Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
Аз-Зумар 39:33–35
39:33Страница 462
وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ٣٣
Но тот, кто явился с правдой, и тот, кто признал ее истинность, действительно являются богобоязненными.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ﴿الَّذِي﴾ مبتدأ وخبره جملة: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، فتضمنت هذه الجملة جملتين: جملة كبرى وجملة صغرى، الجملة الكبرى هي المكونة من المبتدأ والخبر، والصغرى هي الخبر المكون من مبتدأ وخبر، فالجملة الصغرى ما وقعت خبرًا تُسمى جملة صغرى؛ لأنها في مقام المفرد، والجملة الكبرى هي المكونة من مبتدأ وخبر أو فعل ومعموله.
وقوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ فيه شيء من الإشكال يتبادر إلى الذهن، وهو أنه أخبر عن: ﴿الَّذِي﴾ -وهو اسم مفرد- بجمع -وهو قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ - ولم يقل: أولئك هو المتقي، ووجه ذلك أن: (الَّذِي) اسم موصول، والاسم الموصول يفيد العموم، حتى وإن كان مفردًا، فإنه يفيد العموم، ولهذا صح الإخبار عنه بالجمع مع كونه مفردًا.
يقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ ﴿الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ عام يشمل كل من جاء بالصدق من الرسل عليهم الصلاة والسلام والأنبياء والصادقين من غيرهم كل من جاء بالصدق، ومن ذلك مثلًا كعب بن مالك رضي الله عنه، فقد جاء بالصدق حين تخلف عن غزوة تبوك، وأخبر بالصدق، وأمرنا الله عز وجل أن نكون معهم لما ذكر قصتهم، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة ١١٩].
وقوله: ﴿صَدَّقَ بِهِ﴾ أي صدق بالصدق الذي قامت البينة على صدقه، وأظننا لسنا بحاجة إلى أن نبين معنى الصدق والكذب، الصدق: مطابقة الواقع للخبر، والكذب: مخالفته، يعني من أخبر بما يُطابق الواقع فهو صادق ومن أخبر بما يخالف الواقع فهو كاذب، وقوله: صدَّق بالصدق، أي بما قامت البينة على صدقه ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ يعني الذين اتقوا الله عز وجل فلم يقولوا كذبًا، واتقوا الله عز وجل فلم يردّوا صدقًا.
يقول الشارح -رحمه الله- والمفسر يقول: (﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ وهو النبي ﷺ) وهذا كما ترون تخصيص للعموم بما لا دليل عليه، والذي ينبغي إذا جاء القرآن عامًّا إبقاؤه على عمومه، بل هو الواجب أن يبقى على عمومه إلا بدليل، وهنا ليس هناك دليل يجعل هذا خاصًّا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فالواجب أن نجعله عامًّا؛ لأن حمله على الخاص بلا دليل قصور في مدلول القرآن، إذن يشمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيره.
(﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هم المؤمنون) سبحان الله، هذا أيضًا خطأ؛ لأننا لو فسرنا الآية بما فسر به المؤلف لزم من ذلك تشتيت الضمائر وعدم انسجام الكلام ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ ﴿صَدَّقَ بِهِ﴾ هذه معطوفة على الجملة التي هي صلة الموصول، وإذا كانت معطوفة على الجملة التي هي صلة الموصول لزِم أن يكون المتصف بها الموصول، ما دامت معطوفة على الصلة فهي من جملة الصلة، والصلة وصف للموصول، والمؤلف -رحمه الله وعفا عنه- شتت الضمائر، جعل الضمير الأول للرسول ﷺ، والضمير الثاني للمؤمنين، والحق أنهما يرجعان إلى شيء واحد، وهو الموصول؛ لأن صلة الموصول صفة له، والمعطوف على الصلة صفة له أيضًا.
إذن ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ من؟ يشمل كل أحد حتى النبي عليه الصلاة والسلام، صدق بأنه رسول الله، فكان يقول أحيانًا: «أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ»[[أخرجه البخاري (٢٤٨٤) من حديث سلمة بن الأكوع. ]]، فقد صدق بأنه رسول الله، وأن ما أنزل إليه من ربه هو الحق، وأول من يدخل في هذه الآية بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر الصديق، فإن أبا بكر الصديق صدّق، جاء بالصدق -رضي الله عنه- وصدّق به، حتى أنه في أضيق حال للرسول عليه الصلاة والسلام «ليلة الإسراء حينما أشاعت قريش بأن الرسول عليه الصلاة والسلام كذب وصار يخرف ويقول ما لا يمكن، فلما بلغه الخبر قال: إن كان قد قال ذلك فهو صادق»[[أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٧١٩) عن الزهري.]]، فمن ذلك اليوم سُمِّي بالصديق رضي الله عنه.
قال: (هم المؤمنون فالذي بمعنى الذين) يعني أنها اسم مفرد لكن بمعنى الجمع؛ لكونها دالة على العموم.
(﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الشِّرْك) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ أتى باسم الإشارة للبعيد لعلو مرتبتهم، ولم يقل: هؤلاء، بل قال: أولئك، و(أولئك) يُشار بها للبعيد، وإنما أشير لهم إشارة البعيد مع دنو في التحدث عنهم، لعلو مرتبتهم.
وقول المؤلف: (﴿الْمُتَّقُونَ﴾ الشِّرْك) من أغرب ما يكون، الحديث الآن عن الصدق والتصديق بالصدق، فأين الشرك؟ لم يتقدم له ذكر، ولو أردنا أن نخصص لقلنا: أولئك هم المتقون الكذبَ والتكذيبَ بالحق، هكذا نقول، مع أن الذي يدل عليه الدليل أن المعنى: أولئك هم المتقون الله؛ وذلك لأن التقوى إذا أطلقت فإنما يُراد بها تقوى الله، أما إذا قُيِّدت فهي حسب ما قيدت به.
فقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١] هذا لليوم، وقوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١] هذا للنار، وقوله: (واتقوا الله) هذا لله وعند الإطلاق لمن؟ له لأن الله أحق أن يُتقى عز وجل، هنا نقول: أولئك هم المتقون الله، ولهذا جاءوا بالصدق وصدقوا به، اتقوا لله عز وجل.
* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: الثناء على من قال بالصدق، والصدق واجب، والكذب محرَّم، وقد يقول قائل: إنه من كبائر الذنوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعله من آيات النفاق[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩ / ١٠٧) من حديث أبي هريرة.]]، والمنافق ليس من المؤمنين، فلو قال قائل: إن الكذب من كبائر الذنوب. لم يكن قوله بعيدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على من صدَّق بمن قامت البينة على صدقه، صدَّق بالصدق، وأما من لم يُصدّق بما يشك فيه فلا حرج عليه، والأخبار التي ترد على المرء تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما دل الدليل على صدقه فيُصدّق.
والثاني: ما دل الدليل على كذبه، إما لكون ناقله معروفًا بالكذب وإما لكونه مستحيل الوقوع أو ما أشبه ذلك، فهذا يُكذّب ولا حرج على من كذبه.
والثالث: ما يحتمل الصدق ويحتمل الكذب فهذا يُتوقف فيه، لا يُرد لعدم قيام الدليل على رده، ولا يُقبل لعدم قيام الدليل على قبوله، ودليل هذا القسم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات ٦]، ولهذا في الآية التي قبل هذه قال: ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾، وهنا قال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ فذمَّ الأولين وأثنى على الآخرين.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الصدق من التقوى، وتصديق من قامت البينة على صدقه هو أيضًا من التقوى، لقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.
* ومن فوائدها الأصولية للحكم الفقهي: أن الموصول من صيغ العموم لقوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.
39:34–35Страница 462
لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٤
Для них у их Господа уготовано то, чего они пожелают. Таково воздаяние творящим добро!
لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٥
Это произойдет для того, чтобы Аллах простил им наихудшее из того, что они совершили, и воздал им наградой за лучшее из того, что они совершали (или лучшим, чем то, что они совершали).
ثم قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿لَهُمْ﴾ أي لهؤلاء المتقين ﴿مَا يَشَاءُونَ﴾ أي الذي يشاؤونه عند ربهم، وهو الله عز وجل، وأضاف الربوبية إليهم على وجه الخصوص؛ لأن الربوبية للمتقين ربوبية خاصة، ليست كالربوبية العامة التي تشمل الكافر والمؤمن والبر والفاجر، وإنما هي ربوبية خاصة.
﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿ذَلِكَ﴾ أي: كون جزائهم مَا يَشَاءُونَ ﴿جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ المحسنين الذين أحسنوا في عبادة الله وأحسنوا إلى عباد الله، فالإحسان في عبادة الله يُفسَّر بما فسره به النبي صلى الله عليه وآله وسلم بـ«أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩/ ٥) من حديث أبي هريرة.]]، والإحسان في معاملة الخلق أن تأتي إليهم ما تحب أن يُؤتى إليك، تحب لهم ما تحبه لنفسك، ما هو الإحسان في عبادة الله؟
* طالب: كما عرفها النبي ﷺ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ».
* الشيخ: وفي معاملة الخلق؟
* طالب: أن تأتي إليهم ما تحب أن يُؤتى إليك.
* الشيخ: ما تُحب أن يُؤتى إليك، أحسنت.
﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر ٣٥]، اللام هنا للعاقبة فيما يظهر؛ لأن لام التعليل تأتي أحيانًا للتعليل وأحيانًا لبيان العاقبة، فإن كان ما قبلها سببًا لما بعدها فهي للتعليل، وإن كان ما بعدها عاقبة لما قبلها وليس مرادًا فهي للعاقبة، هذا هو الفرق بينهما، فإذا قلت: جئت لأقرأ. فـ(اللام) هنا؟
* طلبة: للتعليل.
* الشيخ: للتعليل، وإذا قال القائل: سافرت ليحصل لي الحادث.
* طلبة: للعاقبة.
* الشيخ: فهذه للعاقبة.
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨].
* طلبة: للعاقبة.
* الشيخ: هذه للعاقبة، فالفرق بينهما إن كان ما قبلها سببًا لما بعدها فهي للتعليل، وإذا كان ما بعدها عاقبة لما قبلها غير فهي للعاقبة، يقول عز وجل: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ يعني عاقبة التقوى أن يكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا، ويحتمل أن تكون للتعليل، بمعنى أنهم اتقوا الله من أجل التكفير، قال: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾، وذلك بأن ينعم عليهم بالعفو عنه.
والغالب أن التكفير يأتي مكفرًا بأعمال مقابلة، فالسيئات تكفَّر بالحسنات، انظر إلى الظهار، إذا ظاهر الإنسان كفّر بما ذكر الله عز وجل، يعني أتى بحسنات تغطي ما فعل من الذنوب، اليمين إذا حنث كفّر، فالغالب أن التكفير يكون بحسنات تغطي السيئات، ويجوز أن يكون التكفير مجرد فضل من الله عز وجل، يستر الله على عبده الذنب تفضلًا منه.
وقوله: ﴿أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ ﴿أَسْوَأَ﴾ اسم تفضيل، وهو على بابه، فإذا كان الله يكفر عنهم أسوأ ما عملوا فما دونه من باب أولى، ويكون التعبير بالأسوأ من باب البشارة لهم.
﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ أي ثوابهم على ما عملوا من حسنات ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بأحسن الجزاء، فقوله: ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بأحسن جزاء الذي كانوا يعملون، وذلك أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأحسن هنا على بابها؛ أي: إنها اسم تفضيل، فلا يجازيهم الحسنة بحسنة، بل بأحسن منها، كما سمعتم الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
وقوله: ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لا يخفى أن قوله: ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ صلة للموصول ﴿الَّذِي﴾ وصلة الموصول تحتاج إلى عائد يعود على الموصول ليربط الصلة به فما هو العائد هنا؟ محذوف، والتقدير؟ يعملونه.
قال: (أسوأ وأحسن بمعنى السيئ والحسن) يعني (أسوأ) بمعنى السيئ (وأحسن) بمعنى الحسن، هكذا قال المؤلف، لكنه قول غير صحيح؛ لأنه يعتبر تحريفًا للقرآن؛ لأن كل واحد يعرف أن (أسوأ) اسم تفضيل، وسيئ وصف ليس فيه التفضيل، وكذلك أحسن اسم تفضيل، وحسن وصف ليس فيه تفضيل، فما بالنا ننزل المرتبة من التفضيل إلى ما هو أدنى؟ هذا يعتبر خطأ وتحريفًا، فالصواب ما شرحناه لكم أولًا، أن اسم التفضيل هنا على بابه، وأن الله بشرهم بأنه يكفّر الأسوأ، ومن كفر الأسوأ كفّر ما دونه، وبشرهم بأنه يجزيهم أحسن ما كانوا يعملون، لا أنه يجزيهم الحسنة بمثلها، بل أحسن، وهذا فرق عظيم بين الحسن والأحسن والسيئ والأسوأ.
* من فوائد هذه الآية هاتان الآيتان: أولًا: قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
* من فوائدها: أن هؤلاء المتقين لهم ما يشاءون عند الله، متى؟ في الآخرة، في الجنة، وقد بين الله في آية أخرى أن لهم زيادة على ذلك، فقال: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥] وقد فُسّرت الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله عز وجل، والذي يظهر أن النظر من ذلك، وإلا فالزيادة أشمل من هذا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله تعالى بهؤلاء القوم، وذلك بإضافة الربوبية إليهم.
* ومن فوائد هذه الآية: أن التقوى من الإحسان لقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ولم يقل المتقين، والمراد بهم المتقون، لكن المتقي محسن؛ لأن المتقي عند الإطلاق هو من قام بمأمور وترك المحظور وهذا هو الإحسان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الإحسان لقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ والحث على الإحسان والأمر به كثير في الكتاب والسنة، والإحسان يتضمن -كما قلت لكم- الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى عباد الله، والإحسان إلى عباد الله يكون بالقول وبالفعل وبالجاه وغير ذلك من أنواع الإحسان، فلا تدخر وسعًا في بذل الإحسان لإخوانك، فإن ذلك مما يكون سببًا لدخول الجنة، ويكون أيضًا سببًا في عون الله لك، فإن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
* ومن فوائد الآية الثانية: أنهم بتقواهم يكفّر الله عنهم أسوأ أعمالهم لقوله: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾.
* ومن فوائدها: أن الله يجزيهم بأحسن جزاء، وقد بُيّن ذلك في الكتاب والسنة بأن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخطرات التي تخطر على القلوب لا حكم لها؛ لقوله: ﴿الَّذِي عَمِلُوا﴾ ولقوله: ﴿الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقد جاء الحديث مؤيدًا لذلك، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٥٢٨)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١) من حديث أبي هريرة.]]، ولكن يجب على من كان له خطرات سيئة أن يدافعها بما يستطيع، ومن مدافعتها أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وينتهي؛ يعني يُعرِض عن هذه التقديرات، فإن ذلك يزول، أما إن خضع لها واستكان لها واستمر فإنها تهلكه؛ لأن الشيطان يقيس قلب المرء إذا رآه لينًا هشًّا تسلط عليه حتى يخرجه من دينه ودنياه والعياذ بالله، وإذا كان صلبًا لا يقدر الشيطان أن ينفذ فيه، فإنه حينئذ يكون قويًّا تتكسر عليه عظام الشيطان، وقد أوصى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تلميذه ابن القيم حينما كان يعرض عليه بعض الشبهات، قال: لا تجعل قلبك كالإسفنجة تتشرب الماء ثم لا يخرج منها إلا بعصر، اجعل قلبك كالزجاجة صافية يُرى من ورائها ولا ينفذ إليها شيء -يُرى ما فيها يعني- ولا ينفذ إليها شيء.
يعني من هذه الشبهات تكون صافية نقية خالية من الشبهات ولا ينفذ إليها شيء وهكذا ينبغي للإنسان ألّا يخضع للشيطان في هذه الوساوس التي ترد عليه. فإذا قال قائل: هل الإرادة عمل أو لا؟ ماذا تقولون؟ الإرادة عمل، لكنها عمل القلب بخلاف التحديث؛ لأن تحديث النفس لا يعني الخضوع للشيء وإقرار الشيء لكن الإرادة لا تكون إلا بعد تقرير هذا الشيء، ولهذا «قال النبي عليه الصلاة والسلام في الرجلين المسلمين يلتقيان بسيفيهما فيقتل أحدهما الآخر، قال: كِلَاهُمَا فِي النَّارِ «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بَسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «لِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨ / ١٤) من حديث أبي بكرة. ]] ولما ذكر الرجال الأربعة، ومنهم: «رَجُلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمَالَ فَهُوَ يُنْفِقُهُ فِي غَيْرِ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَقَالَ الرَّجُلُ الْفَقِيرُ لَيْتَ لِي مَالَ فُلَانٍ فَأَعْمَلَ فِيهِ كَعَمَلِ فُلَانٍ قَالَ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٣٢٥)، وابن ماجه (٤٢٢٨) من حديث أبي كبشة الأنماري.]] مع أنه لم يعمل، لكن تمنى وأراد، والله أعلم.
* طالب: إذا أخبر (...) مطابق للواقع، وكان مخالفًا للواقع هل يُسمى كاذبًا؟
* الشيخ: يسمى كاذبًا، لكن ليس عليه إثم الكاذب.
* طالب: الذي يتقي الله ليكفر عنه سيئاته أو نقول: لا بد أن يتقي الله ويرضي الله، ثم (...).
* الشيخ: كل هذا صحيح، وأما قول الصوفية: أعبد الله لله، فهذا خطأ، لكن أعبد الله لهذا ولهذا.
قال الله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة ٢]، فبدأ بالفضل، وهذا في وصف الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩].
* طالب: أنا أخلص لكي أتعلم.
* الشيخ: أُخلص لكي أتعلم، ولّا: أتعلم مخلصًا؟
* طالب: لا (...).
* الشيخ: أيش؟
* طالب: أخلص لله يجيك العلم.
* الشيخ: هو لا شك أن الإخلاص لله يعني معونة وسببًا لتحصيل العلم وبركة العلم، الإخلاص سبب لحصول المفقود والبركة في الموجود (...).
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر ٣٦ - ٣٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر ٣٣]، من المراد بـ﴿الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾؟
* طالب: ﴿الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾؟
* الشيخ: من المراد به؟
* طالب: كل من صدق.
* الشيخ: كل من جاء بالصدق، كل من صدق في مقاله وفعاله وقصده فهو داخل في الآية.
تخصيص ذلك بالرسول ﷺ ماذا تقول فيه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أقول تخصيصه بالرسول؟
* طالب: (...) ﴿جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾.
* الشيخ: نعم، إذن هذا من باب القصور في تفسير الآية.
* طالب: نعم.
* الشيخ: الصدق هنا يختص بصدق النية والمقال والفعال؟
* طالب: يشمل جميعها.
* الشيخ: يشمل الجميع، صدق النية بماذا؟
* طالب: بالإخلاص.
* الشيخ: بالإخلاص لله، والمقال؟
* طالب: والمقال لا يخالف الواقع.
* الشيخ: الإخبار بما يوافق الواقع، والفعال أن تكون على الشريعة.
قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ كيف جمع الخبر مع أن المبتدأ مفرد؟ ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لأن اسم الموصول ولو مفردًا يفيد؟
* طالب: يفيد العموم.
* الشيخ: يفيد العموم، قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هل جاء في القرآن ما يدل على أن لهم أكثر من ذلك؟
* طالب: نعم، قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦].
* الشيخ: لا نريد، المشيئة ما يشاءون.
* طالب: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥].
* الشيخ: هل في الآية ما يدل على الحث على الإحسان؟
* طالب: قوله تعالى: (...).
* الشيخ: كم أنواع الإحسان؟
* الطالب: إحسان للعباد وإحسان لرب العباد.
* الشيخ:إحسان في عبادة الله، وإحسان في معاملة عباد الله، الإحسان في عبادة الله ما معناه؟
* طالب: الإحسان في عبادة الله أن تؤدي العبادات على أكمل وجه.
* الشيخ: لا أريد تفسيرًا أحسن من تفسير من فسرها به أو من فسره به.
* طالب: هو فسرها النبي ﷺ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩/ ٥) من حديث أبي هريرة.]].
* الشيخ: تمام، واضح؟ عليك بالدليل.
الإحسان في معاملة العباد؟
* طالب: الإحسان في معاملة العباد أن يعاملهم كما يحب أن يعاملونه.
* الشيخ: أن يعاملون به، هل مخالفة هذا هل فيها وعيد؟ يعني أن تعامل الناس على خلاف هذا الواقع هل فيه وعيد؟ الإحسان في معاملة الخلق أن تعاملهم كما تحب أن يعاملوك به، هل هناك وعيد يدل على أنك لو عاملتهم على خلاف ذلك..
* طالب: (...).
* الشيخ: ما بعد كملت الآية.
* طالب: (...).
* الشيخ: تمام، وفي السنة: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥/ ٧١) من حديث أنس بن مالك.]]، فسر المؤلف قوله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ بتفسير مخالف لظاهرها، فما هو التفسير الذي فسرها به؟
* طالب: فسر أسوأ وأحسن، قال (...) حسن وسيئ.
* الشيخ: بمعنى سيئ وحسن، ما الفرق بين أسوأ وسيئ؟
* طالب: أسوأ من صيغ التفضيل.
* الشيخ: وأما سيئ؟
* طالب: سيئ، فهي ليست من صيغ التفضيل.
* الشيخ: وكذلك أحسن وحسن، أحسن من صيغ التفضيل، وحسن ليست كذلك، هل ما ذهب إليه صحيح؟
* طالب: لا، غير صحيح.
* الشيخ: غير صحيح، لماذا؟
* طالب: يا شيخ، تفسيره فيه قصور، (...).
* الشيخ: أولًا: لأنه مخالف لظاهر اللفظ، والثاني؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تمام؛ لأن تكفيره الأسوأ، وجزاؤه بالأحسن أبلغ مما لو كفّر السيئ وجزى بالحسن.
في قوله: ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فيها حذف؟
* طالب: يعني حذف (...) الذي كانوا يعملونه.
* الشيخ: المحذوف هو العائد على الصلة.
المؤلف قال: (﴿الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ هو النبي ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هم المؤمنون) وذكرنا أن هذا التفسير يتنافى تمامًا مع سياق الآية، وجهه؟
* طالب: وجهه أن قلنا: إن.. هذه ما قلناها.
* الشيخ: لا قلناها، قلنا: إن هذا التفسير يتنافى تمامًا مع الآية.
* طالب: (...) المتقون.
* الشيخ: لا، هذا.
* طالب: (...) سياق الآية أن الذي جاء بالصدق وصدق به (...).
* الشيخ: الآية ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾، ﴿صَدَّقَ﴾: معطوف على ﴿جَاءَ﴾ على صلة الموصول، والمعطوف على الصلة من الصلة، وعلى هذا فيكون الموصوف واحدًا؛ لأن صلة الموصول صفة، فإذا قلت: الذي أكرمني وأعطاني المال محبوب إليَّ. مثلًا، هل نقول: أعطاني المال غير الأول ولّا هو الأول؟
* طالب: الأول.
* الشيخ: هذا نفس الشيء.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии