Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
Ан-Ниса 4:163–167
4:163–164Страница 104
۞ إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ١٦٣
Воистину, Мы внушили тебе откровение, подобно тому, как внушили его Нуху (Ною) и пророкам после него. Мы внушили откровение Ибрахиму (Аврааму), Исмаилу (Измаилу), Исхаку (Исааку), Йакубу (Иакову) и коленам (двенадцати сыновьям Йакуба), Исе (Иисусу), Айюбу (Иову), Йунусу (Ионе), Харуну (Аарону), Сулейману (Соломону). Давуду (Давиду) же Мы даровали Забур (Псалтирь).
وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا ١٦٤
Мы отправили посланников, о которых Мы уже рассказали тебе прежде, и посланников, о которых Мы тебе не рассказывали. А с Мусой (Моисеем) Аллах вел беседу.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٣، ١٦٤].
* الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، ﴿إِنَّا﴾ الضمير يعود على الله عز وجل، وكان بصيغة الجمع للتعظيم.
وقوله: ﴿أَوْحَيْنَا﴾ الوحي هو الإعلام بسرعة وخفاء، والمراد به هنا إعلام الله تعالى أنبياءه ورسله بشرعه الذي يتعبد به عباده، هذا هو الوحي، أن يعلم الله أحدًا من أنبيائه أو رسله بالشرع الذي يتعبد به عباده، هذا الوحي. وقد ذكر الله عز وجل في سورة الشورى أنه ثلاثة أقسام فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى ٥١].
وقوله: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (ما) هنا يحتمل أن تكون موصولة، وإذا كان كذلك فلا بد من عائد محذوف، والتقدير: كالذي أوحيناه إلى نوح، ويحتمله، والأقرب أن تكون مصدرية، أي كإيحائنا، وهذا أولى؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير، أي كإيحائنا إلى نوح، ونوح هو أول الرسل عليهم الصلاة والسلام كما جاء ذلك مصرَّحًا به في حديث الشفاعة، ولهذا قال: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، والمراد بالنبيين هنا النبيون الذين أُرسلوا إلى أقوامهم، وقد جعل الله النبوة والكتاب في ذرية ابراهيم ونوح؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦]، وبهذا نعرف أنه لا رسول قبل نوح عليه الصلاة والسلام، وأن ما ذكره المؤرخون من أن إدريس قبل نوح فهو قول خطأ، والصواب أن إدريس من أنبياء بني إسرائيل فيما يظهر.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ و﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ هنا فيها قراءتان: ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ و﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، وكلاهما قراءتان صحيحتان سبعيتان يجوز أن يقرأ بهما الإنسان، ولكن كما أسلفنا لكم: لا يجوز أن يقرأ الإنسان بين العامة بقراءة خارجة عما في أيديهم من المصاحف؛ لأن ذلك يكون سببًا للفتنة.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ وهو ابن ابراهيم الأكبر، ﴿وَإِسْحَاقَ﴾ وهو ابنه الثاني، ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ وهو ابن إسحاق، وإنما نص عليه مع أنه الابن لأن أنبياء بني إسرائيل كانوا من ذرية يعقوب. إذن إسماعيل وإسحاق أخوان، وإسماعيل عم من؟
* طلبة: يعقوب.
* الشيخ: عم يعقوب، ﴿وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ قيل: إن الأسباط المراد بهم قبائل بني إسرائيل كما قال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف ١٦٠]، وقيل: إن المراد بالأسباط هم أولاد يعقوب، فعلى الأول يكون من باب ذكر العام وإرادة الخاص؛ لأن الأسباط كلهم ليسوا أنبياء وإنما الأنبياء فيهم، وعلى الثاني لا إشكال.
﴿وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى﴾ وهو آخر أنبياء بني إسرائيل، ليس بينه وبين محمد ﷺ رسول ولا نبي أيضًا.
وقوله: ﴿وَأَيُّوبَ﴾ وهو من بني إسرائيل، ﴿وَيُونُسَ﴾ كذلك، ﴿وَهَارُونَ﴾ كذلك أيضًا من بني إسرائيل، ﴿وَسُلَيْمَانَ﴾ من بني إسرائيل، ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ داود هو أبو سليمان، والزبور هو الكتاب الذي أعطاه الله تعالى داود ونص عليه؛ لأن فيه مواعظ مرققة للقلوب، ولأن داود عليه الصلاة والسلام كان يترنم به فتسمعه الطير وتسبح معه وكذلك الجبال.
﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ مثل مَن الذين من الرسل ولم يذكروا في هذه الآية؟ يونس، شعيب، هود، صالح، لوط، يوسف.
﴿رُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي قبل هذه الآية ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾؛ لأن الله تعالى لم يقص على الرسول عليه الصلاة والسلام إلا من كانوا حول جزيرة العرب، أما من كانوا بعيدين كالذين في أمريكا وأقصى آسيا وما أشبه ذلك فلم يذكروا؛ لأن المقصود من ذكر الأنبياء هو الاعتبار، وإذا لم يكن هناك قرب في الأحاديث وفي المكان فإن الاعتبار يكون في ذلك قليلًا.
﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾: ﴿اللَّهُ﴾ فاعل و﴿مُوسَى﴾ مكلم مفعول به، و﴿تَكْلِيمًا﴾ مصدر مؤكد لمعنى الفعل الذي قبله: كلم تكليمًا، وإنما أخر ذكر موسى لما ذكر من خصائصه، وهو الكلام - كلمه تكليما- كما أخر ذكر داود بعد سليمان مع أنه أبوه؛ من أجل النص على الزبور الذي آتاه الله تعالى داود، والترتيب بين الأنبياء في الذكر يكون لأسباب بلاغية لفظية أو معنوية حسب ما يتبين من السياق.
* في هذه الآية فوائد كثيرة، منها: أن أول الرسل نوح؛ لقوله: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، وهذا هو الحق، وليس قبله رسول، أما النبوة فكانت قبل نوح، فإن آدم عليه الصلاة والسلام كان نبيًّا؛ لأنه يتعبد لله عز وجل، ولا يمكن أن يتعبد لله إلا بوحي من الله، وبثبوت الوحي له يكون نبيًّا، ولكنه لم يرسل إلى أولاده؛ لأنه في ذلك الوقت لا حاجة للرسل؛ إذ إن الناس كانوا على ملة واحدة، كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة ٢١٣]، أي كان الناس أمة واحدة على الحق وعلى الدين القويم فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، لكن في عهد آدم لا اختلاف ولهذا كان نبيًّا ولم يكن رسولًا.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الوحي إلى جميع الأنبياء الرسل كان من جنس واحد؛ لقوله: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا﴾ ولكن هل الموحَى به يتفق؟
نقول: يتفق في أشياء ويختلف في أشياء، فالتوحيد اتفق عليه الرسل ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥] هذه متفق عليه، أما الشرائع والمنهاج فإن الأمم تختلف؛ لأن الله تعالى يشرع لكل أمة ما يناسب حالها؛ كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة ٤٨]، فالشرائع والمنهاج يختلف، أما الأصل فهو متفق، كل الرسل اتفقوا على أيش؟ على التوحيد ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]، إذن ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ هذا في أصل الوحي وما اتفقت فيه الشراع؛ وهو التوحيد، أما المنهاج والشرائع فهي لكل أمة بحسبهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بطلان قول بعض المؤرخين: إن إدريس كان قبل نوح؛ فإن هذا قول باطل يبطله القرآن الكريم.
* ومن فوائد هذه الآية: الإيحاء إلى هؤلاء الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلخ.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى قص أنباء بعض الرسل ولم يقص أنباء آخرين، والحكمة من ذلك هو ما أشرنا إليه في التفسير أن الأنبياء البعيدين عن منطقة رسالة محمد ﷺ لم يقص الله علينا من نبئهم.
ولكن لو قال قائل: هل لكل أمة رسول؟
الجواب: نعم، لا شك في هذا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] ولقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله كلم موسى كلامًا حقيقيًّا؛ لقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. والذين أنكروا أن يكون الله كلمه سلكوا مسلكين:
منهم من حرف الآية لفظًا ليتغير المعنى، ومنهم من حرفها معنًى وأبقى اللفظ على ما هو عليه، فمنهم من قال: إن صواب القراءة: وكلم اللهَ موسى تكليمًا، فجعل المكلِّم مَن؟ موسى، وهذا تحريف لفظي يتغير به المعنى، وهذا لا شك أنه جناية على الله عز وجل وعلى كلامه، وهو أيضًا باطل؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف ١٤٣]؛ إذ لا يمكن أحدًا أن يقول هنا: إن المكلِّم موسى، لأن الهاء في قوله: ﴿كَلَّمَهُ﴾ ضمير مفعول، ولا يمكن أن تكون ضمير الفاعل.
ومنهم من قال: ﴿كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ من الكَلْم، وهو الجرح؛ كما في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٣)، ومسلم (١٨٧٦ / ١٠٥) من حديث أبي هريرة بنحو هذا اللفظ.]]، يكلم بمعنى أيش؟ يجرح، فقالوا: ﴿كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ أي جرحه بمخالب الحكمة. تحريف والعياذ بالله، يعني ما جعلوا هذا من باب الاستعارة، وهذا أيضًا باطل. بل الصواب أن الله تعالى كلم موسى تكليمًا واضحًا بحرف وصوت يسمعه موسى، وأن كلامه إياه كان على وجهين:
الوجه الأول: المناجاة، والثاني: المناداة، قال الله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم ٥٢] والنداء يكون للبعيد، والمناجاة تكون للقريب. ومن المعلوم أن البعيد يحتاج إلى صوت أعلى والقريب يكفيه الصوت الخفي.
4:165Страница 104
رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٦٥
Мы отправили посланников, которые несли благую весть и предостерегали, дабы после пришествия посланников у людей не было никакого довода против Аллаха. Аллах - Могущественный, Мудрый.
ثم قال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ﴿رُسُلًا﴾ جمع رسول بمعنى المرسل، والظاهر أنها حال من قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ حال كونهم رسلًا مبشرين ومنذرين، وكانت حالًا لأنها بمعنى المشتق؛ إذ إن ﴿رُسُلًا﴾ بمعنى مرسلين، ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ البشارة: الإخبار بما يَسُرُّ، والإنذار: التخويف بما يُخاف منه؛ وذلك أن الشرائع التي جاءت بها الرسل أوامر ونواهٍ، فما الذي يناسب الأوامر؟ البشارة، يبشر العامل لهذا العمل بالثواب، والذي يناسب الإنذار هو النواهي، فينذر الإنسان من الوقوع فيها، ولهذا كانت أنواع التكليف اثنين: أمر، والثاني: نهي، فالذي يليق بالأمر البشارة، والذي يليق بالنهي الإنذار، هذا هو ما جاءت به الرسل: البشارة والإنذار، حتى محمد عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب ٤٥].
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ اللام هنا في قوله: ﴿لِئَلَّا﴾ اللام للتعليل، أي لأجل ألا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، الحجة ما يحتج به الغير على آخر لدفع الملامة عنه ورفع العقوبة عنه، هذه هي الحجة، يعني الدليل أو البينة أو ما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أي بعد إرسال الرسل؛ لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام يبينون للناس بيانًا تامًّا لا يحتاج معه إلى إيضاح، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ لأيش؟ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ وبعد البيان ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٤]، فلا بد من البيان على كل رسول ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، فلعزته أرسل الرسل، وجعل النصر لهم في الدنيا وفي الآخرة، ولحكمته شرع الشرائع وأحكمها وأتقنها.
* في هذه الآية الكريمة: بيان حال الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنها لا تخلو من أيش؟ بشارة ونذارة، حسب الأوامر والنواهي.
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان الداعي إلى الله أن يعامل الناس بما تعامل به الرسل أقوامها، فتارة يبشر وتارة ينذر؛ لأنه إن سلك سبيل البشارة دائمًا أدخل الناس في الإرجاء، وإن سلك سبيل الإنذار دائمًا أدخل الناس في القنوط واليأس، فلذلك يجب أن يكون الإنسان حكيمًا يراعي أحوال الناس، فمثلًا إذا رأى الناس قد انهمكوا في أمر محرم فهل هنا الأولى أن يسلك سبيل البشارة فيوقع الناس في الأمن من مكر الله أو الإنذار؟ الإنذار، ويشدد، فإن لم ينفع بهم الواعظ الديني فالرادع السلطان.
ولهذا كان من سياسة عمر رضي الله عنه أنه يستعمل الردع السلطاني إذا لم يصلح الناس إلا بدونه. ولهذا لما ورد الأمر بقتل شارب الخمر في الرابعة إذا لم يرتدع قال شيخ الإسلام: إن هذا الحكم ثابت إذا لم ينته الناس بدونه.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات التعليل في أفعال الله كما هو كذلك في أحكامه الشرعية، يعني إثبات التعليل لأحكام الله القدرية كما هو ثابت في الأحكام الشرعية. من أين يؤخذ؟ من لام التعليل، وهذا ثابت بأدلة كثيرة أوصلها بعضهم إلى ألف دليل، على أن أفعال الله وأحكامه معللة، ولو لم يكن من ذلك إلا اسم الله الحكيم لكان هذا كافيًا، فكل ما فعله فلحكمة، وكل ما شرعه فلحكمة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يحب الإعذار من الناس؛ لأنه أرسل الرسل لئلا يكون للناس على الله حجة.
* ومن فوائدها، الفائدة العظيمة الكبرى، وهي: العذر بالجهل، حتى في أصول الدين؛ لأن الرسل يأتون بأصول وفروع، فإذا كان الإنسان جاهلًا لم يأته رسول فله الحجة على الله، ولا يمكن أن تثبت له الحجة على الله إلا إذا أيش؟ إلا إذا كان معذورًا؛ لأنه لو لم يكن معذورًا فلا حجة له، وهذا الأصل هو الذي دل عليه الكتاب والسنة، ولكن قد يكون الإنسان مفرطًا فلا يعذَر بجهله، كما لو ألقي إليه أن هناك دينًا إسلاميًّا إلهيًّا ولكنه لم يبحث عن هذا الدين، وأعرض واستكبر، فهنا نقول: إنه لا يعذر، لماذا؟ لتفريطه وعدم بحثه، والإنسان لو كان يريد أن يذهب إلى قرية من القرى وسلك سبيلًا ثم قيل له: هذا لا يوصلك إلى هذه القرية فسوف يمتنع، ويسأل: أين الطريق إلى هذه القرية.
فلهذا نقول: العذر بالجهل ليس على إطلاقه من كل وجه، لكن بشرط أيش؟ ألا يكون مفرطًا في التعلم، فإن كان مفرطًا فلا عذر له، كيف التفريط؟ أن يذكَر له أن الدين خلاف ما هو عليه، ولكنه يقول: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢] ولن أبحث، وكما يقول بعض الهوام أو العوام؟
* طلبة: العوام.
* الشيخ: العوام هوام، كما يقول بعض الهوام: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة ١٠١] اعمل ما تريد ولا تسأل، إن سألت قالوا: حرام، مشكلة، وإن سألت قالوا: هذا واجب، مشكلة، وهذا غلط كبير.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان رحمة الله تعالى بعباده، حيث أرسل إليهم الرسل يعلمونهم ويرشدونهم ويهدونهم إلى دين الله، ولولا الرحمة ما أرسل إليهم، لوكلهم إلى العهد السابق الذي أخذه عليهم في فقارهم وعذَّبهم بناء عليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: العزيز والحكيم، وقد مر شرحهما وما يترتب عليهما، فلا حاجة إلى الإعادة لأجل أن نمشي بإذن الله عز وجل.
4:166Страница 104
لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا ١٦٦
Но Аллах сам свидетельствует о том, что Он ниспослал тебе. Он ниспослал это по Своему знанию (или со Своим знанием). Ангелы также приносят свидетельство, но довольно того, что Аллах является Свидетелем!
ثم قال عز وجل: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ كلمة (لكن) حرف استدراك، ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾، فلماذا جاء حرف الاستدراك في هذا الموضع؟ لأن النبي ﷺ له من يكذبه، ويقول: إنك لم ترسل كما أرسل الرسل، فقال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ خلافًا لمن؟ لمن كذبه وقال: إنه لم ينزل إليه، ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ وهو القرآن، وشهادته سبحانه وتعالى لنبيه نوعان: شهادة قولية كما في هذه الآية، وشهادة فعلية وهي تمكينه في الأرض ونصره على عدوه وإظهار الآيات التي تعجز البشر، على يده ﷺ، فإن هذا شهادة أيش؟
* طالب: قولية.
* الشيخ: قولية؟ كون الله ينصره ويمكن له في الأرض ويورثه الأرض ويعطيه الآيات هذه شهادة فعلية، إذن شهادة الله تعالى لنبيه بالحق تنقسم إلى قسمين: شهادة قولية كما في هذه الآية، وشهادة فعلية، وذلك بما أعطاه الله عز وجل من الآيات والتمكين في الأرض.
﴿بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ يعني أنه نزل بعلم من الله عز وجل، أو أنزله بمعلومه، أي بما علم سبحانه وتعالى أنه مصلح للخلق والعباد، وكلا المعنيين صحيح ولا يتنافيان، فيجب حمل الآية على المعنيين بناء على القاعدة السابقة أنه إذا احتمل الدليل لمعنيين على السواء ولا منافاة بينهما وجب حمله عليهما جميعًا.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ الملائكة تشهد أيضًا أن الله أنزل على محمد ﷺ قرآنًا كان به رسولًا. الملائكة: هل المراد بالملائكة هنا ملك واحد وهو جبريل؛ لأنه نزل بالقرآن، أو العموم؟ العموم، يجب أن نعلم أنه إذا جاء اللفظ عامًّا فالواجب حمله على عمومه إلا بدلالة قوية تدل على أنه أريد به الخصوص، سواء كانت دلالة شرعية أو عقلية.
ومن المعلوم لنا جميعًا أن النبي ﷺ لما عرج به كان جبريل يستفتح، فيقال: من معك؟ فيقول: محمد، فيقال: أرسل إليه؟ فيقول: نعم[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣ / ٢٦٣) من حديث أبي ذر الغفاري.]]، فتعلم الملائكة بهذا أنه أوحي إليه عليه الصلاة والسلام.
الملائكة هم عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور، وجعل لهم عبادات كما اقتضتها حكمته، وجعل بعضهم أفضل من بعض. وتقدم الكلام عليهم كثيرًا فلا حاجة للإعادة.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، ﴿شَهِيدًا﴾ حال؛ أي: كفى الله شاهدًا عز وجل، والباء هنا قالوا: إنها زائدة لتحسين اللفظ، والأصل: كفى الله شاهدًا، ونعم والله كفى الله شاهدًا، لكن إذا جاء شاهد آخر وثالث ازداد الأمر القوة؛ كما قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران ١٨]، فالشهادة على الوحدانية صارت من أطراف ثلاثة: الرب عز وجل، والثاني: الملائكة، والثالث: أولي العلم، أما الشهادة بالرسالة فلم يذكر إلا طرفين: الله، والملائكة، لماذا؟ لأن أولي العلم لا يكونون أولي علم إلا بعد ثبوت الرسالة، فهم تابعون في الواقع، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
* طالب: ﴿شَهِيدًا﴾ حال أم توكيد؟
* الشيخ: لا، حال ﴿شَهِيدًا﴾ بمعنى شاهدًا.
* في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: إثبات الشهادة لله، من قوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾، ومن قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، وهو سبحانه وتعالى شاهد على كل أعمال خلقه، على كل ما يحدث في السماء والأرض، بل على ما لا يحدث لو حدث كيف كان، قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] مع أنه لم يتكلم به لكن الله يعلم بذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾.
* ومن فوائدها: أن القرآن كلام الله، من أين تؤخذ؟
* طالب: من قوله تعالى: ﴿بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، فإنزال بعلم الله عز وجل للقرآن، وهو معنى لا يقوم بذاته يدل على أنه من صفات الله.
* الشيخ: أنه كلام الله، وبهذا استدل أهل السنة والجماعة على أن القرآن كلام الله.
فإن قال قائل: إن الله تعالى يذكر الإنزال في أشياء ليست كلام الله، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥]، وكذلك ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦].
فالجواب: أن ما ذكر هنا أعيان قائمة بنفسها، وأما الكلام فهو معنى لا يقوم إلا بغيره، وعلى هذا تبين أن القرآن كلام الله عز وجل.
واستدل العلماء أيضًا بهذه الآية وأمثالها على أن الله تعالى في العلو؛ لقوله: ﴿بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾، وهو كذلك، فإنه تعالى فوق كل شيء، والأدلة على هذا متوافرة ولله الحمد، وقد سبق بيانها كثيرًا، ولكن الغريب أننا في مخالطتنا للناس في هذا الموسم تبين لنا أن كثيرًا من المسلمين مع الأسف لا يؤمنون بعلو الله، ويقولون: إن الله بذاته في كل مكان؛ وذلك لأن علماءهم يقررون لهم هذا، ونحن تكلمنا عليها كثيرا في لقاءاتنا في المسجد الحرام حتى إنهم والحمد لله اقتنعوا، وقالوا: سبحان الله، كيف علماؤنا يقولون كذا وكذا؟! حتى إننا صادفنا طالبا شابا من الصين يتكلم باللغة العربية جيدًا، فلما انتهينا من الكلام عن هذا وانتهى الدرس جاء إلي وقال: سبحان الله، هذا الذي قلت هذا حق، لكن أنا إلى الآن رأسي دائرة، لأيش؟ لأنه ترسخ عنده القول الباطل، وإن علماءنا يقولون هكذا، وإن من قال: إن الله تعالى عالٍ بذاته فهو كافر، وإن ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهّاب كلهم مبتدعة، سبحان الله، لأيش؟ قال: لأنهم خرجوا عن المذاهب الأربعة. قلت: من قال لك هذا؟ قل لقومك الذين درسوك هذا: ابن تيمية حنبلي، كل تفقهه على مذهب الحنابلة، وكذلك ابن القيم، وكذلك محمد بن عبد الوهاب، ولا يرجع إلا هذا، لكن الحمد لله، سبحان الله، اطمأن، يعني ظهر من وجهه علامة البشر والقبول، وهذا ينفع، فأنا أقول: سبحان الله، يعني أن دلالة العلو -علو الله عز وجل- دلالة واضحة سمعية وعقلية وفطرية، ومع ذلك يقولون هذا القول المنكر. نسأل الله العافية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن إنزال الله للقرآن كان بعلمه، فلا يتطرق إليه أي خلل؛ لأن الله يعلم متى نزل وبماذا نزل وكيف نزل وعلى من نزل، لا يمكن أن يتطرق اختلاف أو ادعاء نقص أو ادعاء زيادة، لا يمكن؛ لأن الله أنزله بأيش؟ بعلمه، أي أن إنزاله مقرون بعلم الله، من ادعى أن فيه زيادة أو نقصًا فقد رمى الله بالجهل؛ لأن الله أنزله بعلمه، وكذلك نزل القرآن بما يعلم سبحانه وتعالى أنه مصلح للخلق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الملائكة، من أين نأخذها؟
* طالب: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾.
* الشيخ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ هذا شهادة الله عز وجل.
* الطالب: الملائكة.
* الشيخ: وأين؟ أين الملائكة؟
* الطالب: الإنزال كان عن طريق الملائكة.
* الشيخ: الإنزال كان عن طريق الملائكة، كل الملائكة ولا من؟
* الطالب: جبريل.
* الشيخ: نحن نقول: الملائكة، إثبات الملائكة عمومًا.
* طالب: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾.
* الشيخ: * من فوائد الآية: إثبات الملائكة وأن الملائكة ذات عقول؛ خلافًا لمن قال: إنهم لا عقول لهم، كما قاله بعض الناس ممن نسأل الله لهم العافية والعفو، الملائكة لها عقول، فهي تعرف وتعلم وتسمع وتقول.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى برسوله وبما أوحاه إليه، حيث ذكر أن الله يشهد به وكذلك الملائكة. وكثرة الأدلة على الشيء أو كثرة سياق الأدلة على الشيء تدل على أيش؟ على العناية به، وهو كذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن شهادة الله في الواقع كافية عن كل شهادة؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
4:167Страница 104
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدۡ ضَلُّواْ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١٦٧
Воистину, те, которые не уверовали и сбивали других с пути Аллаха, впали в глубокое заблуждение.
ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء ١٦٧]
* طالب: صدق الله، الأحسن نقول: الملائكة ذو عقول أو ذات عقول؟
* الشيخ: ذات.
يقول ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
هذه الجملة كما ترون مؤكدة بمؤكدين: الأول: (إن)، والثاني: قد ضلوا.
﴿كَفَرُوا﴾ أي بالله، والكفر في الأصل الستر، ومنه الكُفُرَّى، وهو غلافة طلع النخل، هذا لأنه يستر ما في جوفه.
وقوله: ﴿صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لها وجهان: الوجه الأول: أعرضوا عن سبيل الله، وعلى هذا تكون لازمة، أي تكون (صد) فعلًا لازمًا، والوجه الثاني: صدوا غيرهم، أي: حملوهم على الإعراض، وعلى هذا فتكون متعدية، والمفعول به محذوف، أي: وصدوا غيرهم عن سبيل الله، فالآية إذن محتملة للوجهين، وكلاهما لا يناقض الآخر، فتكون محمولة عليهما جميعًا. والكفار لا شك أنهم صادون بأنفسهم صادون لغيرهم، إن كانوا من دعاة الكفر فصدهم واضح، وإن لم يكونوا من دعاة الكفر فإن الناس يقتدون بهم، فيصدون عن سبيل الله كما صد هؤلاء؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]. إذن صد الكفار لغيرهم يكون بالقول ويكون بالفعل، متى يكون بالقول؟
* طالب: إذا كانوا دعاة.
* الشيخ: إذا كانوا دعاة إلى الكفر، كلما رأوا شخصًا يريد الهداية ذهبوا إليه يصدونه، ويكون بالفعل إذا كانوا يفعلون، ولكنهم لا يدعون الناس إلا أن الناس إذا رأوهم اقتدوا بهم، ولا سيما إذا كانوا من أشراف الناس ووجهائهم، فإن الناس عادة يتبعون القوم.
وقوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ السبيل بمعنى الطريق، وأضافه الله إليه لأنه تبارك وتعالى هو الذي شرعه لعباده، فأضيف إليه.
واعلم أن السبيل والطريق والصراط تارة يضاف إلى الله، وتارة إلى غير الله، فيضاف إلى الله باعتبار أن الله هو الذي شرع للعباد، ويضاف إلى غيره باعتبار السالكين، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء ١١٥]، فأضاف السبيل إلى المؤمنين، وهنا أضافه إلى الله، يضاف إلى الله لأنه هو الذي شرعه، ولأنه يوصل إلى الله، فمن سلكه وصل إلى الله عز وجل، كما تقول: سبيل مكة من هنا؛ لأنك إذا سلكته أوصلك إليها.
﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾: ﴿ضَلُّوا﴾ الضلال بمعنى التيه، أي: تاهوا عن الحق، ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ وذلك لكفرهم وصدهم عن سبيل الله، ووصف بأنه بعيد لأن هذا الضلال -والعياذ بالله- ضلال عن شيء بيِّن، فإن الحق منار وعلم يهتدي به كل ضال، فإذا ضل عنه أناس كان ضلالهم بعيدًا لقوة الدليل.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ما بدا من قوة شيخ الإسلام رحمه الله في إنكار من قال: إن الدين أصول وفروع، فإن شيخ الإسلام يعني يرى (...) فليس مثلًا إثبات علو الله كترك مثلًا السواك عند الوضوء يخالف يعني بعض هذا باطل؟
* الشيخ: لا، الشيخ رحمه الله يقول: إنه تقسيمه إلى أصول وفروع بمعنى أن هذا أصول وهذه فروع، هذا الغلط، يعني يقول: كل الأحكام العملية فروع والأحكام العقدية أصول، هذا ما هو بصحيح؛ لأن من الأحكام العملية ما هو من أصل الأصول.
* طالب: كيف ننفك من هذا.
* الشيخ: كأركان الإسلام الخمسة مثلًا، ننفك بأن نقول: الدين الإسلامي بعضه أعلى من بعض وأوكد من بعض وأعظم من بعض، فليس ترك سنة من سنن الصلاة كترك واجب بها، وليس ترك راتبة للصلاة كترك الصلاة، هذا اللي نقول.
* الطالب: إذا كان المقابل يفهم هذا؟
* الشيخ: ويش يفهم؟
* الطالب: يفهم أن ما قال قسم الدين مثلًا إلى عقائد وإلى أعمال يقول: أصول الدين وفروع مثلًا؟
* الشيخ: لا، نقول: هو عقائد وأعمال، ونقول أيضًا: العقائد والأعمال درجات، شيء من العقائد إذا أنكرته فإنه يكون خطيرًا جدًّا، وشيء آخر دون هذا.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء ١٦٧ - ١٧٠].
* الشيخ: في هذه الآية الكريمة يخبر الله عز وجل -وهو خبره هو الصادق- خبرًا مؤكدًا بـ(إن) أن الذين جمعوا بين هذين الوصفين قد ضلوا ضلالًا بعيدًا، وهو الكفر والصدّ عن سبيل الله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأكيد الخبر، ولو كان ابتدائيًّا إذا دعت الحاجة إليه، وقد قال علماء البلاغة: إن الأصل في الخبر أن يلقى غير مؤكد، فتقول: محمد مجتهد. ويحسن توكيده عند تردد المخاطب، ويجب توكيده عند إنكار المخاطب، فمثلا إذا قلنا: محمد قائم، نخاطب رجلا ساذجًا، لا يعرف عنه شيئًا، فهذا لا يحتاج إلى توكيد، وذلك لأن المخاطب سوف يقبل الخبر، وإذا كنا نخاطب شخصًا مترددًا فهنا يحسن أن نؤكده حتى يرتفع عنه التردد، وإذا كنا نخاطب منكِرًا أو في حكم المنكر فإننا نؤكده وجوبًا، وتتعدد أداة التوكيد بحسب قوة الإنكار، فهنا أكد الله الخبر مع أن الخبر يلقى إلى خالي الذهن، فيقال: لأهمية الموضوع؛ لأن الموضوع إذا كان ذا أهمية فإن من المستحسن أن يؤكد.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من آمن واستقام على سبيل الله ودعا الناس إليها فهو على الهدى. نعرف ذلك من أي شيء؟
* طالب: من المقابل.
* الشيخ: من المقابل والضدّ، فإنه إذا ثبت الحكم لشيء ثبت نقيضه لضده.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الضلال ينقسم إلى ضلال قريب وضلال بعيد، وهكذا أيضًا المعاصي تنقسم إلى كبائر وصغائر، كما هو معروف.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии