Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
Аз-Зумар 39:49–60, продолжение
قال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾: أنيبوا إلى ربكم: الإنابة بمعنى الرجوع التام إلى الله، بماذا نرجع إلى الله؟ بالإقلاع عن المعصية والانضمام في سلك الطائعين، يعني إنابة لا يصدق الاتصاف بها إلا بالرجوع إلى الله من المعصية إلى الطاعة، أنيبوا إلى ربكم، وفي قوله: ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾ هنا الربوبية يحتمل أن تكون عامة، ويحتمل أن تكون خاصة، فهي بعد الإنابة من الربوبية الخاصة.
﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ يقول: أسلموا له أي: انقادوا له، فالإنابة تكون بالقلب، بالرجوع إلى الله، ينيب الإنسان: يرجع إلى الله، أسلموا له أي: انقادوا له؛ لأن الإسلام والاستسلام وهذه المادة كلها تدل على الانقياد، وقوله: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ (له): اللام هذه للاختصاص، وسنذكر أنها تفيد وجوب الإخلاص.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ أسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب في الدنيا قبل أن تتوقعوا ذلك، ثم إذا أتاكم لا تُنصرون، أي: لا تُمنَعون من هذا العذاب؛ لأن الله تعالى: ﴿إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد ١١] أي: من متولٍّ ينصرهم ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾.
﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ اتبعوا أي: الزموا بالعمل، أو الزموا العمل بأحسن ما أنزل إليكم من ربكم، والعمل يقتضي العمل القلبي والعمل اللساني والعمل الجوارحي، يعني اتبعوا عقيدةً وقولًا وعملًا.
وقوله: ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ هل الأحسن هنا وصف للعمل الذي يقوم به الإنسان أو وصف للنازل؟
* طلبة: وصف للنازل.
* الشيخ: الظاهر أنه وصف للنازل، أحسن ما أنزل إليكم، ونحن إذا تأملنا لن نجد أحسن من القرآن، كما هو ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة ٤٨] أي: مسيطرًا وذا سلطة، فعلى هذا تكون الأحسنية هنا راجعة إلى الكتاب المتبوع، وحينئذٍ لا إشكال فيها، فإذا قلنا: ﴿اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ أي: افعلوا أحسن ما شرع لكم. يبقى فيه إشكال، وهو أننا مأمورون بأحسن ما شرع لنا، فهل يعني ذلك أننا لو فعلنا الحسن دون الأحسن نكون مقصرين؟
نقول: هذا ظاهر الآية إذا فسرناها بما ذكرنا، ولكن دلت النصوص على أن من اقتصر على الواجب فقد قام بالواجب، وإن لم يأتِ بالأكمل، وإن لم يأتِ بالأحسن، بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال للرجل الأعرابي الذي ذكر له شرائع الإسلام قال: «إِنْ صَدَقَ هَذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»[[أخرجه البخاري (١٨٩١) من حديث طلحة بن عبيد الله.]]، وعليه -أي: على هذا الاحتمال في الآية الكريمة- نقول: إن النصوص دلت على أن اتباع الحسن مبرئ للذمة، لكن الأكمل اتباع الأحسن.
﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ أي: مفاجئًا، بغتة هنا بمعنى: مفاجئًا، ويحتمل أن تكون مصدرًا مبينًا للنوع، أي أن يأتيكم إتيان بغتة، ويحتمل أن تكون مصدرًا بمعنى في موضع الحال، أي: مباغتًا، والمراد المفاجأة، يأتيكم العذاب مفاجأة ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: لا تحتسبون أن يقع بكم العذاب؛ لأنكم غافلون، وليس عندكم شعور، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف ٩٧ - ٩٩] والغالب أن من انهمك بالمعاصي نسي الخالق ونسي العذاب، فيأتيه العذاب وهو في أشد ما يكون انغماسًا في المعاصي والترف.
* في الآية الكريمة فوائد: أولا: وجوب الإنابة إلى الله لقوله: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: وجوب الإخلاص له؛ لقوله: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾، وكذلك ﴿أَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: أنه لا بد من الإسلام لله ظاهرًا وباطنًا، فمن أسلم قلبه لله لزِم أن يسلم جوارحه لله؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]]، ومن أسلم ظاهرًا لا باطنًا فإن إسلامه لا ينفعه كإسلام المنافقين، فالإسلام يكون في الباطن ويتبعه الإسلام في الظاهر، ويكون في الظاهر دون الباطن، وهل يكون في الباطن دون الظاهر؟ لا، كيف يكون في الباطن دون الظاهر؟ لأنه إذا أسلم لله قلبه أسلمت جوارحه «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»، وأما المكره فهو لا حُكم لفعله؛ لأنه سقط عنه التكليف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من المخالفة، الحذر من نزول العذاب عند المخالفة؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ ومن يأمن من عذاب الله؟ لا أحد يأمن، فأنت إذا لم تتب إلى الله مبادرةً فإن العذاب ربما ينزل بك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا نزل العذاب من عند الله فلا أحد يمنعه؛ لقوله: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾، وتأمل قوله: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾، (ثم) أتى بـ(ثم) الدالة على المهلة، يعني مهما طلبتم من ناصر وطالت مدة طلبكم للناصر، فإنكم لن تجدوا من ينصركم من عذاب الله.
* ومن فوائد الآية الثانية: وجوب اتباع القرآن؛ لقوله: ﴿اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: تحريم إتباع غير القرآن؛ لأنه إذا وجب اتباع القرآن فضده حرام.
ولكن إذا قال قائل: هل تقولون: إن شرع من قبلنا شرع لنا؟
فالجواب أن في ذلك خلافًا بين أهل العلم من أهل الأصول، والصحيح أنه شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، ونحن نتبع شرع من قبلنا لا لأنه شرع من قبلنا، ولكن لأن شرعنا دلنا على العمل به، وأدلة ذلك معروفة في أصول الفقه، منها قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٩٠].
ومنها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١].
ومنها قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة ٤].
المهم أن القول الراجح أن شريعة من قبلنا شرع لنا بشرعنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، فإن ورد شرعنا بخلافه فهو مطرح.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن أحسن ما أنزل؛ لأن الله أمرنا باتباع أحسن ما أُنزل، ونحن نعلم جميعًا أننا نتبع القرآن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من خالف ذلك ولم يتبع القرآن، فإنه ربما يأتيه العذاب بغتة وهو لا يشعر.
وهنا نسأل: هل العذاب هو العذاب الحسي الذي به فساد البلاد، أو يشمل العذاب الحسي والعذاب المعنوي؟
يشمل الأمرين لا شك، والإنسان قد يُعذب عذابًا معنويًّا بحيث تفسد عليه أموره، أمور الدين وأمور الدنيا، قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣] وهذه عقوبة من العقوبات التي هي أشد من عقوبات الدنيا؛ أن يصد الإنسان عن ذكر الله وعن الصلاة، فإن هذا أشد من أن يفقد الإنسان ماله وولده.
وقد كان بعض السلف إذا نام عن صلاة الليل قال: إنني ما حرمت صلاة الليل إلا بذنب، فجعل عدم القيام في الليل جعله عقوبة على ذنبٍ عمِله، وكلما كثرت المعاصي والعياذ بالله كثر الإعراض عن ذكر الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف ٢٨].
أظن نقرأ كلام المؤلف، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (﴿وَأَنِيبُوا﴾ ارجعوا ﴿إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا﴾ أخلصوا العمل ﴿لَهُ﴾ ) وفي تفسيره الإسلام بالإخلاص نظر، والإسلام هو الانقياد وهو الاستسلام لله تعالى ظاهرًا وباطنًا.
وقوله: (﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ بمنعه إن لم تتوبوا) إن لم تتوبوا راجع إلى قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ لأننا إذا تبنا رفع الله عز وجل العذاب عنا.
(﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القرآن) ولم يذكر الاحتمال الذي ذكرنا، بل جعل المراد بالأحسن هنا أيش؟ أحسن ما نزل لا أحسن ما شرع، نعم.
(﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ قبل إتيانه بوقته، فبادروا قبل ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ ) [الزمر: ٥٦] إلى آخره.
* طالب: (...).
* * *
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٥٣] ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه هو الذي أوحي إليه هذا القرآن، واعلم أن القرآن كله قد قيل للنبي ﷺ فيه: قل، لكن بعضه يصرح فيه بقل، وبعضه لا يصرح؛ لأن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] يعم القرآن كله، فيجب عليه أن يقول للناس القرآن كله، لكن بعض الآيات أو بعض الأحكام تصدر بـ(قل) للعناية بذلك، أي بذلك الحكم المصدَّر بـ(قل)، فهنا يقول الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: قل لهم مبلِّغًا عن الله أن الله قال: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، (عبادي) هنا يراد بها العبودية العامة، وليست العبودية الخاصة؛ لأنها تشمل المؤمن والكافر.
وقوله: ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: جاوزوا الحد في أعمالهم، وذلك بالكفر فما دونه، وأصل الإسراف مجاوزة الحد، فالإسراف على النفس أن تتجاوز الحد فيما يجب عليك لله عز وجل أو لغيره من الخلق.
(﴿لَا تَقْنَطُوا﴾ بكسر النون وفتحها، وقرئ بضمها) ففيها ثلاث قراءات: قراءتان سبعيتان وقراءة شاذة ليست سبعية؛ لأن مصطلح مؤلف الجلالين إذا قال: في قراءة، فهي سبعية، وإذا قال: قرئ فهي شاذة، وإذا قال: بفتح وضم فهما سبعيتان، إذا قال: وقرئ فهي شاذة، ففيها الآن (تقنطوا) في النون ثلاث حركات: ﴿تقنِطوا﴾ ﴿تَقْنَطُوا﴾ وهاتان؟
* طلبة: سبعيتان.
* الشيخ: سبعيتان، ﴿تقنُطوا﴾ هذه شاذة، والقراءة الشاذة لا يُقرأ بها في الصلاة، لكن يُستدل بها في الأحكام إذا صحت، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بل إذا صحت فإنه يُقرَأ بها في الصلاة، كما يُستدل بها في الأحكام.
فإذا قال قائل: ما الفرق بين الشاذة والسبعية؟
قلنا: إن العلماء اصطلحوا فما جاء عن طريق القراء السبعة المشهورين فهي سبعية، وما جاء عن طريق آخر ولو صح فهو عندهم شاذ، فالشاذ إذن ما خرج عن القراءات السبع، ولكنه يُحتج به في الأحكام، ولا يقرأ به في الصلاة، إلا على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فإنه يقول: متى صحت القراءة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنها تقرأ في الصلاة؛ وإن لم تكن من القراءات السبع.
وقال المؤلف في تفسير ﴿تَقْنَطُوا﴾ قال: (تيئسوا) والصحيح أن هذا التفسير تقريب، لأن القنوط أشد اليأس، فهو أعلى درجات اليأس، فمعنى تقنطوا أي: يبلغ بكم اليأس أشده ﴿مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ يعني من أن يرحمكم الله عز وجل؛ لأن الإنسان إذا قنط من رحمة الله وأيس لم يتعرض للرحمة لأنه آيس، ولهذا يقال: اليأس مفتاح الترك، أضرب لكم مثلًا: حاول أن تحل عقدة من خيط، فإذا أعيتك ماذا تصنع؟
* طلبة: تتركها.
* الشيخ: تتركها، إذا أيست منها تركتها، لكن بالنسبة لرحمة الله عز وجل لا تيئس، مهما عملت من الذنوب والمعاصي فلا تيئس.
نعم من رحمة الله قلنا: معناها من أن يرحمك الله، لا تيئس من أن يرحمك الله، بل حاول أن تتعرض لرحمته، فهنا نهي وتعليل، النهي ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ التعليل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ يغفر مأخوذ من المغفرة، وهي ستر الذنب والتجاوز عنه، هذه المغفرة، ستر الذنب والتجاوز عنه، وليست مجرد الستر؛ لأنها مأخوذة من المغفر، وهو ما يُوضَع على الرأس عند الجهاد للوقاية، فهو جامع لأمرين: الستر والوقاية.
فمثلا: الغُترة هذه لا نسميها مغفرًا، الطاقية لا، مع أنها ساترة لكنها ليست واقية، لكن بيضة الحديد التي تُوضع على الرأس عند القتال نسميها مغفرًا، ليش؟ لأنها ساترة واقية، فمغفرة الذنوب سترها والتجاوز عنها، فأنت إذا قلت: اللهم اغفر لي، تسأل الله شيئين:
أن يستر ذنوبك عن غيرك، والثانية: أن يتجاوز الله عنها.
وقوله: ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ شامل للصغائر والكبائر، ولهذا قال العلماء: إن هذه الآية في التائبين، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨] في غير التائبين وهذا صحيح؛ لأن الشرك لا يغفره الله تعالى إلا بتوبة، فإذا قلنا بالعموم في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ فلا بد أن نقول: إن هذه في من؟ في التائبين، ما هي في كل إنسان، المشرك لا يغفر الله له قطعًا، لكن إذا تاب غفر الله له مهما عظم شركه.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الجملة تعليل للحكم الذي قبلها وهو ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ والجملة هنا مؤكدة بمؤكدين هما: (إن) و(هو)، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، أما كون (إن) مؤكدة فظاهر؛ لأن (إن) من أدوات التأكيد.
وأما (هو) فهو أيضًا من أدوات التوكيد؛ لأنه ضمير فصل، ما معنى قول: ضمير فصل؟ ضمير فصل يفصل بين المبتدأ والخبر، ويفيد التوكيد، ويفيد أيضًا الحصر، ويفيد الفصل الذي هو التمييز بين الخبر والصفة، فهو مفيد لثلاثة أمور، يعني ضمير الفصل له ثلاث فوائد:
الأولى: التوكيد، والثانية: الحصر، والثالثة: التمييز بين الصفة والخبر، فوائد ما هي؟
* طالب: التوكيد والحصر والتمييز بين الصفة والخبر.
* الشيخ: طيب يظهر هذا بالمثال، فإذا قلت: زيد الفاضل، فهنا يحتمل أن تكون (الفاضل) صفة لـ(زيد)، وأن نتلقى الخبر فيما بعد فيقال: زيد الفاضل في المسجد، فإذا قلت: زيد هو الفاضل تعين أن تكون خبرًا، فتميز الآن الخبر من الصفة بواسطة (هو)، كذلك إذا قلت: زيد هو الفاضل، فإنك لما أتيت بـ(هو) زدت ذلك توكيدًا، كذلك لما أتيت بـ(هو) حصرت الفضل فيه دون غيره، فقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فيها فائدتان:
الفائدة الأولى: التوكيد، والفائدة الثانية: الحصر، أما التمييز بين المبتدأ والخبر فهنا لا حاجة؛ لأن الضمير (إنه) يقولون: إنه لا ينعت ولا ينعت به، الضمير لا ينعت ولا ينعت به، واضح؟ وعليه فيكون الفائدة في قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الحصر والتوكيد.
وقوله: ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ سبق معنى المغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه، ﴿الرَّحِيمُ﴾: أي ذو الرحمة التي يحصل بها المطلوب، والمغفرة يزول بها المرهوب، فالجمع بين الاسمين الكريمين يفيد أيش؟ يفيد السعادة الكاملة، النجاة من المرهوب في قوله؟
* طالب: ﴿الْغَفُورُ﴾.
* الشيخ: ﴿الْغَفُورُ﴾ لأن هذا مغفرة الذنب، حصول المطلوب في قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ لأن الرحمة يحصل بها المطلوب والخيرات والنعم.
فالجمع بين الاسمين الكريمين يفيد أيش؟ يفيد السعادة الكاملة، النجاة من المرهوب في قوله؟
* طالب: ﴿الْغَفُورُ﴾ [الزمر ٥٣].
* الشيخ: ﴿الْغَفُورُ﴾؛ لأن هذا مغفرة الذنب، حصول المطلوب في قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ لأن الرحمة يحصل بها المطلوب والخيرات والنعم، وبزوال المرهوب وحصول المطلوب يتم الفوز.
قال الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥] ﴿زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ ما الذي بها؟
* طلبة: النجاة من المرهوب.
* الشيخ: النجاة من المرهوب، ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾ حصول المطلوب ﴿فَقَدْ فَازَ﴾.
نرجع الآن إلى فوائد الآية:
* من فوائد الآية الكريمة: وجوب إبلاغ الرسول ﷺ عن الله هذا القول، من أين يؤخذ؟
* طلبة: من ﴿قُلْ﴾ [الزمر ٥٣].
* الشيخ: من قوله: ﴿قُلْ﴾؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب، لاسيما وأن هذا إبلاغ للرسالة، وإبلاغ الرسالة واجب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أهمية هذا البلاغ لئلا نقنط من رحمة الله، وأن نعلم أنه جل وعلا يغفر الذنوب جميعًا، من أين أخذنا أهميتها؟ من تصديره بـ ﴿قُلْ﴾ لأن هذا أمر بإبلاغ خاص.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المذنب مسرف على نفسه ظالم لها؛ لقوله: ﴿أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر ٥٣] ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود ١٠١].
والعجيب أن الظالم لنفسه بالمعصية إذا قيل له: لماذا؟ قال: هذا القضاء والقدر، عسى الله أن يهديني، عرفتم؟ وإذا ضربه أحد ظلمه بالضرب فقال: لم تضربني؟ قال: والله يا أخي هذا قضاء وقدر، هل يرضى بهذه الحجة؟
* طالب: لا يرضى.
* الشيخ: لا يرضى، وهو بظلمه لنفسه يرضى، وهذا تناقض عجيب، يعني إذا ظلمت نفسك أبحت أن تحتج بالقدر، وإذا ظلمك غيرك لم تبح له أن يحتج بالقدر، وهذا جور في الحكم وتناقض، يقال: كيف ترضى أن تظلم نفسك ولا ترضى أن يظلمك غيرك ويحتج بالقدر؟
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم القنوط من رحمة الله؛ لقوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وجه الدلالة أن الأصل في النهي التحريم، وقد دلت السنة على أن القنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب؛ لأنه ظن ما لا يليق بالله جل وعلا؛ فإن اللائق بالله سبحانه وتعالى أن من لجأ إليه فإنه أكرم الأكرمين لا يخيبه، فإذا قنطت من رحمته فقد استهنت في حقه سبحانه وتعالى، ولهذا كان القنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله لقوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.
والرحمة نوعان: مخلوقة وغير مخلوقة، فما كان من الإنعام والإحسان فهو مخلوق، وما كان صفة للرب فهو غير مخلوق، ولهذا قال الله تعالى في الجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٥) من حديث أبي هريرة. ]] أنت رحمتي مع أن الجنة مخلوقة لكنها من آثار الرحمة، إذا وُلد لشخص ولد أو عاد إليه ضال من ماله أو ضائع من ماله، قال: والله هذه رحمة الله، هل هذه الرحمة مخلوقة ولَّا غير مخلوقة؟
* طلبة: مخلوقة.
* الشيخ: مخلوقة؛ لأنها إحسان وإنعام، فإذا أطلقت الرحمة على الإحسان والإنعام فهي مخلوقة، وإذا أطلقت على صفة الله فهي غير مخلوقة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذنوب مهما عظمت؛ فإن الله يغفرها ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ كل الذنوب؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: نعم؛ لأن الله ذكرها بـ(أل) الذنوب، وأكد هذا العموم بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ كل الذنوب، لكن هذا في حق من؟ في حق التائبين.
* ومن فوائدها: أن ظاهرها مغفرة الذنوب للتائبين وإن كان الذنب للمخلوق، يعني لو اعتديت على شخص ثم تبت إلى الله، فإن الله يتوب عليك، ولو كان الذنب للمخلوق، عرفت؟ لكننا اشترطنا أن تتوب، ومن تمام التوبة أن توفي للمخلوق حقه إن قدرت عليه، فإن لم تقدر عليه فأوفه ولو بظهر الغيب.
ونحن نضرب لهذا مثلًا أو مثلين أو ثلاثة حسب ما يتضح به المقام: إذا أخذت من شخص مالًا بغير حق فهذا ذنب، فإذا تبت إلى الله يغفر الله لك الذنب أو لا؟ يغفر الله لك الذنب لا شك، لكن من تمام التوبة أن توصل المال إلى صاحبه، فإن مات فإلى ورثته، إذا أديت إلى ورثته برئت ذمتك منه، لكن بقي ظلمك للميت الذي حلت بينه وبين ماله، هل تحاسب عليه أو لا تحاسب؟ إن قلت: لا تحاسب، فسيقول لك قائل: كيف يتخلص الإنسان من ظلم الميت الذي حال بينه وبين ماله؟ وهذا صحيح ولَّا غير صحيح؟
* طلبة: صحيح.
* الشيخ: صحيح، ذمته برئت؛ لأنه أدى المال إلى مستحقه بعد موت صاحبه، لكن المشكل أن صاحبه حيل بينه وبينه في حال الحياة، لو كان عنده لاشترى بيتًا، لاشترى سيارة، لتزوج، فحلت بينه وبينه، فهل يسقط عنك حقه بتوبتك أو لا؟
نقول: ظاهر الآيات الكريمة أنه يسقط حقه عنك أنت، لكن الله تعالى يوفيه من عنده، أفهمتم أو لا؟ طيب لماذا؟ لأنك الآن لا تستطيع أن تتوصل إلى هذا الميت لتعطيه حقه، والذي تستطيعه أن أيش؟ أن تؤديه إلى ورثته، وقد فعلت.
مثال آخر: أخذت مالًا من شخص ثم نسيت الشخص، نسيته، ثم تبت، فما هو الطريق إلى التوبة أو الخروج من حق الرجل؟ أتصدق به عنه، وإذا تصدقت به عنه استفاد من هذا المال متى؟ في الآخرة ولَّا في الدنيا؟
* طلبة: في الآخرة.
* الشيخ: في الآخرة، لكن قد يقول قائل: لكنك حلت بينه وبينه في الدنيا، وقد يكون له غرض في المال في الدنيا، فأقول: نعم، أنا حلت بينه وبينه في الدنيا، لكن عجزًا مني أن أصل إليه، والذي قدرت عليه من التوبة فعلته، وهو أيش؟
* طالب: تصدقت.
* الشيخ: الصدقة به عنه، فهل يبرأ براءة تامة بحيث لا يطالبه صاحب المال في الآخرة؟ الجواب نقول: ظاهر النصوص نعم، يبرأ.
طيب قتلت نفسًا ثم تبت إلى الله عز وجل من قتل النفس، من تمام توبتك أن تسلم نفسك لورثة المقتول، تقول: أنا الذي قتلت صاحبكم، وأنا الآن بين أيديكم، إذا سلمت نفسك لهم برئت ذمتك، لكن يبقى عندنا حق من؟
* طالب: المقتول.
* الشيخ: حق المقتول الذي حلت بينه وبين بقائه في الدنيا، فهل تبرأ منه بالتوبة؟
الجواب: نعم تبرأ منه بالتوبة لعموم الآية هذه وأمثالها، تبرأ منه بالتوبة، لكن هل يضيع حق المقتول أو لا؟ لا يضيع، يتحمله الله سبحانه وتعالى عنك له، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى أن يعفوا عن حقه ويتحمل عنك حق الآخرين.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على ما قلتم؟ وكيف يسقط عنه حق الآدمي؟ قلنا: الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان ٦٨] هنا فيها حق لله، حق للمخلوق بالدم، حق للمخلوق بالعرض إن كان قد زنا مكرهًا بالمزني بها، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠] حتى في القاتل يبدل الله سيئاته حسنات.
فإذا قيل: كيف يضيع حق المقتول؟ فالجواب؟
* طالب: ما يضيع.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: لأن الله سبحانه وتعالى يتحمله عنه.
* الشيخ: نعم أحسنت، نقول: لا يضيع؛ لأن الله يتحمله عنه، وهذا من فضله تبارك وتعالى، إذن نقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ظاهر الآية العموم يغفر الذنوب جميعًا، سواء مما يتعلق بحق الله أو بحق العباد، لكن ما يتعلق بحق العباد إذا تعذر إيصاله إليهم في الدنيا، فإن الله تعالى أيش؟ يتحمله في الآخرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله عظيمين يقترنان كثيرًا في القرآن هما الغفور الرحيم، ووجه اقترانهما أن في الأول زوال المكروه، وفي الثاني حصول المطلوب، فيتكون من اجتماعهما وصف زائد على الوصف عند انفرادهما؛ لأنه إذا انفردا استفدنا المغفرة إن انفرد الغفور، أو الرحمة إن انفرد الرحيم، لكن إذا اجتمعا استفدنا فائدة جديدة، وهي أن مغفرة الله عز وجل مقرونة برحمته، فهو جامع بين المغفرة والرحمة، هذان الاسمان من الأسماء اللازمة أو من الأسماء المتعدية؟
* طلبة: المتعدية.
* الشيخ: المتعدية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، إذن متعدية، طيب ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١] إذن متعدية.
الأسماء المتعدية قال العلماء: لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة أمور، الإيمان بالاسم، والإيمان بما تضمنه من صفة، والإيمان بالحكم المترتب على تلك الصفة، الذي يطلق عليه بعضهم الأثر، الإيمان بالاسم هنا الغفور، نؤمن بأن الغفور من أسماء الله، نؤمن بأن لله مغفرة دل عليها اسم الغفور، كذا؟ طيب ونؤمن أيضًا بما يتضمنه ذلك، يدل على المغفرة ويدل على العلم؛ لأنه لا يغفر ما لا يعلمه، ودلالته على العلم من باب دلالة التضمن أو الالتزام؟
* طلبة: الالتزام.
* الشيخ: الالتزام؛ لأن المادة (غ ف ر) ما فيها (ع ل م) فيكون هذا من باب الالتزام، طيب الرحيم نعم قلنا: الغفور اسمًا المغفرة وصفًا يغفر الذنوب حكمًا، الرحيم كذلك الرحيم اسمًا نؤمن بالرحيم اسمًا، وبالرحمة صفة، وبأنه يرحم حكمًا، غفر الله لنا ولكم ورحمنا وإياكم.
* طالب: لو سرق شخص من كافر ولم يعلم به فماذا يصنع؟
* الشيخ: نعم، هذا يسأل سؤالًا مهمًّا، يقول: لو سرق شخص من كافر وذهب الكافر ولم يعلم به فماذا يصنع؟ الجواب: إن كان الكافر حربيًّا فالمال له، وإن كان له عهد فإنه يسلمه إلى بيت المال؛ لأن بيت المال يتقبل الأموال التي لا يعرف مالكها، فإن لم يكن بيت مال، فليتخلص منه بالصدقة، لكن الكافر لا يثاب على هذه الصدقة إلا إن أسلم.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم يقال: إن قول ابن عباس رضي الله عنهما رأي رآه مخالف لظاهر النصوص، والعبرة بظاهر النصوص، وبهذا القول نستريح، ووجه ابن القيم رحمه الله ما رُوي عن ابن عباس بأن القتل يتعلق به ثلاثة أمور: حق لله، حق لأولياء المقتول، حق للمقتول، أما حق الله فيسقط بالتوبة، فإذا تاب الإنسان قبل الله توبته ومحي عنه الإثم، حق أولياء المقتول يكون بتسليمه نفسه إليهم، حق المقتول يقول ابن القيم: لا بد من أخذه من هذا القاتل، لكن يقال: الصواب ألا نعبر هذا التعبير، بل نقول: لا بد من إيفائه إياه، ومن الذي يوفيه؟ الله عز وجل، هذا هو الصواب، نعم.
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ (...) تمام التوبة أم شرط التوبة.
* الشيخ: المراد بالتمام هنا ما هو التمام الأولوي، التمام الواجب، يعني لا تتم التوبة إلا بذلك.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، أما قلنا في التفسير، قل مبلغًا عني: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾، نعم فيقول الرسول مثلًا: قال ربكم: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾، هذا كيفية إبلاغ هذه الآية، أعرفت؟ نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني مع القدرة.
* الطالب: مع القدرة؟
* الشيخ: إي مع القدرة، هذا صحيح، لكنهم بعضهم قال: إذا اغتبت شخصًا فلا بد أن تذهب إليه وتستحله مطلقًا، وبعضهم فصل قال: إن كان قد علم فلا بد أن تستحله؛ لأنه حمل عليك في نفسه، وإن لم يكن علم فأثن عليه في المواطن التي كنت تغتابه فيها ويكفي، وهذا التفصيل جيد؛ لأنك لو ذهبت إليه وقلت: أنا اغتبتك وهو لم يعلم، أنشأت في نفسه عليك ما تنشئه، لكن إذا استغفرت له وأثنيت عليه في المكان الذي أنت اغتبته فيه حصل المقصود.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [الزمر ٥٤ - ٥٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول للناس عن الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وسبق الكلام على هذه الآية تفسيرًا واستنباطًا.
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا﴾ قال المؤلف المفسر: (﴿وَأَنِيبُوا﴾ ارجعوا ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾ ) يعني ارجعوا إلى ربكم من معاصيه إلى طاعته ومن البعد عنه إلى القرب، وهذه الإنابة هي عمل القلب، رجوع القلب إلى الله سبحانه وتعالى.
﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أي: استسلموا له واخضعوا لشرعه، وهذا عمل الظاهر، عمل الجوارح، فالإنابة بالقلب والإسلام بالجوارح.
(﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أخلصوا العمل)، وأخذ المؤلف الإخلاص من قوله: ﴿لَهُ﴾ أي لله، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران ٢٠] فهذه الآية فيها الأمر بالإنابة وهي في القلب، والأمر بالاستسلام له، وهي بالجوارح، والإخلاص مستفاد من اللام المذكورة في قوله: ﴿لَهُ﴾.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ متعلقة بـ (أنيبوا) و(أسلموا)، فقد تنازعها العاملان، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ يعني من الله ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ يعني لا تمنعون من عذاب الله.
وقول المؤلف: (إن لم تتوبوا) لا حاجة إليه؛ لأن الله قال: أنيبوا وأسلموا من قبل هذا الشيء، وإذا أناب وأسلم من قبل هذا الشيء فقد تاب، وحينئذٍ لا ينزل عليه العذاب.
﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: ﴿وَاتَّبِعُوا﴾ أي كونوا تبعًا ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، (أحسن) اسم تفضيل من الحسن، ويشمل الأحسن في ذاته، والأحسن في العمل، الإنسان مأمور أن يتبع الأحسن، أحسن ما أنزل إلينا في ذاته، ولو فتشت الكتب السماوية التي نزلت لوجدت أحسن ما نزل هو القرآن، ولهذا فسره المؤلف بقوله: (وهو القرآن) كذلك أحسن ما أنزل إلينا إذا كانت عبادة قام بها الإنسان على وجه ناقص، وعبادة قام بها على وجه كامل، فالتي على وجه كامل هي الأحسن، فإذا وُجد أعمال تتفاضل فالإنسان مأمور بأن يتبع الأحسن منها.
﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فيها إشارة إلى وجوب اتباع الأحسن؛ لأن هذا الأحسن نازل من الله سبحانه وتعالى، من الرب، والرب هو الذي له التصرف في العباد تدبيرًا وتشريعا وحكما.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ في الآية الأولى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ ثم هذا قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ أي مفاجأة، وأنتم لا تشعرون أنه يأتيكم العذاب، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ [الأعراف ٩٧، ٩٨] فالنائم لا يشعر بالعذاب إلا بغتة، والذي يلعب كذلك لا يشعر بالعذاب إلا بغتة، يقول عز وجل: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ يقول المؤلف رحمه الله الشارح المفسر: (﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ قبل إتيانه بوقته) يعني لا تشعرون بوقته قبل إتيانه، بل قد ضربتم الأمل الطويل والتفاؤل الذي ليس في محله حتى أتاكم العذاب.
قال: (فبادوا قبل ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ ) قدَّر المؤلف هذا الذي ذكر لدلالة السياق عليه، وهذا الذي قام به المؤلف رحمه الله يسمى عند البلاغيين إيجاز الحذف؛ لأن الإيجاز عندهم نوعان: إيجاز قصر وإيجاز حذف، فإيجاز القصر أن تكون العبارة القصيرة تتضمن معاني كثيرة، وإيجاز الحذف أن تكون العبارة موجودة قد حُذف منها ما هو معلوم، مثل قوله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص ٢٤، ٢٥] هذه الآية حُذف منها شيء كثير؛ لأن تقديره أن المرأتين ذهبتا إلى أبيهما وأخبرتاه بالخبر، ثم أرسل إحداهما إلى موسى فجاءت إحداهما تمشي على استحياء، فصار عندنا الإيجاز نوعان: إيجاز قصر بأن تكون العبارة قصيرة تتضمن معاني كثيرة، وإيجاز حذف بأن يحذف من الكلام ما يدل عليه السياق، وكلاهما فصيح عربي.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии