصر الكلام، وقد يكون من الإكرام أن تبسط الكلام، لكن المقام في هذا لا يقتضي ذلك، بل يقتضي أن اختصار الكلام وعدم تطويله من باب الإهانة لهم.
ثم قال عز وجل: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس ٦٠، ٦١].
* من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يحب الإعذار من نفسه؛ أي: يحب أن يقيم العذر لنفسه لتقوم الحجة على خلقه؛ لقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ فإن من عهد إلينا ألا نعبد الشيطان، وأن نعبد الله قد أقام علينا الحجة وأقام العذر لنفسه، وهذا كقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥].
* من فوائدها: إثبات رحمة الله عز وجل بالخلق حيث لم يجعل إخلاصهم له موكولًا إلى عقولهم، بل عهد بذلك إليهم على ألسنة الرسل؛ لأن الله لو جعل الإخلاص موكولًا إلى العقول لاختلفت العقول في ذلك اختلافًا كثيرًا؛ لأن الأهواء لا تنضبط، فجعل الله عز وجل ذلك مما تكفل به هو نفسه لعباده؛ ففيه إثبات رحمة الله عز وجل بهذا العهد الذي عهد به إلى عباده.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي التصفية قبل التحلية، أو أحد يقول: التخلية قبل التحلية؛ لأنه قال: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ هذا أيش؟ تخلية ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ تحلية يعني: نفي وإثبات، وهذا هو التوحيد، التوحيد مبني على نفي وإثبات؛ لأن النفي المجرد تعطيل محض وعدم، والإثبات المجرد لا يمنع المشاركة. إذن لا يكون التوحيد إلا بنفي وإثبات. وأضرب مثلًا لهذا لو قلت: لا قائم في البيت. هذا نفي مجرد معناه العدم، عدم وجود قائم في البيت. وإذا قلت: زيد قائم في البيت، هذا إثبات مجرد لا يمنع المشاركة، أي: قد يكون رجل آخر في البيت قائم. فإذا قلت: لا قائم في البيت إلا زيد، حينئذ تحقق الانفراد وتحقق التوحيد، وصار لا يوجد قائم في هذا البيت إلا زيد.
إذن التوحيد لا بد فيه من هذين الأمرين: النفي، والإثبات. ولكن بماذا يبدأ؟ يبدأ أولًا بالنفي ليرد الإثبات على مكان خالٍ من الشوائب، خالص صالح لاستقرار الإثبات فيه، ولهذا يبدأ بالنفي ثم بالإثبات كذا؟ وهذا في القرآن كثير. استمع إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف ٢٦، ٢٧] فتبرَّأ أولًا من كل معبود، ثم أثبتَ العبادة لله وحده الذي فطره ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف ٢٧].
* من فوائد الآية الكريمة: أن طاعة الشيطان في معصية الله، ولا تكون طاعة الشيطان إلا في معصية الله نوع من العبادة؛ لقوله: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾؛ لأن الطاعة فيها نوع من التذلل، والعبادة هي التذلل، فمن أطاع الشيطان في معصية الله فقد عبده.
* ومن فوائدها: أن العبادة لا تختصُّ بالركوع والسجود والذبح والنذر، وما أشبه ذلك، بل هي عامة شاملة لكل طاعة يكون فيها كمال التذلل فهي عبادة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الحذر من طاعة الشيطان؛ حيث سمَّى الله تعالى طاعته عبادة، وكل إنسان يحذر من أن يعبد مع الله غيرَه، ففيه التحذير من طاعة الشيطان في معصية الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب عبادة الله وحده في قوله: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾، والعبادة تُطْلَق على معنيين: أحدهما التعبد، والثاني المتعبَّد به، التعبد يعني التذلل لله عز وجل، وهي بهذا المعنى فعل العبد يعني صلاته صيامه حجه وزكاته، وما أشبه ذلك، وتُطلَق العبادة على المتعبَّد به، وهي بهذا المعنى كل اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال؛ العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة القلبية والجوارحية، إذن تطلق العبادة على؟
* طلبة: معنيين.
* الشيخ: الأول: التعبد وهو فعل العابد، والثاني: المتعبد به وهي العبادات القائمة المشهورة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصراط المستقيم هو التوحيد؛ لقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿هَذَا﴾ أي: ترك عبادة الشيطان والالتزام بعبادة الله، ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: طريق مستقيم لا عوج فيه، وإنما كان كذلك لأنه موصل إلى رضا الله تعالى وجنته، فهو صراط مستقيم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصراط قد يكون مستقيمًا، وقد يكون مُعْوَجًّا؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣] كل واحد من البشر له طريق، فإن كان على شرع الله فهو مستقيم وإن كان على خلافه فهو معوج.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии