Ибн УсейминАз‑Зумар · 39:8–9

Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском

Аз-Зумар 39:8–9

39:8–9Страница 459

۞ وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعۡمَةٗ مِّنۡهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدۡعُوٓاْ إِلَيۡهِ مِن قَبۡلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦۚ قُلۡ تَمَتَّعۡ بِكُفۡرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ ٨

Когда человека коснется вред, он взывает к своему Господу, обращаясь к Нему одному. Когда же Он предоставляет ему благо от Себя, человек забывает Того, к Кому он взывал прежде (или забывает то, ради чего он взывал прежде), и равняет с Аллахом других, чтобы сбить других с Его пути. Скажи: «Попользуйся благами со своим неверием немного! Воистину, ты будешь одним из обитателей Огня».

أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٩

Неужели тот, кто смиренно проводит ночные часы, падая ниц и стоя, страшась Последней жизни и надеясь на милость своего Господа, равен неверующему? Скажи: «Неужели равны те, которые знают, и те, которые не знают?». Воистину, поминают назидание только обладающие разумом.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر ٨].

﴿إِذَا مَسَّ﴾ أي: أصاب.

و﴿الْإِنْسَانَ﴾ يقول المؤلف: المراد به (الكافر).

وإنما جُعِل هذا العام خاصًّا؛ لظاهر سياق الآية كما يتبين، وإلا فالأصل أن الإنسان من ألفاظ العموم، الإنسان من ألفاظ العموم، فـ(أل) فيه لاستغراق الجنس، وعلامة (أل) التي لاستغراق الجنس أن يحل محلها (كل) أي: كل إنسان.

لكن المؤلف -رحمه الله- جعله عامًّا أُريد به الخاص بقرينة السياق، فإن السياق يدل على أن المراد به الكافر؛ لأنه لا يمكن أن يتأتَّى ما يدل عليه السياق من مؤمن.

﴿إِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾ ﴿ضُرٌّ﴾ نكرة في سياق الشرط فتكون عامة؛ أي ضر يكون؛ في بدنه، في أهله، في ماله، عام، خاص، أي ضر يكون يدخل في قوله: ﴿ضُرٌّ﴾.

﴿دَعَا رَبَّهُ﴾ انظر إلى قوله: ﴿دَعَا رَبَّهُ﴾ ولم يقل: دعا الله ففي هذه الحال، أي في إصابة الضر عرف ربه، وأنه لا ملجأ منه إلا إليه، فيدعو ربه معتقدًا أنه ربه يملك ما شاء ويتصرف فيما شاء.

قال المؤلف: (تضرع) يعني فسر ﴿دَعَا﴾ بمعنى (تضرع)؛ لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ [الأعراف ٥٥] والتضرع هو الاستكانة والذل أمام الله عز وجل.

(﴿مُنِيبًا﴾ راجعًا ﴿إِلَيْهِ﴾ ) فإذا دعا ربه منيبًا إليه كشف الله ضره؛ لأنه سبحانه وتعالى قال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل ٦٢].

وإجابة الله للمضطر تشمل الكافر والمسلم حتى الكافر الذي يعلم الله أنه سيكفر بعد زوال اضطراره يجيب دعوته ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت ٦٥] فهو يعلم عز وجل أنهم سيشركون بعد النجاة، ومع ذلك يجيبهم؛ لأن رحمته سبقت غضبه، ففي حال الضرورة يصدق لجوء الإنسان إلى ربه؛ لأنه يعلم أنه لا يكشف الضر إلا الله، فإذا رجع إلى ربه سبحانه وتعالى فإن رحمته سبقت غضبه يجيبه رحمةً به.

فهنا يقول عز وجل: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ إلى آخره [الزمر: ٨].

قال: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ﴾ يعني كأن هذا -والله أعلم- إشارة إلى أنه بعد أن تغمره النعمة ويستمر فيها وقتًا ينعم به بعد ذلك يكفر.

وقوله: ﴿إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً﴾ قال: (أعطاه) تفسير لـ﴿خَوَّلَهُ﴾.

(إنعامًا) تفسير لـ﴿نِعْمَةً﴾.

أما تفسير ﴿خَوَّلَهُ﴾ بـ(أعطاه) فواضح، وأما تفسير ﴿نِعْمَةً﴾ بـ(إنعام) فلا وجْه له؛ لأن الْمُعطَى ليس الإنعام وإنما المعطى النعمة وعلى هذا فإبقاء الآية على ظاهرها أولى مما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.

إذا اعطيناه إنعامًا لا يستقيم الكلام لماذا؟ لأن الإنعام فعل الله، والمعطَى هو النعمة وليس فعل الله، فإبقاء الآية على ظاهرها لا شك أنه هو الموافق للواقع.

يقول: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ ﴿مِنْهُ﴾ (مِنْ) هنا للابتداء؛ أي: نعمة صادرة من الله عز وجل، يتبين بها أنها فضْل محض من الله.

(﴿نَسِيَ﴾ ترك ﴿مَا كَانَ يَدْعُو﴾ يتضرع ﴿إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ وهو الله) انظر يا أخي، كان يتضرع إلى الله عز وجل في أن يكشف عنه الضر، كشف الله عنه الضر، وأعطاه نعمة زائدة على كشف الضر، ماذا تكون حاله؟

قال: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ والنسيان هنا بمعنى الغفلة، وليس المراد به ذهول القلب، وإنما المراد الغفْلة المتضمنة للترك، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٤، ٥] أي: غافلون عن صلاتهم.

﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ يقول: (﴿مَا كَانَ يَدْعُو﴾ يتضرع ﴿إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ )

﴿إِلَيْهِ﴾ الضمير يعود على الله عز وجل.

و﴿مَا﴾ تعود على الله، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (فـ(ما) في موضع (من)). (ما) في قوله: ﴿مَا كَانَ يَدْعُو﴾ في موضع (من) يعني مراد المؤلف أن (ما) بمعنى (من) أي: نسي من كان يدعو إليه من قبل، يعني من يدعو إليه من يوجه الدعاء إليه، أو كما قال المؤلف: (يتضرع إليه وهو الله عز وجل) فغفل، و(ما)، كأن الله أنعم عليه بكشف الضر وتخويله النعمة.

﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [الزمر ٨].

الأنداد ما غفل عنهم، والواحد القهار غفل عنه -والعياذ بالله- مع أن الأنداد لم تنفعه ولم يتضرع إليها حين أصابه الضر ومع ذلك يُقبِل عليها ويدع من أنعم عليه.

﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ (شركاء).

والأنداد جمع: (نِد)، والند هو المسامي لنِدِّه المماثل له، فيجعل لله أندادًا بماذا؟ في العبادة، يعبد هذه الأصنام كما يعبد الله عز وجل، ينذر لها كما ينذر لله، يذبح لها كما يذبح لله، وهكذا.

قال تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (بفتح الياء وضمها) ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (دين الإسلام).

﴿أَنْدَادًا لِيُضِلَّ﴾ اللام هذه إما أن تكون للتعليل، وإما أن تكون للعاقبة، فعلى قراءة الفتْح ﴿لِيَضِلَّ﴾ هو فاللام للعاقبة، يعني جعل لله أندادًا أدت به إلى الضلال، وإن كانت بضم الياء ﴿لِيُضِلَّ﴾ فاللام للتعليل يعني جعل لله أندادًا ليقتدي به الناس فيضلوا، والآية فيها قراءتان: ﴿يَضِلَّ﴾ و﴿يُضِلَّ﴾، فـ﴿يَضِلَّ﴾ تعود إلى نفسه و﴿يُضِلَّ﴾ تعود إلى غيره، وهاتان القراءتان كلاهما صحيح أو كلتاهما صحيح، وكل واحدة تفيد معنى يكمل معنى الأخرى فهو يضل بنفسه ويضل غيره أيضًا. اللام قلنا: إنها للعاقبة متى؟ على أي قراءة؟

* طلبة: ﴿لِيَضِلَّ﴾ .

* الشيخ: على قراءة الفتح؛ يعني أنه إذا اتخذ أندادًا صار عاقبته الضلال، وتكون للتعليل على أي القراءتين؟

* طلبة: الضم.

* الشيخ: على الضم؛ يعني جعل لله أندادًا ليُقتدَى به فيضل غيره.

لام العاقبة هل تأتي في اللغة العربية؟ نعم، تأتي، قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨] هل آل فرعون التقطوا موسى من أجل أن يكون لهم عدوًّا وحزنًا؟ أبدًا. يقولون: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص ٩]، لكن العاقبة: صار عدوًّا وحزنًا.

وتأتي زائدة -تأتي اللام زائدة- كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب ٣٣] ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ﴾ أي: أن يذهب، وكما في قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء ٢٦] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ﴾ أي: أن يبين، وإنما قالوا إنها زائدة؛ لأن (أراد) تتعدى بنفسها لا باللام، ولا تصلح أن تكون للتعليل؛ لأن التعليل مستفاد من الإرادة، وعلى هذا فيعربونها على أنها زائدة، فتبين أن اللام التي تدخل على المضارع تكون زائدة، وتكون تعليلية وهي الأكثر، وتكون للعاقبة.

* طالب: (...).

* الشيخ: ليس خلافًا؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: نعم، صح.

* الطالب: (...) في بعض الأشياء إرادة (...) بدون إرادة (...).

* الشيخ: نعم، صح.

* الطالب: (...).

* الشيخ: أحسنت، هو يرضى من الكافر أن يُسلِم، ولكنه لم يُرِد أن يُسلم؛ فهنا..

* الطالب: (...).

* الشيخ: هذا هو، هذا وجه ألا تلازم أنه قد يُوجد الرضا بلا إرادة، وتوجد الإرادة بلا رضا، ويوجد رضا وإرادة.

* الطالب: (...).

* الشيخ: الكافر ما الذي يرضى الله منه؟ أن يُسلم، لا يرضى الكفر، الله ما يرضى الكفر، يرضى الشكر فيرضى من هذا الكافر أن يشكر ويُؤمن، لكن هل أراد الله أن يشكر ويؤمن؟ لو أراد الله لوقع.

* طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك يا شيخ، كيف نجمع بين ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر ٧] وبين ما ورد «أنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ »[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٩٠)، ومسلم (٩٢٧ / ١٩) من حديث ابن عمر.]]؟

* الشيخ: نعم، هذا أيضًا صحيح ينبغي أن يُورَد على الآية، وهو أن الرسول عليه الصلاة والسلام ثبت عنه «أن الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، » عائشة رضي الله عنها قالت: «إن المراد بذلك الكافر »[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٨٨)، ومسلم (٩٢٩).]]. ولا شك أنها رضي الله عنها بشر تخطئ وتصيب، وذلك لأن الكافر يعذب سواء بكى عليه أهله أم لا، لكن هي أرادت أن تقول: إن معنى الحديث أن الكافر ليعذب وأهله يبكون عليه، جعلت هذا معنى الحديث، واستدلت بالآية.

ولكنا نقول: لا يستقيم هذا التأويل بل معنى الآية: أن المراد بالعذاب التألم النفسي، وليس التألم البدني، ونظير هذا قول الرسول ﷺ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٩٢٧ / ١٧٩) من حديث أبي هريرة.]]. مع أن المسافر لا يتعذب تعذبًا بدنيًّا، قد يكون من آنس ما يكون إذا كانت الأرض مُخصِبة والإبل طيبة، والرفاق أصحاب، ويش يكون السفر؟ نُزهة، ومع ذلك فهو قطعة من العذاب القلبي، صح؟

نحن بالطائرة مستريحون، مُكندَشة، دفء في الشتاء، وبرودة في الصيف، ونشرب القهوة والعصير، ونأكل التمر، وكل ما طلبنا يأتي، ومع ذلك القلب متألم، ما هو مثل الإنسان المستقر في بيته، فالعذاب الذي في القبر هو هذا النوع من العذاب.

وقال بعض العلماء: يُعذَّب عذابًا بدنيًّا، يعاقَب عقوبة بدنية ولكن هذا في من أوصى أهله أن ينوحوا عليه، وإن كان هذا لم يُذكر بالحديث لكن يُحمل الحديث على ما تقتضيه النصوص الأخرى.

وقال بعضهم: هذا في الرجل الذي يعلم من أهله أن ينوحوا عليه ولم ينههم، والفرق بين القول هذا واللي قبله واضح: الذي قبله أوصاهم، وهذا لم ينههم، ما أوصاهم لكن يعلم أنهم يفعلون فلم ينههم، فهذه أربعة أقوال في الحديث، وأصحها أن المراد بالعذاب العذاب النفسي، وليس العذاب البدني؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر ٧].

* * *

* طالب: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩) قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر ٩، ١٠].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر ٨] ما المراد بالإنسان هنا؟

* طالب: الكافر.

* الشيخ: الكافر، لماذا لا نحمله على العموم كما حملنا قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] على العموم؟

* طالب: (...) بقرينة السياق.

* الشيخ: ما هو السياق؟

* الطالب: قرينة السياق في الكافر ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [الزمر ٨].

* الشيخ: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أحسنت.

هل يسوغ في اللغة العربية أن يُستعمل العام بمعنى الخاص؟

* طالب: نعم، كثير.

* الشيخ: كثير، ومنه غير الآية هذه؟

* طالب: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران ١٧٣].

* الشيخ: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ فـ(الناس) الأولى رجل واحد، والثانية طائفة من الناس، وليس كل الناس.

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ [الزمر ٨] ما معنى (خوله)؟

* طالب: أعطاه.

* الشيخ: أعطاه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾ [الأنعام ٩٤]. نعمة؟

* طالب: المؤلف فسرها بالإنعام، وهذا خاطئ؛ لأن الإنعام هو فِعل الله سبحانه وتعالى.

* الشيخ: والصحيح أحسن من قولك هذا خاطئ، والصحيح أن المعنى أعطاه نعمة؛ لأنه خوله الْمُنعم به وليس الإنعام؛ الإنعام من فِعْل الله.

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ﴾ [الزمر ٨] فيها قراءتان؟

* طالب: بفتح الياء، وبضم الياء، بضمها وفتحها.

* الشيخ: اقرأهما.

* الطالب: ﴿لِيُضِلَّ﴾، و﴿لِيَضِلَّ﴾ .

* الشيخ: نعم، أحسنت.

ماذا يكون معنى اللام على كلتا القراءتين؟

* الطالب: في حال فتح الياء تكون للعاقبة، إذا كانت ضم الياء تكون..

* الشيخ: للتعليل.

الأخ يبين لنا اللام الداخلة على المضارع تكون للعاقبة وللتعليل كما في هذه الآية، وهل لها معنى ثالث؟ يلَّا يا أخ، نحن نظنك صاحب نحو.

* طالب: زائدة.

* الشيخ: زائدة، مثل؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، التي تدخل على المضارع ما هي باللام التي تدخل على الاسم.

* طالب: على المضارع؟

* الشيخ: إي، تأتي زائدة لكن نريد المثال الآن.

* الطالب: تأتي بمعنى (أل).

* الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله!

* طالب: مثل ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء ٢٦].

* الشيخ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ اللام هنا؟

* الطالب: زائدة.

* الشيخ: زائدة، ليش؟ لأن الإرادة تدل على معناها، لو قال الله عز وجل: يريد الله أن يبين لكم.

* طالب: صح.

* الشيخ: صح، استقام الكلام.

قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ [الزمر ٨] وقفنا على (يضل)؟

قال الله تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أو ﴿لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿سَبِيلِهِ﴾ أي دينه، أي طريقه الموصِل إليه، طريق الله الموصل إليه، هذه سبيل الله.

والسبيل يُضاف إلى الله تارةً كما في هذه الآية، وكما في آيات أُخرى كثيرة، ويضاف إلى المخلوق كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف ١٠٨] فما هو الجمع بينهما؟

الجمع بينهما أنه يُضاف إلى الله باعتبار أنه هو الذي وضعه، وأنه مُوصِل إليه باعتبار أن الله هو الذي وضعه، وأنه مُوصِل إليه، ويُضاف إلى غير الله للمخلوق باعتبار أنه هو السالك له.

إذن فسبيل الله يعني هو الذي شرع هذا السبيل ووضعه للعباد وهو يُوصِل إلى الله، سبيل الرسول ﴿هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف ١٠٨] أي: طريقي الذي أسلكه، ومثل ذلك يُقال في الصراط ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى ٥٣] و﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] فصراط الله باعتبار أنه هو الذي وضعه، وأنه مُوصِل إليه، و﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ باعتبار أنهم هم الذين يسلكونه.

وقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ قال المؤلف: (دِين الإسلام) وهذا تفسير للكلمة بمرادها؛ لأن التفسير للقرآن أحيانًا يكون تفسيرًا لفظيًّا وأحيانًا يكون تفسيرًا معنويًّا.

التفسير اللفظي: أن تُفسِّر اللفظ بمعناها، والتفسير المعنوي: أن تفسر اللفظ بالمراد بها.

فمثلًا: دين الإسلام لا يُطابِق في المعنى اللفظي لـ(سبيل)؛ لأن السبيل في اللغة الطريق، هذا في اللغة لو قيل لك: فسِّر سبيل تقول: يعني طريق.

لكن السبيل المراد به دِين الإسلام؛ لأن دين الإسلام وهو شرائع الإسلام يُوصِل إلى الله عز وجل، والذي وضعه هو الله سبحانه وتعالى.

إذن المؤلف فسَّر السبيل هنا بالمعنى اللفظي أو بالمعنى المرادي؟ يعني أن المراد بذلك كذا وكذا.

وقوله: (دين الإسلام) واضح أنه هو سبيل الله؛ لأن الله هو الذي شرعه سبحانه وتعالى؛ ولأن من سلكه أوصله إلى الله.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ (بقية أجلك) ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر ٨] أعوذ بالله.

﴿قُلْ﴾ الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، ويحتمل أن يكون الخطاب لكل من يصح خطابه، أي: قل أيها الإنسان لهذا الكافر أو لهذا الإنسان الموصوف بهذه الصفات: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾.

﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ هذي أمر لكنه ليس على ظاهره بل المراد بالأمر هنا التهديد كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩] معلوم أن الإنسان ليس بالخيار بين الإيمان والكفر لكن هذا من باب التهديد.

فهنا ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ ليس معناه أننا نبيح له أن يتمتع بالكفر، أو نأمره أن يتمتع بكفره بل نهدده، فالأمر هنا للتهديد.

فإن قال قائل: ما الذي أخرجه عن المعنى الأصلي؟

فالجواب: أنه أخرجه عن المعنى الأصلي قرينة السياق ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ أي: اكفر وتمتَّع بالكفر؛ لأن الكافر يتمتع بكُفْره تمتع البهائم كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد ١٢]، فالكافر -والعياذ بالله- لا يُقيِّد نفسه بعبادة، لا بصلاة، ولا زكاة، ولا صوم، ولا حج، ولا غير ذلك من العبادات، بل هو قد اتبع هواه وتمتع كما يتمتع الحمار، وفي النهاية قال: ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ كقوله تعالى: ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد ١٢]، وما أسرع وصوله إلى النار؛ لأن الدنيا قليل؛ أي: زمن قليل، مهما طال بك العمر فإنه إذا وافاك الأجل كأن لم تلبث إلا ساعة من نهار، وإذا شئت تصديق هذا فاعتبر ما مضى من عمرك بما بقي، اعتبر ما مضى، الآن كلنا يختلف سِنُّه عن الآخر لكن كلنا كأننا ولادة هذه الساعة؛ يعني كل اللي مضى كأنه لم يكن، هكذا يكون بقية العمر مهما طال بالإنسان العمر فإنه إذا جاء أجله كأنه لم يكن؛ ولهذا قال: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ وإن طال بك العمر، يقول: (بقية أجلك).

﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر ٨] الجملة هذه مؤكدة بـ(إن)، يعني ومهما تمتعت فمآلك إلى النار ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾، وأصحاب النار إنما تُطلق على الذين يُخلَّدون فيها، فالمؤمن العاصي وإن كان يستحق العذاب بالنار فإنه لا يسمى من أصحاب النار؛ لأن الأصل في الصُّحبة طول الملازمة هذا أصل الصحبة طول الملازمة إلا في مسألة واحدة ما هي؟

* طلبة: الصحابة.

* الشيخ: مَنْ؟ الصحابة، الصحابة مع الرسول ﷺ، لو اجتمع بالرسول الله صلى الله وسلم مؤمنًا به ولو لحظة صار من أصحابه.

يقول: ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ النار هي الدار التي أعدها الله عز وجل للكافرين، وقد بَيَّن الله تعالى في الكتاب، وبَيَّن رسوله ﷺ في السنة ما فيها من أنواع العذاب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء ٥٦]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان ٤٣ - ٤٨] أعوذ بالله، يصب فوق رأسه من عذاب الحميم الماء الحار الشديد الحرارة، ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩] وهذا من باب التهكم به ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ يعني وأين عزتك وأين كرمك؟ في الدنيا يرى نفسه سيدًا شريفًا ولكنه في الآخرة يهان إلى هذه الإهانة.

المهم: أن أنواع العذاب -والعياذ بالله- -نعوذ بالله من النار، نعوذ بالله من النار، نعوذ بالله من النار- أنواع العذاب في النار شيء -والعياذ بالله- إذا تصوره الإنسان فإنه يتبين له شدة ما يلاقيه هؤلاء من العقوبة الشديدة.

يقول عز وجل: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ إلى آخره [الزمر: ٩]

﴿أَمَّنْ هُوَ﴾ قال: (﴿أَمَنْ﴾ بتخفيف الميم) أمن وعلى هذا فتكون الكلمة مركبة من همزة الاستفهام و(مَن)، من الاستفهامية، يقول: بل (مَن) الموصولة، همزة الاستفهام و(مَن) الموصولة أي: آلذي هو قانت إلى الآخر.

(﴿هُوَ قَانِتٌ﴾ قائم بوظائف الطاعات) القنوت يطلق على معانٍ متعددة:

منها: الخشوع كقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨].

ومنها: الدعاء في الوتر أو في الفرائض عند النوازل.

ومنها: دوام الطاعة كقوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢].

ومثال الأول: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] أي: خاشعين؛ ولهذا لما نزلت هذه الآية أُمِر الصحابة بالسكوت، ونُهُوا عن الكلام.

فهنا ﴿قَانِتٌ﴾ من أي المعاني الثلاثة؟

* طالب: دوام الطاعة.

* الشيخ: من دوام الطاعة، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ [الزمر ٩] قال المؤلف: (قائم بوظائف الطاعات) يعني مديم لها.

(﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ يعني: ساعاته ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ في الصلاة).

﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ نص على السجود، وعلى القيام دون الركوع والقعود؛ لأن السجود شريف بهيئته والقيام شريف بذِكْره، كيف؟

السجود شريف بهيئته: أفضل هيئة للمصلي أن يكون ساجدًا؛ ولهذا كان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.

والقيام شريف بذِكْره: ما هو ذِكْره؟ القرآن كلام الله، وكلام الله تعالى أشرف الكلام؛ فلهذا نص على هذين الأمرين، أو على هذين الركنين من أركان الصلاة؛ القيام والسجود، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام «إذا سجد يُسْمع لصدره أَزِيزٌ كأزيز الْمِرْجَل»[[أخرجه في المسند (١٦٣١٢)، والنسائي في المجتبى (١٢١٤) من حديث عبد الله بن الشخير.]]. القِدر الذي يغلي، وكان عليه الصلاة والسلام« إذا قام لا يمر بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية وعيد إلا تَعَوَّذَ، ولا بآية تسبيح إلا سَبَّحَ»[[أخرجه أبو داود (٨٧٣)، والنسائي في المجتبى (١١٣٢)، وأحمد في المسند (٢٣٩٨٠) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.]]. وهذا يدل على أن القائم في الليل ينبغي له أن يلاحظ هذا، يلاحظ قوة الخشوع في حال السجود والبكاء، ويلاحظ أيضًا حضور القلب أثناء القراءة ليتابع إذا مر بآية رحمة سأل، وبآية وعيد تعوذ، وبآية تسبيح سبَّح، قائمًا وقاعدًا ساجدًا وقائمًا.

(﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ أي يخاف عذابها ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ جنة ﴿رَبِّهِ﴾ ).

هنا قوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ هذه حال، حال كونه يحذر الآخرة، وحال مقارِنة لقوله: ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ يعني حال كونه في سجوده وقيامه يحذر الآخرة؛ أي: يخافها وليس يخاف وقوعها؛ لأن وقوعها لا بد لكن يخاف عذابها، يخاف أن يُعذَّب.

﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ يقول المؤلف: جَنَّتَه، ولا شك أن الرحمة يُراد بها الجنة كما قال الله تعالى للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٦) من حديث أبي هريرة.]].

ولكن يراد بالرحمة معنى آخر وهي فِعْل الله بالعبد؛ أي رحمته للعبد، فأيهما أولى في هذه الآية؟

* طالب: الرحمة بمعنى الجنة، ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ أي يحذر عذاب الآخرة، ويرجو رحمة الله يعني يحذر النار ويرجو الجنة.

* الشيخ: إي نعم، هذا ما ذهب إليه المؤلف، لكن لماذا لا نقول: يرجو أن يرحمه الله، ويكون المراد بالرحمة هنا رحمة الله التي هي فِعْله؛ يعني يرجو أن يرحمه الله بالأمرين بالنجاة من النار، وبدخول الجنة، هذا المعنى أحسن؛ لأن المتبادِر في الغالب لمعنى الرحمة أن تكون فِعْل الله؛ يعني أن الله يرحمك.

وأيضًا إذا قلنا رحمة الله: صار يرجو أن ينجوَ من النار، أو من عذاب الآخرة، وأن يفوز بالجنة.

﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ قال: (كمن هو عاصٍ بالكفر أو غيره)..

.. الله تعالى للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠) ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٦) من حديث أبي هريرة]]، ولكن يُرَاد بالرحمة معنًى آخر؛ وهي فعل الله بالعبد؛ أي رحمتُه للعبد، فأيُّهما أولى في هذه الآية؟

* طالب: (...) الرحمة بمعنى الجنة.

* الشيخ: إي نعم.

* الطالب: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ [الزمر ٩] أي: يحذر عذاب الآخرة، ويرجو رحمة الله؛ يعني يحذر النار ويرجو الجنة.

* الشيخ: إي نعم، هذا ما ذهب إليه المؤلف.

لكن لماذا لا نقول: يرجو أن يرحمه الله، ويكون المراد بالرحمة هنا رحمة الله التي هي فِعْلُه؛ يعني يرجو أن يرحمه اللهُ بالأمرين؛ بالنجاة من النار وبدخول الجنة، هذا المعنى أحسن؛ لأن المتبادر في الغالب لمعنى الرحمة أن تكون فعل الله؛ يعني أن الله يرحمك.

وأيضًا إذا قلنا: (رحمة الله) صار يرجو أن ينجو من النار أو من عذاب الآخرة وأن يفوز بالجنة.

﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٩] قال: (كمَن هو عاصٍ بالكفر أو غيره).

أفادنا المؤلف رحمه الله بهذا التقدير أن الآية يُبَيِّنُ الله فيها أنه لا يستوي هذا وهذا، هل يستوي مَن هو قانت آناءَ الليل ساجِدًا وقائمًا كمن هو عاصٍ بالكفر وغيرِه؟

الجواب: لا. وهذا مِن بلاغة القرآن؛ القرآن فيه أشياء كثيرة تُحذَف لدلالة المذكور على المحذوف، وهذا مِن البلاغة، كيف يكون من البلاغة؟ لأنه إذا حُذِفَ الشيء استفاد المخاطَب فائدتين:

الفائدة الأولى: اختصار الكلام.

الفائدة الثانية: قوة الانتباه؛ لأنَّ الآية إذا كان فيها شيء محذوف فإنَّ الذهن يتطلع إلى هذا الشيء المحذوف، فتجد الإنسان يتوقف يفكر يتأمل؛ ما الذي حُذِف؟ وما تقديره؟ لكن لو جاء الكلامُ مرسلًا هكذا لم يحصُل له هذا التوقف وهذا التفكير، أنت الآن لو قرأت الآية الكريمة: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ﴾ [الزمر ٩] لوجدت نفسك متشوِّفًا إلى أيش؟ إلى شيءٍ آخَر، الكلام ما تم، لا بد أن هناك شيئًا آخر، وحينئِذٍ يشتَدُّ انتباهك وتزدادُ تأمُّلًا في المعنى، فصار وجهُ البلاغة؟

* طالب: (...).

* الشيخ: يعني الاختصار، والثاني؟

* الطالب: التركيز.

* الشيخ: أيش التركيز؟

* طالب: شد الانتباه.

* الشيخ: إي، شدة الانتباه، كيف؟ الأول فهمنا الاختصار واضح؛ أن حذْف الشيء من الكلام يقتَضِي قلة الكلام واختصار الكلام، لكن الثاني؟

* الطالب: لأنه إذا كانت العبارة قليلة كان أسهل (...) المخاطب وأشد.

* الشيخ: لا.

* طالب: أنَّه لما حذف (...)، إنما لو كان الكلام تامًّا (...) مرَّ عليه بدون ملاحظة تامة.

* الشيخ: لأن هذا المحذوف لا بد منه، فالإنسان يتطلَّع ما هذا المحذوف؟ الكلام الآن ناقص؛ بمعنى أن الكلام يحتاج إلى شيء، فيتطلع الإنسان إلى معرفة هذا الشيء، وحينئِذٍ يزدادُ في التدبر، فهذه من بلاغة القرآن؛ أعني أنه يُحذَف أحيانًا، يحذِف الله عز وجل أشياء يحتاج المخاطب إليها مِن أجل هذه الفائدة، بل من أجل هاتين الفائدتين.

قال المؤلف رحمه الله: (وفي قراءَةٍ ﴿أَمْ مَنْ﴾ ) ويش تزيد هذه القراءة عن الأولى؟ (أم).

وقول المؤلف: (في قراءة) من اصطلاح المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: في قراءة، أو قال: بفتح كذا وضم كذا، أو قال: بالتاء والياء؛ فالقراءة سبعية، وأما إذا قال: وقرئ، أحيانًا يعَبِّر فيقول: وقرئ، فالقراءة شاذة غير سبعية، انتبهوا لهذا الاصطلاح: إذا أتى بقراءتين متساويتين، مثل يقول: في قراءة، أو بالضم والفتح، أو بالياء والتاء، وما أشبه ذلك من العبارات؛ فالقراءة سبعية، أما إذا قال: وقُرِئَ -بصيغة المبني للمجهول- فالقراءَة شاذَّة.

بناءً على هذه القاعدة تكون القراءة ﴿أَمْ مَنْ﴾ ؟

* طلبة: سبعية.

* الشيخ: سبعية؛ لأنه قال: (وفي قراءة ﴿أَمْ مَنْ﴾ فـ(أم) بمعنى (بل) والهمزة) أي: بل أَمَن هو، بل أَمَن هو قانت آناءَ الليل، فتكون للإضراب. والإضراب هنا إبطالي أو انتقالي؟

* طالب: انتقالي.

* الشيخ: انتقالي، مؤكد يا جماعة؟ مؤكَّد أنه إضراب انتقالي، والفرق بين الإضراب الانتقالي والإضراب الإبطالي أنه في الإضراب الإبطالي يكون الأول ملغًى، والعمدة على الثاني، وأما في الانتقالي فالأول باقٍ على ما هو عليه، والثاني استئنافي لا علاقة له بالأول.

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩] (قل) مَن؟ يا محمد، أو قل يا مَن يصح منه الخطاب.

﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ استفهام بمعنى النفي، ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؟

الجواب: لا، لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وهذا عامٌّ في كل علم، فلا يستوي العالم والجاهل، حتى في علم النِّجَارة والحِدَادَة والكيمياء وغيرها لا يستوي الذي يعلم والذي لا يعلم، لكن هذا لا يقتضي أن يكون العالم ممدوحًا؛ لأنَّ مِن العلوم مَن جهلُه خيرٌ مِن علمه، فإذا كان العلمُ مذمومًا وقلنا: لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون صار غيرُ العالِم أفضل، وإذا كان العِلْم ممدوحًا وقلنا: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون صار العالِم أفضل.

طيب إذا جاءت هذه الكلمة أو هذه الجملة في عِلْمِ الشريعة؟

* الطلبة: العالِم أفضل.

* الشيخ: العالِم أفضل. في علم النحو؟

* الطلبة: العالِم أفضل.

* الشيخ: طيب، في علم الكلام؟

* الطلبة: الجاهل أفضل.

* الشيخ: الجاهل أفضل نعم، كما قال بعض السلف: الجهلُ بالكلام عِلْم؛ لأنَّ علمَ الكلام أدَّى بأصحابِه إلى مهالِك، حتى إن فَطَاحِل عُلمائهم يتَمَنَّوْن وهم في سياق الموت أنهم ماتوا على دين العجائز، ودين العجائز أسلم وإن كان جهلًا لكنَّه أسلم من عِلْمٍ يؤَدِّي بهم -والعياذ بالله- إلى الشك والحيرة.

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وهذه مِن الآيات القليلة اللَّفظ الكثيرة المعنى؛ لأنه يمكن أن تُطَبِّقَها على كل علمٍ. لكن هل هو هذا العلم محمود أو مذموم؟ على حسب الحال.

(أي: لا يستويان كما لا يستوي العالم والجاهل) ويش الكلام هذا؟ لو قال: العلم والجهل كان أوضح.

* طالب: ما ذكر يا شيخ، ما تكلم يا شيخ.

* الشيخ: لا، لا بد يتكلم عليه.

* طالب: بس ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾.

قوله: (بتخفيف الميم) أي: فالهمزة للاستفهام الإنكاري، كما سيشير له بقوله: (أي: لا يستويان)، و(مَن) اسم موصول بمعنى (الذي) مبتدأٌ في محل رفْعٍ، خبرُه محذوف قَدَّرَه بقوله: (كمن هو عاصٍ).

وقوله: ﴿قَانِتٌ﴾ جملة اسمية صلة الموصول، وقوله: ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ حالان مِن ﴿قَانِتٌ﴾.

وقوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ حال أخرى متداخلة أو مترادفة أو جملة استئنافية معترِضَة.

وقوله: (بمعنى بل) أي: التي للإضراب الانتقالي، و(الهمزة) أي: التي للاستفهام الإنكاري، وعلى هذه القراءة تُرسَم ميمٌ في النون كرسمها على قراءة التخفِيف، وهذا اتِّباعًا لخَط مصحف الإمام، كما يؤخذ من الجزرية وشرحِها لشيخ الاسلام، وهذا بالنظر لرسم المصحف، وأما في غيرِه فتُرْسَم ميمُ (أم) مفصولةً عن ميم (مَن)، كما في عبارة الشارح، و(مَن) على هذه القراءة مبتدأ أيضًا، والخبر مقدَّرٌ كما تقدم في الإعراب بعينه على القراءتين لم يختلف.

وقوله: (أي: لا يستويان) أي: القانت والعاصي، فهذا تفسيرٌ للنفي المستفاد من همزة الإنكار في قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾، سوَاءٌ مصَرَّح بها على القراءة الأولى والتي في ضمن (أم) على الثانية.

وقوله: (كما لا يستوى العالم والجاهل) تفسير لقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ إلى آخره، والاستفهام فيه أيضًا إنكاري. انتهى.

وعبارة السَّمِين: قوله: (أمن هو قانت) قرأ الحرمِيَّان نافع وابن كثير بتخفيف الميم، والباقون بتشديدها، فأما الأولى ففيها وجهان:

أحدهما: أنها همزة الاستفهام دخلت على (مَن) بمعنى (الذي)، والاستفهام للتقرير، ومقابله محذوف تقديره: أمن هو قانت كمن جعل لله أندادًا، أو أمن هو قانت كغيرِه، أو التقدير: أهذا القانت خيرٌ أم الكافر المخاطب بقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ [الزمر ٨]، ويدل عليه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فحَذَفَ خبرَ المبتدأ وما يعادل المستفْهَمَ عنه، والتقدير: أن الأَوَّلَان أولى؛ لقلة الحذف، والثاني أي تكون الهمزة للنداء، و(مَن) مُنَادَى، ويكون المنادَى هو النبي ﷺ، وهو المأمور بقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾، كأنه قيل: يا مَن هو قانت قل: كيت وكيت. وأما القراءة الثانية فهي (أم) داخلة على (مَن) الموصولة أيضًا، فأُدْغِمَتِ الميمُ في الميم.

وفي (أم) حينئِذٍ قولان: أحدهما: أنها متَّصِلَة، ومعادِلُها محذوف تقديره: الكافر خيرٌ أم الذي هو قانت؟

والثاني: أنها منقطعة، فتُقَدَّرُ بـ(بل) والهمزة؛ أي: بل أَمَن هو قانِتٌ كغيره أو كالكافر المَقُولِ له ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾؟ انتهى.

طيب على كل حال، تبين لنا مِن هذا البحث أن قوله: (لا يستويان) أي: القانِت والكافر، كما لا يستوي العالم والجاهل، فيكون قوله: (لا يستَوِيان) ليس عائدًا على قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩]؛ عائِد على ما سبق، وهو أمَن هو قانت آناء الليل ساجِدًا وقائِمًا كمَن هو عَاصٍ لا يَسْتَوِيَان كما لا يسْتَوِي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.

* طالب: (...)؟

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English