Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
Ас-Саффат 37:149–163, продолжение
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ﴾ أي: بين الله سبحانه وتعالى ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات ١٥٨] يقال: الجِنَّة، والجَنَّة، والجُنَّة بالضم، وكلها تدور حول الاستتار والخفاء؛ لأن هذه المادة (الجيم والنون) كلها تدور على هذا المعنى، الاستتار والخفاء، ومنه الجَنان؛ القلب، ومنه الجنين؛ الحمل، ومنه الجِنَّة؛ الجِن، ومنه الْجَنَّة؛ البستان ذو الأشجار الكثيرة، ومنه الجُنَّة؛ ما يستتر به المقاتل عن السهام كالترس، فهذه المادة كلها تدور على هذا المعنى الخفاء، فما المراد بالجِنَّة هنا؟ يقول المؤلف: المراد (الملائكة) كيف الملائكة يسمون جِنًّا؟ قال: نعم؛ لأنهم مستترون عن الأعين، فهم عالم الغيب كالجن الذين هم ذرية الشيطان، هذا ما ذهب إليه المؤلف، ولكن هذا القول ضعيف جدًّا؛ لأن الجِنَّة اسم للجن لا للملائكة قال الله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس ٥، ٦] يعني الجن، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون ٧٠] أي: جن أصابه بمس.
ولا يمكن أن يُعبَّر بالجن الذي هم من أخص خلق الله الذين خُلِقوا من نار أن يُعبَّر بهم عن الملائكة الذين خُلِقوا من نور، وهم من أشرف خلق الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء ٢٦ - ٢٨]، فالمراد بالْجِنَّة هنا الجن الذين هم خلْق غيبي خُلِقوا من نار، ولكن كيف جعلوا نسبًا؟ المراد بالنسب هنا الصلة مجرد الصلة، ليس النسب الذي هو القرابة بل النسب الذي هو الصلة، وذلك أن المشركين لما قالوا: إن الملائكة بنات الله قيل لهم: لا بنات إلا بزوجة. قالوا: نعم، إن الله -جل وعلا، وسبحانه عما يصفون- تزوج من الجن جِنِّيَّة، فولدت الملائكة، قاتلهم الله! هذا هو النسب الذي جعلوا بين الله وبين الجِنَّة، فالمراد بالنسب هنا أيش؟ مُطلق الصلة لا صلة القرابة فقط، هذا هو المعنى الذي يدل عليه استعمال الجِنَّة في كلام الله، وأن المراد بالجِنَّة الجن، ووجه النسب الاتصال هو أنهم قالوا لما قيل لهم: كيف تقولون: إن الملائكة بنات الله، فمن أين جاءت البنات؟ قالوا: إنه تزوج جِنِّيَّة فولدت له الملائكة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾ [الصافات ١٥٨].
يقول المؤلف مُوجِّهًا ما ذهب إليه من أن المراد بالجِنَّة الملائكة، قال: (لاجتنانهم عن الأبصار)، وهذا لا يُبرِّر أن نُسمِّي الملائكة جِنًّا.
يقول: (﴿نَسَبًا﴾ [الصافات ١٥٨] بقولهم: إنها بنات الله)، فجعل النسب هنا بمعنى القرابة، ولكن هذا القول ليس بصحيح.
قال تعالى: (﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ﴾ أي قائلي ذلك ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ للنار يُعذَّبون فيها).
﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾ الجملة هذه مؤكدة بثلاثة مؤكدات: (اللام) (وقد)، وهما ظاهران، والقسم المقدَّر، والتقدير: وبالله لقد علمت الجنة إنهم لمحضرون، والتأكيد هنا لا شك أنه في غاية ما يكون من البلاغة؛ يعني أن هؤلاء الجن الذين جعلوا بينهم وبين الله نسبًا تعلم في حكم الله ما لا يعلمه هؤلاء، فإنهم يعلمون أن هؤلاء الذي كذبوا على الله سوف يُحضرون يوم القيامة، ويُبعثون، ويُعذَّبون بما يقتضيه جُرمهم؛ ولهذا قال: (﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ﴾ أي قائلي ذلك ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ للنار يعذبون فيها).
قال الله تعالى: (﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تنزيها له ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات ١٥٩] بأن لله ولدًا).
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ هذه اسم مصدر (سَبَّح)، معنى قولنا: اسم مصدر (سَبَّح)، يعني أنه اسم مصدر فعله (سَبَّح)، فما هو المصدر من (سَبَّحَ)؟ تسبيحًا، لكن (سبحان) بمعنى (تسبيح) فهي اسم مصدر؛ لأن كل كلمة تضمنت معنى المصدر دون حروفه فهي اسم مصدر، وأمثلته كثيرة؛ منها كلام بمعنى (تكليم)، سلام بمعنى (تسليم).
و﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ يقول المؤلف رحمه الله: (تنزيهًا له) فما الذي يُنزَّه الله عنه؟
يدور ما يُنزه الله عنه على أمرين: النقص، ومماثلة المخلوقين؛ النقص فيما أثبت لنفسه من الكمال، والثاني: مماثلة المخلوقين، قال الله تعالى عن الأول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [ق ٣٨] هذا يدل على أيش؟ كمال القدرة والقوة، ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ نفي لنقص القوة، يعني مع عِظَم هذه المخلوقات العظيمة وقِصر المدة في خلقها لم يمس الله سبحانه وتعالى شيء من اللغوب؛ يعني من التعب والإعياء، هذا تنزيه عن نقص، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] تنزيه عن مماثلة المخلوقين.
فعلى هذا نقول: التنزيه الذي يُوصف الله به يدور على شيئين: على تنزيه عن النقص في كماله؛ أي: فيما أثبت لنفسه من الكمال، ليس فيه نقص، والثاني: مماثلة المخلوقين، وعرفتم من الأدلة ما ذكرناه.
وقوله: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات ١٥٩]؛ يعني من النقص والمماثلة أيضًا بأن قالوا: إن لله ولدًا، وهذا وصف لا يليق بالله سبحانه وتعالى؛ لأن ثبوت الولد يتضمن المماثلة، ويتضمن النقص أيضًا، فهم بدعواهم الولد لله وصفوا الله بالنقص، ووصفوه بمماثلة المخلوقات.
قال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات ١٥٩، ١٦٠] ﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ العبودية مأخوذة من الذل؛ فالعابد بمعنى الذليل، والتعبد بمعنى التذلل.
والعبودية نوعان: عبودية للقدَر، وعبودية للشرع؛ يعني تذلُّل للقدَر، وتذلُّل للشرع، أما عبودية القدَر فإنها عامة لكل أحد، ما من إنسان إلا وهو متذلِّل لقدَر الله، لا يمكن أن يتخلص منه إطلاقًا، فاهمين؟ هذه عبودية القدر، كل عابد لقدر الله، ذليل أمام القدر، ودليل هذه قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، كل من في السماوات والأرض فهو عابد لله ذليل له، لا يمكن أن يخرج عن ذُلِّه لقدره حتى أعتى الناس وأطغى الناس عبد لله بهذا المعنى، ففرعون عبد لله بهذا المعنى، أليس كذلك؟ ولهذا أدركه الغرق.
الثاني: عبودية الشرع؛ يعني التعبد لشرع الله، وهذا خاص بالمؤمنين؛ لأن الكافرين لم يتعبدوا لله بشرعه بل هم مستكبرون، ومن أمثلة ذلك وأدلته قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣]، فالمراد بالعبودية هنا عبودية الشرع، يعني الذين تعبدوا لشرع الله، وهذا خاصة بالمسلمين المنقادين لأمر الله، وهذه أيضًا تنقسم إلى قسمين: قسم أخص من الآخر؛ فعبودية الرسالة والنبوة أخص من عموم عبودية الإسلام، فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة ٢٣] هذه عبودية رسالة، فهي أخص من قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١] هذه أيضًا عبودية خاصة الخاصة في الحقيقة؛ يعني عبودية رسالة، فهي أخص من قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر ٤٢] من أي القسمين؟
* طلبة: شاملة.. الخاصة وخاصة الخاصة.
* الشيخ: لا، ما فيه خاصة خاصة. إذا قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ إن جعلنا الاستثناء منقطعًا، فالعبودية عبودية الشرع خاصة، وإن جعلنا الاستثناء متصلًا فهي عبودية القدَر؛ ولذلك اختلف العلماء فيها هل الاستثناء منقطع أو متصل؟ هذه الآية أيضًا نظيرها ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات ١٦٠] أي المؤمنين الذين أخلصهم الله تعالى لنفسه.
قال المؤلف: (استثناء منقطع)، والاستثناء المنقطع علامته أن يكون ما بعد (إلا) من غير جنس ما قبلها، والثانية: أن تكون إلا بمعنى لكن، ولهذا نسميه استثناء منقطعًا كأن ما بعدها انقطع عما قبلها، وعليه إذا كان الاستثناء منقطعًا كما قال المؤلف، نقول: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات ١٦٠] معناها أيش؟ لكن عباد الله المخلصين؛ يعني لم يصفوه بهذا الوصف قال رحمه الله تعالى: (استثناء منقطع؛ أي فإنهم يُنزِّهون الله عما يصف هؤلاء).
وذهب بعض العلماء إلى أن الاستثناء هنا متصل؛ فهو مستثنى من الواو في قوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات ١٥٩]، ويكون المعنى سبحان الله عما يصفه الناس كلهم. ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات ١٦٠] يعني إلا ما يصفه به عباد الله المخلصون فإنه متصف به، وهذا احتمال لكن ظاهر السياق ما ذهب إليه المؤلف، وأن قوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ عائد إلى من؟ إلى المشركين الذين وصفوه بأن له بنات، وهؤلاء لا يدخل فيهم المؤمنون، فالمؤمنون ليسوا من جنس المستثنى منه، وحينئذٍ يكون الاستثناء منقطعًا، ويكون فائدة هذا الاستثناء المنقطع الثناء على عباد الله المخلصين حيث لم يصفوه بما وصفه به هؤلاء.
* * *
* الطالب: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات ١٦٤ - ١٦٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات ١٥٧] من المراد بالأمر هنا؟
* طالب: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات ١٥٧] المراد المشركون.
* الشيخ: لكن المراد بالأمر؟
* الطالب: الأمر للتوبيخ، الإعجاز والتحدي.
* الشيخ: التحدي والإعجاز.
وما محل الجملة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ مما قبلها في المعنى؟
* طالب: جملة حالية.
* الشيخ: لا، في المعنى ما في الإعراب.
* الطالب: المعنى في السياق.
* الشيخ: أي لكن ليس المراد في الإعراب.
* الطالب: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات ١٥٧] بأن لله عز وجل بنات، بأن الملائكة بنات الله.
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: تأكيد التحدي والإعجاز، محلها مما قبلها تأكيد التحدي والإعجاز.
بقي علينا نقطة تحتاج إلى معرفة ولم نبينها أمس ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات ١٥٧]، معلوم أن ﴿إِنْ﴾ هذه شرطية، وأنها تحتاج إلى فعل الشرط وجوابه، كذا؟ ففعل الشرط موجود ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فأين جوابه؟ قيل: إن جوابه محذوف دل عليه ما قبله وهو ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾، والتقدير: فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين فأتوا بكتابكم فيكون محذوفًا دل عليه ما قبله، ولا ينبغي ذكره أيضًا؛ لأن ذكره تطويل مستغنى عنه، وقيل: إن (إن) الشرطية في مثل هذا التركيب لا تحتاج إلى جواب أصلًا، تكون مسلوبة الجواب، وعلى هذا القول لا يكون في مثل هذا التركيب تقدير، ويكون هذا المحذوف لما كان معلومًا كان لا يُحتاج إلى ذكره، وإذا لم نحتج إلى ذكره لم نحتج إلى تقديره.
ثم قال الله عز وجل: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ١٦١ - ١٦٣] ﴿فَإِنَّكُمْ﴾ الخطاب هنا للكافرين، وفيه التفات من الغيبة إلى الحضور؛ لأن الكاف للمخاطَب، والمخاطَب حاضر، وما سبق ليس فيه الضمير عائدًا على غائب ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات ١٥٨، ١٥٩] كلها بضمير الغيبة.
والالتفات له فائدة مطردة، الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، أو بالعكس له فائدة مطردة، وهي تنبيه المخاطب، ووجه ذلك أن الخطاب إذا كان على وتيرة واحدة لم يكن فيه ما يدعو إلى الانتباه، فإذا تغير الأسلوب انتبه الإنسان، هذه الفائدة مُطَّردة في كل موضع فيه التفات، وهناك فائدة أخرى تكون بحسب السياق، وليست مطردة في كل موضع، والفائدة هنا ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات ١٦١] هي أن الله سبحانه وتعالى لما تحدث عنهم بصيغة الغيبة، وكان الذي بعد ضمائر الغيبة أمرًا يظن صاحبه أنه قادر عليه، خاطبه مخاطبة الحاضر إفادة إلى ذله وعدم قدرته على ما (...).
فالكفار يحاولون فتن الناس عن دينهم بكل وسيلة؛ تارة بالدعاية لمعبوداتهم، وتارة بالقدح في عبادة الله، وتارة بالقدح في المسلمين وغير ذلك، فيظنون أنهم على شيء، فخاطبهم الله تعالى بالخطاب الصريح إذلالًا لهم فقال: ﴿فَإِنَّكُمْ﴾ أيها المشركون ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ من الأصنام، وعبَّر بـ(ما) التي تستعمل غالبًا في غير العاقل؛ لأن أكثر معبود المشركين من غير العاقل.
ويحتمل أن تكون (ما) مصدرية؛ أي: فإنكم وعبادتكم ما أنتم بفاتنين عليها أحدًا، والمعنى على الوجهين واحد؛ يعني أنتم وأصنامكم لا تفتنون الناس إلا من هو صال الجحيم، أو أنتم وعبادتكم لا تفتنون الناس عليها إلا من هو صال الجحيم.
قوله: (﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات ١٦١] من الأصنام) هل هم يعبدون الأصنام؟ الجواب: نعم، يعبدون الأصنام، ينذرون لها، ويركعون، ويسجدون، ويستغيثون بها، ويجعلونها كالإله سواء، ومع هذا فإن عقولهم قد لعبت بهم بل شياطينهم قد لعبت بهم حيث يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣]، والحقيقة أن عبادتهم إياها تبعدهم من الله ولا تقربهم منه.
يقول: (﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على معبودكم وعليه متعلق بقوله: ﴿بِفَاتِنِينَ﴾ أي أحدًا).
قوله: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات ١٦١، ١٦٢] معلوم أن (إن) هذه تحتاج إلى اسم وخبر، اسمها الكاف في (إنكم) ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ معطوف عليه، وجملة ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ هي الخبر؛ يعني أنتم ومعبوداتكم لا تفتنون أحدًا عن دين الله إلا من هو صال الجحيم.
وقوله: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ قال المؤلف: (أي على معبودكم) ولم يقل: ما أنتم عليها؛ أي معبوداتكم من أجل أن يشمل كل واحد على حدة؛ يعني أي واحد من هذه المعبودات لا يمكن أن تفتنوا عليه أحدًا من الناس.
وقوله: ﴿بِفَاتِنِينَ﴾ أي بصادين؛ لأن الفتنة تأتي بمعنى الصد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج ١٠] أي صدوهم، كما تأتي بمعنى الاختبار مثل: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة ١٠٢] ولها معانٍ أخرى، لكن المراد بها هنا الصادين، وقول المؤلف: (عليه متعلق ﴿بِفَاتِنِينَ﴾ ) فيكون التقدير: ما أنتم بفاتنين عليه، (فاتِن) اسم فاعل من (فتَن) وهو فعل متعدٍّ، فأين مفعوله؟ قدَّره المؤلف في قوله: (أي أحدًا)، ومعنى الآية على سبيل العموم أن الله خاطَب هؤلاء المشركين بأنهم هم ومعبوداتهم مهما عملوا من الحِيل والدعاية لن يفتنوا أحدًا حتى يعبد هذه الأصنام.
﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ١٦٣] يعني إلا الذي هو صال الجحيم، و﴿صَالِ﴾ اسم فاعل، وحذفت الياء التي في آخر الفعل لالتقاء الساكنين، أين الساكنان؟ الياء وهمزة الوصل ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ١٦٣] على كلام المؤلف تكون ﴿مَنْ﴾ في محل نصب بدلًا من المفعول المحذوف (أحدًا)، ما أنتم بفاتنين أحدًا إلا من هو.
وذهب بعض المعربين إلى أن ﴿مَنْ﴾ مفعول لـ(فاتنين) على أنه استثناء مُفرَّغ، وأظنكم تعرفون الاستثناء المفرغ؟ هو الذي يكون ما بعد (إلا) معمولًا لما قبلها، هذا الاستثناء المفرغ سواء كان فاعلًا أو مفعولًا أو مجرورًا فإذا قلت: ما قام إلا زيد، فهذا استثناء مفرغ؛ لأنك فرغت العامل من المعمول إلا ما بعد إلا، فتقول: (ما) نافية، وقام فعل ماضٍ، و(إلا) أداة حصر، ما هي أداة استثناء هنا، وزيد فاعل، وتقول: ما رأيت إلا عمرًا. فـ(رأيت) فعل وفاعل، و(إلا) أداة حصر، و(عَمرًا) مفعول (رأيت)، وتقول: ما مررت إلا بزيد، تقول: (إلا) أداة حصر. و(بزيد) جار ومجرور متعلق بـ(مررت).
فعلى هذا تكون الآية التي معنا ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ﴾ [الصافات ١٦٢، ١٦٣] كالمثال الذي مثَّلناه، وهو ما رأيت إلا زيدًا، وهذا الذي ذهب إليه بعض المعربين أصح؛ مما ذهب إليه المؤلف؛ أي أن الاستثناء مفرغ، وعليه فلا نحتاج إلى تقدير المفعول به، فيكون (أحدًا) الذي قدَّره المؤلف مُستغنًى عنه؛ لأن الاستثناء مفرغ، فكما أنك لو قلت: ما رأيت إلا زيدًا، لا تحتاج إلى تقدير: ما رأيت أحدًا إلا زيدًا، ما تحتج إلى التقدير هذا، فكذلك: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ١٦٢، ١٦٣].
وخلاصة المقام أن نقول: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات ١٦٢] ﴿مَا﴾ نافية و(أن) اسمها و﴿بِفَاتِنِينَ﴾ خبرها، و(فاتن) اسم فاعل يحتاج إلى مفعول، والمفعول ﴿مَنْ﴾ في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ١٦٣].
وقوله: ﴿صَالِ الْجَحِيمِ﴾ قال المؤلف: (في علم الله)، وإنما احتاج إلى تقدير في علم الله؛ لأن ﴿صَالِ﴾ اسم فاعل، وهم لم يصلوها حتى الآن ليش؟ لأنهم ما ماتوا، فالْمَفْتُون حي، فكيف يُقال: صال الجحيم وهو لم يمت بعد؟ قال المؤلف: المراد صالِ الجحيم في علم الله؛ أي من علم الله أنه سيصلى الجحيم فهو الذي تفتنونه، وأما من علم الله أنه مؤمن فلن تفتنوه، وهذا كقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف ١٧٨].
قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات ١٤٩].
* في هذا من الفوائد: تحدي أهل الكفر والشرك ببيان الدليل على ما يقولون من الكذب والافتراء.
* وفيه أيضًا من فوائدها: التهكم بهؤلاء المشركين، حيث جعلهم بمنزلة العلماء الذين يُستَفْتَون وهم أجهل الناس بلا شك.
* ومن فوائدها: بيان جور هؤلاء المشركين، حيث جعلوا لله البنات وهم يكرهون البنات، ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل ٥٨] ويجعلون لله البنات، مع أن البنين والبنات كلها ممتنعة على الله؛ لأن الله لم يلد ولم يولد.
* ومن فوائد الآيات الكريمة؛ الآيات كلها: الإنكار على هؤلاء الذين قالوا: إن الملائكة بنات الله؛ لقوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ [الصافات ١٥٠].
* ومن فوائدها أيضًا: تحدي هؤلاء الذين ادَّعوا أن الله سبحانه وتعالى جعل الملائكة بنات الله؛ لأنه يقال لهم: هل شهدتم خلق الله للبنات حتى تعلموا أنها بنات الله؟ والجواب شهدوا أو لا؟ ما شهدوا؛ ولهذا قال: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ [الصافات ١٥٠].
* ومن فوائدها: إثبات الملائكة، والإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الستة كما هو معروف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل من ادَّعى دعوى فإنه يُطالَب بالبينة عليها؛ لقوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ [الصافات ١٥٠]، فهل هم شاهدون حتى يدَّعوا ذلك؟
* ومن فوائد الآية الكريمة: تأكيد إفك هؤلاء الكذابين الذين ادَّعوا أن لله ولدًا؛ لقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات ١٥١].
* ومن فوائدها: أن هؤلاء لهم إفك متعدد بناء على أن ﴿مِنْ﴾ للتبعيض ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات ١٥١، ١٥٢].
* ومن فوائد الآيات: أن الله تعالى مُنَزَّه عن الولد؛ لأن الله جعل هذه الدعوى إفكًا وكذبًا، وأكد الله ذلك بقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
* ومن فوائد الآيات أيضًا: الاستدلال على هؤلاء بدلالة العقل، وهو أن يُقال: كيف يصطفي الله البنات على البنين؟ هذا ليس بعقل، ليس بمعقول، ولكن هم يجعلون هذا الشيء أمرًا معقولًا واجبًا أيضًا؛ أن يكون لله البنات ولهم البنون.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين حكموا بهذا الحكم أشبه ما يكونون بالمجانين؛ ولهذا خُوطبوا بمخاطبة المجنون حيث قيل لهم: ﴿مَا لَكُمْ﴾ ما هذا العمل؟ هل هذا عمل عاقل؟!
* ومن فوائدها: الإنكار على كل حكم باطل؛ لقوله: ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات ١٥٤] فإن هذا إنكار عليهم بهذا الحكم الذي يُعلم بطلانه بضرورة العقل والنقل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإعلان بسفه هؤلاء وأنهم لا ينتفعون بالآيات؛ لقوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الصافات ١٥٥].
* ومن فوائدها أيضًا: توبيخ من لم يتذكر؛ لأن المراد بالاستفهام هنا التوبيخ، فكل من لم يتذكر بآيات الله فلا شك أنه مستحق للوم والتوبيخ.
* ومن فوائدها: إظهار عدل الله عز وجل في مجادلة العدو والخصم في قوله: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات ١٥٦]، فلم يقتصر الله عز وجل على تكذبيهم؛ يعني على أن كذَّبهم، بل طلب منهم الحجة إن كانوا صادقين في دعواهم، ومن المعلوم أنهم لن يُقيموا الحجة؛ ولهذا قال: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات ١٥٧].
* ومن فوائدها أيضًا: جواز تحدي الخصم بما يعجز عنه، وأن ذلك طريق من طرق إفحامه.
فإن الخصم عند المناظرة يمكن إبطال حجته بعدة أساليب؛ منها: التحدي ولكن يجب أن يكون التحدي بما لا يمكن أن يُقيم عليه البرهان والدليل؛ لأنك لو تحديته بشيء يمكنه أن يقيم عليه الدليل والبرهان، فأقام عليه الدليل والبرهان لخَصَمَك ولضعف جانبك، فإياك أن تتحدى عند المناظرة إلا بشيء تعلم أنه لا يمكن أن يكون.
ولهذا ذكر الله سبحانه وتعالى في محاجة إبراهيم مع الرجل حين قال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨] فقال له الرجل: أنا أحيي وأميت، فقال إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام تحدَّاه أولًا بأن الله يحيي ويميت، وأنت أيها المحاج لا تحيي ولا تميت، فلما ادعى كذبًا أنه يحيي ويميت، وكان في ذلك تلبيس على العامة؛ لأنه قال: أنا أحيي وأُميت، أُوتَى بالرجل المستحق للقتل فلا أقتله، فهذا -على زعمه- إحياء، والحقيقة أن هذا ليس إحياءً، ولكنه استبقاء حياة، وليس استبقاء حياة أيضًا، ولكنه رفع سبب يكون به الموت، وقد يبقى هذا الذي رفعنا عنه سبب الموت وقد لا يبقى، وقال: إني أوتى بالرجل البريء فأقتله فهذا إماتة. على زعمه، وهذا ليس بإماتة ولكنه فعل سبب يكون به الموت، وقد لا يكون به الموت.
فالحاصل أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أراد قصر الطريق واختصاره قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨] فانقطعت الحجة ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ وهذه من آداب المناظرة؛ وهو إفحام الخصم بما لا يمكن أن يقيم عليه الحجة والبرهان، ولكن كما قلت: يجب أن تُلاحظ أنك إذا أفحمته أو تحديته بشيء يمكنه أن يقوم به، فقام به، فهذا إضعاف لجانبك، سيكون هذا أحد طرق هزيمتك؛ ولهذا قال: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات ١٥٦].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحجة سلطان لصاحبها؛ لأنه يكون بها السلطة على خصمه الذي يحاجه.
* طالب: ﴿صَالِ الْجَحِيمِ﴾ حذف الياء (...).
* الشيخ: لالتقاء الساكنين.
* الطالب: أيها؟
* الشيخ: الجحيم ما هي همزة وصل؟
* الطالب: هو في جعل (قاضٍ) حذفت الياء منه.
* الشيخ: يكون لالتقاء الساكنين أيضًا؛ لأن التنوين ساكن.
* الطالب: وهنا إذا كان كذلك (...).
* الشيخ: هذا لالتقاء الساكنين لكن يختلف؛ لأن هنا ما فيه التنوين، والسبب أن ما فيه التنوين؛ لأنها مضافة، والمضاف لا ينون، ألم تسمع قول الشاعر:
كَـــأَنِّيَ تَنْــــوِينٌ وَأَنْتَ إِضَـــافَةٌ ∗∗∗ فَأَيْــنَ تَرَانِي لَا تَحِـــلُّمَــكَــانِي
* الطالب: ولا تجمع بين اللام والتنوين.
* الشيخ: نعم.
* طالب: قال الله في الآية: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات ١٦١، ١٦٢] يعني منهم العاقل وغير العاقل؟
* الشيخ: إي نعم، لكن الغالب؟
* الطالب: الغالب أنه لغير العاقل.
* الشيخ: غير العاقل؛ فلهذا أتى بـ(ما) تغليبًا.
* الطالب: من باب التغليب هذا؟
* الشيخ: نعم، مثل: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الجمعة ١].
* طالب: نأخذ من مجمل الآيات تفضيل الله عز وجل للوليد الابن على الوليد البنت؟
* الشيخ: للابن على البنت؟ هذا معروف أن الابن أفضل.
* الطالب: يعني داخلة في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣٤]؟
* الشيخ: إي نعم.
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات ١٦٤ - ١٧٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات ١٥٧].
* من فوائد هذه الآية: أن من تحدى غيره فله طلب البينة على ما قال ذلك الغير بقوله: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ [الصافات ١٥٧].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن حُجَّة القرآن حُجَّة دامغة مُلزِمة، لا يمكن التخلص منها؛ ولهذا تأتي دائمًا بصورة التحدي إظهارًا لعجز المعارض وعدم قدرته على المعارضة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء كاذبون فيما ادعوه عاجزون عن إقامة البرهان عليه، لقوله: ﴿كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات ١٥٧].
* ومن فوائد قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ * إلى آخره: بيان عتو هؤلاء وطغيانهم؛ حيث وصفوا الله سبحانه وتعالى بما لا يليق به، فجعلوا بينه وبين الجن نسبًا.
* ومن فوائدها: أن هؤلاء الذين جعلوا بينه وبين الله نسبًا، يعلمون أن هؤلاء مُعذَّبون على ما قالوا، محضرون في النار؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات ١٥٨].
* ومن فوائدها: أن هذه الجنة متبرئة مما يدعيه هؤلاء في جانبها؛ لأنها إذا علمت أنهم محضرون في العذاب فإنها لم تُقرهم على ما ادعوه لله سبحانه وتعالى من الولَد.
* ومن فوائد الآيات الكريمة: تنزيه الله عما وصفه الظالمون المعتدون؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات ١٥٩].
* ومن فوائدها: أن صفات الله تكون سلبية؛ أي دالة على النفي، وتكون ثبوتية؛ أي دالة على الإيجاب، فقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ هذا من صفات النفي، لأنه تنزيه، وصفات النفي التي وصف الله بها نفسه لا تدل على النفي المجرد؛ لأن النفي المجرد ليس بشيء فضلًا عن أن يكون مدحًا، وإنما تدل على ثبوت كماله المنزه عن هذا العيب، فتنزيه الله عما لا يليق به يتضمن كماله فيما يختص به سبحانه وتعالى، وهذه قاعدة في جميع الصفات المنفية أنه لا يراد بها النفي المجرد؛ لأن النفي المجرد ليس بشيء؛ لأنه نفي فضلًا عن أن يكون مدحًا، إنما يراد بها إثبات كماله سبحانه وتعالى في صفاته حتى انتفى عنه كل صفة نقص.
* ومن فوائد الآيات الكريمة: أن من عباد الله سبحانه وتعالى مَنْ مَنَّ عليهم فأخلصهم وأخلصوا له الحق؛ لقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات ١٦٠] الذين أخلصهم الله مما أُصيب به غيرهم، والذين أخلصوا لله فيما يصفونه به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن الكريم مثاني تُثَنَّى فيه الأشياء، فإذا ذُكِر فيه صفة قوم مذمومة ذُكِر بعدها صفة الأقوام المحمودة، فلما ذكر ما وصفه به هؤلاء الظالمون المعتدون بَيَّن أن هناك أناسًا ليسوا على هذه الحال، وهم عباد الله الذين أخلصهم الله تعالى لنفسه، وأخلصوا له ما يجب له.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ١٦١ - ١٦٣] في هذه الآية بيان أن هؤلاء المجرمين الذين يصفون الله بما لا يليق به، ويصدون عن سبيل الله لن يستطيعوا أن يضلوا من هداهم الله، وإنما يضلون من هو صالِ الجحيم؛ أي من هو تابع لهم على إضلالهم حتى يصلى الجحيم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن من تابع أهل السوء في سوئهم فإنه يُخشى أن يكون ممن كُتب عليه أنه من أصحاب الجحيم؛ لقوله: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ١٦٢، ١٦٣].
* ومن فوائدها: أن أهل البصيرة لا يمكن أن يكونوا من أصحاب النار؛ وذلك لأنهم يعرفون الحق، ويعرفون الباطل فيأخذون بالحق، ويتجنبون الباطل، ووجه ذلك: أن الله أخبر بأن هؤلاء المجرمين الضالين المضلين لن يستطيعوا أن يفتنوا أحدًا عن دينه إلا من هو صال الجحيم، فليحذر الإنسان من فتنة أهل الشر والفساد لئلا يكون ممن هو صال الجحيم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العذاب في الآخرة؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ١٦٣]، والمراد جحيم الآخرة ونارها، وليس جحيم الدنيا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: انقسام الناس إلى قسمين: صالٍ للجحيم وناجٍ منهما؛ لأن الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ يدل على أن هناك شيئًا مُستثنًى منه وهو القسم الثاني الذي قدَّر الله له النجاة.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии