Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
Сад 38:7–25, продолжение
* الشيخ: طيب، نبدأ (ستفهم) يعني استفهامية، (شرط) شرطية، (الوصل) موصولة، (فاعجب) تعجبية، (لنكرها) نكرة سواء واصفة أو موصوفة، (بكف) كافَّة، و(نفي) نافية، (زيد) زائدة، (تعظيم) للتعظيم، (مصدر) مصدرية.طيب.
هنا ﴿جُنْدٌ مَا﴾ قال المؤلف: (حقير) فعلى هذا تكون نكرة واصفة أو موصوفة؟ واصفة يعني موصوفًا بها؛ لأن ﴿مَا﴾ هنا صفة لجند، لكن المراد بهذا التحقير، والدليل على أن ذلك للتحقير قوله: ﴿مَهْزُومٌ﴾ والمهزوم حقير ولا خطير؟ حقير، طيب.
وقوله: ﴿هُنَالِكَ﴾ (هنا) إشارة إلى المكان، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب. ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك المكان، يعني المؤلف يقول: (أي في تكذيبهم لك) فجعل الظرفية المكانية هنا التكذيب، ولكن يبدو أن الأمر على خلاف ما قال المؤلف رحمه الله، وأن المشار إليه المكانُ الحسي لا المكان المعنوي؛ أي أنهم إن ارتقوا في الأسباب فسوف يُهْزَمون، فيكون ﴿هُنَالِكَ﴾ أي في المكان الذي يرتقون إليه، فإذا قُدِّر أنهم ارتقوا إلى السماء فهل ستكون لهم الغلبة؟ أبدًا، بالعكس حتى لو ظنوا أنهم وصلوا إلى السماء وصعدوا إلى السماء أنهم انتصروا وأنهم صار لهم العزة فالأمر بالعكس، هذا هو الذي يظهر من الآية الكريمة، أما جعل الظرف هو التكذيب فهذا بعيد، بل التكذيب سبب للخذلان.
﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ يقول المؤلف: (صفة جند) ثانية ولَّا ثالثة؟ ثانية، والأولى ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ صفة جند أيضًا يعني: جند من الأحزاب مهزوم، واعلم أنه إذا تكررت الصفة للنكرة فإن ما بعد الصفة الأولى يجوز أن يكون حالًا، نعم، إذا تكررت الصفة فما بعد الصفة الأولى يجوز أن يكون حالًا؛ فإذا قلت: مررت برجلٍ عظيمٍ كريمٍ شجاعٍ جاز لك أن تقول: مررت برجل عظيمٍ كريمًا شجاعًا نعم، طيب؛ ولكن أيهما أولى؟ الأولى أن تكون صفة أي: نعتًا، لتناسق الكلام وكونه على وتيرة واحدة، فهنا عندنا ثلاثة صفات للجند ﴿ما _ مهزوم _ من الأحزاب﴾ ما الذي يجوز فيه أن يكون منصوبًا على الحال؟ ﴿مَهْزُومٌ﴾ لكن لا يمكن هنا؛ لأن حركة الإعراب ظهرت على أنه مرفوع صفة وكذلك ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ مثله، يعني يجوز أن يكون صفة وهو الأصل، ويجوز أن نجعله في موضع نصب على الحال.
(أي كالأجناد من جنس الأحزاب المتحزبين على الأنبياء قبلك، وأولئك قد قُهِروا وأهلكوا فكذا نهلك هؤلاء) نعم، يعني أن هؤلاء جند من الأجناد الأخرى، والأجناد الأخرى الأحزاب الذين كَذَّبوا الرسل ماذا كان مآلهم؟ كان مآلهم الهلاك والدمار، وقد مر علينا في أول السورة ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص ٣].
ثم بدأ الله الإشارة إلى قصة أولئك الأجناد أو أولئك الأحزاب؛ فقال عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [ص ١٢] قبل من؟ قبل الذين كَذَّبوك من قريش ومن اليهود وغيرهم. ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، ونوح هو أول رسول أرسله الله عز وجل بدلالة القرآن والسنة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦] ولو كان أحد قبل نوح لخرج من ذريتهما، وبه نعرف أن ما يوجد من شجرة الأنبياء التي كُتِبَ فيها أن إدريس قبل نوح خطأ، فإن إدريس بعد نوح بلا شك.
أما السنة فصريحة في ذلك؛ فإنه ثبت في حديث الشفاعة الطويل أن الناس يأتون إلى نوح فيقولون له: أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، وهذا صريح وبه أيضًا نعرف أن ما يُذْكَر في كتب التاريخ من أن إدريس جد لنوح فهو خطأ بلا شك، فإدريس فيما يظهر لنا -والعلم عند الله- من أنبياء بني إسرائيل.
طيب ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ نوح عليه الصلاة والسلام بُعِثَ إلى البشر حين اختلف الناس، وكان الناس في الأول على ملة واحدة فاختلفوا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]. أرسله الله إلى قومه ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ وهو يدعوهم إلى الله، ويأتيهم بالآيات ويتحداهم، ولكنهم -والعياذ بالله- كلما دعاهم ازدادوا عُتوًا ونفورًا ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح ٧]. ولما أَذِن الله تعالى بهلاكهم دعا نوح، دعا ربه ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر ١٠] فانتصر الله له ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر ١١ - ١٤]. وأمره الله أن يحمل معه من آمن من قومه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود ٤٠]. فتصوروا أيها الدعاة، كيف لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا وهو رسول؟ والناس لم يَكثُروا بعد، ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل، حتى أحد نسله قد كفر به وهو ابنه الذي كان من المغرقين.
قال المؤلف رحمه الله: (تأنيث قوم باعتبار المعنى) هل (قوم) مؤنث أو الفعل الذي كان القوم فاعلًا له هو الذي يؤنث؟ نعم نقول: هكذا، الفعل هو الذي أُنِّث ﴿كَذَّبَتْ﴾، أما قوم فليس فيها تاء تأنيث، لكن من المعلوم أن الفعل إذا أُنث فالفاعل مؤنث؛ يعني: معناه إذا وقع الفاعل لفعل مؤنث فهو مؤنث، لكن هذا اللفظ هل هو مؤنث لفظًا أو باعتبار المعنى؟ قال المؤلف: (باعتبار المعنى). وهنا نسأل كيف يكون مؤنثًا باعتبار المعنى؟ لأن ﴿قَوْمُ﴾ جماعة، وكل جَمْعٍ يجوز تأنيثه، قال ابن مالك رحمه الله:
وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ سِوَى السَّالِمِ مِنْ ∗∗∗ مُذَكَّرٍ كَالتَّاءِ مَعْ إِحْدَىاللَّبِنْ
(إحدى اللبن) هي اللبنة، فلبنة يجوز فيها التذكير والتأنيث، لكن التأنيث أرجح، كذلك جميع الجموع ما عدا جمع المذكر السالم يجوز فيه وجود التاء في الفعل.
قال: ﴿وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾ [ص ١٢] ﴿عَادٌ﴾ قوم هود كانوا بالأحقاف وكانوا ذوي شدة وقوة من أشد الناس قوة، فأُعجبوا بقوتهم واستكبروا وعصوا رسولهم عليه الصلاة والسلام، وافتخروا بما أعطاهم الله من القوة كما قال الله عنهم: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾. قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]. فتأمل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ لأن فيها إشارة إلى أنهم ضعفاء أمام خالقهم، ولم يقل: أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات، قال: ﴿خَلَقَهُمْ﴾، فهم مخلوقون، والخالق أعلى مِنَ المخلوق وأشد منه قوة ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ فأهلكهم الله، وعلى حين طمع في رحمته أرسل الله عليهم ريحًا عظيمًا، ولما رَأَوْا ما تحمله الريح من الرمال العظيمة ظنوا أن ذلك سحاب، لما رأوا هذا قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾. فقال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف ٢٤، ٢٥] فعصفت بهم الريح العقيم حتى كانت تحمل الواحد منهم إلى جو السماء، ثم تقلبه على رأسه فصاروا كأعجاز نخل خاوية، (أعجاز نخل) يعني: أصولها وجذوعها، (خاوية) منتكسة، فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنهم. طيب ومع ذلك ما آمن معه إلا نفر قليل.
قال: ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾ [ص ١٢] كان يَتِدُ لكل من يغضب عليه أربعة أوتادًا يشد إليها يديه ورجليه ويعذبه، شوف فرعون الذي أُرْسِلَ إليه موسى، وكان ملكًا قاهرًا لمصر جبارًا عنيدًا، استعبد أهلَ مصر، وقال لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات ٢٤] وسَخِرَ بموسى وقال لهم: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢]، وفخر بما أعطاه الله تعالى من الأنهار قال لهم: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]، وكذب موسى وحارب موسى لكن ليس بالسلاح، بل بما جَمَع له من السحرة؛ لأنه أوهم الناس أن موسى كان ساحرًا، قال: هذا ساحر؛ لأنه يضع العصا في الأرض فتكون حية، ويدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، هذا ساحر، وجمع السحرة وألقوا بما عندهم من السحر العظيم الذي أرهب الناس حتى موسى عليه الصلاة والسلام رهب وخاف فقال الله تعالى: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [طه ٦٨، ٦٩] فأيده الله وألقى ما في يمينه العصا فصارت حية عظيمة التهمت الحبال والعصي التي مَلَؤوا بها الأرض، وصار يُخَيَّل للناس أنها حيات وثعابين تسعى، الْتَهَمَتْهَا كلها، وسبحان الله كيف هذه الحية التي كانت عصا تلتهم كل هذا؟ هذا من آيات الله. فلما رأى السحرة هذا الأمر دُهِشُوا وعلموا أن هذا ليس بساحر؛ لأن الساحر لا يمكن أن يأتي بمثل هذا الأمر، بل هو حقيقة وهو آية أيد الله بها موسى فآمنوا كلهم، كل السحرة، وسجدوا لله ذلًّا وعبادة، وقالوا معلنين: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] فماذا يكون تأثير هؤلاء القوم الذين انتصر بهم فرعون بين الناس؟ سيكون تأثيرُهم بين الناس كبيرًا وعظيمًا، أرأيتم أن أحدًا من الملوك جمع أكبر ما عنده من المهندسين في حشد عظيم، ثم أقروا وأعلنوا لخصوم هذا الملك، ماذا يكون شعور الناس؟ أجيبوا، سيكون شعورهم أن الملك مهزوم؛ ولهذا لما حصل إيمان السحرة لجأ فرعون إلى القوة والقهر وهدَّدَهم بأن يقطِّع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويصلبهم على جذوع النخل حتى يذوقوا العذاب، ولكنهم بإيمانهم ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه ٧٢، ٧٣] فصمدوا أمام هذا الطاغية العنيد حتى صاروا في أول النهار من السحرة الكفرة، وصاروا في آخر النهار من المؤمنين البررة، ما الذي حصل من فرعون؟ بقي مستمرًا على طغيانه والعياذ بالله حتى أهلكهم الله بالغرق، بجنس ما كان يفتخر به على قومه وعلى موسى حين قال: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١] فأُهْلِك بالماء الذي كان يفتخر به.
وقول المؤلف: ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾ [ص ١٢] (كان يَتِدُ) إلى آخره، الذي يظهر أن هذا ليس سبب الوصف بـذي الأوتاد، وإنما السبب الحقيقي أن المراد بالأوتاد القوة التي ثبت بها ملكه كأوتاد الخيمة تُثَبَّت بها الخيمة، ولا يبعد أن يكون من جبروته أن يضع أوتادًا أربعة يصلب عليها الإنسان ويعذبه، ما يبعد هذا، لكن هذا لا يمكن أن يمتدح به فرعون على أنه ذو قوة، بل الصحيح أن المراد بالأوتاد هنا أيش؟ ما كان عليه من القوة التي ثبت بها ملكه كأوتاد الخيمة تُثَبَّت بها الخيمة.
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦) اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص ١٢ - ١٧].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾.
وقبل ما نأخذ المناقشة في قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [ص ١٠] لنسأل عن (أم) هنا.
* طالب: الهمزة للإضراب.
* الشيخ: هل هي منقطعة أم متصلة؟
* طالب: منقطعة، مقدرة بـ (بل) والهمزة.
* الشيخ: منقطعة، مقدرة بـ بل والهمزة. ما الفرق بين المتصلة والمنقطعة؟
* الطالب: المنقطعة لا تذكر بين شيئين متعادلين كما تكون بمعنى (بل).
* الشيخ: والمتصلة؟
* الطالب: والمتصلة تذكر بين شيئين متعادلين.
* الشيخ: هذا فرق.
* الطالب: وتكون بمعنى (أو).
* الشيخ: الفرق الثاني أن المتصلة بمعنى (أو) والمنقطعة بمعنى (بل). طيب، ماذا يفيد قوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾؟
* طالب: أن ما بين السموات والأرض من المخلوقات جعله الله قسيمًا للسماوات والأرض (...).
* الشيخ: مما يدل على أن بينهما أشياء عظيمة، تمام، اللام في قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا﴾ اللام لام أيش؟
* الطالب: ﴿فَلْيَرْتَقُوا﴾ اللام لام الأمر لكن أتي بها للاستهزاء بهم.
* الشيخ: اللام لام الأمر، لكن ما المراد بالأمر هنا؟
* الطالب: الاستهزاء بهم (...).
* طالب آخر: اللام لام الأمر والفاء جواب الشرط.
* الشيخ: لكن ما المراد بالأمر؟
* طالب: استهزاء بهم.
* طالب آخر: التحدي.
* الطالب: المراد بالأمر التحدي.
* الشيخ: المراد بالأمر التحدي، إن كانوا صادقين فليرتقوا بالأسباب، طيب، والفاء؟
* الطالب:(...).
* الشيخ: في جواب شرط مقدر، والتقدير؟
* الطالب: إن كانوا صادقين فليرتقوا في الأسباب.
* الشيخ: إن كانوا صادقين أو إن كان لهم ملك السماوات والأرض فليرتقوا في الأسباب، طيب، ما المراد بالأسباب؟
* الطالب: الأسباب هنا ما يوصل إلى السماء.
* الشيخ: إي، ما المراد بها؟
* الطالب: كل ما يوصل إلى..
* الشيخ: إي لكن ما المراد بها هنا؟
* الطالب: كل ما يوصل إلى السماء.
* الشيخ: الأسباب الموصلة إلى السماء، طيب هل هناك دليل يؤيد ما قلت؟ نعم.
* طالب: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج ١٥].
* الشيخ: أحسنت، قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ طيب.
قوله تعالى: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ [ص ١١] إعراب (جند)؟
* الطالب: ﴿جُنْدٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف.
* الشيخ: التقدير؟
* الطالب: هم جند.
* الشيخ: طيب و﴿مَا﴾ ما المراد بها؟
* الطالب: (...).
* طالب آخر: نكرة واصفة.
* الشيخ: والتقدير؟
* الطالب: التقدير أنهم مهزومون، أنهم هنالك مهزمون.
* الشيخ: أنت قلت: إن ﴿مَا﴾ نكرة واصفة، كيف تقدرها؟
* الطالب: التقدير أن هؤلاء جند مهزومون.
* طالب: (...) حقير.
* الشيخ: تقدر بالحقير؛ أي: جند حقير هنالك. طيب، المشار إليه في قوله: ﴿هُنَالِكَ﴾؟
* الطالب: المكان حسي.
* الشيخ: وعلى ما قال المؤلف؟
* طالب: المكان المعنوي هو التكذيب.
* الشيخ: المكان معنوي وهو التكذيب، والقول الثاني بالمكان حسي؛ أي: إنهم إن ارتقوا فهم جند حقير مهزومون هنالك. طيب ﴿مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ كيف تعرب مهزوم؟
* الطالب: صفة.
* الشيخ: صفة لأيش؟
* الطالب: لـ ﴿جُنْدٌ﴾.
* الشيخ: ومن الأحزاب؟
* الطالب: صفة.
* الشيخ: صفة؟
* الطالب: إما أن نقول: صفة ثانية، وإما أن نقول: حال.
* الشيخ: صفة ثانية أو ثالثة؟
* الطالب: ثالثة.
* الشيخ: ثالثة، لأن (ما) الأولى.
* الطالب: الأولى.
* الشيخ: ومهزوم؟
* الطالب: صفة ثانية.
* الشيخ: طيب، قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ مَن نوح؟
* طالب: نبي الله.
* الشيخ: آخر الأنبياء.
* الطالب: لا، أول الأنبياء.
* الشيخ: ما دليلك على أنه أول الأنبياء من كتاب الله؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣].
* الشيخ: الشاهد من الآية؟
* الطالب: ﴿إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
* الشيخ: دليل آخر؟
* طالب: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦].
* الشيخ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾.طيب. دليل من السنة؟
* الطالب: قوله عليه الصلاة والسلام فيما ثبت في حديث الشفاعة: (...) سيأتون إلى نوح عليه السلام ويقولون له: أنت أول الرسل..
* الشيخ: «أَنْتَ أَوَّلُ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ»[[جزء من حديث الشفاعة الطويل الذي أخرجه الشيخان: البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣/٣٢٢) من حديث أنس رضي الله عنه، ولفظه «يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم، ويذكر ذنبه فيستحي، ائتوا نوحًا، فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ...» الحديث.]]. طيب، وبناء على هذا نستفيد أن من قال: إن إدريس أحد أجداد نوح..
* الطالب: أنه خطأ.
* الشيخ: خطأ وغلط. تمام.
* الشيخ: كم بقي نوح في قومه؟
* الطالب: ألف سنة إلا خمسين عامًا.
* الشيخ: ألف سنة إلا خمسين عامًا، والنتيجة؟
* الطالب: ما آمن معه إلا قليل.
* الشيخ: ما آمن معه إلا قليل، أحسنت، وكفر ممن كفر به أحد أبنائه. طيب نأخذ من هذا عبرة سيأتينا إن شاء الله في الفوائد.
* الشيخ: عاد؟
* الطالب: قوم هود.
* الشيخ: ما هو وصفهم الذي تميزوا به عن غيرهم؟
* الطالب: كانوا شديدي القوة وتكبروا بهذه القوة، وقالوا: من أشد منا قوة؟
* الشيخ: وبماذا هلكوا؟
* الطالب: أهلكهم الله بالريح.
* الشيخ: بالريح. طيب، قوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾ ما معنى (ذو الأوتاد)؟
* الطالب: ذو الجبال.
* الشيخ: لا، ما هي.
* الطالب: ذكر المؤلف أنها (...).
* الشيخ: أنها أوتاد يدقها في الأرض ويربط بها أيدي وأرجل مَنْ عصاه.
* الطالب: ولكن قلنا: أن الأولى أنها تُفَسَّر بقوة.
* الشيخ: بقوة، يعني: بقوة وشدة الملك والسلطان.
* الطالب: كما يقال في أوتاد الخيمة.
* الشيخ: كما يقال في أوتاد الخيمة التي تمسكها وتثبتها.
قال الله عز وجل: ﴿وَثَمُودُ﴾ معطوفة على ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ يعني: وكذبت قبلهم ثمود أصحاب صالح، وهم في مكان يقال له: الحجر، وتُسَمَّى الآن بمدائن صالح. أرسله الله سبحانه وتعالى إليهم ولكنهم كفروا به ولم يؤمن معه إلا قليل، وآتاهم الله تعالى آية عظيمة وهي ناقة يحلبونها يومًا وتشرب الماء يومًا آخر، وقيل: إن الواحد منهم يأتي إليها فيسقيها ويأخذ من لبنها بقدر ما أسقاها، فالله أعلم.
المهم أن هؤلاء القوم عندهم قوة يتخذون من الجبال بيوتًا، ولا تزل آثارهم باقية إلى اليوم، وقد مر النبي ﷺ بها وهو ذاهب إلى تبوك فقَنَّع رأسه ﷺ؛ يعني: غطاه وأسرع في السيرة، وقال: «لَا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠ / ٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ولفظه: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المُعَذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم؛ أن يصيبكم مثل ما أصابهم».]].
قال: ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ لوط ابن أخي إبراهيم، أرسله الله تعالى إلى قومه وكانوا قد ارتكبوا الفاحشة -والعياذ بالله- فكانوا يأتون الرجال ويدعون النساء ووبخهم لوط على ذلك، وقال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، فأنتم الآن تركتم الحلال إلى الحرام، وتركتم النزيه إلى الخسيس، ولكنهم أَبَوْا واستكبروا حتى إن زوجته كانت منهم فأمره الله تعالى أن يسري بأهله، وأرسل على قومه حجارة من سجيل حتى جعل عاليها سافلها، وهذا من المناسبة بوضوح؛ فإن هؤلاء لما انقلبوا عن الحقيقة ونزلوا إلى أسفل الأخلاق جعل الله أعالي قريتهم جعلها سافلها.
واختلف العلماء في معنى هذه؛ فقال بعضهم: إن الأرض حملت ثم نُكِّسَت فصارت أعاليها سافلها، وقال بعضهم: بل إنها تهدمت من الحجارة التي أرسلت إليهم حتى صار أعاليها سافلها.
قال: ﴿وَأَصْحَابُ الايْكَةِ﴾ [ص: ١٣] ﴿وَأَصْحَابُ الايْكَةِ﴾ أو ﴿الْأَيْكَةِ﴾ فيها قراءتان.
﴿الْأَيْكَةِ﴾ قال المؤلف: (الغيظة وهم قوم شعيب عليه السلام) الغيظة هي الأشجار الملتف بعضها إلى بعض، وكانوا في نعيم ولكنهم عَصَوا شعيبًا وسَخِروا منه وقالوا: ﴿يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود ٩١] ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود ٨٧] يسخرون به ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء ١٨٩].
قال أهل العلم: إنهم أصيبوا بحر شديد جدًّا فأرسل الله تعالى غمامة لها ظِلٌّ فتَنَادَوْا إليها يستظلون بظلها فكان ظلها أكثر إحراقًا من الشمس والعياذ بالله، فأتوا من حيث أَمِنُوا.
يقول الله عز وجل في هؤلاء: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ [ص ١٣] يعني أولئك الأحزاب العظماء الذين طغوا واستكبروا وكذبوا الرسل، فالإشارة هنا بصيغة البُعد إما لدُنُوِّ منزلتهم وبعدها عن الصواب، وإما لعلوها باعتبار حالهم التي كانوا عليها من الطغيان والعتو؛ وذلك لأن (أولاء) لا يشار بها إلا إلى الشيء البعيد عُلوًّا أو نزولًا أو مساحة.
﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ جمع (حزب)، والحزب هو الطائفة، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون ٥٣] أي كل طائفة.
﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ يحتمل أن تكون مبتدأ وخبرًا؛ يعني: أولئك هم الأحزاب الذين كذبوا الرسل فأهلكناهم، ويحتمل أن تكون ﴿الْأَحْزَابُ﴾ صفة لـ﴿أُولَئِكَ﴾.
وقوله: ﴿إِنْ كُلٌّ﴾ [ص ١٤] الجملة خير المبتدأ. ﴿إِنْ﴾ قال: (ما) إي (إن) نافية، وقد سبق لنا قريبًا أن (إن) تُسْتَعمل في اللغة العربية على وجوه: النفي، والشرط، ومخففة من الثقيلة، والزائدة، قال: ﴿إِنْ كُلٌّ﴾، ما كُلٌّ من الأحزاب ﴿إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ ﴿كُلٌّ﴾ من هؤلاء الأحزاب كذبوا الرسل، والرسل جمع رسول.
وهل الرسل التي جُمِعَت موزعة على الجمع توزيع أفراد أو توزيع كل؟
المعنى أنهم أحزاب ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ يعني: كل حزب كذب رسوله، وعلى هذا فالجمع مُوَزَّع على الجمع الذي قبله توزيع أفراد، أو هو توزيع جملة أي كل حزب كذب جميع الرسل.
المؤلف مشى على الثاني: قال: (لأنهم إذا كذبوا واحدًا فقد كذبوا جميعهم لأن دعوتهم واحدة وهي دعوة التوحيد). فمشى رحمه الله على أن الجمع موزع على الأفراد توزيع جمع؛ يعني كل حزب كذب جميع الرسل، ويؤيد ما ذهب إليه رحمه الله قول تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] فإن ذكر قوم نوح كذبوا المرسلين، ومن المعلوم أنه لم يُبْعَث رسول قبل نوح حتى نقول: إنهم كذبوا مَنْ سبق، وعلى هذا فيكون ما ذهب إليه المؤلف أرجح مما يحتمله اللفظ احتمالًا مرجوحًا وهي أن يكون الجمع موزعًا على ما قبله توزيع أفراد ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾.
وقوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ يعني سبحانه وتعالى باعتبار الجملة؛ لأن بعض القوم آمنوا لكنهم كانوا قلة، والقلة مع الكثرة تنغمر فيها فلهذا قال: (﴿إِنْ كُلٌّ﴾ من الأحزاب ﴿إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ )، ويحتمل أن يقال: إنه لا حاجة إلا هذا التقدير فلا حاجة أن نقول: إن هذا باعتبار الكثير من هؤلاء الأقوام؛ لأنه قال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ فيكون قوله: ﴿إِنْ كُلٌّ﴾ أي: من المكذبين، ﴿إِنْ كُلٌّ﴾ يعني من هؤلاء المكذبين ﴿إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾، وعلى هذا فلا حاجة إلى الاستثناء، إلى استثناء الذين آمنوا، وإلى القول: بأن الآية جاءت على الأغلب.
قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ الرسل الذين أُرْسِلوا إليهم، وهنا نحتاج إلى الفرق بين الرسل والنبيين فنقول: أولًا: كُلُّ مَنْ ذُكِرَ في القرآن من النبيين فهو رسول ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨]، وعلى هذا فيكون كُلُّ مَنْ ذُكِرَ في القرآن من الرسل؛ لأنهم قصوا علينا، وكل من قُصَّ علينا فهو رسول.
أما على سبيل العموم فإن العلماء يقولون على المشهور عندهم: إن الرسول من أوحي إليه بشرع، وأُمِرَ بتبليغه والدعوة إليه؛ لأنه رسول، والرسول ما عليه إلا البلاغ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧]، وأما النبي: فهو الذي أوحي إليه بوحي لكن لم يؤمر بالتبليغ، فيكون كالمجدد من هذه الأمة، فالمجدد من هذه الأمة صالح في نفسه ولكنه يدعو حسب استطاعته، فالنبي لم يُكَلَّف بالرسالة، وإنما أوحي إليه بما يصلحه ويصلح به غيره لا على سبيل الإلزام بالرسالة.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الفرق أن النبي هو مَنْ جَدَّد شَرْع مَنْ قبله ولم يَسْتَقِلَّ بوحي فهو يأتي بالشريعة لسابقة، وأما الرسول فهو الذي يُجَدِّد له الوحي ويأتي بشريعة مستقلة. وهذا القول قد نقول: إنه جيد لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة ٤٤]، ولكنه ينتقض بآدم عليه الصلاة والسلام فإن آدم نبي ولم يكن تابعًا لشريعة سابقة، والقول إذا انتقض فهو ضعيف غير مُعْتَمَدٍ عليه.
قال: ﴿إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ [ص ١٤] ﴿حَقَّ﴾: أي: وَجَب، ﴿حَقَّ﴾ يعني: وجب وثبت.
وقوله: ﴿عِقَابِ﴾ فاعل (حَقَّ) مرفوع وعلامة رفعة الكسرة الظاهرة على آخره، لأن الاسم المفرد يرفع بالكسرة!
* طلبة: ليس بصحيح.
* الشيخ: ما هو صحيح؟ إذن كيف جاءت هذه الكسرة؟ هذه الكسرة جاءت من أجل مناسبة الياء المحذوفة للتخفيف، وتقدير الكلام: (فحق عقابي) لكن حُذِفَت الياء للتخفيف، وعلى هذا فنقول: ﴿عِقَابِ﴾ فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة.
﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾ العقاب هو المؤاخذة على الذنب؛ ولهذا سُمِّي عقابًا لأنه يأتي عقب الجريمة، فكلُّ عذاب على جريمة فإنه يُسَمَّى عقابًا.
هذا العقاب الذي أنزله الله بهم هو عقاب مَبْنِيٌّ على العدل؛ لأن الله تعالى أضافه إلى نفسه فقال: (حق عقابي)، ونحن نعلم أن الرَّبَّ عز وجل لا يظلم أحدًا أبدًا لا يزيد في سيئاته ولا وينقص من حسناته، لكن لو كان العقاب من غير الله لكان يمكن أن يزداد على الجريمة، أما العقاب الذي أضافه الله إلى نفسه فهو عقاب عدل.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص ١٥].
﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ﴾ ﴿يَنْظُرُ﴾ إذا تعدت بـ(إلى)فهي نظر العين، وإن جاءت متعدية بنفسها صارت بمعنى الانتظار، وإن جاءت مطلقة فهي على حسب السياق، يعني: جاءت غير مقيدة بحرف جر ولا مقيدة بمفعول فهي على حسب السياق، مثال التي قُيِّدَت بـ(إلى): قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣] فإن ﴿نَاظِرَةٌ﴾ هنا بمعنى باصرة بالعين؛ لأنها تعدت بـ(إلى)، وأُضيفت إلى الوجوه أيضًا التي هي مكان العيون، وإذا جاءت متعدية بنفسها فإنها تكون بمعنى الانتظار، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد ١٨].
وقد تأتي متعدية ويكون المراد بها نظر العبرة.
﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص ١٥] ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ﴾ ﴿يَنْظُرُ﴾ إذا تعدت بـ(إلى) فهي نظر العين، وإن جاءت متعدية بنفسها صارت بمعنى الانتظار، وإن جاءت مطلقة فهي على حسب السياق؛ يعني إن جاءت غير مقيدة بحرف جر، ولا مقيدة بمفعول فهي على حسب السياق، مثال التي قُيدت بـ(إلى) قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣]. فإن ﴿نَاظِرَةٌ﴾ هنا بمعنى (باصرة بالعين)؛ لأنها تعدت بـ(إلى) وأُضيفت إلى الوجوه أيضًا التي هي مكان العيون، وإذا جاءت متعدية بنفسها فإنها تكون بمعنى الانتظار، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد ١٨].
وقد تأتي متعدية ويكون المراد بها النظر العِبرة والتفكر كما في قوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١].
وإن جاءت مطلقة غير مُعدَّاة بنفسها، ولا بـ(إلى) فهي بحسب السياق، مثل قوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين ٢٣]، منهم من قال: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ بمعنى ينتظرون النعيم الذي يُؤتَى بهم إليهم، ومنهم من قال: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ أي ينظرون إلى ما أنعم الله به عليهم، ومنه النظر إلى وجه الله. هنا ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً﴾ متعدية بأيش؟
* طالب: بنفسها.
* الشيخ: بنفسها؛ إذن هي بمعنى (ينتظر). يعني ما ينتظر هؤلاء، والمشار إليهم أهل مكة أي كفارها، كما قال المؤلف: (أي كفار مكة) ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ ﴿صَيْحَةً﴾ يُصاح بهم ﴿وَاحِدَةً﴾ لا تُعاد مرة أخرى كما قال الله تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرّ﴾ [القمر ٤٦]، وقال أيضًا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر ٤٩-٥٠]، وقال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٥٣]، فالصيحة هي التي تكون يوم القيامة كما قال المؤلف: (هي نفخة القيامة تحل بهم العذاب) وهي الساعة، هذه الصيحة الواحدة.
(﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ بفتح الفاء وضمها أي: رجوع) ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ ﴿مَا﴾ نافية، وليست هنا حجازية لاتفاق التميميين والحجازيين على عدم عملها؛ لأن الحجازيين يُعملونها بشرط الترتيب؛ أي تقدم الاسم على الخبر، وهنا لم يتقدم الاسم على الخبر بل تأخر، فهي إذن نافية.
و﴿لَهَا﴾ جار ومجرور خبر مقدم ﴿مِنْ فَوَاقٍ﴾، ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد للتأكيد، و﴿فَوَاقٍ﴾ مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، أما من حيث التصريف فقال المؤلف: (إنها بفتح الفاء وضمها) ﴿فَوَاقٍ﴾ و﴿فُوَاقٍ﴾ ومعناه الرجوع، وقيل معناه: الإمهال يعني أنها لا تمهلهم بل تأخذهم بسرعة، وقيل: إنها إن كانت ﴿فَوَاقٍ﴾ فهي بمعنى الرجوع؛ لأنها (أفاق، يُفيق) إذا رجع إلى عقله، وإذا كان ﴿فَوَاقٍ﴾ فهي بمعنى الإمهال، مأخوذ من قولهم: فُواق ناقة، فُواق الناقة ما بين الحلبتين، أو ما بين الرضعتين، ما بين الحلبتين إذا كانت تُحلب، وهي مدة وجيزة؛ يعني مثلًا الإنسان يعصر الثدي كذا، ثم يعود فيعصره، ويعود ويعصره، فالمدة بين الحلبتين قليلة، وكذلك بين الرضعتين، الرضيع الطفل إذا كان يرضع الأم يمص، ثم يمص، ثم يمص، وهم يطلقون هذا على سرعة الشيء وعدم إمهاله، ويمكن أن نقول: إن القراءتين تجمعان المعنيين فيكون المعنى ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ أي: ما لها من رجوع ولا إمهال.
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص ١٦] أعوذ بالله، لما توعدهم الرسول عليه الصلاة والسلام بيوم القيامة، وأن لهم العذاب فيها تحدوا الرسول عليه الصلاة والسلام، بل تحدوا الله وقالوا: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ يعني نصيبنا، يقولون ذلك تحديًا واستكبارًا وعنادًا والعياذ بالله، وهذا كقولهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢]. هذا قول معاند مستكبر، وكان الواجب عليهم أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، ووفِّقْنا له، هذا الواجب، أما أن يقولوا: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ فهذا لا شك أنه في غاية الاستكبار والعياذ بالله.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии