Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
Ан-Ниса 4:172–174
4:172Страница 105
لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا ١٧٢
Ни Мессия, ни приближенные ангелы никогда не посчитают для себя унизительным быть рабами Аллаха. А тех, кто посчитает для себя унизительным поклоняться Ему и проявит высокомерие, Он соберет к Себе вместе.
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ ، ﴿الْمَسِيحُ﴾ هو ابن مريم الذي اتخذه هؤلاء إلهًا، بَيَّنَ أن المسيح نفسه لا يمكن أن يستنكف عن عبادة الله، بل هو عليه الصلاة والسلام يطلب الوسيلة إلى الله في القرب لديه، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء ٥٧]، يعني: يطلبون الوسيلة التي تقرِّبهم إلى الله عز وجل، وأولئك يدعونهم، مساكين.
فهنا يقول: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾: لن يأبى، ﴿يَسْتَنْكِفَ﴾ بمعنى: يأبى أنفةً وعُلُوًّا.
وقوله: ﴿أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ أي: عبدًا شرعيًّا أو كونيًّا؟
* الطلبة: شرعيًّا.
* الشيخ: شرعيًّا؛ لأن الكوني ما أحد يستنكف، حتى أفجر عباد الله لن يستنكف أن يكون عبدًا لله بالعبودية القدرية، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣].
* طالب: فرعون؟
* الشيخ: فرعون مستكبر، لكن قدرًا ما يمكن يستكبر، كلامنا على القدر، أما الاستكبار على الأمر الشرعي هذا كثير.
وقوله: ﴿أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ أي: عبودية شرعية، ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾، يعني: ولن يستنكف الملائكة المقرَّبون، والملائكة هم عالَم غيبي خلقهم الله من نور، وجعل غذاءهم التسبيح، ولهذا كانوا صُمْدًا لا يأكلون ولا يشربون.
وقوله: ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: إلى الله، وإذا كان الملائكة المقرَّبون لا يستنكفون عن عبادته فغيرهم من باب أولى.
وقوله: ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾، هل هي صفة كاشفة أو صفة قيد؟ يحتمل أن يكون ذلك صفة كاشفة؛ لأن الملائكة مقرَّبون إلى الله عز وجل، ويحتمل أن يكون قيدًا، وعلى هذا الاحتمال يكون الملائكة فيهم المقرَّبون، وفيهم من ليس بمقرَّب، فالله أعلم.
فإن قال قائل: ما المناسبة في ذكر الملائكة عند ذكر عيسى؟ قلنا: المناسبة أن من الناس من جعل الملائكة أولادًا لله، كما أن منهم من جعل المسيح ابنًا لله عز وجل، فهذه المناسبة، يعني حتى الملائكة الذين اتخذتموهم أولادًا لله لن يستنكفوا أن يكونوا عبادًا لله.
ثم قال: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾، ﴿مَنْ يَسْتَنْكِفْ﴾، الجملة هنا شرطية، و(من) أداة شرط، ﴿يَسْتَنْكِفْ﴾ فعل الشرط، وجواب الشرط ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾، وقُرِن بالفاء؛ لأنه صُدِّر بالسين، وإذا صُدِّر الجواب بالسين وسوف فإنه يتعين أن يُربط بالفاء.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ عبادة من؟ عبادة الله شرعًا، صح؟ من يستنكف عن عبادته شرعًا.
﴿وَيَسْتَكْبِرْ﴾: يتعلَّى ويترفَّع ويأبى أن يخضع للأوامر والنواهي.
﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾، المستنكف المستكبر والمتعبِّد المتذلِّل كلهم سيُحْشَرون إليه، وعلى هذا فالضمير في قوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ يعود على الجميع.
وهنا فيه مباحث: أولًا: ﴿مَنْ يَسْتَنْكِفْ﴾ رُوعِي في فعل الشرط لفظ الشرط..
وجواب الشرط: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء ١٧٢]، وقُرن بالفاء؛ لأنه صُدِّر بالسين، وإذا صُدّر الجواب بالسين و(سوف) فإنه يتعيّن أن يُربط بالفاء.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [النساء ١٧٢]، عبادة مَن؟ عبادة الله شرعًا، صح؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: من يستنكف عن عبادته شرعًا.
﴿وَيَسْتَكْبِرْ﴾ يتعلّى ويترفّع، ويأبى أن يخضع للأوامر والنواهي.
﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ المستكبر والمتعبّد المتذلّل، كلهم سيحشرون إليه، وعلى هذا فالضمير في قوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ يعود على الجميع. وهنا فيه مباحث: أولًا: ﴿مَنْ يَسْتَنْكِفْ﴾ رُوعي في فعل الشرط لفظ الشرط، صح، روعي لفظه لأن (مَن) لفظُه مفرد ﴿يَسْتَنْكِفْ﴾، فاعله مفرد ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ الجواب روعي فيه المعنى، وأيضًا روعي فيه المعنى بالمعنى الأعم؛ لأن قوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ يشمل المستنكف وغير المستنكف، وعلى هذا فيكون فيه عموم أوسع.
فإذا قال قائل: وهل يجوز في اللغة العربية أن يتعدّد مرجع الضمير، فمرة يعود بالإفراد ومرة يعود بالجمع؟
قلنا: نعم، هذا موجود في اللغة العربية بشرط أن يكون اللفظ -أي مرجع الضمير- صالحًا للإفراد والجمع، فإذا كان صالحًا للإفراد والجمع جاز أن يعود الضمير عليه بالإفراد، وأن يعود عليه بالجمع، وأن يتنوع، قال الله تعالى في آخر سورة الطلاق: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١] فتجدون في الآية هنا عاد الضمير أولًا باعتبار اللفظ، ثم باعتبار المعنى، ثم باعتبار اللفظ.
أقول: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١] تجدون السياق مرة عاد الضمير على اللفظ، ومرة على المعنى، ومرة على اللفظ، قل. لا إله إلا الله! سبحان الله!
في الآية الكريمة عاد الضمير على اللفظ، ثم المعنى، ثم اللفظ.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، في ﴿خَالِدِينَ﴾ راعى المعنى.
* الشيخ: وما قبلها؟
* الطالب: وما قبلها راعى اللفظ.
* الشيخ: في خالدين راعى المعنى، وما قبلها راعى اللفظ.
* الطالب: (...) راعى فيها اللفظ.
* الشيخ: راعى فيها اللفظ، والحكمة من ذلك التنبيه على أن مثل هذه الكلمات للعموم؛ يعني مثل (مَنْ) سواء كانت شرطية أو موصولة للعموم، نستفيد من كون الذي يرجع إليها مرة يكون بالإفراد، ومرة يكون في بالجمع.
وقوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ أي: سيجمعهم، وذلك يوم القيامة فإن الله سبحانه وتعالى يجمع الأولين والآخرين في مكان واحد، لا بناء، ولا جبال، ولا أشجار، ولا هضاب، ولا رمال، في مكان واحد يُسمعهم الداعي وينفذهم البصر؛ لأنهم على أرض مسطّحة تُمدّ مدّ الأديم كما قال الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق ١ - ٣] وهي الآن غير ممدودة، الآن مبسوطة وليست ممدودة، الآن هي مطويّة ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر ٥] لكن إذا كان يوم القيامة صارت ممدودة ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ كما جاء في الحديث: «تُمَدُّ مَدَّ الْأَدِيمِ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠٨١) من حديث ابن مسعود بلفظ: «وتُمدّ الأرض مدّ الأديم».]] أي مدّ الجلد، ولهذا يُسمعهم الداعي، إذا دعا في أولهم سمع آخرهم؛ يعني ما فيه انحناء يمنع وصول الصوت أو جبال أو أشجار، وأيضًا ينفذهم البصر، يراهم كلهم ليس فيهم انحناء حتى يغيب بعضهم عن البصر، بل يشاهَدون جميعًا، كل الخلائق يُجمعون يوم القيامة جميعًا في هذا الصعيد كما قال الله تعالى ردًّا على الذين قالوا: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الواقعة ٤٧ - ٤٨] قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠] الأوّلون والآخرون كلهم يُجمعون في هذا المكان، زد على ذلك أن الوحوش والبهائم كلها تُحشر مع الناس، فيا له من مشهد عظيم!
هذا المشهد يجب أن نتذكّره دائمًا قيامًا وقعودًا، وإذا تذكّره الإنسان فإنه قد يقول يومًا من الأيام: «لَيْتني شجرة تُعضد»[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٥٢٤) من حديث ابن مسعود.]]، كما قال ذلك أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه. وإن الإنسان أحيانًا ليمر بالعصفور أو بالقط فيقول: يا ليتني مثله، يخشى من الذنب، وإلا من المعلوم أن بني آدم إذا قدّر الله للإنسان السعادة فهو أفضل منها بكثير، ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى ٤] لكن من يضمن لنفسه هذا؟ من يضمن لنفسه أنه سالم من هذا الموقف العظيم؟ من هذا اليوم الذي يجعل الولدان شيبًا، السماء منفطر به؟!
لو ضمن الإنسان هذا لقال: الحمد لله الذي خلقني مع أن الله محمود على كل حال، لكن الإنسان يخشى من الذنوب، فيقول: إن الخلائق كلها سوف تُحشر إلى الله عز وجل، ويجازى كل إنسان بما عمل ولا فيه هات بيِّنة، هات شهود، لو أنكر الإنسان ما الذي يشهد عليه؟ نفس البدن أعضاؤه، جلده، كل الجلد يشهد بما مس من عمل سيئ، وبما تصبب عرقًا من شهوة باطلة وغير ذلك، إذا شئت فكذِّب ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور ٢٤]، اللهم نجّنا من ذلك اليوم.
﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ ثم ذكر نتيجة هؤلاء وهؤلاء.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء ١٧٢ - ١٧٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أخذنا الآية التي قرأها وأظن لم نأخذ الفوائد.
* ففيها من الفوائد: أنه لا يمكن للمسيح عيسى بن مريم الذي جعله هؤلاء إلهًا أن يستنكف عن عبادة الله.
* ويتفرع على هذه الفائدة: أن العبد لا يصح أن يكون ربًّا أو معبودًا؛ لأنه هو نفسه عابد مربوب.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الاستطراد بذكر ما يشارك الشيء وإن لم يكن له ذِكر؛ لقوله: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ لأننا ذكرنا في التفسير أنها ذكرت إلى جانب المسيح؛ لأن من الناس من يعبد الملائكة ويدّعي أنها بنات الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة مقرّبون إن قلنا: إن الصفة أيش؟ صفة الكاشفة، أو أن الملائكة ينقسمون إلى قسمين: مقرّبون وغير مقرّبين إذا قلنا: إنها صفة قيد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وعيد من استنكف عن عبادة الله واستكبر؛ لقوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ ثم فصّل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاستنكاف غير الاستكبار، الاستنكاف بالقلب بأن يكون الإنسان معه أنفة وكبرياء قلبية عن عبادة الله، والاستكبار أن يدع العبادة ويستكبر عنها ويحتقر العبادة، ويحتقر الرسول كقولهم: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان ٤١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه عام لكل أحد، لا بد لكل حي من البعث سواء كان من بني آدم أو غير بني آدم حتى البهائم والوحوش تُحشر يوم القيامة.
4:173Страница 105
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡتَنكَفُواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٧٣
Тех, которые уверовали и совершали праведные деяния, Он одарит вознаграждением сполна и даже приумножит его по Своей милости. А тех, которые считали для себя унизительным поклоняться Ему и проявляли высокомерие, Он подвергнет мучительным страданиям. Они не найдут себе вместо Него ни покровителя, ни помощника.
ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾، في هذه الآية والتي بعدها التفصيل، والتفصيل بعد الإجمال من أساليب البلاغة، ومن المعلوم أن القرآن على أعلى أنواع البلاغة ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. (أما) هنا شرطية، وتفيد مع الشرط تفيد التفصيل، أما كونها شرطية فلأن لها جوابًا وهو قوله: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾، وأما كونها تفصيلية فلأنه فُصِّل فيها المؤمنون والذين استنكفوا واستكبروا.
وقوله: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هذه تكرّرت علينا كثيرًا، فلا حاجة إلى إعادة شرحها. ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي: يعطيهم أجورهم وافية كاملة، وقد جاء في القرآن والسنة بيان كيف هذه الأجور، وأن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ولهذا قال: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني زائدًا على أجورهم، فإذا استحق الإنسان الحسنة بعشر أمثالها تُضاعف إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾ استنكفوا بقلوبهم واستكبروا بجوارحهم عن عبادة الله ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: عذاب عقوبة وألم. و﴿أَلِيمًا﴾ بمعنى (مؤلم)، وكلمة ﴿عَذَابًا﴾ يسميها النحويون من حيث الإعراب أيش؟
* طالب: نائب عن المفعول المطلق، مصدر.
* الشيخ: مصدر؛ لأن المفعول المطلق هو الذي لا يكون كالفعل أو كالعامل، هذا المفعول المطلق، أما إذا كان من العامل فإنه يسمى مصدرًا، والمصدر له عدة أغراض منها التوكيد كما هنا ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾، فهو توكيد من جهة أنه عاد بلفظ العامل (يعذّب)، وهو أيضًا توطئة لما بعده حيث وُصف بأنه أليم.
﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ الولي أي: من يتولاهم إذا عذّبهم الله ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يمنع عنهم عذاب الله، فليس لهم دافع ولا رافع من عقوبة الله عز وجل، الدافع من؟
* طالب: الولي.
* طالب آخر: الله.
* الشيخ: الولي، والرافع؟
* طلبة: النصير.
* الشيخ: النصير. في هذه الآية الكريمة دليل على المجازاة، وأن الإنسان يجازى بقدر عمله، ولكن حسب ما وعد الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإيمان والعمل الصالح؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
ومن فوائدها: أنها ربما تُشعر بأن العمل الصالح لن يكون مقبولًا إلا بالإيمان؛ لأنه قدّم ذِكر الإيمان، والأصل أن ما قُدّم فهو الأسبق، وهذا أمر دلّت عليه السنة، بل دلّ عليه القرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٥٤] فلا بد من الإيمان السابق على العمل الصالح. هل يمكن أن يُستدل بهذا على أن العمل الصالح لا يدخل في الإيمان؛ لأن الأصل في العطف التغاير؟
قد يستدل به من يستدل على أن الإيمان ليس العمل الصالح، ولكن نقول: قد دلّ الكتاب والسنة على أن العمل من الإيمان، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة ١٤٣] قال أهل التفسير: أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، والصلاة عمل، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩) ومسلم (٣٥ / ٥٨) واللفظ له، من حديث أبي هريرة. ]]. وربما يقال: إنه إذا جمع بين الإيمان والعمل الصالح صار المراد بالإيمان عمل القلب وقول القلب، وبالعمل الصالح عمل الجوارح وقول اللسان، فيكون هذا من باب ما يفترق عند الاجتماع، ويجتمع عند الافتراق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية، يؤخذ من قوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فأضاف العمل إليهم، والجبرية يقولون: إن الإنسان لا يعمل، ولا يُضاف العمل إليه إلا مجازًا، وأن عمله ليس باختياره ولا بقصده.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان مِنّة الله عز وجل حيث سمى الثواب أجرًا كأنه استأجر أجراء يعملون فيأجرهم، مع أن فائدة العمل لمن؟
* طلبة: للعامل نفسه.
* الشيخ: للعامل نفسه، بينما الأجرة في غير المعاملة مع الله يكون العمل لمن دفع الأجرة، أما هذا فالعمل للإنسان، ومع ذلك يأجره الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ثواب الأعمال الصالحة يزيد على ما قدّره الله تعالى؛ لقوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
* ومن فوائدها: أن المستنكفين المستكبرين جزاؤهم العذاب ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، وهل يدخل في هذا أهل المعاصي؟ إن قلت: نعم؛ لزم أن يقع بهم العذاب على كل حال، وإن قلت: لا؛ فهو أقرب؛ لأن المؤمنين يستحقون العذاب، ولكنهم لا يُعذّبون إذا شاء الله إما بمغفرة من الله أو بشفاعة أو بدعاء المؤمنين لهم أو ما أشبه ذلك؛ العصاة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أراده الله بسوء فإنه لا مرد له ولا عاصم منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
ويترتب على هذا أن المشركين لن ينتفعوا بآلهتهم مهما كانت، بل إن الله قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء ٩٨] يلقون جميعًا العابد والمعبود.
4:174Страница 105
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا ١٧٤
О люди! К вам уже явилось доказательство от вашего Господа, и Мы ниспослали вам ясный свет.
ثم قال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ إلى آخره [النساء: ١٧٤، ١٧٥].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ الخطاب هنا بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ لإفادة أن رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عامة، لا تختص بقوم دون قوم؛ فالناس كلهم مخاطبون بشريعة النبي ﷺ حتى اليهود والنصارى مخاطَبون بذلك.
وقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ الجملة هنا مؤكدة بكم مؤكد؟ مؤكد واحد، وهي (قد)، وقوله: ﴿بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ البرهان هو الدليل، والمراد به الآيات التي جاءت بها الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأعظم آية جاء بها الرسول آية النبي ﷺ؛ وهي القرآن الكريم الذي بقي آية للرسول إلى أن يأذن الله تعالى بخراب العالم.
وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الربوبية هنا ربوبية بالمعنى الأخص؛ لأن كونه عز وجل يمن علينا بالآيات البينات القاطعة لا شك أن هذا من مقتضى الربوبية الخاصة فهو سبحانه وتعالى رب الجميع، لكن هناك ربوبية خاصة يمن الله بها على من يشاء من عباده.
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا﴾ يعني به القرآن، والنور ضد الظلمة، وهل هو نور معنوي أو حسي؟ هو نور معنوي لا شك؛ لأنه به يستنير القلب والوجه والقبر والبعث؛ فالقرآن كله نور، لكنه يحتاج إلى تأمّل وتدبّر لمعانيه وعمل به.
﴿نُورًا مُبِينًا﴾ كلمة (مبين) ذكرنا -فيما سبق- أنها تصلح أن تكون بمعنى أيش؟ بَيّن، وبمعنى مُظهر؛ وذلك لأنها مشتقة من (أبان)، وأبان تصلح متعدية ولازمة فتقول: أبان لي الطريق، وحينئذٍ تكون أيش؟ أبان لي الطريق، متعدية، وتقول: أبان الفجر، بمعنى (طلع)، هذه لازمة، وعلى هذا فكلمة ﴿مُبِينًا﴾ يصح أن تفسّرها بأنه مبين لغيره، وبأنه بَيّن في نفسه، وهل يتنافى المعنيان؟
الجواب: لا، وقد مر علينا القاعدة المهمة الأصيلة؛ أنه متى كانت النصوص من القرآن والسنة تحتمل معنيين لا مرجّح لأحدهما على الآخر، ولا منافاة بينهما وجب حمْل النص على المعنيين جميعًا.
* في هذه الآية الكريمة فوائد منها: أن القرآن الكريم نازِل لجميع الخلق؛ لقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، ويترتب على هذا عموم رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على من لم يعرف اللغة العربية أن يتعلّمها ليتوصل إلى الاستفادة من القرآن؛ لقوله: ﴿بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. ومن المعلوم أنك لو تلوته على رجل أعجمي فكما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٩٨، ١٩٩] لأنهم لا يعرفونه، ولا يتذوقّون طعمه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الربوبية، وأن إرسال الرسل وإنزال الكتب من مقتضى أيش؟ ربوبيته؛ لقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن القرآن الكريم نور، ولكن -يا إخواني- لا يتذوق ذلك، أو لا يشاهد ذلك إلا من جمع بين أمرين: الأول: التدبر، والثاني: التذكر؛ دليل هذا قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ لأي غرض؟
* طالب: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾.
* الشيخ: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ هذه واحدة، ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩]، فمن تدبر الآيات، وسلم من الهوى، وسلم من تحريف الأدلة، واتعظ بما فيها فإنه سيجد نورًا عظيمًا في قلبه ويُكشف له من العلوم ما لا يُكشف لغيره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم فيه بيان كل شيء؛ لأن النور لا بد أن تستبين به الأشياء كالنهار إذا طلع بانت به الأشياء، وكالحجرة إذا أسرجتها فإنها لا بد أن يبين بها ما كان خافيًا، فالقرآن تبيان لكل شيء، ولكن قد يخفى البيان؛ إما لقلة الإيمان، وإما لقلة العلم، وإما لقصور الفهم، وإما لسوء القصد، وإلا فإن القرآن بين ونور لكل أحد، لكن قد يكون عند الإنسان ضعف إيمان؛ بمعنى أنه لا يثق أن القرآن فيه تبيان كل شيء، أو يكون قاصر العلم، ليس عنده أداة يتمكن بها من استنباط الأحكام من الأدلة، ومن ثَمَّ صِرنا محتاجين إلى تعلّم أصول الفقه، وإما أن يكون من قصور الفهم، يكون إنسان عنده علم وعنده تدبّر، لكن ما يفهم، والناس يختلفون في هذا اختلافًا عظيمًا؛ تجد بعض الناس يستطيع أن يستنبط من الآية أو الحديث فوائد كثيرة لا يستنبط غيره من ذلك إلا قليلًا بالنسبة له، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ولهذا لما سُئلَ عليُّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه: هل خصَّكمُ النبيُّ ﷺ بشيءٍ؟ -يعني وأوصى إليكم- «قال: لا والذي فَلَقَ الحبةَ وبرَأَ النسمةَ إلا فهْمًا يُؤتيه اللهُ أحدًا في كتابه » -شوف إلا فهمًا يؤتيه الله أحدًا في كتابه- «وما في هذه الصحيفةِ؟» -قالوا: ما الذي فيها؟- «قال: العَقْلُ، وفِكَاكُ الأسيرِ، وألا يُقتلَ مسلمٌ بكافرٍ»[[أخرجه البخاري (٦٩٠٣) من حديث علي بن أبي طالب. ]].
فالشاهد من هذا الأثر قوله: فهمًا يؤتيه الله من يشاء، وأنت إذا تأملت كلام العلماء -رحمهم الله- وجدت الفرق العظيم بينهم في الفهم؛ تجد مثلًا هذا العالم يشرح حديثًا، ثم يستنبط منه عشرين فائدة، وآخر يشرحه ولا يستنبط إلا خمس أو أربع فوائد، وكذلك في الآيات.
الرابع: سوء القصد، يكون الإنسان عنده علم واطلاع وفهم، لكن قصده سيئ، يُطالع الكتاب ويطالع السنة من أجل أن ينتصر لقوله وإن كان يعلم أنه باطل، نسأل الله العافية، وهذا سيئ القصد، هذا يحرم الوصول إلى المقصود.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии