Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
Аз-Зумар 39:16–20
39:16–20Страница 460
لَهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ ظُلَلٞ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحۡتِهِمۡ ظُلَلٞۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥۚ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ ١٦
Над ними будут навесы из огня, и под ними будут навесы». Этим Аллах устрашает Своих рабов. О рабы Мои, бойтесь Меня!
وَٱلَّذِينَ ٱجۡتَنَبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعۡبُدُوهَا وَأَنَابُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰۚ فَبَشِّرۡ عِبَادِ ١٧
Для тех, которые избежали поклонения тагуту и обратились к Аллаху, есть благая весть. Обрадуй же Моих рабов,
ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٨
которые прислушиваются к словам и следуют наилучшим из них. Это - те, которых Аллах наставил на прямой путь. Они и есть обладающие разумом.
أَفَمَنۡ حَقَّ عَلَيۡهِ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ ١٩
Разве ты сможешь спасти того, относительно кого сбылось Слово о мучениях, кто находится в Огне?
لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ غُرَفٞ مِّن فَوۡقِهَا غُرَفٞ مَّبۡنِيَّةٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ ٱلۡمِيعَادَ ٢٠
Но для тех, кто боялся своего Господа, уготованы горницы, расположенные одна над другой, под которыми текут реки. Таково обещание Аллаха, и Аллах не нарушает обещания!
ثم قال الله تعالى -ونحن نبتدئ بذلك الدرس-: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر ١٦]، ﴿لَهُمْ﴾ الضمير يعود على ﴿الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥] وهم الكفار.
﴿مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ من فوق رؤوسِهم، وكلمة ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ تدلُّ على أن هذه الظُّلَل محيطةٌ بهم.
وقوله: ﴿ظُلَلٌ﴾ قال المؤلف: (طِبَاقٌ ﴿مِنَ النَّارِ﴾ )، وهذه الطِّباق من النَّار لا نعلم كيفيَّتها، لا نعلم هل هي حديدٌ مُحمى أو حجارة أو غير ذلك، لكن إذا تأمَّلْنا قولَه تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة ٢٤] فقد نقول: إنها من الحجارة، وليست أيضًا كحجارتنا، بل هي حجارةٌ لا تُعلم كيفيَّتها.
وقوله: ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أي: (مِن النار) كما قال المؤلف، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف ٤١] أي: شيءٌ يغشاهم؛ أي: يغطِّيهم.
﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر ١٦] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المشار إليه مِن ذكْر هذه الظُّلَل ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾، ﴿بِهِ﴾ الضمير يعود على العذاب المذكور، والباء للسببية؛ أي يُخَوِّف بسببه، ويجوز أن تكون للتعدية؛ أي: يُخَوِّف به نفسه.
﴿عِبَادَهُ﴾ قال: (أي: المؤمنين ليتَّقوه، يدُلُّ عليه ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر ١٦]). المؤلف -رحمه الله- سَلَك في تفسير الآية أنَّ المراد بالعِباد هنا شيءٌ خاصٌّ وهم المؤمنون، مع أنَّ ظاهر الآية العموم وأنَّ المراد بالعِباد هنا مَن يتعبَّدون لله بالمعنى العام، وهي العبودية الكونية؛ لأنَّ العبادة نوعان: عبادةٌ يتعبَّد الإنسانُ بالشرع، يتعبَّد لله بالشرع، وهذه خاصة بِمَن؟ بالمؤمنين، وعبادةٌ يعني يتعبَّد الإنسانُ لله بالكون أي: يكون عبدًا لله كونًا وقدَرًا يفعل الله فيه ما يشاء، وهذه عامة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، فهل المراد بالآية هنا العبادة العامَّة وأنَّ الله يوجِّه الخطابَ إلى جميع العباد؛ جميع الناس، أن يتَّقُوه، أو هي خاصَّة؟
يرى المؤلف -رحمه الله- أنها خاصَّة، ولكن لا دليل على ذلك، وإذا لم يكن هناك دليلٌ فالأَولى إبقاءُ النص على عمومه، فكما أن المؤمن يُخَوَّف بهذا الوعيد فكذلك الكافر، الكافر أيضًا يُخَوَّف، بل إنَّ تخويف الكافر أوكد من تخويف المؤمن؛ لأنَّ مع المؤمن ما يُنجيه من الخلود في النار، لكن الكافر ليس معه ما يُنجيه من الخلود في النار. إذَن المراد بذلك العموم أو الخصوص؟
* طالب: العموم.
* الشيخ: ويش وجهه؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما وجه أنَّ الأرجح العموم؟
* طالب: لا دليل للمؤلف، والأَولى أن يبقى النص على ظاهره.
* الشيخ: أن هذا هو ظاهر النَّص، كذا؟
ثانيًا: أنَّ الكافر أَوْلى أن يُخَوَّف بالنار من المؤمن؛ لأنَّ مع المؤمن ما ينجو به من الخلود في النار، وليس مع الكافر شيءٌ ينجو به، فكيف نصرف التخويف عمَّن هو أحقُّ بالتخويف. إذَنْ فالصحيح أنَّ المراد بالعباد العموم؛ يعني: يُخَوِّف الله بهذا العذاب جميعَ الناس.
ثم وجَّهَ الله الخطابَ إلى الناس عمومًا فقال: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾، ﴿يَا عِبَادِ﴾ يعني جميع العباد؛ كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ [لقمان ٣٣]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء ١]، والآيات كثيرةٌ في توجيه الأمر بالتقوى إلى جميع الناس، والكافر محتاجٌ إلى التقوى كما أنَّ المؤمن كذلك.
فقول المؤلف: (يدلُّ عليه) فيه نظر؛ ففي حُكم المؤلف نظر، وفي الاستدلال لهذا الحكم نظر.
﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ غريبٌ أن تأتي النون مع فِعل الأمر، والمعروف أنَّ فعل الأمر المقرون بواو الجماعة أو ألف الاثنين أو ياء المخاطَبة تُحذف منه النون.
* طالب: هذه نون الوقاية.
* الشيخ: هذه نون الوقاية؟ ما الذي أدراك أنها نون الوقاية؟
* الطالب: لأن أصلها (اتَّقُونني).
* الشيخ: اتقوني؟
* الطالب: (فاتَّقونني).
* الشيخ: نعم، (فاتَّقونني) أصله؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا اللفظ ﴿فَاتَّقُونِ﴾ أنتَ قلت: إن النون هنا ليست نون الرفع ولكن نون الوقاية، فما الذي أدراك؟
* الطالب: (...) فأصلها (اتَّقونني).
* الشيخ: اتقونني؟! لا، هذا أصلًا ليس بأصل؟
* طالب: لأنه يدلُّ على حذف الياء كسرتُه، وأصله (فاتَّقوا) هذا الأمر، و(نِ) نون الوقاية مع ياء المتكلم، وبعدها حُذفت الياء للتخفيف، وبعدُ بقيت الكسرة حتى تدل على حذفها.
* الشيخ: صحيح، الدليل واضح يا جماعة كَسْر النون؛ لأنها لو كانت نون الرفع لكانت بفتح النون، فإنَّ نون الرفع تكون مفتوحة.
ومن مثال ذلك أيضًا قوله تعالى في سورة الذاريات: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾، ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات ٥٩]. ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ هذا لفظ الآية، إذا وصلتَ كيف تقول؟ ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ﴾ [الذاريات ٥٩، ٦٠]، فالنون هنا للوقاية وليست نون الرفع.
﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ وقد سبق معنى التقوى مِرارًا فلا حاجة لإعادته.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ١٧].
﴿الَّذِينَ اجْتَنَبُوا﴾ أي: أبعدوا عن الطاغوت؛ لأنه مأخوذٌ من الجَنْب، وهو الشيء المنفصل عن الشيء، تقول: إلى جانب فلان؛ أي إنَّه منفصلٌ غير متَّصل، ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ أي: ابتعَدوا عنها.
و﴿الطَّاغُوتَ﴾ اسمٌ من الطُّغيان، والتاء فيه للمبالغة، فما هو الطاغوت الذي اشتقَّ من الطغيان؟
يقول ابن القيم رحمه الله: الطاغوت كلُّ ما تَجاوز به العبدُ حدَّه من معبودٍ أو متبوعٍ أو مُطاعٍ. كلُّ ما تجاوز به الإنسانُ حدَّه -وإنما قال: ما تجاوز به حدَّه، من أجْل أن يَصْدُق عليه أنه طغيان- من معبود أو متبوع أو مطاع. فمثلًا الأصنام التي يعبدها الكفار تُسَمَّى طواغيت، المتبوعون من العلماء طواغيت، المطاعون من الأمراء كذلك أيضًا طواغيت، لكنَّه ليس على ظاهره، كلامُ ابن القيم ليس على ظاهره؛ المراد به المعبود الذي لا إرادة له كالأصنام من الجمادات أو المعبود الذي رضي بعبادته، وأمَّا المعبود الذي عُبِد وهو لا يرضى بالعبادة فلا يُسمَّى طاغوتًا، ولهذا لا يمكن أن نُسمِّي عيسى بن مريم طاغوتًا. وكذلك أيضًا المتبوع؛ العلماء الذين لا يرضون أن يعبدهم الناسُ ليسوا طواغيت، المطاعُ أيضًا؛ الأمراء الذين لا يرضون أن يعبدهم الناس لا يُسمَّون طواغيت،
فكلام ابن القيم ليس على إطلاقه.
ويمكن أن نقول: إن قول ابن القيم: ما تجاوز به العبدُ حدَّه من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ، أنَّه عائدٌ على العمل؛ يعني أن الطاغوت عمَلُ الإنسان في معبوداته أو مَن يطيعهم أو مَن يتَّبعهم؛ يعني معصية الله في طاعة هؤلاء، فيكون الوصف بالطغيان عائدًا على الفعل لا على المفعول، وحينئذٍ نَسْلَم من الإشكال الذي قُلنا: إنَّه لا بد أن يُقَيَّد المعبود والمتبوع والمطاع بأنه راضٍ.
على كل حال إنَّ ﴿الطَّاغُوتَ﴾ مأخوذٌ من الطغيان وهو مجاوزة الحد، والصيغة فيه صيغة مبالغة.
قال المؤلف: (الأوثان)، ففسَّر الطاغوت بالمعبودات وهي الأوثان، ولهذا قال: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾.
﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ (أنْ) هذه مصدرية، والمصدر المؤول منصوبٌ على أنه بدلٌ من الطاغوت. مِن أيِّ أنواع البدل؟
* طالب: بدل كل من كل.
* الشيخ: لا
* طالب: بدل بعض من كل.
* الشيخ: ولا بعض؛ لأن العبادة ما هي ببعض الأوثان.
* طالب: بدل اشتمال.
* الشيخ: بدل اشتمال، طيب إذَنْ نقول: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ في محل نصب بدل من ﴿الطَّاغُوتَ﴾.
وقوله: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ هم يعبدون الأصنامَ بدُعائها، ولكنهم يدَّعون أنهم لا يعبدونها إلا لتُقرِّبهم إلى الله.
ثم قال: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى آخِره في الدرس القادم إن شاء الله.
* * *
* طالب: الهيبة التي تأتي (...).
* الشيخ: نعم، إي، ويش فيها؟
* الطالب: الهيبة هذه ماذا تكون؟
* الشيخ: ما هي خوف عبادة هذه، هذه ليست خوف عبادة، ولكنَّها خوف هيبة واحترام.
* طالب: قال المصنف رحمه الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ﴾ والمراد بالعباد المؤمنون، (...).
* الشيخ: طيب الكافر ما يُؤْمَر بالتقوى؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، من جملة التقوى ترْك الكفر؛ لأنَّ التقوى اتِّخاذ وقايةٍ من عذاب الله، ومن جملتها الإيمان، ولهذا جاءت الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ [لقمان ٣٣]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ عمومًا، وجاءت آيةٌ أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج ١]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء ١].
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١٧ - ٢١]
* الشيخ: بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. ﴿الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾، ما معنى ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾؟
* طالب: اجتنبوا عبادة الطاغوت، وهو ما عُبِدَ من دون الله وهو راضٍ.
* الشيخ: نعم، طيب وما معنى ﴿اجْتَنَبُوا﴾؟
* الطالب: ابتعَدوا.
* الشيخ: ابتعَدوا عنها.
ما موقع ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ من الإعراب؟ ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾.
* طالب: بدل اشتمال.
* الشيخ: بدل اشتمال. كم أنواع البدل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما هي؟
* الطالب: اشتمال، بعض، بيان.
* الشيخ: لا.
* طالب: بدل الغلط، وبدل الاشتمال، وبدل الكل من الكل، وبدل البعض من الكل.
* الشيخ: كم هذه؟
* الطالب: أربعة.
* الشيخ: خمسة؛ قال ابن مالك:
مُطَابِقًا أَوْ بَعْضًا اوْ مَا يَشْتَمِلْ ∗∗∗ عَلَيْهِ يُلْفَى أَوْ كَمَعْطُوفٍبِـ(بَلْ)
أربعة، فيه بدل كُلٍّ من بعض؟
* طالب: على قول.
* الشيخ: على قول.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم.
......................... ∗∗∗ بِسِجِسْتَانَ طَلْحَةَ الطَّلْحَاتِ
* * *
قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ١٧].يقول: (﴿أَنَابُوا﴾ أقبلوا ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ )، والإنابة تكون بمعنى الإقبال كما قال المؤلف، وتكون بمعنى الرجوع؛ رجعوا إلى الله، والرجوع إلى الله يستلزم الإقبالَ عليه؛ لأن الإنسان يفِرُّ بالمعصية بعيدًا عن الله، فإذا تابَ وأنابَ ورجعَ إلى الله فهو مُقبل.
﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر ١٧] الجملة هذه خبريَّة، قُدِّم فيها الخبر ﴿لَهُمُ﴾ لإفادة الحصر؛ لأنَّ ما كان حقُّه التأخير إذا قُدِّم أفادَ الحصر.
وقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ الجملة هذه خبر ﴿الَّذِينَ﴾؛ الذين اجتنبوا الطاغوت لهم البشرى، واضح؟ فتكون هذه الجملة في موضع رفْعٍ على الخبر، فما هي البُشرى؟
البُشرى ما تَحْصل به البشارة، والبشارة هي في الأصل الخبرُ السَّارُّ، وسُمِّي الخبرُ السَّارُّ بشارة لأنه يظهر أثرُه على البشرة التي هي الجلدُ؛ فإنَّ الإنسان إذا أُخبر بما يسرُّه استنار وجهه وتغيَّر، فسُمِّيتْ بُشْرى.
وقول المؤلف: (الجنة) هذا لا شك أنه مِمَّا يدخل في البُشرى، لكنه أعَمُّ مِمَّا قال المؤلف؛ كما قال تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس ٦٤] فمِن البُشرى الرؤيا الصالحة يراها الإنسانُ لنفسه أو يراها له مؤمن، فإن هذه من البُشرى كما قال النبي ﷺ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٤٢ / ١٦٦) من حديث أبي ذر الغفاري.]]؛ الرؤيا الصالحة يراها أو تُرى له؛ مثل أن يرى مَن يبشِّره بالجنة، أن يرى أنه في نعيم، وما أشبهَ ذلك، هذه من البشرى.
ومن البُشرى أيضًا أن يُوَفَّق للعمل الصالح؛ إذا رأيتَ اللَّهَ سبحانه وتعالى وفَّقك للعمل الصالحِ المبنيِّ على الإخلاص والمتابعة لرسول الله ﷺ فإنَّ هذه من البُشرى.
ومن البُشرى أيضًا أن يوفِّقك الله عز وجل لمصاحبة الأخيار؛« فإنَّ «الْمَرْء عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ» » كما جاء في الحديث «فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ»[[أخرجه أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨)، من حديث أبي هريرة.]]، فإذا وجدتَ أن الله وفَّقك لمصاحبة الأخيار فإنَّ هذا عنوانٌ على السعادة.
ومن البُشرى أيضًا أن يحبَّ الإنسانُ من يحبُّه الله؛ فإن النبي ﷺ سُئِل عن الرجل يحبُّ القومَ ولَمَّا يلحقْ بهم، فقال ﷺ:« «مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا فَهُوَ مِنْهُمْ». » قال أنس بن مالك رضي الله عنه«: ما فرِحْنا بعد الإسلام بشيءٍ أحَبَّ إلينا من هذا الحديث. » ثم قال: «فأنا أُحِبُّ النبيَّ ﷺ وأُحِبُّ أبا بكر وعمر»[[هذه ثلاثة أحاديث ذُكِرت في سياق حديث واحد؛ الأول: ما أخرجه الشيخان -البخاري (٦١٧٠)، ومسلم (٢٦٤٠ / ١٦٥)- من حديث أبي موسى قال: قيل للنبي ﷺ: الرجُل يحبُّ القومَ ولَمَّا يلحقْ بهم؟ قال: «المرءُ مع مَن أحبَّ». وأمَّا حديث «مَن أحبَّ قومًا ...» فأخرجه الطبراني (٢٥١٩) من حديث أبي قرصافة الكناني رضي الله عنه بلفظ: «مَن أحبَّ قومًا حشره الله في زُمرتهم». والثالث هو حديث أنس الذي أخرجه الشيخان –البخاري (٣٦٨٨) ومسلم (٢٦٣٩)- بسنديهما عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: «وما أعددتَ للساعة؟». قال: حبَّ الله ورسوله. قال: «فإنك مع مَن أحببتَ». قال أنس: فما فرِحْنا بعد الإسلام فرحًا أشدَّ من قول النبي ﷺ: «فإنَّك مع مَن أحببتَ». قال أنس: فأنا أحبُّ اللَّهَ ورسولَه، وأبا بكرٍ وعمرَ، فأرجو أن أكون معهم وإنْ لم أعمل بأعمالهم.]]، فهذه من البُشرى.
المهم أن البُشرى كلُّ خبرٍ سارٍّ، فيشمل ما قاله المؤلف؛ (الجنة)، وهي الغاية لكلِّ إنسانٍ، ويشمل ما كان علامةً على ذلك، ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾.
قال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر ١٧] أَمَر اللُّه النبيَّ ﷺ أن يبشِّر عباد الله، بَشِّرْهم بماذا؟ بشِّرْهم بالجنة وبكُلِّ ما يسُرُّهم، حتى في الدنيا المؤمن مسرورٌ دائمًا، وإنْ أُصِيب ببلاءٍ فإنه مسرور؛ لأنه إذا أُصِيب بالبلاء فصبر كان خيرًا له.
قوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ الدال مكسورة مع أنها مفعولٌ به، لِماذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لأنَّ أصلها (عبادي) فحُذفت الياء للتخفيف كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد ١١] أي: من والِي، وإنْ كانت الياء في ﴿مِنْ وَالٍ﴾ غير الياء في (عبادي)؛ لأن الياء ﴿مِنْ وَالٍ﴾ من أصل الكلمة، وأمَّا هنا فهي كلمةٌ أخرى؛ الياء.
﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ مَن المراد بالعباد هنا؟ المراد خصوصيَّة العبودية؛ أي: عباد الله الصالحين لا كُل عبد.
ثم بيَّن من صفاتهم قال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر ١٨] هذا من علامات عباد الله عز وجل أنهم لا يُضيعون الفُرَص.
﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ أي: يُصْغُون إليه، ولم يقُل: يسمعون؛ لأنَّ الاستماع هو متابعة المتكلِّم والإنصاتُ إليه، بخلاف السَّماع، ونضرب مثلًا لرجُلٍ مَرَّ بقارئٍ فسمعه يقرأ، ورجُلٍ آخَر مَرَّ بقارئٍ يقرأ فجلس إليه يُنْصِت، الأول سامع، والثاني مستمع. ولهذا قال العلماء بناءً على هذا الفرق: إذا قرأ القارئُ آيةً فيها سجدةٌ وسَجَد فإنَّ السامع لا يسجد والمستمع يسجد؛ لأن المستمع متابِع والسامع ليس بمتابع. إذَنْ هؤلاء يستمعون القولَ، لا يُضيعون فرصة.
﴿الْقَوْلَ﴾ (أل) هنا للعهد، وتُشبه أن تكون للعهد الذِّكْري؛ لقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾؛ أي إنهم يستمعون القولَ الحَسَن ليس كُلَّ قول، فـ(أل) هنا نقول: إنها للعهد، ويُشبه أن تكون للعهد الذِّكْري؛ لقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.
إذَن ما المراد بالقول هنا؟ القول الحَسَن، أمَّا اللغْو أو السيِّئ فإن الله يقول: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢]، ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص ٥٥] فإذا كانوا يُعرضون عن اللغو لأنه لا فائدة فيه، فالمحرَّم من باب أَوْلى. إذَنْ هؤلاء قومٌ عندهم حَزْم، عندهم شُحٌّ في الوقت، لا يستمعون إلا إلى القول الحَسَن.
طيب، إذا استمعوا إلى القول الحسن، فنحن نعلم أنَّ الحسن فيه ما هو أحسن وما هو حَسَن، فما الذي يتَّبعون؟ يقول: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾؛ فمثلًا إذا سمعوا الترغيب في صلاة الليل وأنَّ أكثرها -مثلًا- إحدى عشرة ركعة وأدناها ركعة واحدة، ما الذي يتَّبعون؟
* طلبة: إحدى عشرة.
* الشيخ: الإحدى عشرة؛ لأنها أحسن.
إذا سمعوا الإنفاق في طلب العلم والإنفاق على فقيرٍ ليس في ضرورة، ماذا يتَّبعون؟
* طالب: على طلب العلم.
* الشيخ: على طلب العلم؛ لأنهم يتَّبعون الأحسن، إذَنْ لم يفرِّطوا في الوقت، ولم يفرِّطوا في الأفضل، بل كانوا يستمعون كلَّ قولٍ حَسَن ويتَّبعون الأحسن منه.
طيب، فإن تَبِعوا الحسن وتركوا الأحسن فإنهم لا يُلامون على ذلك، لكنَّهم ليسوا في قمَّة الكمال، الذي في قمَّة الكمال هو الذي يتَّبع الأحسن.
قال الله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (وهو ما فيه صلاحُهم) لكن الأصلح؛ يتَّبِعون الأصلح فالأصلح.
قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر ١٨].
أوَّلًا: ﴿أُولَئِكَ﴾ الإشارة للبعيد، وإنما أشار إليهم إشارةَ البعيدِ مع قُرب ذِكرهم للدلالة على عُلُوِّ منزلتهم، وهذا يقع كثيرًا في القرآن؛ يشير الله إلى الشيء القريب بصيغة البعيد لعُلُوِّ مرتبته؛ كما قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة ١، ٢] مع أنه يقول ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ الكتاب قريب، لكن إشارة لأيش؟ لعُلُوِّ مرتبتِه، أحيانًا يُشير إليه بالقريب لقُربه من مُريده؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام ٩٢] يعني ليس بعيدًا عليهم، قريبٌ لهم.
هنا يقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ أشار إليهم إشارةَ البعيد؟ إشارةً إلى عُلُوِّ مرتبتهم.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ هذه الجملة خبرية طرفاها معرفة، وقد قال العلماء: إنَّ الجملة الخبرية إذا كان طرفاها معرفة فإنها تفيد الحصر؛ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ يعني لا غير.
وقوله: ﴿هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ يشمل هداية الدلالة وهداية التوفيق؛ يعني بيَّن لهم الحقَّ وعلِمُوه ثم اهتدَوا به، والناسُ في هذا المقام ثلاثة أقسام: قِسمٌ ضلُّوا عن الهدى علمًا وعملًا، وقِسمٌ هُدُوا إلى الحقِّ علمًا وعملًا، وقِسمٌ هُدُوا إلى الحقِّ علمًا ولم يهتدوا إليه عملًا. عرفتم؟
هل يمكن أن أقول: وقِسمٌ اهتدوا إلى الحق عملًا ولم يهتدوا إليه علمًا؟
* الطلبة: لا يمكن.
* الشيخ: لا يمكن، لماذا؟ لأنه لا عمل بالحق إلا بعلمٍ بالحق، فالقسمة رُباعية، لكن الطرف الرابع منها غير واقع، ممتنع.
إذَن ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ هداية دلالةٍ وتوفيقٍ، وإنْ شئتَ فقلْ: هداية عِلم وعمل، أيُّهما الدلالة؟
* الطلبة: العلم.
* الشيخ: العلم. والتوفيق؟
* الطلبة: العمل.
* الشيخ: العمل.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١٨]، ﴿وَأُولَئِكَ﴾ كرَّر اسم الإشارة تنويهًا بعُلُوِّ مرتبتهم.
﴿هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: (أصحاب العقول)؛ لأنَّ الإنسان كلَّما كان للحقِّ أَتْبَع كان أكمَلَ عقلًا، وكلَّما نقص اتِّباعُ الحقِّ في حقِّه كان أَدَلَّ على قِلَّة عقلِه، فأعقلُ الناسِ أتْبَعُهم لدين الله لا شك؛ لأنهم هم الذين عندهم الحزمُ وانتهازُ الفُرَص وحِفْظُ الوقت، ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (أصحاب العقول).
فإن قال قائل: أليس الكفَّار ذوي عقل؟
فالجواب: بلى، لكنَّهم ذَوُوا عقلٍ إدراكيٍّ لا عقلٍ رُشْديٍّ، ولهذا كانوا مكلَّفين مُلزَمين لأنَّ عندهم عقلًا إدراكيًّا، لكنَّهم غير موفَّقين لأنهم فقدوا عقلَ الرُّشد.
قال الله تعالى في بيان عقوبة الخاسرين الذين خَسِروا أنفسَهم وأهليهم يوم القيامة، قال في بيان عقوبتهم: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر ١٦].
* من فوائد هذه الآية: شِدَّة العذاب على أهل النار؛ لأن العذاب يغشاهم من فوقهم ومن تحت أرجُلهم، وإذا كان الإنسان لا يتحمَّل النارَ إذا أتَتْه من وجهٍ ولو بعيد، فكيف إذا أتَتْه من الوجهين: الفوق والتحت!
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه يجب على الإنسان أن يخاف مما خوَّفه الله حتى يحقِّق العبودية؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه ينبغي للإنسان أن يسير إلى الله عز وجل على جانبٍ من الخوف، الخوف من العذاب، وقد مَرَّ علينا كثيرًا: هل يُغَلِّب السائرُ إلى الله جانبَ الخوف أو جانبَ الرجاء، على ما سبق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الله عز وجل رَبُّ كلِّ شيء، وأنَّ كلَّ شيءٍ فهو عابدٌ لله؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوبُ التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ إلى آخره [الزمر: ١٧].
* من فوائدها: الثَّناء على مجتنب الطاغوت.
* ومن فوائدها: أنَّ لهم هذا الثواب العظيم؛ وهو قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾.
* ومن فوائدها: أن التوحيد لا يتِمُّ إلا باجتناب الطاغوت والإخلاص لله؛ لقوله: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: أنَّ الذين اتَّصَفوا بهذه الصفة: اجتناب الطاغوت والإنابة إلى الله، هم أهل البُشرى؛ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾، ولم يُبَيِّن الله وقتَ البُشرى، فهو شاملٌ للبُشرى في الدنيا وفي الآخرة.
* ومن فوائدها: حرمانُ مَن أشركَ بالله مِن هذه البُشرى؛ لأنه جعل البُشرى لِمَن؟ لِمَن اجتنبوا الطاغوتَ أن يعبدوها وأنابوا الى الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ العبودية الخاصة؛ لقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾، والعبودية الخاصة تكون منقسمة إلى خاصَّةٍ أخَصَّ، وإلى خاصَّةٍ ليست بأخَصَّ؛ فالمؤمنون جميعًا كلُّهم عبادُ الله، والرُّسُل عبوديتهم أخصُّ.
طيب، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء ١] هذه من الخاصة أو الأخَصِّ؟
* الطلبة: الأخص.
* الشيخ: من الأخص. ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ﴾ [ص ٤٥]؟
* الطلبة: الأخص.
* الشيخ: هذه من العبادة الأخص.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ عباد الله حريصون على استماع ما فيه المصلحة والمنفعة؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ [الزمر ١٨].
* ومن فوائدها: أنَّ هؤلاء السادة لا يضيِّعون وقتًا، حتى إنهم يستمعون إلى عمل غيرهم، وهو قولُ غيرِهم، فكيف (...)، لا بد أن يكونوا قائمين به.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ عباد الله عز وجل الذين وصفهم الله بما ذُكِر؛ يأخذون من القول بأحسنه؛ لقوله؟
* طالب: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر ١٨].
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: لقوله: ﴿أَحْسَنَهُ﴾.
* الشيخ: لقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ هؤلاء القوم هم الذين هداهم الله؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر ١٨].
ويتفرَّع على هذه القاعدة أنك إذا رأيتَ من نفسك الحرصَ على استماع قول الخير واتِّباع أحسنه فاعلم أن هذا من هداية الله لك؛ لأنه قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾، وإذا رأيتَ من نفسك كراهةَ الاستماع إلى القول الحسن فاتَّهِم نفسَك؛ لأنَّ الله جعل الهداية في هؤلاء القوم، فإذا لم يحصل لك هذا فاتَّهِم نفسَك، صحِّح الخطأ، أَقْبِل إلى الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ أفعال العباد واقعةٌ بتقدير الله وأنهم لا يستقلُّون بها، من أين تؤخذ؟ ﴿هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾، ولهذا ذهب أهل السُّنة والجماعة إلى أن أفعال العباد مخلوقةٌ لله مُرادةٌ له، خلافًا لِمَن قال: إن أفعال العباد ليست مُرادةً لله ولا مخلوقةً له، وهم القدَريَّة مجوس هذه الأُمَّة.
* من فوائد الآية الكريمة: بيانُ مِنَّة الله عز وجل على هؤلاء الذين وُفِّقوا لاستماع القول واتِّباع أحسنه؛ يعني إظهار مِنَّة الله عليهم في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾.
* ومن فوائدها: أنَّه يجب عقلًا أن تحمد الله سبحانه وتعالى إذا هداك إلى مثل هذا؛ لأنَّك إذا علمتَ أنَّ الهداية من الله فالعقل يقتضي أيش؟ أن تحمده وتشكره، وهذه النعمة أبلَغُ من الإنعام بالأكل والشرب؛ لأنَّ الأكل والشرب كلٌّ يأكل ويشرب حتى البهائم، لكن الهداية ما كلُّ أحدٍ يهتدي، فإنعامُ الله على الإنسان بالهداية العِلمية والعملية أعظم من إنعامه عليه بالأكل والشرب.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ المتمسِّكين بدين الله المتَّبعين لأحسن القول هم أصحاب العقول.
من المتعارَف عند الناس الآن أنهم إذا رأوا الإنسانَ ذكيًّا مُتأنِّيًا في الأمور يقولون: هذا عاقل، ما شاء الله، عاقل. ولو كان من أفجَر الناس، والحقيقة أنَّا نقول: العاقل مَن وفَّقه الله تعالى للعلم والعمل ولو كان من أبلد الناس باعتبار الذكاء.
* ومن فوائد هذه الآية: أنَّه لا تلازُم بين الذكاء والعقل: الذكاء شيءٌ والعقل شيءٌ آخَر، حتى في عقل الإدراك لا تلازُم بين الذكاء وعقل الإدراك؛ لأنَّ من الناس مَن تجده ذكيًّا شديد الملاحظة يفهم الشيء بسرعة ويعطي الجواب بسرعة، لكنَّه في التصرُّف أحمق.
وهذه النعمة أبلغ من الإنعام بالأكل والشرب لأن الأكل والشرب كل يأكل ويشرب حتى البهائم، لكن الهداية ما كل أحد يهتدي، فإنعام الله على الإنسان بالهداية العلمية والعملية أعظم من إنعامه عليه بالأكل والشرب.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المتمسكين بدين الله المتبعين لأحسن القول هم أصحاب العقول، من المتعارف عند الناس الآن أنهم إذا رأوا إنسانًا ذكيًّا متأنيًا في الأمور يقولون: هذا عاقل -ما شاء الله- عاقل. ولو كان من أفجر الناس، والحقيقة أننا نقول: العاقل من وفقه الله تعالى للعلم والعمل ولو كان من أبلد الناس، باعتبار الذكاء.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه لا تلازم بين الذكاء والعقل، الذكاء شيء، والعقل شيء آخر، حتى في عقل الإدراك لا تلازم بين الذكاء وعقل الإدراك؛ لأن من الناس من تجده ذكيًّا شديد الملاحظة، يفهم الشيء بسرعة ويعطي الجواب بسرعة، لكنه في التصرف أحمق ليس عنده عقل، ومن الناس من يكون –بالعكس- عنده شيء من البلادة ولكنه في التصرف عاقل متأنٍ، ولكن أعقل الناس أطوع الناس لله، لا شك أن أعقل الناس أطوعهم لله سبحانه وتعالى، ولهذا قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١٨].
* ومن فوائد الآية: الإشارة إلى انقسام الناس إلى قسمين: موفق، ومخفق؛ لأن قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ يدل على أن هناك قسمًا آخر، وهم الذين لم يوفقوا ولم يهديهم الله، والأمر كذلك، الواقع كذلك، الآية أشارت إلى هذا، والواقع يشهد له.
فإن قال قائل: لماذا لم يجعل الله سبحانه وتعالى الناس على دين واحد؟ أمة واحدة؟ قلنا: لأن هذا ينافي الحكمة، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩].
لو لم يوجد هذا الانقسام ما ملئت النار بل ولا دخلها أحد، لو لم يوجد هذا الانقسام ما عرف الإنسان قدر نعمة الله عليه بالإيمان والعمل الصالح، لو لم يوجد هذا الإيمان ما مدح من آمن وعمل صالحًا، لماذا؟ لأن الناس هكذا، ما يستطيع أن يخرج عما عليه الناس، لو لم يوجد هذا لم يكن هناك سوق للجهاد؛ لأنك لا يمكن أن تجاهد من هو مثلك في الإيمان والعمل الصالح، لو لم يوجد هذا لم يقم سوق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لو لم يوجد هذا لم يقم سوق الدعوة إلى الله إلى غير ذلك من المصالح الكثيرة التي تفوت بفوات هذا الانقسام.
أما من حيث القدرة الإلهية فإن الله قادر على أن يجعل الناس أمة واحدة على الدين الحق، ولكن الحكمة الإلهية تأبى ذلك، وقد علمتم شيئًا من كثير كثير من حكمة تفرق الناس إلى مؤمن وكافر.
ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩]، ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ ما هي كلمة العذاب؟
قال المؤلف هي قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]، هذا ما ذهب إليه.
وقيل: كلمة العذاب هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]، وهذا القول أقرب للصواب؛ لأن هذا القول أخص مما قال المؤلف؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ لا تدل على شخص بعينه، تدل على أن كلمة الله عز وجل اقتضت أن تُملأ النارُ، لكن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ هؤلاء قوم بأعيانهم، لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية، فالصحيح أن المراد بكلمة الله هي ما ذكره الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أنهم من أهل النار هؤلاء لا يمكن أن يؤمنوا.
﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ أي: لأملأن جنهم من الجنة والناس أجمعين، هذا قول، القول الثاني: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يعني أن المراد بكلمة (العذاب) هي أن الله تعالى قضى بأن هؤلاء من أهل النار، فلا يمكن أن يؤمنوا.
﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾ كلمة ﴿أَفَمَنْ﴾ فيها ثلاث كلمات: الهمزة والفاء ومن، فالهمزة للاستفهام، والفاء عاطفة، و(من) يقول المؤلف: إنها شرطية، ويقول آخرون: إنها موصولة؛ أفالذي حق عليه كلمة العذاب، وعلى كلام المؤلف تكون شرطية، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عليها.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...) الرسول ﷺ قال: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ»[[أخرجه البخاري (٤٦٨٩) من حديث أبي هريرة.]]، يعني لو قلنا مثلًا: إن صاحب العقل في الجاهلية لو اهتدى وأصبح أكمل عقلًا فهل يصح أن نقول هكذا؟
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии